( 103 )
الفصل الرابع
القسم في سورة القلم
حلف سبحانه بالقلم ومايسطرون معاً مرّة واحدة، وقال: (ن والقَلَمِ وَما
يَسْطُرُون *ما أَنْتَ بِنعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون *وَإِنَّ لَكَ لاََجْراً غَيْرَ مَمْنُون *وَإِنَّكَ لَعلى
خُلُقٍ عَظيم) . (1)
وقبل تفسير الآيات نقدّم شيئاً وهو أنّ لفظة «ن» من الحروف المقطعة وقد
تقدم تفسيرها.
وهناك وجوه أُخرى نذكرها تباعاً:
أ: «ن» هو السمكةالتي جاء ذكرها في قصة يونس ( (عليه السلام) وَذَا النُّونِ
إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً) . (2)
ب: انّ المراد به هو الدواة،و منه قول الشاعر:
إذا ما الشوق يرجع بي اليهم ألقت النون بالدمع السجوم
ج:انّ «ن» هو المداد الذي تكتب به الملائكة.
ولكن هذه الوجوه ضعيفة، لاَنّ الظاهر منها أنّها مقسم به، وعندئذٍ يجب أن
يجرّ لا أن يسكّن.
____________
1 ـ القلم:1ـ 4.
2 ـ الاَنبياء:87.
( 104 )
يقول الزمخشري: وأمّا قولهم هو الدواة، فما أدري أهو وضع لغوي أم
شرعي؟ ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة، من أن يكون جنساً أو علماً، فإن كان جنساً
فأين الاِعراب والتنوين؟ وإن كان علماً فأين الاعراب؟ وأيّهما كان فلابدّ له من
موقع في تأليف الكلام. (1)
وبذلك يعلم وجه تجريد «ن» عن اللاّم واقتران القلم بها.
تفسير الآيات
1. حلف سبحانه بالقلم، وقال: (والقلم ومايسطرون) وهل المراد منه
جنس القلم الذي يكتب به من في السماء ومن في الاَرض، قال تعالى: (وَربُّكَ
الاََكْرَم * الَّذي عَلَّمَ بِالقَلَم * عَلَّمَ الاِِنْسانَ مالَمْ يَعْلَم) . (2) فمنّ سبحانه وتعالى
بتيسير الكتابة بالقلم،كما منَّ بالنطق، وقال: (خَلَقَالاِِنْسان * عَلَّمَهُ البَيان) . (3)
فالقلم والبيان نعمتان كبيرتان، فبالبيان يخاطب الحاضرين، كما أنّه بالقلم يخاطب
الغائبين فتمكن بهما تعريف القريب والبعيد بما في قرارة ذهنه.
وربما قيل: إنّ المراد هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر: «إنّأوّل ما خلق
اللّه هو القلم» ولكنّه تفسير بعيد عن أذهان المخاطبين في صدر الاِسلام الذين لم
يكونوا عارفين بأوّل ما خلق اللّه ولا بآخره.
ثمّ إنّه سبحانه حلف بـ (ما يسطرون) ، فلو كانت «ما» مصدرية يكون
المراد «وسطرهم» فيكون القسم بنفس الكتابة، كما يحتمل أن يكون المراد
____________
1 ـ الكشاف:4|126، تفسير سورة القلم .
2 ـ العلق: 3 ـ 5.
3 ـ الرحمن: 3 ـ 4.
( 105 )
المسطور والمكتوب، وعلى ذلك حلف سبحانه بجنس القلم وبجنس الكتابة، أو
بجنس المكتوب، كأنّه قيل: «أحلف بالقلم وسطرهم أو مسطوراتهم».
