القرآن والقواعد العربية - كيف تثبت الاعجاز لجميع البشر

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 79 : -

أوهام حول إعجاز القرآن

 

-  ص 80 -

القرآن والقواعد .
كيف يثبت الاعجاز لجميع البشر .
قول النظام بالصرفة .
مخالفة قصص القرآن لكتب العهدين .
وجود التناقض في الانجيل .
إبطال الجبر والتفويض .
إثبات الامر بين الامرين في القرآن .
القرآن كان مجموعا على عهد النبي .
أسلوب القرآن في جمعه بين المواضيع المختلفة .
سخافات وخرافات في معارضة سورتين من القرآن .

-  ص 81 -

لقد تحدى القرآن جميع البشر ، وطالبهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطع أحد أن يقوم بمعارضته ، ولما كبر على المعاندين أن يستظهر القرآن على خصومه ، راموا أن يحطوا من كرامته بأوهام نسجتها الاخيلة حول عظمة القرآن ، تأييدا لمذاهبهم

الفاسدة . ومن الحسن أن نتعرض لهذه الاوهام التي أتعبوا بها أنفسهم ليتبين مبلغهم من العلم ، وأن الاهواء كيف تذهب بهم يمينا وشمالا فترديهم في مهوى سحيق .


قالوا : 1 - إن في القرآن امورا تنافى البلاغة لانها تخالف القواعد العربية ، ومثل هذا لا يكون معجزا .

وهذا القول باطل من وجهين :

الاول : إن القرآن نزل بين بلغاء العرب وفصحائها ، وقد تحداهم إلى معارضته، ولو بالاتيان بسورة واحدة ، وذكر أن الخلق لا يقدرون على ذلك ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، فلو كان في القرآن ما يخالف كلام العرب فإن هؤلاء البلغاء العارفين

بأساليب اللغة ومزاياها لاخذوه حجة عليه ، ولعابوه بذلك ، واستراحوا به عن معارضته باللسان أو السنان ، ولو وقع شئ من ذلك لاحتفظ به التاريخ ، ولتواتر نقله بين أعداء الاسلام ، كيف ولم ينقل ذلك ولا بخبر واحد ؟ . ( البيان - 6 )

-  ص 82 -

الثاني : أن القرآن نزل في زمان لم يكن فيه للقواعد العربية عين ولا أثر ، وإنما اخذت هذه القواعد - بعد ذلك - من استقراء كلمات العرب البلغاء ، وتتبع تراكيبها .

والقرآن لو لم يكن وحيا إلهيا - كما يزعم الخصم - فلا ريب في أنه كلام عربي بليغ ، فيكون أحد المصادر للقواعد العربية ، ولا يكون القرآن أقل مرتبة من كلام البلغاء الاخرين المعاصرين لنبي الاسلام .


ومعنى هذا : أن القاعدة العربية المستحدثة إذا خالفت القرآن كان هذا نقضا على تلك القاعدة ، لا نقدا على ما استعمله القرآن . على أن هذا لوتم فإنما يتم فيما إذا اتفقت عليه القراءات ، فإنا سنثبت - فيما يأتي - أن هذه القراءات المعروفة إنما هي

اجتهادات من القراء أنفسهم ، وليست متواترة عن النبي - ص - فلو ورد اعتراض على إحدى القراءات كان ذلك دليلا على بطلان تلك القراءة نفسها ، دون أن يمس بعظمة القرآن وكرامته .


وقالوا : 2 - إن الكلام البليغ - وإن عجز البشر عن الاتيان بمثله - لا يكون معجزا ، فإن معرفة بلاغته تختص ببعض البشر دون بعض ، والمعجز لا بد وأن يعرف إعجازه جميع أفراد البشر ، لان كل فرد منهم مكلف بتصديق نبوة صاحب ذلك المعجز .

الجواب : وهذه شبهة تشبه ما تقدمها في ضعف الحجة ، وتفكك القياس . فإن المعجز لا يشترط فيه أن يدرك إعجازه كل البشر ، ولو اشترطنا ذلك لم يسلم لنا معجز أصلا ، فإن إدراكه يختص بجماعة خاصة ، ويثبت لغيرهم بالنقل المتواتر .

وقد ذكرنا امتياز القرآن عن غيره من المعجزات ، بأن التواتر قد ينقطع في مرور الزمان . وأما القرآن فهو معجزة باقية أبدية ببقاء الامة العربية ، بل ببقاء من يعرف خصائص اللغة العربية ، وإن لم يكن عربيا .


وقالوا : 3 - إن العارف باللغة العربية قادر على أن يأتي بمثل كلمة من كلمات القرآن .

-  ص 83 -

وإذا أمكنه ذلك أمكنه أن يأتي بمثل القرآن ، لان حكم الامثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد .


الجواب : إن هذه الشبهة لا تليق بالذكر ، فإن القدرة على الاتيان بمثل كلمة من كلمات القرآن ، بل على الاتيان بمثل جملة من جمله لا تقتضي القدرة على الاتيان بمثل القرآن ، أو بمثل سورة من سوره ، فإن القدرة على المادة لا تستلزم القدرة على التركيب .


ولهذا لا يصح لنا أن نقول : إن كل فرد من أفراد البشر قادر على بناء القصور الفخمة ، والصروح الضخمة ، لانه قادر على وضع آجرة في البناء ، أو نقول : إن كل عربي قادر على إنشاء الخطب والقصائد ، لانه قادر على أن يتكلم بكل كلمة من كلماتها ومفرادتها . وكأن هذه الشبهة هي التي دعت " النظام " وأصحابه إلى القول بأن إعجاز القرآن بالصرفة .

وهذا القول في غاية الضعف :

أولا : لان الصرفة التي يقولون بها ، إن كان معناها أن الله قادر على أن يقدر بشرا على أن يأتي بمثل القرآن ، ولكنه تعالى صرف هذه القدرة من جميع البشر ، ولم يؤتها لاحد منهم فهو معنى صحيح ، ولكنه لا يختص بالقرآن ، بل هو جار في

جميع المعجزات . وإن كان معناها أن الناس قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن ، ولكن الله صرفهم عن معارضته فهو واضح البطلان ، لان كثيرا من الناس تصدوا لمعارضة القرآن ، فلم يستطيعوا ذلك ، واعترفوا بالعجز .


ثانيا : لانه لو كان إعجاز القرآن بالصرفة لوجد في كلام العرب السابقين مثله قبل أن يتحدى النبي البشر ، ويطالبهم بالاتيان بمثل القرآن ، ولو وجد ذلك لنقل وتواتر ، لتكثر الدواعي إلى نقله ، وإذ لم يوجد ولم ينقل كشف ذلك عن كون القرآن بنفسه إعجازا إلهيا ، خارجا عن طاقة البشر .

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب