القراءات والاحرف السبعة

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 160 : -

القراءات والاحرف السبعة :


قد يتخيل أن الاحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي القراءات السبع ، فيتمسك لاثبات كونها من القرآن بالروايات التي دلت على أن القرآن نزل على سبعة أحرف ، فلا بد لنا أن ننبه على هذا الغلط ، وان ذلك شئ لم يتوهمه أحد من العلماء المحققين . هذا إذا سلمنا ورود هذه الروايات ، ولم نتعرض لها بقليل ولا كثير .

وسيأتي الكلام على هذه الناحية .

والاولى أن نذكر كلام الجزائري في هذا الموضع . قال : " لم تكن القراءات السبع متميزة عن غيرها ، حتى قام الامام أبو بكر أحمد ابن موسى بن العباس بن مجاهد - وكان على رأس الثلاثمائة ببغداد - فجمع قراءات سبعة من مشهوري أئمة

الحرمين والعراقين والشام ، وهم : نافع ، وعبد الله ابن كثير ، وأبو عمرو بن العلاء ، وعبد الله بن عامر ، وعاصم وحمزة ، وعلي

-  ص 161 -

الكسائي . وقد توهم بعض الناس أن القراءات السبعة هي الاحرف السبعة ، وليس الامر كذلك . . . وقد لام كثير من العلماء ابن مجاهد على اختياره عدد السبعة ، لما فيه من الايهام . . .


قال أحمد ابن عمار المهدوي : لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له ، وأشكل الامر على العامة بايهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر ، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة . . . " .


وقال الاستاذ اسماعيل بن إبراهيم بن محمد القراب في الشافي : " التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنة ، وإنما هو من جمع بعض المتأخرين ، لم يكن قرأ بأكثر من السبع ، فصنف كتابا ، وسماه كتاب السبعة ، فانتشر ذلك في العامة . . . " .


وقال الامام أبو محمد مكي : " قد ذكر الناس من الائمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة ، وأجل قدرا من هؤلاء السبعة . . . فكيف يجوز أن يظن ظان أن هؤلاء السبعة المتأخرين ، قراءة كل واحد منهم أحد الحروف السبعة المنصوص

عليها - هذا تخلف عظيم - أكان ذلك بنص من النبي صلى الله عليه واله وسلم أم كيف ذلك ! ! ! وكيف يكون ذلك ؟ والكسائي إنما ألحق بالسبعة بالامس في أيام المأمون وغيره - وكان السابع يعقوب الحضرمي - فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة ونحوها الكسائي موضع يعقوب " ( 1 ) .

وقال الشرف المرسي :

 

( 1 ) التبيان ص 82 . ( * ) ( البيان - 11 )

 

 

-  ص 162 -

" وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها - الاحرف السبعة - القراءات السبع ، وهو جهل قبيح " ( 1 ) .

وقال القرطبي : " قال كثير من علمائنا كالداودي ، وابن أبي سفرة وغيرهما : هذه القراءات السبع ، التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الاحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها ، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة ، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف .

ذكره ابن النحاس وغيره وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الائمة القراء " ( 2 ) .


وتعرض ابن الجزري لابطال توهم من زعم أن الاحرف السبعة ، التي نزل بها القرآن مستمرة إلى اليوم . فقال : " وأنت ترى ما في هذا القول ، فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة ، والثلاثة عشر بالنسبة إلى ما كان مشهورا في

الاعصار الاول ، قل من كثر ، ونزر من بحر ، فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين ، وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الائمة المتقدمين من السبعة ، وغيرهم كانوا أمما لا تحصى ، وطوائف لا تستقصى ، والذين أخذوا عنهم

أيضا أكثر وهلم جرا . فلما كانت المائة الثالثة ، واتسع الخرق وقل الضبط ، وكان علم الكتاب والسنة أوفر ما كان في ذلك العصر ، تصدى بعض الائمة لضبط ما رواه من القراءات ، فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم

بن سلام ، وجعلهم - فيما أحسب - خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة وتوفي سنة 224 وكان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي نزيل أنطاكية ، جمع كتابا في قراءات الخمسة ، من كل مصر واحد . وتوفي سنة 258 وكان بعده القاضي اسماعيل بن

 

( 1 ) نفس المصدر ص 61 .                       ( 2 ) تفسير القرطبي ج 1 ص 46 . ( * )

 

 

-  ص 163 -

اسحاق المالكي صاحب قالون ، ألف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما ، منهم هؤلاء السبعة . توفي سنة 282 وكان بعده الامام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، جمع كتابا سماه " الجامع " فيه نيف وعشرون قراءة . توفي سنة 310

وكان بعيده أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني ، جمع كتابا في القراءات ، وأدخل معهم أبا جعفر أحد العشرة . وتوفي سنة 324 ، وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد ، أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط ، وروى فيه عن هذا الداجوني ، وعن ابن جرير أيضا . وتوفي سنة 324 " .


ثم ذكر ابن الجزري جماعة ممن كتب في القراءة . فقال : " وإنما أطلنا هذا الفصل ، لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة ، أو أن الاحرف السبعة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه واله وسلم هي

قراءة هؤلاء السبعة ، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في " الشاطبية والتيسير " ، وأنها هي المشار إليها بقوله صلى الله عليه واله وسلم أنزل القرآن على سبعة أحرف ، حتى أن بعضهم يطلق على ما لم يكن في هذين

الكتابين أنه شاذ ، وكثير منهم يطلق على ما لم يكن عن هؤلاء السبعة شاذا ، وربما كان كثير مما لم يكن في " الشاطبية والتيسير " ، وعن غير هؤلاء السبعة أصح من كثير مما فيهما ، وإنما أوقع هؤلاء في الشبهة كونهم سمعوا " أنزل القرآن

على سبعة أحرف " وسمعوا قراءات السبعة فظنوا أن هذه السبعة هي تلك المشار إليها، ولذلك كره كثير من الائمة المتقدمين اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء ، وخطأوه في ذلك ، وقالوا : ألا اقتصر على دون هذا العدد أو زاده، أو بين مراده

ليخلص من لا يعلم من هذه الشبهة . ثم نقل ابن الجزري - بعد ذلك - عن ابن عمار المهدوي ، وأبي محمد مكي ما تقدم نقله عنهما آنفا " ( 1 ) .

 

( 1 ) النشر في القراءات العشر ج 1 ص 33 - 37 . ( * )

 

 

-  ص 164 -

قال أبو شامة : " ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث ، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة ، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل " ( 1 ) .


وبهذا الاستعراض قد استبان للقارئ ، وظهر له ظهورا تاما أن القراءات ليست متواترة عن النبي - صلى الله عليه واله وسلم - ولا عن القراء أنفسهم ، من غير فرق بين السبع وغيرها ، ولو سلمنا تواترها عن القراء فهي ليست متواترة عن النبي -

صلى الله عليه واله وسلم - قطعا . فالقراءات إما أن تكون منقولة بالآحاد ، وإما أن تكون اجتهادات من القراء أنفسهم ، فلا بد لنامن البحث في موردين : 1 - حجية القراءات :  => ( اصغط على الصفحة التالية أدناه )

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب