القرآن والقواعد .
كيف يثبت الاعجاز لجميع البشر
.
قول النظام بالصرفة .
مخالفة قصص القرآن لكتب العهدين .
وجود التناقض في
الانجيل .
إبطال الجبر والتفويض .
إثبات الامر بين الامرين في القرآن .
القرآن
كان مجموعا على عهد النبي .
أسلوب القرآن في جمعه بين المواضيع المختلفة .
سخافات وخرافات في معارضة سورتين من القرآن .
لقد تحدى القرآن جميع البشر ، وطالبهم أن يأتوا بسورة من مثله
فلم يستطع أحد أن يقوم بمعارضته ، ولما كبر على المعاندين أن يستظهر القرآن على
خصومه ، راموا أن يحطوا من كرامته بأوهام نسجتها الاخيلة حول عظمة القرآن ،
تأييدا لمذاهبهم
الفاسدة . ومن الحسن أن نتعرض لهذه الاوهام التي أتعبوا بها
أنفسهم ليتبين مبلغهم من العلم ، وأن الاهواء كيف تذهب بهم يمينا وشمالا
فترديهم في مهوى سحيق .
قالوا : 1 - إن في القرآن امورا تنافى البلاغة
لانها تخالف القواعد العربية ، ومثل هذا لا يكون معجزا .
وهذا القول باطل من وجهين :
الاول : إن القرآن نزل بين
بلغاء العرب وفصحائها ، وقد تحداهم إلى معارضته، ولو بالاتيان بسورة واحدة ،
وذكر أن الخلق لا يقدرون على ذلك ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، فلو كان في
القرآن ما يخالف كلام العرب فإن هؤلاء البلغاء العارفين
بأساليب اللغة ومزاياها لاخذوه حجة عليه ، ولعابوه بذلك ،
واستراحوا به عن معارضته باللسان أو السنان ، ولو وقع شئ من ذلك لاحتفظ به
التاريخ ، ولتواتر نقله بين أعداء الاسلام ، كيف ولم ينقل ذلك ولا بخبر واحد ؟
. ( البيان - 6 )
الثاني : أن القرآن نزل في زمان
لم يكن فيه للقواعد العربية عين ولا أثر ، وإنما اخذت هذه القواعد - بعد ذلك -
من استقراء كلمات العرب البلغاء ، وتتبع تراكيبها .
والقرآن لو لم يكن وحيا إلهيا - كما يزعم الخصم - فلا ريب في
أنه كلام عربي بليغ ، فيكون أحد المصادر للقواعد العربية ، ولا يكون القرآن أقل
مرتبة من كلام البلغاء الاخرين المعاصرين لنبي الاسلام .
ومعنى هذا : أن القاعدة العربية المستحدثة إذا خالفت القرآن كان هذا نقضا على
تلك القاعدة ، لا نقدا على ما استعمله القرآن . على أن هذا لوتم فإنما يتم فيما
إذا اتفقت عليه القراءات ، فإنا سنثبت - فيما يأتي - أن هذه القراءات المعروفة
إنما هي
اجتهادات من القراء أنفسهم ، وليست متواترة عن النبي - ص -
فلو ورد اعتراض على إحدى القراءات كان ذلك دليلا على بطلان تلك القراءة نفسها ،
دون أن يمس بعظمة القرآن وكرامته .
وقالوا : 2 - إن الكلام البليغ - وإن عجز البشر
عن الاتيان بمثله - لا يكون معجزا ، فإن معرفة بلاغته تختص ببعض البشر دون بعض
، والمعجز لا بد وأن يعرف إعجازه جميع أفراد البشر ، لان كل فرد منهم مكلف
بتصديق نبوة صاحب ذلك المعجز .
الجواب : وهذه شبهة تشبه ما
تقدمها في ضعف الحجة ، وتفكك القياس . فإن المعجز لا يشترط فيه أن يدرك إعجازه
كل البشر ، ولو اشترطنا ذلك لم يسلم لنا معجز أصلا ، فإن إدراكه يختص بجماعة
خاصة ، ويثبت لغيرهم بالنقل المتواتر .
وقد ذكرنا امتياز القرآن عن غيره من المعجزات ، بأن التواتر
قد ينقطع في مرور الزمان . وأما القرآن فهو معجزة باقية أبدية ببقاء الامة
العربية ، بل ببقاء من يعرف خصائص اللغة العربية ، وإن لم يكن عربيا .
وقالوا : 3 - إن العارف باللغة العربية قادر على
أن يأتي بمثل كلمة من كلمات القرآن .
وإذا أمكنه ذلك أمكنه أن يأتي بمثل القرآن ، لان حكم الامثال
فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد .
الجواب : إن هذه الشبهة لا تليق بالذكر ، فإن
القدرة على الاتيان بمثل كلمة من كلمات القرآن ، بل على الاتيان بمثل جملة من
جمله لا تقتضي القدرة على الاتيان بمثل القرآن ، أو بمثل سورة من سوره ، فإن
القدرة على المادة لا تستلزم القدرة على التركيب .
ولهذا لا يصح لنا أن نقول : إن كل فرد من أفراد البشر قادر على بناء القصور
الفخمة ، والصروح الضخمة ، لانه قادر على وضع آجرة في البناء ، أو نقول : إن كل
عربي قادر على إنشاء الخطب والقصائد ، لانه قادر على أن يتكلم بكل كلمة من
كلماتها ومفرادتها . وكأن هذه الشبهة هي التي دعت " النظام " وأصحابه إلى القول
بأن إعجاز القرآن بالصرفة .
وهذا القول في غاية الضعف :
أولا : لان الصرفة التي يقولون
بها ، إن كان معناها أن الله قادر على أن يقدر بشرا على أن يأتي بمثل القرآن ،
ولكنه تعالى صرف هذه القدرة من جميع البشر ، ولم يؤتها لاحد منهم فهو معنى صحيح
، ولكنه لا يختص بالقرآن ، بل هو جار في
جميع المعجزات . وإن كان معناها أن الناس قادرون على أن يأتوا
بمثل القرآن ، ولكن الله صرفهم عن معارضته فهو واضح البطلان ، لان كثيرا من
الناس تصدوا لمعارضة القرآن ، فلم يستطيعوا ذلك ، واعترفوا بالعجز .
ثانيا : لانه لو كان إعجاز القرآن بالصرفة لوجد
في كلام العرب السابقين مثله قبل أن يتحدى النبي البشر ، ويطالبهم بالاتيان
بمثل القرآن ، ولو وجد ذلك لنقل وتواتر ، لتكثر الدواعي إلى نقله ، وإذ لم يوجد
ولم ينقل كشف ذلك عن كون القرآن بنفسه إعجازا إلهيا ، خارجا عن طاقة البشر .