وقالوا : 8 - ذكر التاريخ أن
أبا بكر لما أراد جمع القرآن ، أمر عمر وزيد بن ثابت أن يقعدا على باب المسجد ،
وأن يكتبا ما شهد شاهدان على أنه من كتاب الله ، وفي هذا شهادة على أن القرآن
ليس خارقا للعادة ، لانه لو كان خارقا للعادة بنفسه لم يحتج إلى الشهادة عليه ،
ولكان بنفسه شاهدا على نفسه .
الجواب :
أولا : إن القرآن معجزة في
بلاغته واسلوبه ، لا في كل كلمة من كلماته ، وإذن فقد يقع الشك في تحريف بعض
الكلمات المفردة ، أو في زيادتها ونقصانها .
وشهادة الشاهدين - إذا صحت أخبارها - إنما هي لرفع هذه
الاحتمالات التي تعرض من سهو القارئ أو من عمده ، على أن عجز البشر عن الاتيان
بسورة من مثل القرآن لا ينافي قدرتهم على الاتيان بآية ، أو ما يشبه الاية ،
فإن ذلك أمر ممكن ، ولم يدع المسلمون استحالة ذلك ، ولم يذكره القرآن عند
التحدي بالمعارضة .
ثانيا : إن هذه الاخبار التي دلت على جمع القرآن
في عهد أبى بكر بشهادة شاهدين من الصحابة ، كلها أخبار آحاد : لا تصلح أن تكون
دليلا في أمثال ذلك .
ثالثا : إنها معارضة بأخبار كثيرة دلت على أن
القرآن قد جمع في عهد النبي - ص - وكان كثير من الصحابة يحفظ جميع القرآن .
وأما الحافظون منهم لبعض سوره وأجزائه فلا يعلم عددهم إلا الله تعالى . على أن
النظرة العقلية البسيطة تشهد بكذب تلك الاخبار التي استدل بها الخصم .
فإن القرآن هو السبب الاعظم في هداية المسلمين ، وفي خروجهم من ظلمات الشقاء
والجهل إلى نور السعادة والعلم ، وقد بلغ المسلمون في العناية بالقرآن الدرجة
القصوى ، فقد كانوا يتلون آياته آناء الليل وأطراف النهار ، وكانوا يتفاخرون في
حفظه واتقانه ويتبركون بسوره وآياته ، والنبي يحثهم على ذلك .
فهل يحتمل عاقل بعد هذا كله أن يقع الشك فيه عندهم حتى يحتاج إثباته إلى شاهدين
؟ . وسنثبت - إن شاء الله تعالى - فيما يأتي ان القرآن كان مجموعا في عهد النبي
صلى الله عليه واله وسلم
وقالوا : 9 - إن للقرآن اسلوبا يباين أساليب
البلغاء المعروفة ، فقد خلط بين المواضيع المتعددة ، فبينا هو يتكلم في التاريخ
إذا به ينتقل إلى الوعد والوعيد ، إلى الحكم والامثال ، إلى جهات اخرى . ولو
كان القرآن مبوبا يجمع في كل موضوع ما يتصل به من الايات ، لكانت فائدته أعظم ،
وكانت الاستفادة منه أسهل .
الجواب : إن القرآن أنزل لهداية البشر ،
وسوقهم إلى سعادتهم في الاولى والاخرى ، وليس هو بكتاب تاريخ ، أو فقه ، أو
أخلاق . أو ما يشبه ذلك ليعقد لكل من هذه الجهات بابا مستقلا .
ولا ريب في أن اسلوبه هذا أقرب الاساليب إلى حصول النتيجة المقصودة ، فإن
القارئ لبعض سور القرآن يمكنه أن يحيط بكثير من أغراضه ، وأهدافه في أقرب وقت
وأقل كلفة ، فيتوجه نظره إلى المبدأ والمعاد ، ويطلع على أحوال الماضين
فيعتبر بهم . ويستفيد من الاخلاق الفاضلة ، والمعارف العالية ، ويتعلم جانبا
من أحكامه في عباداته ومعاملاته . كل ذلك مع حفظ نظام الكلام ، وتوفية حقوق
البيان ، ورعاية مقتضى الحال .
وهذه الفوائد لا يمكن حصولها من القرآن إذا كان مبوبا ، لان القارئ لا يحيط
بأغراض القرآن إلا حين يتم تلاوة القرآن جميعه ، وقد يعوقه عائق عن الاتمام فلا
يستفيد إلا من باب أو بابين .
ولعمري أن هذه إحدى الجهات المحسنة لاسلوب القرآن ، الذي حاز به الجمال والبهاء
، فإنه مع انتقاله من موضوع إلى موضوع يتحفظ على كمال الربط بينهما ، كأن كل
جملة منه درة في عقد منتظم ، ولكن بغض الاسلام أعمى بصر هذا المستشكل وأصم سمعه
، حتى توهم الجمال قبحا ، والمحاسن مساوئ .
على أن القرآن قد كرر بعض القصص مرارا بعبارات مختلفة ، حسب المناسبات المقتضية
للتكرار ، فلو جمعت تلك العبارات كلها في باب واحد لا نتفت تلك الفائدة
الملحوظة ، وكان التكرار لغير فائدة ملموسة للقارئ .