( 128 )
الفصل الثامن
القسم في سورة المرسلات
لقد حلف سبحانه بأوصاف الملائكة ، وقال:
أ: (وَالمُرسَلاتِ عُرْفاً) .
ب: (فَالعاصِفاتِعَصْفاً) .
ج: (وَالنّاشِراتِ نَشْراً) .
د: (فَالفارِقاتِ فَرْقاً) .
هـ: (فَالْمُلْقِياتِذِكراً * عُذْراً أو نُذْراً * إِنَّما تُوعَدونَ لَواقعٌ) . (1)
حلف سبحانه في هذه الآيات بأُمور يعبّر عنها بـ:«المرسلات، فالعاصفات،
والناشرات، فالفارقات، فالملقيات ذكراً عذراً أونذراً.
وقد اختلفت كلمة المفسّرين في تفسير هذه الاَقسام، وقد غلب عليهم
تفسيرها بالرياح المرسلة العاصفة الناشرة، بيد أنّوحدة السياق تبعثنا إلى تفسيرها
بأمر واحد تنطبق عليه هذه الصفات، فنقول:
1. (المُرْسَلاتِ عُرفاً) أي أقسم بالجماعات المرسلات من ملائكة
الوحي، والعرف ـ بالضم فالسكون ـ الشعر الثابت على عنق الفرس ويشبه به
الاَُمور إذا تتابعت يقال جاءُوك كعرف الفرس، يقول سبحانه: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ
____________
1 ـ المرسلات:1 ـ 7.
( 129 )
بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) (1)، ومع ذلك فقد فسر بالرياح المرسلة
المتتابعة.
2.(فَالعاصِفاتِ عَصْفاً) والعصف هو سرعة السير، والريح العاصفة بمعنى
سرعة هبوبها، والمراد اقسم بالملائكة الذين يرسلون متتابعين فيسرعون في
سيرهم كالرياح العاصفة.
ومع ذلك فسر بالرياح الشديدة الهبوب.
3. (وَالنّاشِراتِ نَشْراً) قسم آخر، والمراد نشر الصحيفة والكتاب،
والمعنى أقسم بالملائكة الناشرين للصحف المكتوب عليها الوحي للنبي ليتلقاه،
ومع ذلك فقد فسّرت بالرياح التي تنشر السحاب نشراً للغيث كما تلقحه للمطر.
4. (فَالفارِقات فَرقاً) المراد به الملائكة الذين يفرقون بين الحقّوالباطل
والحلال والحرام، وذلك لاَجل حمل الوحي المتكفّل ببيان الحقّ والباطل ومع
ذلك فقد فسّر بالرياح التي تفرق بين السحاب فتبدّده.
5. (فَالْمُلْقياتِ ذِكراً) المراد به الملائكة، تلقي الذكر على الاَنبياء وتلقيه
الاَنبياء إلى الاَُمم.
وعلى ذلك فالمراد بالذكر هو القرآن يقرأونه على النبي، أو مطلق الوحي
النازل على الاَنبياء المتلو عليهم.
ثمّ يبّن انّالغاية من إلقاء الوحي أحد الاَمرين إمّا الاِعذار أو الاِنذار، والاِعذار
الاِتيان بما يصير به معذوراً، والمعنى انّه يلقون الذكر لتكون عذراً لعباده الموَمنين
____________
1 ـ النحل:2.
( 130 )
بالذكر وتخصيصاً لغيرهم.
وبعبارة أُخرى يلقون الذكر ليكون إتماماً للحجة على المكذبين وتخويفاً
لغيرهم، هذا هو الظاهر من الآيات.
وأمّا المقسم عليه فهو قوله: (إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِع) وما موصولة والخطاب
لعامة البشر، والمراد إنّما توعدون يوم القيامة بما فيه من العقاب والثواب أمر
قطعي وواقع وإنّما عبر بواقع دون كائن، لاَنّه أبلغ في التحقّق.
ثمّ إنّ الصلة بين المقسم به والمقسم عليه واضحة، لاَنّ أهم ما تحمله
الملائكة وتلقيه هو الدعوة إلى الاِيمان بالبعث والنشور، ويوَيد ذلك قوله (عذراً
أو نذراً) أي إتماماً للحجة على الكفار وتخويفاً للموَمنين كل ذلك يدل على معاد
قطعي الوقوع يحتج به على الكافر ويجزي به الموَمن.
وهناك بيان للعلاّمة الطباطبائي، حيث يقول: من لطيف صنعة البيان في هذه
الآيات الست انّها مع ما تتضمن الاِقسام لتأكيد الخبر الذي في الجواب تتضمن
الحجة على مضمون الجواب وهو وقوع الجزاء الموعود، فانّ التدبير الربوبي
الذي يشير إليه القسم، أعني: إرسال المرسلات العاصفات ونشرها الصحف
وفرقها وإلقاءها الذكر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تدبير لا يتم إلاّمع وجود
التكليف الاِلهي والتكليف لا يتم إلاّمع تحتم وجود يوم معه للجزاء يجازي فيه
العاصي والمطيع من المكلفين.
فالذي أقسم تعالى به من التدبير لتأكيد وقوع الجزاء الموعود هوبعينه حجّة
على وقوعه كأنّه قيل: اقسم بهذه الحجّة انّ مدلولها واقع. (1)
____________
1 ـ الميزان:20|147.
( 131 )
الفصل التاسع
القسم في سورة النازعات
حلف سبحانه بأوصاف الملائكة خمس مرات، وقال:
(وَالنّازِعـاتِ غَرْقــاً) .
(وَالنّاشِطاتِ نَشْـطاً) .
(وَالسّابِحاتِ سَبْحـاً) .
(فَالسّابِقـاتِ سَبْقــاً) .
(فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً * يَوْمَ تَرْجُفُ الرِّاجِفَةُ * تَتْبَعُها الرّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَومَئذٍ
واجِفَةٌ * أَبْصارُها خاشِعَةٌ) . (1)
حلف سبحانه في هذه السورة بطوائف وصفها بـ: النازعات، الناشطات،
السابحات، السابقات، المدبرات.
النازعات من النزع، يقال: نزع الشيء جذبه من مقره، كنزع القوس عن
كنانته.
والناشطات من النشط وهو النزع أيضاً، ومنه حديث أُمّ سلمة فجاء عمار
وكان أخاها من الرضاعة ونشط زينب من حجرها، أي نزعها؛ ونشط الوحش من
بلد إلى بلد إذاخرج.
____________
1 ـ النازعات:1 ـ 9.
( 132 )
والسابحات من السبح السريع في الماء وفي الهواء، ويقال: سبح سبحاً
وسباحة، واستعير لمرّ النجوم في الفلك ولجري الفرس.
والسابقات من السبق والمدبرات من التدبير.
وأمّا الغرق اسم أُقيم مقام المصدر، وهو الاِغراق، يقال: غرق في النزع إذا
استوفى في حدّ القوس وبالغ فيه.
هذه هي معاني الاَلفاظ، وأمّا مصاديقها فيحتمل أن تكون هي الملائكة،
فهي على طوائف بين نازع وناشط وسابح وسابق ومدبر، قال الزمخشري: أقسم
سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الاَرواح من الاَجساد، وبالطوائف التي تنشطها
أي تخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به
فتدبر أمراً من أُمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم. (1)
والمقسم عليه محذوف وهو لتبعثنّ يدل عليه ما بعده من ذكر القيامة.
ولا يخفى انّالطائفة الثانية على هذا التفسير نفس الطائفة الاَُولى، فالملائكة
الذين ينزعون الاَرواح من الاَجساد هم الذين ينشطون الاَرواح ويخرجونها،
ولكن يمكن التفريق بينهما، بأنّ الطائفة الاَُولى هم الموكّلون على نزع أرواح
الكفار من أجسادهم بقسوة وشدة بقرينة قوله غرقاً، وقد عرفت معناه، وأمّا
الناشطات هم الموكلون بنزع أرواح الموَمنين برفق وسهولة.
والسابحات هم الملائكة التي تقبض الاَرواح فتسرع بروح الموَمن إلى
الجنة، وبروح الكافر إلى النار، والسبح الاِسراع في الحركة، كما يقال: للفرس سابح
إذا أسرع في جريه.
____________
1 ـ الكشاف:3|308.
( 133 )
والسابقات وهم ملائكة الموت تسبق بروح الموَمن إلى الجنة وبروح
الكافر إلى النار.
فالمدبرات أمراً المراد مطلق الملائكة المدبرين للاَُمور، ويمكن أن يكون
قسم من الملائكة لكلّ وظيفة يقوم بها، فعزرائيل موكل بقبض الاَرواح وغيره
موكل بشيء من التدبير.
ثمّ إنّ الاَشد، انطباقاً على الملائكة، هو قوله : (فالمدبرات أمراً) ، وهو
قرينة على أنّ المراد من الاَخيرين هم الملائكة، وبذلك يعلم أنّ سائر الاحتمالات
التي تعجّ بها التفاسير لا يلائم السياق، فحفظ وحدة السياق يدفعنا إلى القول بأنّهم
الملائكة.
وبذلك يتضح ضعف التفسير التالي:
المراد بالنازعات الملائكة القابضين لاَرواح الكفّار، وبالناشطات الوحش،
وبالسابحات السفن، وبالسابقات المنايا تسبق الآمال، وبالمدبرات الاَفلاك، ولا
يخفى انّه لا صلة بين هذه المعاني وما وقع جواباً للقسم وما جاء بعده من الآيات
التي تذكر يوم البعث وتحتج على وقوعه.
والآيات شديدة الشبه سياقاً بما مرّ في مفتتح سورة الصافات والمرسلات،
والظاهر انّ المراد بالجميع هم الملائكة.
يقول العلاّمة الطباطبائي: وإذ كان قوله: (فالمدبرات أمراً) مفتتحاً بفاء
التفريع الدالة على تفرع صفة التدبير على صفة السبق، وكذا قوله: (فَالسّابِقاتِ
سَبْقاً) مقروناً بفاء التفريع الدالة على تفرع السبق على السبح، دلّ ذلك على
مجانسة المعاني المرادة بالآيات الثلاث: (وَالسّابِحاتِ سَبحاً * فَالسّابِقاتِ سَبْقاً *
( 134 )
فَالمُدبِّراتِ أَمْراً) فمدلولها أنّهم يدبرون الاَمر بعدما سبقوا إليه ويسبقون إليه بعد
ما سبحوا أي أسرعوا إليه عند النزول، فالمراد بالسابحات والسابقات هم
المدبرات من الملائكة باعتبار نزولهم إلى ما أمروا بتدبيره. (1)
تدبير الملائكة
إنّ القرآن الكريم يعرّف اللّه سبحانه هو المدبر والتوحيد في التدبير من
مراتبه فله الخلق والتدبير، ولكن هذا لا ينافي أن يكون بينه سبحانه وبين عالم
الخلق وسائط في التدبير يدبرون الاَُمور بإرادته ومشيئته، ويوَدّون علل الحوادث
وأسبابها في عالم الشهود، والآيات الواردة حول تدبير الملائكة كثيرة تدل على
أنّهم يقومون بقبض الاَرواح وإجراء السوَال، وإماتة الكل بنفخ الصور وإحيائهم
بذلك ووضع الموازين والحساب والسوق إلى الجنّة والنار.
كما أنّهم وسائط في عالم التشريع حيث ينزلون مع الوحي ويدفعون
الشياطين عن المداخلة فيه وتسديد النبي وتأييد الموَمنين.
وبالجملة هم (عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون) (2)
فاللّه سبحانه يجري سننه ومشيئته بأيديهم، فيقبض الاَرواح بواسطتهم، وينزل
الوحي بتوسيطهم،وليس لواحد منهم في عملهم أي استقلال واستبداد، وفي
الحقيقة جنوده سبحانه يقتفون أمره. (3)
قال أمير الموَمنين (عليه السلام) في حقّ الملائكة: فمنهم سجود لا
____________
1 ـ الميزان:20|181.
2 ـ الاَنبياء:26 ـ 27.
3 ـ الميزان:20|188، نقل بتلخيص.
( 135 )
يركعون،وركوع لا ينتصبون، وصافُّون لا يتزايلون، ومسبِّحون لا يسأمون، لا
يغشاهم نومُ العين، ولا سهو العقول، ولا فترة الاَبدان، ولا غفلة النِّسيان، ومنهم
أُمناءُ على وحيه، وألسنة إلى رُسُله، ومختلفون بقضائه وأمره، ومنهم الحفظةُلعباده
والسَّدنَة لاَبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الاَرضين السُّفلى أقدامُهُم، والمارقةُ من
السماء العليا أعناقُهُم، والخارجة من الاَقطار أركانُهم، والمناسبة لقوائم العرش
اكتافهم. ناكسة دونه أبصارهم، متلفِّعون تحته بأجنحتهم، مضروبة بينهم و بين من
دونهم حُجُب العزَّة وأستار القدرة، لا يتوهَّمون ربَّهم بالتَّصوير، ولا يجرون عليه
صفات المصنوعين، ولا يحدُّونه بالاَماكن، ولا يُشيرون إليه بالنَّظائر. (1)
وقد عرفت أنّ المقسم عليه هو كتبعثن، وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم
عليه، هو ما قدمناه في الفصل السابق وهي انّ الملائكة هم وسائط التدبير وخلق
العالم وتدبيره لم يكن سدى ولا عبثاً بل لغاية خاصة وهو عبارة عن بعث الناس
ومحاسبتهم وجزائهم بما عملوا.
____________
1 ـ نهج البلاغة:19 ـ 20،الخطبة الاَُولى.