القرآن في نظامه وتشريعه

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 58 : -

2 - القرآن في نظامه وتشريعه :


يبدو لكل متتبع للتاريخ ما كانت عليه الامم قبل الاسلام من الجهل ، وما وصلت إليه من الانحطاط في معارفهم وأخلاقهم . فكانت الهمجية سائدة عليهم ،

-  ص 59 -

والغارات متواصلة فيما بينهم ، والقلوب متجهة إلى النهب والغنيمة ، والخطى مسرعة إلى إصلاء نيران الحروب والمعارك.

وكان للعرب القسم الوافر من خرافات العقيدة ، ووحشية السلوك ، فلا دين يجمعهم ، ولا نظام يربطهم وعادات الآباء تذهب بهم يمينا وشمالا ، وكان الوثنيون في بلاد العرب هم السواد الاعظم فكانت لهم - باختلاف قبائلهم وأسرهم - آلهة يعبدونها

ويتخذونها شفعاء إلى الله، وشاع بينهم الاستقسام بالانصاب والازلام ، واللعب بالميسر، حتى كان الميسر من مفاخرهم ( 1 ) وكان من عاداتهم التزويج بنساء الآباء ( 2 ) ولهم عادة اخرى هي أفظع منها -وهي وأد البنات- دفنهن في حال الحياة ( 3 ).

هذه بعض عادات العرب في جاهليتهم .


وحين بزغ نور محمد - ص - وأشرقت شمس الاسلام في مكة ، تنوروا بالمعارف ، وتخلقوا بمكارم الاخلاق ، فاستبدلوا الوثنية بالتوحيد ، والجهل بالعلم ، والرذائل بالفضائل ، والشقاق والتخالف بالاخاء والتآلف ، فأصبحوا أمة وثيقة العرى مدت جناح ملكها على العالم ، ورفعت أعلام الحضارة في أقطار الارض وأرجائها .


قال ألدوري ( 4 ) : " وبعد ظهور الذي جمع قبائل العرب أمة واحدة ، تقصد مقصدا واحدا ، ظهرت للعيان أمة كبيرة ، مدت جناح ملكها من نهر تاج إسبانيا إلى نهر الجانج في الهند ، ورفعت على منار الاشادة أعلام التمدن في أقطار الارض ، أيام كانت أوروبا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسطة .

ثم قال : إنهم كانوا في القرون المتوسطة مختصين بالعلوم من بين سائر الامم ، وانقشعت

  ( 1 ) بلوغ الارب ج 3 ص 50 طبع مصر
( 2 ) نفس المصدر ج 2 ص 52 .
( 3 ) نفس الصمدر ج 3 ص 43
( 4 ) هو أحد وزراء فرنسا السابقين . ( * )
 

 

-  ص 60 -

بسببهم سحائب البربرية التي امتدت على اوروبا حين اختل نظامها بفتوحات المتوحشين " ( 1 ) .

نعم إن جميع ذلك كان بفضل تعاليم كتاب الله الكريم الذي فاق جميع الصحف السماوية .

فإن للقرآن في أنظمته وتعاليمه مسلكا يتمشى مع البراهين الواضحة ، وحكم العقل السليم ، فقد سلك سبيل العدل ، وتجنب عن طرفي الافراط والتفريط . فتراه في فاتحة الكتاب يطلب عن لسان البشر من الله الهداية إلى الصراط المستقيم بقوله : " إهدنا الصراط المستقيم 1 : 6 " .

وهذه الجملة على وجازتها واختصار ألفاظها واسعة المعنى بعيدة المدى .

وسنتعرض لما يتيسر من بيان ذلك عند تفسيرنا للآية المباركة إن شاء الله تعالى .


وقد أمر القرآن بالعدل وسلوك الجادة الوسطى في كثير من آياته .

فقال : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل 4 : 58 .

اعدلوا هو أقرب للتقوى 5 : 8 .

وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى 6 : 152 .

إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون 16 : 90 " .

 

( 1 ) صفوة العرفان لمحمد فريد وجدي ص 119 . ( * )

 

 

-  ص 61 -

نعم قد أمر القرآن بالعدل ، وسلك في تعاليمه مسلك الاستقامة ، فنهى عن الشح في عدة مواضع ، وعرف الناس مفاسده وعواقبه : " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون بما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والارض والله بما تعملون خبير 3 : 18 " .


بينما قد نهى عن الاسراف والتبذير ودل الناس على مفاسدهما : " ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين 6 : 141 .

إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين 17 : 27 .

ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا : 29 " .


وأمر بالصبر على المصائب وبتحمل الاذى ، ومدح الصابر على صبره ، ووعده الثواب العظيم : " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب 39 : 10 .

والله يحب الصابرين 3 : 146 " .

وإلى جانب هذا لم يجعل المظلوم مغلول اليد أمام ظالمه ، بل أباح له أن ينتقم

-  ص 62 -

من الظالم بمثل ما اعتدى عليه ، حسما لمادة الفساد ، وتحقيقا لشريعة العدل : " فمن أعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم 2 : 194 " .

وجوز لولي المقتول أن يقتص من القاتل العامد :" ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل 17 : 33 ".


والقرآن بسلوكه طريق الاعتدال ، وأمره بالعدل والاستقامة قد جمع نظام الدنيا إلى نظام الآخرة ، وتكفل بما يصلح الاولى ، وبما يضمن السعادة في الاخرى ، فهو الناموس الاكبر جاء به النبي الاعظم ليفوز به البشر بكلتا السعادتين ، وليس تشريعه

دنيويا محضا لا نظر فيه إلى الآخرة ، كما تجده في التوراة الرائجة ، فإنها مع كبر حجمها لا تجد فيها موردا تعرضت فيه لوجود القيامة ، ولم تخبر عن عالم آخر للجزاء على الاعمال الحسنة والقبيحة .


نعم صرحت التوراة بأن أثر الطاعة هو الغنى في الدنيا ، والتسلط على الناس باستعبادهم ، وأن أثر المعصية والسقوط عن عين الرب هو الموت وسلب الاموال والسلطة . كما أن تشريع القرآن ليس أخرويا محضا لا تعرض له بتنظيم أمور الدنيا كما في شريعة الانجيل .


فشريعة القرآن شريعة كاملة تنظر إلى صلاح الدنيا مرة والى صلاح الآخرة مرة أخرى . فيقول في تعليماته . " ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم 4 : 13 .

-  ص 63 -

ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين : 14 .

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره 99 : 7 . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره : 8 .

وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا 28 : 77 " .


ويحث الناس - في كثير من آياته - على تحصيل العلم ، وملازمة التقوى بينما يبيح لهم لذائذ الحياة وجميع الطيبات : " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق 7 : 32 " .


ويدعو كثيرا إلى عبادة الله ، والى التفكر في آياته التشريعية والتكوينية والى التأمل والتدبر في الآفاق وفي الانفس ، ومع ذلك لم يقتصر على هذه الناحية التي توصل الانسان بربه ، بل تعرض للناحية الاخرى التي تجمعه مع أبناء نوعه .

وأحل له البيع : " وأحل الله البيع وحرم الربا 2 : 275 " .

وأمره بالوفاء بالعقود . " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود 5 : 1 " .

-  ص 64 -

وأمر بالتزويج الذي يكون به بقاء النوع الانساني : " وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمآئكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم 24 : 32 .

فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة 4 : 3 " .


وأمر الانسان بالاحسان إلى زوجتة ، والقيام بشؤونها ، والى الوالدين والاقربين ، والى عامة المسلمين ، بل والى البشر كافة . فقال : " وعاشروهن بالمعروف 4 : 19 .

ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف 2 : 228 .

واعبدوا الله ولا تشركوابه شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا 4 : 36 .

وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين 28 : 77 .

إن رحمة الله قريب من المحسنين 7 : 56 .

وأحسنوا إن الله يحب المحسنين 2 : 195 " .

-  ص 65 -

هذه أمثلة من تعاليم القرآن التي نهج فيها منهج الاعتدال ، وقد أوجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على جميع أفراد الامة ، ولم يخصه بطائفة خاصة ، ولا بأفراد مخصوصين ، وهو بهذا التشريع قد فتح لتعاليمه أبواب الانتشار ونفخ فيها روح الحياة والاستمرار .


فقد جعل كل واحد من أفراد العائلة والبيئة مرشدا لهم ، ورقيبا عليهم ، بل جعل كل مسلم دليلا وعينا على سائر المسلمين يهديهم إلى الرشاد ، ويزجرهم عن البغي والفساد ، فالمسلمون بأجمعهم مكلفون بتبليغ الاحكام ، وبتنفيذها ، أفهل تعلم جنودا هي أقوى وأعظم تأثيرا من هذه الجنود ونحن نرى السلاطين ينفذون إرادتهم على الرعية بقوة جنودهم .


ومن الواضح أنهم لا يلازمون الرعية في جميع الامكنة والازمان ، فكم فرق بين جند الاسلام ، وجند السلاطين .


ومن أعظم تعاليم القرآن التي تجمع كلمة المسلمين ، وتوحد بين صفوفهم : المؤاخاة بين طبقات المسلمين ، ونبذ الميزات إلا من حيث العلم والتقوى حيث يقول : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم 49 : 13 .

قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون 39 : 9 " .

قال النبي صلى الله عليه واله وسلم : إن الله عز وجل أعز بالاسلام من كان في الجاهلية ذليلا ، وأذهب بالاسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشائرها ، وباسق أنسابها ، فالناس اليوم كلهم أبيضهم وأسودهم ، وقرشيهم وعربيهم وعجميهم من آدم . وان آدم خلقه الله من طين ، وان أحب الناس ( البيان - 5 )

-  ص 66 -

إلى الله عز وجل يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم " ( 1 ) . . .

وقال : " فضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناكم " ( 2 ) .

فالاسلام قدم سلمان الفارسي لكمال إيمانه حتى جعله من أهل البيت ( 3 )

وأخر أبا لهب عم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لكفره .


انك ترى أن نبي الاسلام لم يفتخر على قومه بنسب ولا حسب ، ولا بغيرهما مما كان الافتخار به شائعا في عصره ، بل دعاهم إلى الايمان بالله وباليوم الآخر ، وإلى كلمة التوحيد ، وتوحيد الكلمة ، وبذلك قد تمكن أن يسيطر على أمة كانت

تتفاخر بالانساب بقلوب ملؤها الشقاق والنفاق ، فأثر في طباعها حتى أزال الكبر والنخوة منها ، فأصبح الغني الشريف يزوج ابنته من المسلم الفقير وإن كان أدنى منه في النسب ( 4 ) .


هذه شريعة القرآن في إرشاداته وتعاليمه ، تنفقد مصالح الفرد ، ومصالح المجتمع ، وتضع القوانين التي تكفل جميع ذلك ، ما يعود منها إلى الدنيا وما يرجع إلى الآخرة .


فهل يشك عاقل بعد هذا في نبوة من جاء بهذا الشرع العظيم ، ولا سيما إذا لاحظ أن نبي الاسلام قد نشأ بين أمة وحشية ، لا معرفة لها بشئ من هذه التعليمات ؟ ! !

 

( 1 ) فروع الكافي ج 2 باب 21 ان المؤمن كفؤ المؤمنة .
( 2 ) الجامع الصغير بشرح المناوي ج 4 ص 432 .
( 3 ) البحار ج 76 باب فضائل سلمان .
( 4 ) ومن ذلك تزويج زياد بن لبيد وهو من أشرف بني بياضة ابنته من جويبر لاسلامه . وقد كان رجلا قصيرا ذميما محتاجا عاريا ، وكان من قباح السودان . فروع الكافي ج 2 باب 21 ان المؤمن كفؤ المؤمنة . ( * )

 

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب