سخافات وخرافات في معارضة سورتين في القرآن

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 93 : -

سخافات وخرافات :

ذكر كاتب رسالة " حسن الايجاز " ( 1 ) في رسالته هذه أنه يمكن معارضة

  ( 1 ) كتيب صدر من المطبعة الانكليزية الامريكانية ببولاق مصر سنة 1912 . ( * )  

 

-  ص 94 -

القرآن بمثله ، وذكر جملا اقتبسها من نفس القرآن ، وحور بعض ألفاظها وزعم أنه يعارض بها القرآن ، فأظهر مبلغه من العلم ، ومقدار معرفته بفنون البلاغة وهنا نذكر للقارئ تلك العبارات ، ونوضح له وجوه الفساد في المعارضة الوهمية وقد تعرضنا لها في كتابنا " نفحات الاعجاز " ( 1 ) .


ذكر هذا المتوهم في معارضة سورة الفاتحة قوله : " الحمد الرحمن رب الاكوان ، الملك الديان ، لك العبادة ، وبك المستعان ، إهدنا صراط الايمان " وتخيل أن قوله هذا واف بجميع معاني سورة الفاتحة ، مع أنه أخصر منها .


ولست أدري ماذا أقول لكاتب هذه الجمل ، وهو بهذا المقدار من التمييز بين غث الكلام وسمينه ؟ !


وليته عرض قوله هذا على علماء النصارى العارفين منهم بأساليب الكلام ، وفنون البلاغة قل أن يفضح نفسه بهذه الدعوى ، أو لم يشعر بأن المألوف في معارضة كلام بمثله ، أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلام يتحد مع الكلام المعارض في جهة من الجهات ، أو غرض من الاغراض ، ولكنه يأتي بكلام مستقل في ألفاظه وتركيبه واسلوبه ؟


وليس معنى المعارضة أن يقلد الكلام المعارض في تركيبه واسلوبه ، ويتصرف فيه بتبديل بعض ألفاظه ببعض ، وإلا لامكنت معارضة كل كلام بهذا النحو من المعارضة .


وقد كان أيسر شئ لمعاصري النبي صلى الله عليه واله وسلم من العرب ، ولكنهم لمعرفتهم بمعنى المعارضة الصحيحة ومعرفتهم بوجوه البلاغة في القرآن لم تمكنهم العارضة ، واعترفوا بالعجز فآمن به من آمن منهم وجحد به من جحد : " فقال إن هذا إلا سحر يؤثر 74 : 24 " . على أنه كيف تصح المقايسة بين جمله هذه التي أتعب بها نفسه ، وبين فاتحة

 

( 1 ) كتبناه ردا على " حسن الايجاز " طبع في المطبعة العلوية في النجف الاشرف سنة 1342 . ( * )

 

 

-  ص 95 -

الكتاب حتى يتوهم أنها وافية بمعناها ؟

أو لم يكف هذا الكاتب جهله بفنون البلاغة حتى دل الناس على عيوبه بالجهر بها ؟ ! ! .

وكيف تصح المقايسة بين قوله " الحمد للرحمن " مع قول الله تعالى : " الحمد لله 1 : 2 " . وقد فوت بجملته هذه المعنى المقصود من قول الله تعالى .

فإن كلمة " الله " علم للذات المقدسة الجامعة لجميع صفات الكمال ، ومن صفات الكمال الرحمة التي أشار إليها في البسملة ، فذكر كلمة " الرحمن " يوجب فوت الدلالة على بقية جهات الكمال المجتمعة في الذات المقدسة ، والتي يستوجب بها الحمد من غير ناحية الرحمة .

وكذلك استبدال قوله : " رب الاكوان " بقوله تعالى : " رب العالمين الرحمن الرحيم 1 : 3 " .

فإن فيه تفويتا لمعنى هاتين الايتين ، فإن فيهما دلالة على تعدد العوالم الطولية والعرضية ، وأنه تعالى مالك لجميعها ومربيها ، وأن رحمته تشمل جميع هذه العوالم على نحو مستمر غير منقطع ، كما يدل عليه ذكر لفظ " الرحيم " بعد لفظ " الرحمن " .

وسنوضح ذلك في تفسير البسملة . وأين من هذه المعاني قول هذا القائل : " رب الاكوان ؟ " فإن الكون معناه الحدوث والوقوع والصيرورة والكفالة ( 1 ) وهو بجميع هذه المعاني معنى مصدري لا يصح إضافة كلمة الرب إليه وهي بمعنى المالك المربي . نعم يصح إضافة كلمة الخالق إليه . فيقال : خالق الاكوان . على أن لفظ الاكوان لا يدل على تعدد

 

( 1 ) راجع لسان العرب . ( * )

 

 

-  ص 96 -

عوالم الموجودات الذي يدل عليه لفظ العالمين ، ولا على سائر الجهات التي تدل عليها الاية الكريمة . وكذلك استبداله جملة " الملك الديان " بقول الله تعالى : " مالك يوم الدين 1 : 4 " .


مع أن جملته تلك لا تدل على وجود عالم آخر لجزاء الاعمال ، وأن الله تعالى هو مالك ذلك اليوم ، وليس فيه لاحد تصرف ولا اختيار ، وأن الناس كلهم في ذلك اليوم تحت حكم الله تعالى ينفذ فيهم أمره ، فبعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار . وغاية ما تدل عليه جملته تلك أن الله ملك يجازي بالاعمال ، وأين هذا من معنى الاية الكريمة ؟ !


أما قوله تعالى : " إياك نعبد وإياك نستعين 1 : 5 " . فقد فهم هذا الكاتب من معناه أن العبادة لا بد من أن تكون لله ، وأن الاستعانة لا تكون إلا به تعالى ، فأبدلها بقوله : " لك العبادة ، وبك المستعان " وقد فاته أن المقصود بالاية تلقين المؤمن أن

يظهر توحيده في العبادة ، وحاجته وافتقاره إلى إعانة الله عز وجل في عباداته وسائر أعماله ، وأن يعترف بأنه وجميع المؤمنين لا يعبدون غير الله ، ولا يستعينون بأحد سوى الله ، بل يعبدونه وحده ويستعينون به . وأين هذا من عبارة هذا الكاتب على أنها ليست أخصر من الاية المباركة ؟ ! !


وقوله تعالى : " إهدنا الصراط المستقيم 1 : 6 " . أراد به طلب الهداية إلى أقرب طريق يوصل سالكه إلى مقاصده ، من أعماله وملكاته وعقائده ، ولم يحصره بطريق الايمان فقط ، وهذا لا يفي به قول

-  ص 97 -

الكاتب " إهدنا صراط الايمان " . على أن معنى هذه الجملة طلب الهداية إلى طريق الايمان ، ولا دلالة فيها على أن ذلك الطريق مستقيم لا يضل سالكه . وقد استغنى الكاتب بجملته هذه عن بقية السورة المباركة ، وزعم أن هذه البقية غير محتاج إليها ، وهذا يدل على قصوره عن فهم معناها .


فإن قوله تعالى : " صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين 1 : 7 " . فيه دلالة على وجود طريق مستقيم سلكه الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ووجود طرق اخرى غير مستقيمة سلكها

المغضوب عليهم ، من المعاندين للحق ، والمنكرين له بعد وضوحه ، والضالون الذين ضلوا طريق الهدى بجهلهم ، وتقصيرهم في الفحص عنه ، وفي اقتناعهم بما ورثوه من آثار آبائهم ، فاتبعوهم تقليدا على غير هدى من الله ولا برهان .


والقارئ المتدبر لهذه الاية الكريمة يتذكر ذلك فيحضر في ذهنه لزوم التأسي بأولياء الله المقربين في أعمالهم ، وأخلاقهم وعقائدهم ، والتجنب عن مسالك هؤلاء المتمردين الذين غضب الله عليهم بما فعلوا ، والذين ضلوا طريق الحق بعد اتضاحه ، وهل يعد هذا المعنى من الامور التي لا يهتم بها كما يتوهمه هذا الكاتب ؟ ! ! .


وذكر في معارضة سورة الكوثر : قوله : " إنا أعطيناك الجواهر فصل لربك وجاهر ، ولا تعتمد قول ساحر " انظر كيف يقلد القرآن في نظمه وتركيبه ويغير بعض ألفاظه ، ويوهم الناس أنه يعارض القرآن ثم انظر كيف يسرق قوله هذا من مسيلمة الكذاب الذي يقول : " إنا أعطيناك الجماهر ، فصل لربك ( البيان - 7 ) .

-  ص 98 -

وجاهر ، وإن مبغضك رجل كافر " .

ومن الغريب أنه توهم أن المشابهة في السجع بين الكلامين تقتضي مشاركتهما في البلاغة ، ولم يلتفت إلى أن إعطاء الجواهر لا تترتب عليه إقامة الصلاة والمجاهرة بها . وأن لله على عبده نعما عظيمة هي أشرف وأعظم من نعمة المال ، كنعمة الحياة والعقل والايمان ، فكيف يكون السبب الموجب للصلاة لله هو إعطاء المال دون تلك النعم العظيمة ؟ !


ولكن الذي يستأجر بالمال للتبشير يكون المال قبلته التي يصلي إليها ، وهدفه الذي يسعى إلى تحصيله ، وغايته التي يقدمها على كل غاية " وكل إناء بالذي فيه ينضح " . ولسائل أن يسأل هذا الكاتب عن معنى كلمة " الجواهر " التي جاء بها معرفة

بالالف واللام ، فإن أراد بها جواهر معينة فليست في اللفظ قرينة تعين هذه الجواهر المقصودة ، وإن أراد بها جميع الجواهر الموجودة في العالم من حيث أن الجمع المعرف بالالف واللام يدل على الاستغراق فهو كذب صريح . وما هو وجه المناسبة بين الجملتين السابقتين وبين قوله : " ولا تعتمد قول ساحر " .


وما هو المراد من لفظ ساحر ، ومن قوله الذي لا يعتمد عليه ؟ فإن أراد به ساحرا معينا ، وقولا مخصوصا من أقواله ، كان عليه أن ينصب قرينة على هذا التعيين . وليس في جملته هذا ما يصلح للدلالة عليه ، وإن أراد به كل قول لكل ساحر لانهما

نكرتان في سياق النهي لزوم اللغو في هذا الكلام ، لانه لا يوجد سبب معقول لعدم الاعتماد على قول كل ساحر ، ولو كان هذا القول في الامور الاعتيادية مع الاطمئنان بقوله .


وإن أراد أن لا يعتمد قول الساحر بما هو ساحر فهو غلط ، لان الساحر من حيث هو ساحر لا قول له ، وإنما يسحر الناس ويفسد عليهم حالهم بحيله وأعماله .


وأما سورة الكوثر فقد نزلت في من شنا رسول الله - ص - فقال : إنه أبتر وسيموت وينقطع دينه واسمه ، وقد أشار إلى ذلك بقوله تعالى : " أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون 52 : 30 " .

-  ص 99 -

فأنزل الله تبارك وتعالى : " إنا أعطيناك الكوثر 108 : 1 " . وهو الخير الكثير من جميع الجهات . أما في الدنيا فشرف الرسالة ، وهداية الخلق وزعامة المسلمين ، وكثرة الانصار ، والنصر على الاعداء .

وكثرة الذرية - من بضعته الصديقة الطاهرة - التي توجب بقاء اسمه ما دامت لدنيا باقية . وأما في الاخرة فالشفاعة الكبرى ، والجنان العالية ، والحوض الذي لا يشرب منه إلا هو وأولياؤه إلى ما سوى ذلك من نعم الله عليه .


" فصل لربك وانحر : 2 " . شكرا له على هذه النعم ، والمراد بالنحر : النحر بمنى ، أو نحر الاضحية في الاضحى ، أو رفع اليدين إلى النحر في تكبير الصلاة ، أو استقبال القبلة بالنحر ، والاعتدال في القيام ، وجميع ذلك يناسب المقام لانه نحو من الشكر لتلك النعم .


وقد أنزل الله سبحانه : " إن شانئك هو الابتر : 3 " . فلا يبقى له اسم ولا رسم ، فكانت العاقبة لهؤلاء الشانئين ما أخبر الله عنهم ، فلم يبق لهم اسم ولا ذكر خير في الدنيا زيادة على جزائهم في الاخرة من العذاب الاليم ، والخزي الدائم .


وهل تقاس هذه السورة المباركة في معانيها السامية ، وبلاغتها الكاملة بتلك الجمل الساقطة التي أجهد هذا الكاتب بها نفسه فقلد القرآن في نحوه تركيبه ، وأخذ من مسيلمة الكذاب ألفاظها وأسلوبها ، وأتى بها كما شاء له العناد ، بل كما شاء له الجهل الفاحش ليعارض بها عظمة القرآن في بلاغته وإعجازه ؟ !

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب