إثبات المعجزات بالبراهين المنطقية .
محاسبة
المدارك التي استند إليها منكرو تلك المعجزات .
بشارة التوراة والانجيل بنبوة
محمد .
إسلام كثير من اليهود والنصارى .
الدليل القطعي على إثبات هذه البشارة .
معجزات النبي أولى بالتصديق من معجزات الانبياء السايقين .
لا يشك باحث مطلع في أن القرآن أعظم معجزة جاء بها نبي
الاسلام ، ومعنى هذا أنه أعظم المعجزات التي جاء بها الانبياء والمرسلون جميعا
.
وقد ذكرنا في المباحث المتقدمة
بعضا من نواحي إعجازه ، وأوضحنا تفوق كتاب الله على جميع المعجزات ، ولكنا نقول
ههنا : إن معجزة النبي - ص - لم تكن منحصرة بالقرآن الكريم ، ولقد شارك جميع
الانبياء في معجزاتهم واختص من بينهم بمعجزة الكتاب العزيز . والدليل على قولنا
هذا أمران :
الاول : أخبار المسلمين المتواترة الدالة على
صدور المعجزات منه ، وقد ألف المسلمون - على اختلاف مللهم ونحلهم في هذه
المعجزات - مؤلفات كثيرة فليراجعها من يرغب في الاطلاع عليها .
ولهذه الاخبار جهتان من الامتياز على أخبار أهل الكتاب
بمعجزات أنبيائهم :
الجهة الاولى : قرب الزمان ،
فإن الشئ إذا قرب زمانه كان تحصيلي الجزم بوقوعه أيسر منه إذا بعد زمانه .
الجهة الثانية : كثرة الرواة :
فإن أصحاب النبي - ص - الذين شاهدوا معجزاته أكثر - بالوف المرات - من بني
إسرائيل ، ومن المؤمنين بعيسى الناقلين لمعجزاتهما .
فإن المؤمنين بعيسى - عليه السلام - في عصره كانوا لقلتهم
يعدون بالاصابع ، وإن نقل معجزاته لا بد وأن ينتهي إلى هؤلاء المؤمنين القليلين
في العدد ، فإذا صحت دعوى التواتر في معجزات موسى وعيسى صحت دعوى
التواتر في معجزات نبي الاسلام بطريق أولى . وقد أوضحنا فيما
تقدم أن التواتر في معجزات الانبياء السابقين غير ثابت في الازمنة اللاحقة ،
ودعواه دعوى باطلة .
الثاني : ان نبي الاسلام - ص - قد أثبت للانبياء
السابقين معجزات كثيرة ، ثم ادعى أنه هو أفضل هؤلاء الانبياء جميعا ، وأنه
خاتمهم . وهذا يقتضي صدور تلك المعجزات منه على نحو أتم ، فإنه لا يعقل أن يدعي
أحد أنه أفضل من غيره ، وهو يعترف بنقصانه عن ذلك الغير في بعض صفات الكمال .
وهل يعقل أن يدعي أحد أنه أعلم الاطباء جميعا ، وهو يعترف بأن بعض الاطباء
الاخرين قادر على معالجة مرض هو غير قادر عليها ؟ ! إن ضرورة العقل تمنع ذلك .
ولهذه الجهة نرى أن جملة من المتنبين الكاذبين قد أنكروا
الاعجاز ، وجحدوا كل معجزة للانبياء السابقين ، وصرفوا اهتمامهم إلى تأويل كل
آية دلت على وقوع الاعجاز ، حذرا من أن يطالبهم الناس بأمثالها فيستبين عجزهم .
وقد كتب بعض الجهلاء ، والمموهين على البسطاء أن
في آيات القرآن ما يدل على نفي كل معجزة للنبي الاعظم - ص - غير القرآن وأن
القرآن هو معجزته الوحيدة ليس غير ، وهو حجته على نبوته .
ونحن نذكر هذه الايات التي احتجوا بها ، ونذكر وجه احتجاجهم ، ثم نوضح فساد ذلك
.
فمن هذه الايات قوله تعالى : "
وما منعنا أن نرسل بالايات إلا أن كذب بها الاولون
وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالايات إلا تخويفا 17 :
59 " . ووجه دلالتها - على ما يزعمون - أنها ظاهرة في النبي - ص - لم يأت
بآية غير القرآن . وأن السبب في عدم الارسال بالايات هو أن
الاولين من الامم السابقة قد كذبوا بالايات التي أرسلت إليهم .
الجواب : إن المراد بالايات
التي نفتها الاية الكريمة ، والتي كذب بها الاولون من الامم هي الايات التي
اقترحتها الامم على أنبيائها ، فالاية الكريمة تدل على أن النبي - ص - لم يجب
المشركين إلى ما اقترحوه عليه من الايات ، ولا تنفي عنه صدور المعجزة مطلقا ،
ويدل على أن المراد هي الايات الاقتراحية أمور :
الاول : ان الايات جمع آية
بمعنى العلامة ، وهو جمع معرف بالالف واللام . والوجوه المحتملة في معناه ثلاثة
: فإما أن يراد منه جنس الاية الذي يصلح للانطباق على كل فرد من الايات ، ومعنى
هذا أن الاية الكريمة تنفي وقوع كل آية تدل على
صدق مدعي النبوة ، ولازم هذا أن يكون بعث الرسول لغوا ، إذا
لا فائدة في إرساله إذا لم تكن معه بينة تقوم على صدقه ، وأن يكون تكليف الناس
بتصديقه ، ولزوم اتباعه تكليفا بما لا يطاق . وأما أن يراد به جميع الايات ،
وهذا التوهم أيضا فاسد ،
لان إثبات صدق النبي يتوقف على آية ما من الايات ، ولا يتوقف
على إرساله بجميع الايات . ولم يقترح المقترحون عليه أن يأتي بجميعها ، فلا
معنى لحمل الاية عليه . فلا بد وأن يراد بهذه الاية الممنوعة خصوص آيات معهودة
من الايات الالهية .
الثاني : أن تكذيب المكذبين لو صلح أن يكون مانعا
عن الارسال بالايات ، لكان مانعا عن الارسال بالقرآن أيضا إذ لا وجه لتخصيص
المنع بالايات الاخرى .
وقد أوضحنا أن القرآن أعظم المعجزات التي جاء بها الانبياء ، وقد تحدى به النبي
- ص - جميع الامم لاثبات نبوته ما دامت الليالي والايام . وهذا يدلنا أيضا على
أن الايات الممنوعة قسم خاص وليست مطلق الايات .
الثالث : أن الاية الكريمة صرحت
بأن السبب المانع عن الارسال بالايات هو تكذيب الاولين بها ، وهذا من قبيل
تعليل عدم الشئ بوجود مانعه . ومن البين أن التعليل بوجود المانع لا يحسن في
نظر العقل إلا إذا كان السبب المقتضي لوجود ذلك
الشئ موجودا . ولذلك يقبح عند العقلاء أن يعلل عدم احتراق
الخشبة - مثلا - بوجود الرطوبة عليها إذا كانت النار غير موجودة ، وذلك واضح لا
يقبل الشك .
وإذن فلا بد وأن يكون المقتضي للارسال بالايات موجودا ، ليصح
تعليل عدمه بوجود التكذيب . والمقتضي للارسال لا يخلو من أن يكون هي الحكمة
الالهية لارشاد العباد وهدايتهم إلى سعادتهم . وأن يكون اقتراح الامة على النبي
شيئا من الايات زائدا على المقدار اللازم من الايات لاتمام الحجة .
أما إذا كان المقتضي للارسال بالايات هي الحكمة الالهية ، فلا بد من إرسال هذه
الايات ، ويستحيل أن يمنع من تأثير الحكمة الالهية شئ لانه يستحيل على الحكيم
أن يختار في عمله ما تنافيه حكمته ، سواء في ذلك وجود التكذيب وعدمه ، على أن
تكذيب الامم السابقة لو صلح أن يكون مانعا عن تأثير الحكمة
الالهية في الارسال بالايات ، لصلح أن يكون مانعا عن إرسال الرسول .
وهذا باطل بالضرورة . وخلاف للمفروض أيضا . فتعين أن يكون
المقتضي للارسال بالايات هو اقتراح المقترحين . ومن الضروري أن المقترحين إنما
يقترحون امورا زائدة على الايات التى تتم بها الحجة ، فإن هذا المقدار من
الايات مما يلزم
على الله أن يرسل به لاثبات نبوة نبيه ، وما زاد على هذا
المقدار من الايات لا يجب على الله أن يرسل به ابتداء ، ولا يجب عليه أن يجيب
إليه إذا اقترحه المقترحون .
نعم لا يستحيل عليه ذلك إذا اقتضت المصلحة أن يقيم الحجة مرة ثانية وثالثة ، أو
أن يجيب المقترحين إلى ما طلبوا . وعلى هذا فاقتراح المقترحين إنما يكون بعد
إتمام الحجة عليهم بما يلزم من الايات ، وتكذيبهم إياها . وإنما كان تكذيب
الامم السابقة مانعا عن الارسال
بالايات المقترحة في هذه الامة ، لان تكذيب الايات المقترحة
يوجب نزول العذاب على المكذبين . وقد ضمن الله تعالى رفع العذاب الدنيوي عن هذه
الامة إكراما لنبيه صلى الله عليه واله وسلم وتعظيما لشأنه . فقد قال الله
تعالى : " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم 8 : 33
" .
أما أن تكذيب الايات المقترحة يوجب نزول العذاب على المكذبين فلان الاية
الالهية إذا كانت مبتدأة كانت متمحضة في إثبات نبوة النبي ، ولم يترتب على
تكذيبها أكثر مما يترتب على تكذيب النبي من العقاب الاخروي .
وأما إذا كانت مقترحة كانت كاشفة عن لجاجة المقترح ، وشدة عناده ، إذ لو كان
طالبا للحق لصدق بالاية الاولى لانها كافية في إثباته ، ولان معنى اقتراحه هذا
أنه قد التزم على نفسه بتصديق النبي إذا أجابه إلى هذا الاقتراح ، فإذا كذب
الاية
المقترحة بعد صدورها كان مستهزئا بالنبي وبالحق الذي دعا إليه
، وبالاية التي طلبها منه ، ولذلك سمى الله تعالى هذا النوع من الايات " آيات
التخويف " كما في آخر هذه الاية الكريمة ، وإلا فلا معنى لحصر مطلق الايات
بالتخويف ، فإن منها ما يكون للرحمة بالعباد وهدايتهم وإنارة سبيلهم .
ومما يدلنا على أن المراد من الايات الممنوعة هي آيات التعذيب والتخويف :
ملاحظة مورد هذه الاية الكريمة وسياقها . فإن الاية التي قبها هي قوله تعالى :
" وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو
معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا 17 : 58 " .
وقد ذكرت فيها آية ثمود التي أعقبها نزول العذاب عليهم .
وقصتهم مذكورة في سورة الشعراء ، وختمت هذه الاية بقوله تعالى : "
وما نرسل بالايات إلا تخويفا " .
وكل هذه القرائن دالة على أن المراد بالايات الممنوعة هي الايات المقترحة التي
تستلزم نزول العذاب . ونحن إذا سبرنا الايات القرآنية يظهر لنا ظهورا تاما لا
يقبل التشكيك أن المشركين كانوا يقترحون إنزال العذاب عليهم ، أو يقترحون آيات
اخرى نزل العذاب على الامم السابقة بسبب تكذيبها .
فمن القسم الاول قوله تعالى : "
وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا
حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم 8 : 32 .
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما
كان الله معذبهم وهم يستغفرون : 33 .
قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو
نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون 10 : 50 .
ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة
ليقولن ما يحبسه 11 : 8 .
ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى
لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون 29 : 53 " .
ومن القسم الثاني وقوله تعالى : "
وإذا جاءتهم آية
قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ألله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب
الذين ظلموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون 6 : 124 .
فليأتنا بآية
كما أرسل الاولون 21 : 5 .
فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لو لا أوتي مثل ما
أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل
كافرون 28 : 48 " .
ويدلنا على أن نظير هذه الآيات المقترحة قد كذبها الاولون
فاستحقوا به نزول العذاب قوله تعالى : " قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله
بيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون 16
: 26 .
كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حبث لا يشعرون 39 : 25 " وما أكثر
الشواهد على ذلك من الكتاب العزيز . وقد ورد في تفسير الآية عن طريق الشيعة
وأهل السنة ما يؤكد هذا الذي استفدناه من ظاهرها .
فعن الباقر عليه السلام : " أن
محمدا - ص - سأله قومه أن يأتي بآية فنزل جبريل وقال : إن الله يقول : وما
منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون . وكنا إذا أرسلنا إلى قريش آية
فلم يؤمنوا بها أهلكناهم ، فلذلك أخرنا عن قومك الآيات " ( 1 ) .
وعن ابن عباس قال : " سأل أهل
مكة النبي أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا . فقيل له :
إن شئت أن نستأني بهم لعلنا نجتبي ، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا ، فإن كفروا
اهلكوا كما اهلك من قبلهم . قال : بل تستأني بهم فأنزل الله تعالى : وما منعنا
أن نرسل بالآيات . . " ( 2 ) .
وهناك روايات اخرى من أراد الاطلاع عليها فليراجع كتب الروايات وتفسير الطبري .
ومن الآيات التي استدل بها الخصم على نفي المعجزات للنبي - ص - غير القرآن قوله
تعالى : " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض
ينبوعا 17 : 90
أو تكون لك جنة من نخيل وعنب
| |
( 1 ) تفسير البرهان ج 1 ص 607 .
|
( 2 ) تفسير الطبري ج 15 ص 74 . ( * )
|
|
|
فتفجر الانهار خلالها تفجيرا :
91 .
أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو
تأتي بالله والملائكة قبيلا : 92 .
أو يكون لك بيت من زخرف أوترقى في
السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا
بشرا رسولا : 93 " .
ووجه استدلال الخصم بهذه الآيات
الكريمة : أن المشركين قد دعوا النبي إلى إقامة المعجزة شاهدة على صدقه
بالنبوة ، فامتنع عن ذلك واعترف لهم بالعجز ، ولم يثبت لنفسه إلا أنه بشر ارسل
إليهم . فالآيات دالة على نفي صدور المعجزة منه .
الجواب :
أولا : أنا قد أوضحنا للقارئ
حال الآيات المقترحة في جواب الاستدلال المتقدم . ولا شك في أن هذه المعجزات
التي طلبها المشركون من النبي آيات مقترحة ، وأن هؤلاء المشركين في مقام العناد
للحق .
ويدلنا على ذلك أمران :
1 - أنهم قد جعلوا تصديقهم بالنبي موقوفا على أحد هذه
الامور التي اقترحوها ، ولو كانوا غير معاندين للحق لاكتفوا بكل آية تدل على
صدقه ، ولم تكن لهذه الامور التي اقترحوها خصوصية على ما سواها من الآيات .
2 - قولهم : " أوترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى
تنزل علينا كتابا نقرؤة " وأي معنى لهذا التقييد بإنزال الكتاب أفليس الرقي إلى
السماء وحده آية كافية في الدلالة على صدقه ؟ أو ليست في هذه
التشهيات الباردة دلالة واضحة على عنادهم للحق . وتمردهم عليه ؟ ! ! .
ثانيا : إن هذه الامور التي اقترحها المشركون في
الآيات المتقدمة منها ما يستحيل وجوده ، ومنها ما لا يدل على صدق دعوى النبوة .
فلو وجب على النبي - ص - أن يجيب المقترحين إلى ما يطلبونه ، فليس هذا النوع من
الامور المقترحة مما تجب إجابته .
وإيضاح هذا : أن الامور المقترحة على النبي - ص - المذكورة في هذه الآيات ستة :
ثلاثة منها مستحيلة الوقوع ، وثلاثة منها غير مستحيلة ، ولكنها لا تدل على صدق
المدعي للنبوة ( 1 ) .
فالثلاثة المستحيلة : أولها :
سقوط السماء عليهم كسفا . فان هذا يلازم خراب الارض ، وهلاك أهلها ، وهو إنما
يكون في آخر الدنيا . وقد أخبرهم النبي - ص - بذلك ، ويدل عليه قولهم : " كما
زعمت " وقد ذكر هذا في مواضع عديدة من القرآن الكريم .
منها قوله تعالى : " إذا السماء انشقت
84 : 1 .
إذا السماء انفطرت 82 : 1 .
إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السماء 34 : 9 " .
وإنما كان ذلك مستحيلا ، لان وقوعه قبل وقته خلاف ما تقتضيه
الحكمة
| |
( 1 ) انظر الحديث الكامل - الذي يقص محاورة قريش مع النبي - ص - في
فرض هذه الامور المستحيلة عليه ، محاولة تعجيزه وتبكيته - في قسم
التعليقات برقم ( 6 ) . ( * )
|
|
|
الالهية من بقاء الخلق ، وإرشادهم إلى كمالهم . ويستحيل على
الحكيم أن يجري في أعماله على خلاف ما تقتضيه حكمته .
ثانيها : أن يأتي بالله بأن يقابلوه ، وينظروا
إليه . وذلك ممتنع لان الله لا تدركه الابصار ، وإلا لكان محدودا في جهة ، وكان
له لون وله صورة . وجميع ذلك مستحيل عليه تعالى .
ثالثها : تنزيل كتاب من الله . ووجه استحالة ذلك
أنهم أرادوا تنزيل كتاب كتبه الله بيده ، لا مجرد تنزيل كتاب ما ، وإن كان
تنزيله بطريق الخلق والايجاد ، لانهم لو أرادوا تنزيل كتاب من الله بأي طريق
اتفق لم يكن وجه معقول لطلبهم إنزاله من
السماء ، وكان في الكتاب الارضي ما في الكتاب السماوي من
الفائدة والغرض ، ولا شك ان هذا الذي طلبوه مستحيل لانه يستلزم أن يكون الله
جسما ذا جارحة . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
وأما الامور الثلاثة الاخرى فهي وإن كانت غير
مستحيلة ، لكنها لا تدل على صدق دعوى النبوة . فإن فجر الينبوع من الارض ، أو
كون النبي - ص - مالكا لجنة من نخيل وعنب مفجرة الانهار . أو كونه يملك بيتا من
زخرف ، امور لا ترتبط بدعوى النبوة ، وكثيرا ما يتحقق أحدها لبعض الناس ثم لا
يكون نبيا .
بل فيهم من يتحقق له جميع هذه الامور الثلاثة ، ثم لا يحتمل فيه أن يكون مؤمنا
، فضلا عن أن يكون نبيا ، وإذا لم ترتبط هذه الامور بدعوى النبوة ، ولم تدل على
صدقها كان الاتيان بها في مقام الاحتجاج عبثا ، لا يصدر من نبي حكيم .
وقد يتوهم متوهم أن هذه الامور الثلاثة لا تدل على صدق النبوه ، إذا وجدت من
أسباب عادية مألوفة . أما إذا وجدت بأسباب غير عادية فلا ريب أنها تكون آيات
إلهية ، وتدل على صدق النبوة . ( البيان - 8 )
الجواب : إن هذا في نفسه صحيح ،
ولكن مطلوب المشركين أن تصدر هذه الاشياء ولو من أسبابها العادية ، لانهم
استبعدوا أن يكون الرسول الالهي فقيرا لا يملك شيئا . "
وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم 43 : 31 " .
فطلبوا من النبي - ص - أن يكون ذا مال كثير . ويدلنا على ذلك أنهم قيدوا طلبهم
بأن تكون الجنة والبيت من الزخرف للنبي دون غيره ، ولو أرادوا صدور هذه الامور
على وجه الاعجاز لم يكن لهذا التقييد وجه صحيح ، بل ولا وجه لطلب الجنة أو
البيت ، فإنه يكفي إيجاد حبة من عنب أو مثقال من ذهب .
وأما قولهم : " حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " فلا يدل على أنهم يطلبون
الينبوع لهم لا للنبي وإنما يدل على أنهم يطلبون منه فجر الينبوع لاجلهم ، وبين
المعنيين فرق واضح .
ولم يظهر النبي لهم عجزه عن الاتيان بالمعجزة كما توهمه هؤلاء القائلون . وإنما
أظهر بقوله : " سبحان ربي " أن الله تعالى منزه عن العجز ، وأنه قادر على كل
أمر ممكن ، وأنه منزه عن الرؤية والمقابلة . وعن أن يحكم عليه بشئ من اقتراح
المقترحين وأن النبي بشر محكوم بأمر الله تعالى ، والامر كله لله وحده يفعل ما
يشاء ويحكم ما يريد .
ومن الآيات التي استدل بها القائلون بنفي المعجزات للنبي عدا القرآن قوله تعالى
:
" لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما
الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين 10 : 20 " .
ووجه الاستدلال : أن المشركين طالبوا النبي بآية من ربه ، فلم
يذكر لنفسه معجزة . وأجابهم بأن الغيب لله ، وهذا يدل على أنه لم يكن له معجزة
غير ما أتى به من القرآن .
وبسياق هذه الآية آيات اخرى تقاربها في المعنى ، كقوله تعالى : "
ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت
منذر ولكل قوم هاد 13 : 7 .
وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن
الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون 6 : 37 " .
الجواب :
أولا : هو ما تقدم . فإن هؤلاء
المشركين وغيرهم لم يطلبوا من النبي إقامة آية ما من الآيات التي تدل على صدقه
، وإنما اقترحوا عليه إقامة آيات خاصة .
وقد صرح القرآن بها في مواضع كثيره ، منها ما تقدم . ومنها
قوله تعالى : " وقالوا لولا أنزل عليه ملك 6 : 8
.
وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر
إنك لمجنون 15 : 6 .
لو ما تأتينا
بالملائكة إن كنت من الصادقين : 7 .
وقالوا ما
لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا
25 : 7 .
أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون
إلا رجلا مسحورا : 8 " .
وقد علمنا أن الآيات المقترحة لا تجب الاجابة إليها ، ويدلنا
على أن المشركين إنما يريدون الاتيان بما اقترحوه من الآيات : أنهم لو أرادوا
من النبي أن يأتي بآية ما ، تدل على صدقه لاجابهم على الاقل بالاتيان بالقرآن
الذي تحدى به في كثير من مواضعه . نعم يظهر من الآيات المتقدمة التي استدل بها
الخصم ، ومما يشبهها من الآيات أمران :
1 - إن تحدي النبي - ص - لعامة البشر إنما كان بالقرآن خاصة من بين سائر
معجزاته . وقد أوضحنا فيما سبق أن الامر لا بد وأن يكون كذلك ، لان النبوة
الابدية العامة تستدعي معجزة خالدة عامة ، وهي منحصرة بالقرآن ، وليس في سائر
معجزاته - ص - ما يتصور له البقاء والاستمرار .
2 - إن الاتيان بالمعجزة ليس اختياريا للنبي صلى الله عليه واله وسلم وإنما
هو رسول يتبع في ذلك اذن الله تعالى ، ولا دخل لاقتراح المقترحين في شئ من ذلك
. وهذا المعنى ثابت لجميع الانبياء .
ويدل عليه قوله تعالى : " وما كان لرسول أن يأتي بآية
إلا بإذن الله لكل أجل كتاب 13 : 38 .
وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا
بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق
وخسر هنالك المبطلون 40 : 78 " .
ثانيا : ان في القرآن أيضا آيات دالة على صدور
الآيات من النبي صلى الله عليه واله وسلم . منها قوله تعالى : "
إقتربت الساعة وانشق القمر 54 : 1 .
وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر
: 2 .
وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى
نؤتى مثل ما أوتي رسل الله 6 : 124 " .
ويدلنا على أن المراد من الآية هنا هي المعجزة : أنه عبر
برؤية الآية ، ولو كان المراد هو آيات القرآن لكان الصحيح أن يعبر بالسماع دون
الرؤية وأنه ضم إلى ذلك انشقاق القمر .
وأنه نسب إلى الآية المجئ دون الانزال وما يشبهه . بل وفي
قولهم : " سحر مستمر " دلالة على تكرر صدور المعجزة عنه صلى الله عليه واله
وسلم وإذا : فلو سلمنا دلالة الآيات السابقة على نفي صدور المعجزة عنه ، فلا بد
وأن يراد من ذلك نفيه في زمان نزول هذه الآيات الكريمة ، وما بمعناها ، ولا
يمكن أن يراد منه نفي الآية حتى بعد ذلك .
وحاصل جميع ما ذكرناه في هذا المبحث امور :
1 - إنه لا دلالة لشئ من آيات القرآن على نفي المعجزات
الاخرى سوى القرآن ، بل وفي جملة من الآيات دلالة على وجود هذه المعجزات التي
يدعي الخصم نفيها .
2 - إن إقامة المعجزة ليست أمرا اختياريا للرسول صلى الله عليه وآله
وإن ذلك بيد الله سبحانه .
3 - إن اللازم في دعوى النبوة هو إقامة المعجزة التي تتم بها الحجة ويتوقف
عليها التصديق . وأما الزائدة على ذلك ، فلا يجب على الله إظهارها ولا تجب على
النبي الاجابة إليها .
4 - إن كل معجزة يكون فيها هلاك الامة وتعذيبها ، فهي ممنوعة في هذه
الامة . ولا تسوغ إقامتها باقتراح الامة ، سواء أكان الاقتراح من الجميع أم كان
من البعض .
5 - إن المعجزة الخالدة للنبي صلى الله عليه وآله التي تحدى بها جميع الامم
إلى يوم القيامة ، إنما هي كتاب الله المنزل إليه ، وأما غيره من المعجزات ،
فهي وإن كثرت إلا أنها ليست معجزة باقية ، وهي في هذه الناحية تشارك معجزات
الانبياء السابقين .