ثمّ إنّ في الحلف بالقلم والكتابة والمكتوب إلماعاً إلى مكانة القلم والكتابة
في الاِسلام، كما أنّ في قوله سبحانه: (علّم بالْقَلم) إشارة إلى ذلك، والعجب أنّ
القرآن الكريم نزل وسط مجتمع ساده التخلّف والجهل والاَُميّة، وكان من يجيد
القراءة والكتابة في العصر الجاهلي لا يتجاوز عدد الاَصابع، وقد سرد البلاذري
في كتابه «فتوح البلدان» أسماء سبعة عشر رجلاً في مكة، وأحد عشر من يثرب.(1)
وهذا ابن خلدون يحكي في مقدمته: أنّ عهد قريش بالكتابة لم يكن بعيداً، بل كان
حديثاً وقريباً بعهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم). (2) ومع ذلك يعود
القرآن ليوَكد بالحلف بالقلم على مكانة القلم والكتابة في الحضارة الاِسلامية،
وجعل في ظل هذا التعليم أمة متحضرة احتلّت مكانتها بين الحضارات. وليس
هذه الآية وحيد نسجها في الدعوة إلى القلم والكتابة بل ثمة آية أُخرى هي أكبر آية
في الكتاب العزيز، يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَآمنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى
أَجَلٍمُسمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْيَكْتُبَ كَما عَلَّمهُ
اللّهُ فَلْيَكْتُب...) . (3)
كما أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حثّعلى كتابة حديثه الذي هو
المصدر الثاني بعد القرآن الكريم:
1. أخرج أبو داود في سننه، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّ
____________
1 ـ فتوح البلدان : 457 .
2 ـ مقدمة ابن خلدون:418.
3 ـ البقرة:282.
( 106 )
شيء أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، أريد حفظه فنهتني
قريش، وقالوا: أتكتب كلّشيء تسمعه ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)
بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه
(صلى الله عليه وآله وسلم) فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال :« اكتب، فوالذي نفسي
بيده ما يخرج منه إلاّحقّاً». (1)
2. أخرج الترمذي في سننه عن أبي هريرة، قال: كان رجل من الاَنصار
يجلس إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسمع من النبي «صلى الله عليه وآله
وسلم» الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي «صلى الله عليه وآله
وسلم» ، فقال: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «استعن بيمينك» وأومأ بيده للخط. (2)
3. أخرج الخطيب البغدادي عن رافع بن خديج، قال: مرّعلينا رسول اللّه
(صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً، ونحن نتحدّث، فقال: «ما تحدّثون؟»
فقلنا: نتحدّث عنك يا رسول اللّه .
قال: «تحدّثوا، وليتبوّأ من كذّب عليّ مقعداً من جهنم».
ومضى (صلى الله عليه وآله وسلم) بحاجته،ونكس القوم
روَوسهم...فقال:«ما شأنكم؟ ألا تحدّثون؟».
قالوا: الذي سمعنا منك، يا رسول اللّه.
قال: «إنّي لم أرد ذلك، إنّما أردت من تعمّد ذلك» قال: فتحدثنا.
قال: قلت:يا رسول اللّه: إنّا نسمع منك أشياء، فنكتبها.
____________
1 ـ سنن أبي داود:3|318، برقم 3646، باب في كتابة العلم؛ مسند
أحمد:2|162؛سنن الدارمي:1|125، باب من رخص في كتابة العلم.
2 ـ سنن الترمذي: 5|39، برقم 2666.
( 107 )
قال: «اكتبوا ولا حرج». (1)
وبعد هذه الاَهمية البالغة التي أولاها الكتاب العزيز والنبيللكتابة، أفهل من
المعقول أن ينسب إليه انّه منع من كتابة الحديث؟! مع أنّها أحاديث آحاد تضاد
الكتاب العزيز والسنّة والسيرة المتواترة ونجلُّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
عن الحيلولة دون كتابة السنّة.
هذا والكلام ذو شجون وقد أسهبنا البحث حوله في كتاب «الحديث النبوي
بين الرواية والدراية». (2)
هذا كلّه حول المقسم به.
وأمّا المقسم عليه: فقد جاء في قوله سبحانه: (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِرَبِّكَ
بِمَجْنُون) والمراد من النعمة النبوّة والاِيمان، والباء للسببية أي لست أنت بسبب
هذه النعمة بمجنون، رداً على من جعل نبوّته ونزول القرآن عليه دليلاً على جنونه،
قال سبحانه: (وَإِنْ يَكادُ الَّذينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سمِعُوا الذِّكْرَ
وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَما هُوَ إِلاّذِكْرٌ لِلْعالَمين) . (3)
ويحتمل أن يكون المراد من النعمة كلّما تفضل عليه سبحانه من النعم وراء
الاِيمان والنبوّة كفصاحته وبلاغته وعقله الكامل وخلقه الممتاز، فانّ هذه الصفات
تنافي حصول الجنون.
واحتمل الرازي أن يكون جملة (بِنعْمة رَبّك) مقطوعة عمّا قبله و ما
بعده، وانّ وزانها وزان بحمد اللّه في الجمل التالية:
____________
1 ـ تقييد العلم: 72و73.
2 ـ انظر صفحة 12ـ 32 من نفس الكتاب.
3 ـ القلم:51ـ 52.
( 108 )
أنت ـ بحمد اللّه ـ عاقل.
أنت ـ بحمد اللّه ـ لست بمجنون.
أنت ـ بنعمة اللّه ـ فهيم.
أنت ـ بنعمة اللّه ـ لست بفقير.
وعلى هذا التقدير يكون معنى الآية «ما أنت ـ في ظل نعمة ربّك ـ
بمجنون.(1)
وهناك احتمال ثالث وهو نفس هذا الاحتمال، وجعل الباء حرف القسم،
وعلى ذلك يكون الحلف مقروناً بالدليل، وهو: انّ من أنعم اللّه عليه بهذه النعم
الاِلهية كيف يتهمونه بالجنون، مضافاً إلى أنّ لك في الآخرة لاَجراً غير ممنون، كما
قال سبحانه:(وَإِنَّ لَكَ لاَجْراً غير مَمنون) والممنون مشتق من مادة «منّ» بمعنى
القطع أي الجزاء المتواصل إلى الاَبد.
ثمّ إنّه سبحانه يستدل بدليل آخر على نزاهته من هذه التهمة، وهي قوله
سبحانه: (وَإِنَّكَ لَعلى خُلقٍ عَظيم) فمن كان على خلق يعترف به القريب والبعيد
فكيف يكون مجنوناً ؟!
فقد تجسَّم في شخصية الرسول العطف والحنان إلى القريب والبعيد،
والصبر والاستقامة في طريق الهدف، والعفو عن المتجاوز بعد التمكن والقدرة،
والتجافي عن الدنيا وغرورها، إلى غير ذلك من محاسن الاَخلاق، وبذلك ظهر انّ
الحلف صار مقروناً بالدليل.
وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، فهو انّالقلم والكتابة آية العقل
____________
1 ـ تفسير الفخر الرازي:29|79.
( 109 )
والدراية، فحلف به لغاية نفي الجنون عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
يقول المراغي: أقسم ربّنا بالقلم ومايسطر به من الكتب: انّمحمّداً الذي
أنعم اللّه عليه بنعمة النبوّة ليس بمجنون كما تدّعون، وكيف يكون مجنوناً والكتب
والاَقلام أعدت لكتابة ما ينزل عليه من الوحي؟! (1)
ونختم البحث بحديث رواه الشيخ يحيى البحراني عن النبيفي كتابه
«الشهاب في الحكم والآداب»: قال:قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ثلاثة
تخرق الحجب وتنتهي إلى ما بين يدي اللّه:
1. صرير أقلام العلماء.
2. وطء أقدام المجاهدين.
3. صوت مغازل المحسنات». (2)
____________
1 ـ تفسير المراغي:29|27.
2 ـ الشهاب في الحكم والآداب:22.
( 110 )
الفصل الخامس
القسم في سورة الحاقة
حلف سبحانه بما يُبصر وبما لا يُبصر، قال سبحانه:(فَلا أُقْسِمُ بِما تُبصرون
* وما لاتُبصِرُون * إنَّهُلَقَولُ رَسولٍ كَريمٍ * وَما هُوَ بِقَولِ شاعِرٍ قَليلاً ما تُوَْمِنُون * ولا
بِقَولِ كاهِنٍ قَليلاً ما تَذَكَّرون * تنزِيلٌ مِنْ رَبِّ العالَمين). (1)
تفسير الآيات
قوله: (بما تبصرون ومالا تبصرون) يعم ما سوى اللّه لاَنّه لا يخرج عن
قسمين مبصر وغير مبصر، فيشمل الدنيا والآخرة والاَجسام والاَرواح والاِنس
والجن والنعم الظاهرة والباطنة، كما يشمل الخالق والمخلوق، فانّ الخالق داخل
في قوله: ومالا تبصرون، وعلى هذا الوجه فقد حلف سبحانه بعالم الوجود
وصحيفته.
ولكن استبعده السيد الطباطبائي، قائلاً: بأنّه من البعيد من أدب القرآن أن
يجمع الخالق والمخلوق في صف واحد ويعظمه تعالى وما صنع تعظيماً مشتركاً
في عرض واحد. (2)
ولكن يلاحظ عليه: بأنّه سبحانه ربّما جمع بين نفسه والرسول، وقال: (وَما
____________
1 ـ الحاقة:38ـ 43.
2 ـ الميزان:19|403.
( 111 )
نَقَمُوا إِلاّ أن أغناهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) (1) وقوله سبحانه: (وَقُلِ اعْمَلُوا
فَسَيَرى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُوَْمِنُون(2))، إلى غير ذلك من الآيات فلاحظ.
وأمّا المراد من قوله: «لا » فقد سبق كلام المفسرين في توجيهه،وقد اخترنا
انّقوله: «لا » رد لكلام مسبوق أو مقدر، ثمّ يبتدأ بقوله أقسم.
لقد أقسم سبحانه بشيء يخص البصر دون سائر الحواس، وقال: (فلا
أُقسم بِما تبصرون وما لا تبصرون) هو أقسم بما نبصر وما أقله، وأقسم بما لا
نبصر وما أكثره وأعظم خطره. أقسم الحقُّ سبحانه هذا القسم العظيم بما له علاقة
بالبصر ولم يُقسم بغيره مما هو محسوس، ذلك لاَنّه رغم كونه يعطينا أوسع
إحساس وأبعده وأسرعه بما يحيط بنا فانّه رغم ذلك لا يصلنا منه إلاّ أقل القليل.
هذا كلّه حول المقسم به،وأمّا المقسم عليه، فهو قوله: (إِنَّهُلَقَولُ رَسُولٍ
كَرِيمٍ *وَما هُوَ بِقَولِ شاعِرٍ قَليلاً ما تُوَْمِنُونَ * وَلا بِقَولِ كاهِنٍ قَليلاً ما تَذكَّرون *
تنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمين) ، فالمقسم عليه مركب من أُمور إيجابية أعني كونه :قول
رسول كريم وانّه تنزيل من ربّ العالمين ، وسلبية وهو أنّ القرآن ليس بقول شاعر
ولا كاهن.
إنّما الكلام في ما هو المراد من قوله: (رسول كريم) ، وقد ذُكر هذا أيضاً
في سورة التكوير، قال سبحانه: (إِنَّهُ لَقولُ رَسُولٍ كَريم * ذي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي
الْعَرشِمَكِين * مُطاعٍ ثَمَّ أَمين * وما صاحِبكُمْبِمَجْنُون *وَلَقد رَآهُ بِالاَُفُقِ المُبِين * وَما
هُوَ عَلى الغَيْبِ بِضَنِين *وَما هُوَ بِقَولِ شَيْطانٍ رَجِيم) (3) ولا شكّ انّ المراد من
____________
1 ـ التوبة:74.
2 ـ التوبة:105.
3 ـ التكوير:19ـ 25.
( 112 )
رسول في سورة التكوير هو أمين الوحي جبرئيل، بشهادة وصفه بقوله: (ذي قُوّةٍ
عِنْدَ ذِي الْعَرْشِمَكين) .
مضافاً إلى قوله: (وَلَقَدْرَآهُ بِالاَُفُقِ الْمُبين) فانّ الضمير يرجع إلى رسول
كريم، كما أنّ قوله: (وَما هُوَ بِقَولِ شَيطانٍ رَجيم) معناه إنّما هو قول الملك، فانّ
الشيطان يقابل الملك.
وأمّا المقام فيحتمل أن يراد منه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك
لاَنّه وصفه بقوله:لَيْسَ بِقَولِ شاعِرٍ وَلا كاهن والقوم كانوا يصفون محمداً بالشعر
والكهانة ولا يصفون جبرئيل بهما.
والغرض المتوخّى من عزو القرآن إلى رسول كريم هو نفي كونه كلام
شاعر أو كاهن، ولا ينافي ذلك أن يكون القرآن كلامه سبحانه، وفي الوقت نفسه
كلام أمين الوحي وكلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لصحّة الاِضافة إلى
الجميع، فالقرآن كلامه سبحانه لاَنّه فعله، وهو الذي أنشأه، وكلام جبرئيل، لاَنّه هو
الذي أنزله من جانبه سبحانه على قلب سيد المرسلين، وفي الوقت نفسه كلام
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَنّه أظهره وبيّنه للناس، ويكفي في النسبة أدنى
مناسبة.
وأمّا الصلة فقد بيّنها السيد الطباطبائي بالنحو التالي، وقال:
وفي اختيار ما يبصرون ومالا يبصرون للاَقسام به على حقّية القرآن ما لا
يخفى من المناسبة، فانّ النظام الواحد المتشابك أجزاوَه الجاري في مجموع
العالم يقضي بتوحّده تعالى، ومصير الكل إليه، وما يترتب عليه من بعث الرسل
وإنزال الكتب، والقرآن خير كتاب سماوي يهدي إلى الحقّفي جميع ذلك وإلى
طريق مستقيم. (1)
____________
1 ـ الميزان:19|403.
( 113 )
وبتعبير آخر: انّه سبحانه تبارك وتعالى حلف بعالم الغيب والشهادة ـ أي
بمجموع الخليقة والنظام السائد على الوجود الاِمكاني ـ على وجود هدف
مشترك لهذا النظام، وهو صيرورة الاِنسان في هذا الكوكب إنساناً كاملاً مظهراً
لاَسمائه وصفاته، ولا يتم تحقيق ذلك الهدف إلاّ من خلال بعث الرسل وإنزال
الكتب، والقرآن كتاب سماوي أُنزل إلى الاِنسان.
ثمّإنّه سبحانه دعم حلفه بالبرهان على المقسم عليه، فانّ المقسم عليه
عبارة عن كون القرآن كلام رسول كريم أخذه من أمين الوحي، وهو من اللّه
سبحانه وليس من مبدعاته ومتقوّلاته وإلاّلعمّه العذاب فوراً، قال سبحانه: (وَلَوْ
تَقَوَّلَ عَلَيْنا بعْضَ الاََْقاوِيلِ * لاََخَذْنا مِنْهُ بِالْيمِينِ *ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْه الوَتيِنَ * فَما مِنْكُمْ
مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِين) . (1)
فإذا حالف الرسول النجاح في الدعوة إلى رسالته والتفت حوله طوائف
كثيرة فهو أوضح دليل على أنّه غير كاذب في دعوته وصادق في عزوها إلى اللّه
وإلاّ لما أمهله اللّه سبحانه هذا المقدار من الزمان.
وثمة سوَال يثار، وهو انّ هذه الآيات توعد المتنبىَ الكاذب على اللّه
سبحانه بالهلاك، فلو كان هذا مفاد الآية لزم تصديق كلّمن ادّعى النبوّة ولم يشمله
العذاب و الهلاك، إذ لو كان كاذباً لاَخذه سبحانه باليمين، وقطع منه الوتين، فإذا لم
يفعل، فهذا دليل على صدق كلامه وفعاله مع أنّه أمر لا يمكن الالتزام به؟
والجواب: انّ القرآن الكريم ليس بصدد بيان أنّ كلّ من تقوَّل على اللّه
سوف يعمّه العذاب والهلاك، وإنّما هو بصدد بيان بعض الفئات المتقوّلة التي
تدعي صلتها باللّه سبحانه خلال معجزة قاهرة خلابة للعقول، فهذا النوع من
____________
1 ـ الحاقة:44ـ 47.
( 114 )
التقوّل يدخل تحت هذه القاعدة، كما في ادّعاء رسول اللّه «صلى الله عليه وآله
وسلم» الرسالة التي أرفقها بمعجزة أبهرت العقول وأدهشت الاَلباب، فخضع له
العرب والعجم في ظل هذه المعجزة، فلو تقوّل ـ والعياذ باللّه ـ يعمّه العذاب، لاَنّه
من القبيح أن تقع المعجزة على يد الكاذب، فسيرته (صلى الله عليه وآله وسلم)
ومضيه قدماً في الدعوة إلى ربّه حتّى وافته المنية أوضح دليل على أنّه صادق في
رسالته، وانّ كلامه كلام ربّه، وانّه ليس بكاهن ولا شاعر.
وأمّا قوله سبحانه: (لاََخذْنا منهُ بالْيَمين) ففيه وجوه أربعة:
1. أخذنا بيمينه كما يوَخذ المجرم بيده.
2. أو سلبنا عنه القوة، فانّاليد اليمنى شارة القوة.
3. أو لقطعنا منه يده اليمنى.
4. أو لانتقمنا منه بقوة.
والآية بمنزلة قوله سبحانه: (ولَولاَ أَن ثَبَّتْناكَ لَقَد كِدتَ تَركَنُ إِلَيهِمْ شَيئاً
قَليلاً *إِذَاً لاََذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وَضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصيراً). (1)
____________
1 ـ الاِسراء:74ـ75.
( 115 )
الفصل السادس
القسم في سورة المدثر
حلف سبحانه في سورة المدثر بأُمور ثلاثة، هي: القمر ، و الليل عند إدباره،
والصبح عند ظهوره، قال: (وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّهُوَ وَما هِيَإِلاّذِكْرى لِلْبَشَر *كَلاّ
وَالقَمَرِ * وَاللّيلِ إِذا أَدْبَر * والصُّبحِإِذا أَسْفَرَ * إِنَّها لاِحْدَى الكُبَرِ * نَذيراً لِلْبَشَرِ * لِمَنْ
شاءَ مِنْكمْ أَنْ يَتَقدَّمَ أَو يَتَأَخَّرَ ). (1)
تفسير الآيات
حلف سبحانه في هذه الآيات بأُمور ثلاثة ترتبط بعضها بالبعض، ويأتي
الثاني عقب الاَوّل.
فأمّا القمر يتجلّى في اللّيل، ولولا الليل لما كان لضوئه ظهور، لاَنّه يختفي
نوره في النهار لتأثير الشمس فإذا تجلّى القمر في الليل شيئاً فشيئاً فيأتي نهاية
الليل، الذي عبّر عنه سبحانه : (إِذا أدْبر ) وتكون النتيجة طلوع الفجر الذي عبر
عنه سبحانه (والصُّبحِ إِذا أَسْفَر ) ، فكأنّه يقول سبحانه:احلف بتجلّي القمر في
وسط السماء الذي يسير مع الليل شيئاً فشيئاً، إلى أن يدبر ويسفر الصبح، هذا مفاد
الآيات التي تضمّنت المقسم به.
ثمّ إنّ الكُبُـر جمع الكبرى، وهي العظمى أي إحدى العظائم، وأمّا ما هو
____________
1 ـ المدثر:31ـ 37.
( 116 )
المراد من العظائم، فسيوافيك بيانه عن قريب.
ثمّ إنّه سبحانه حلف في هذه الآيات بأُمور ثلاثة:
1. القمر على وجه الاِطلاق.
2. الليل إذا أدبر، أي الليل عند انتهائه .
3. الصبح حينما يسفر ويتجلّـى.
وأمّا المقسم عليه فهو عبارة عن قوله:(إِنَّها لاِحدى الكِبَر* نَذيراً لِلْبَشَر*
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقدَّم أَوْ يَتَأَخَّر ) .
والكلام في مرجع الضمير في قوله «إنّها»، ففيه وجهان:
الاَوّل: أنّ الضمير يرجع إلى «سقر» الواردة في الآيات المتقدمة، أعني قوله
تعالى: (وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ * لا تُبقي وَلا تَذَر * لَواحَةٌ لِلْبَشَر * عَلَيها تِسْعَةُ عَشَر ) .
(1)
أي انّ سقر هي إحدى الدواهي الكبرى، فهي نذيرة للبشر ومخوّفة لمن
شاء منكم أن يتقدّم في طاعة اللّه أو يتأخر عنها بالمعصية، ولفظة «سقر» من
الموَنثات السماعية، وقد جاء ذكرها في قصيدة ابن الحاجب التي جمع فيها
الموَنثات السماعية في أحد وعشرين بيتاً، وقال:
و كذاك في كبد و في كرش و في سقر ومنها الحرب و النعلان (2)
الثاني: أنّ الضمير يرجع إلى الآيات في قوله سبحانه: (كَلاّ إِنَّهُ كانَلآياتِنا
عَنيداً) . وعلى هذا فالآيات القرآنية لاِحدى الدواهي وهي النذيرة لمن تقدم في
مجال الطاعة أو تأخر لكن المتقدم ينتفع دون المتأخر.
____________
1 ـ المدثر:27ـ30.
2 ـ روضات الجنات:5|186.
( 117 )
هذا كلّه حول المقسم به، وأمّا المقسم عليه فهو قوله: (إنّها لاِحدى
الكبر).
وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، فعلى التفسير الثاني من الوضوح
بمكان، حيث إنّ القمر في الليل الدامس يهدي السائرين، كما أنّ الصبح وطروء
النهار يبدّد الظلام ويظهر النور، فناسب أن يحلف سبحانه بأسباب الهداية،
ومعادن النور ومظاهره، بُغية إثبات أنّ القرآن لاِحدى المعاجز الكبرى التي تهدي
البشر إلى سبيل الرشاد.
وأمّا على التفسير الاَوّل، ورجوع الضمير إلى سقر فالمناسبة خفية، إلاّ أن
يقال بأنّالمقسم به أي القمر في وسط السماء وانجلاء الليل وطلوع الفجر من
آياته الكبرى كما أنّ سقراً أيضاً كذلك.
ولا يخفى انّالقسم بالقمر جاء للتأكيد على عظمته، فهو أقرب الاَجرام
السماوية للاَرض وأقل حجماً منها، يدور حول الاَرض مرّة كلّ شهر، وجاذبية
القمر مع جاذبية الشمس هي سبب المد والجزر.
وتبلغ درجة حرارة جانب القمر المواجه للشمس 120 درجة مئوية ، أي
أعلى من درجة غليان الماء، ودرجة حرارة الجانب المظلم أقل من درجة تجمّد
الماء بقدر يبلغ 150 درجة.
كما أنّ سطحه صحاري وقفار تتناهض فيها البراكين الخامدة، وجباله
ضخمة عظيمة يبلغ ارتفاعها 42 ألف قدم بزيادة تقرب من 13 ألف قدم عن أعلى
جبل على الاَرض، وفوهات البراكين هائلة العظمة يبلغ قطر أكبرها100 ميل،
وجباله أقدم بكثير من سلاسل الجبال الاَرضية بملايين السنين. (1)
____________
1 ـ اللّه والعلم الحديث: 27.