القرآن والاتقان في المعاني

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 67 : -

 4 - القرآن والاتقان في المعاني :


تعرض القرآن الكريم لمواضيع كثيرة العدد ، متباعدة الاغراض من الآلهيات والمعارف ، وبدء الخلق والمعاد ، وما وراء الطبيعة من الروح والملك وإبيس والجن ، والفلكيات ، والارض ، والتاريخ ، وشؤون فريق من الانبياء الماضين ، وما جرى

بينهم وبين أممهم ، وللامثال والاحتجاجات والاخلاقيات ، والحقوق العائلية ، والسياسات المدنية ، والنظم الاجتماعية والحربية ، والقضاء والقدر ، والكسب والاختيار ، والعبادات والمعاملات ، والنكاح والطلاق ، والفرائض ، والحدود والقصاص وغير ذلك .


وقد أتى في جميع ذلك بالحقائق الراهنة ، التي لا يتطرق إليها الفساد والنقد في أية جهة من جهاتها ، ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، وهذا شئ يمتنع وقوعه عادة من البشر - ولا سيما ممن نشأ بين أمة جاهلة لا نصيب لها من المعارف ،

ولا غيرها من العلوم - ولذلك نجد كل من ألف في علم من العلوم النظرية ، لا تمضي على مؤلفه مدة حتى يتضح بطلان كثير من آرائه .


فإن العلوم النظرية كلما ازداد البحث فيها وكثر ، ازدادت الحقائق فيها وضوحا ، وظهر للمتأخر خلاف ما أثبته المتقدم ، والحقيقة - كما يقولون - بنت البحث ، وكم ترك الاول للآخر ، ولهذا نرى كتب الفلاسفة الاقدمين ، ومن تأخر عنهم من أهل

التحقيق والنظر قد صارت عرضة لسهام النقد ممن تأخر ، حتى أن بعض ما اعتقده السابقون برهانا يقينيا ، أصبح بعد نقده وهما من الاومام ، وخيالا من الاخيلة .


والقرآن مع تطاول الزمان عليه ، وكثرة أغراضه ، وسمو معانيه ، لم يوجد فيه ما يكون معرضا للنقد والاعتراض ، اللهم إلا أوهام من بعض المكابرين ، حسبوها من النقد . وسنتعرض لها ، ونوضح بطلانها إن شاء الله تعالى .


القرآن والاخبار بالغيب : أخبر القرآن الكريم في عدة من آياته عن امور مهمة ، تتعلق بما يأتي من

-  ص 68 -

الانباء والحوادث ، وقد كان في جميع ما أخبر به صادقا ، لم يخالف الواقع في شئ منها . ولا شك في أن هذا من الاخبار بالغيب ، ولا سبيل إليه غير طريق الوحي والنبوة .


فمن الايات التي أنبأت عن الغيب قوله تعالى : " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين 8 : 7 " .

وهذه الاية نزلت في وقعة بدر ، وقد وعد الله فيها المؤمنين بالنصر على عدوهم وبقطع دابر الكافرين ، والمؤمنون على ما هم عليه من قلة العدد والعدة ، حتى أن الفارس فيهم كان هو المقداد ، أو هو والزبير بن العوام والكافرون هم الكثيرون الشديدون في القوة ، وقد وصفتهم الاية بأنهم ذووا شوكة ، وأن المؤمنين أشفقوا من قتالهم ، ولكن الله يريد أن يحق الحق بكلماته .


وقد وفى للمؤمنين بوعده ، ونصرهم على أعدائهم ، وقطع دابر الكافرين . ومنها قوله تعالى : " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين 15 : 94 . إنا كفيناك المستهزئين : 95 . الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون : 96 " .

فإن هذه الاية الكريمة نزلت بمكة في بدء الدعوة الاسلامية ، وقد أخرج البزار والطبراني في سبب نزولها عن أنس بن مالك : أنها نزلت عند مرور النبي

-  ص 69 -

صلى الله عليه واله وسلم على أناس بمكة ، فجعلوا يغمزون في قفاه ، ويقولون : " هذا الذي يزعم أنه نبي ومعه جبرئيل " . ( 1 ) فأخبرت الاية عن ظهور دعوة النبي صلى الله عليه واله وسلم ونصرة الله له ، وخذلانه للمشركين الذين ناوأوه

واستهزأوا بنبوته ، واستخفوا بأمره . وكان هذا الاخبار في زمان لم يخطر فيه على بال أحد من الناس انحطاط شوكة قريش ، وانكسار سلطانهم ، وظهور النبي صلى الله عليه واله وسلم عليهم .


ونظير هذه الاية قوله تعالى : " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون 61 : 9 " .

ومن هذه الانباء قوله تعالى : " غلبت الروم 30 : 2 . في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون : 3 " .


وقد وقع ما أخبرت به الاية بأقل من عشر سنين ، فغلب ملك الروم ، ودخل جيشه مملكة الفرس . ومنها قوله تعالى : " أم يقولون نحن جميع منتصر 54 : 44 . سيهزم الجمع ويولون الدبر : 45 " .

 

( 1 ) لباب النقول ص 133 جلال الدين السيوطي . ( * )

 

 

-  ص 70 -

فأخبر عن انهزام جمع الكفار وتفرقهم وقمع شوكتهم، وقد وقع هذا في يوم بدر أيضا حين ضرب أبو جهل فرسه، وتقدم نحو الصف الاول قائلا : " نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه " فأباده الله وجمعه ، وأنار الحق ورفع مناره ، وأعلى كلمته ،

فانهزم الكافرون ، وظفر المسلمون عليهم حينما لم يكن يتوهم أحد بأن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا - ليس لهم عدة ، ولا يصحبون غير فرس أو فرسين وسبعين بعيرا يتعاقبون عليها - يظفرون بجمع كبير تام العدة وافر العدد ، وكيف يستفحل أمر

اولئك النفر القليل على هذا العدد الكثير ، حتى تذهب شوكته كرماد اشتدت به الريح ، لولا أمر الله وإحكام النبوة وصدق النيات ؟ ! .


ومنها قوله تعالى : " تبت يدا أبي لهب وتب . . . سيصلى نارا ذات لهب . وامرأته حمالة الحطب 111 : 2 " . وقد تضمنت هذه السورة نبأ دخول أبي لهب ، ودخول زوجته النار . ومعنى ذلك هو الاخبار عن عدم تشرفهما بقبول الاسلام إلى آخر حياتهما ، وقد وقع ذلك .

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب