حجية القراءات

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 164 : -

1 - حجية القراءات :


ذهب جماعة إلى حجية هذه القراءات ، فجوزوا أن يستدل بها على الحكم الشرعي ، كما استدل على حرمة وطئ الحائض بعد نقائها من الحيض وقبل أن تغتسل ، بقراءة الكوفيين - غير حفص - قوله تعالى : " ولا تقربوهن حتى يطهرن " بالتشديد .

الجواب : ولكن الحق عدم حجية هذه القراءات ، فلا يستدل بها على الحكم الشرعي . والدليل على ذلك أن كل واحد من هؤلاء القراء يحتمل فيه الغلط والاشتباه ، ولم يرد دليل من العقل ، ولا من الشرع على وجوب اتباع قارئ منهم بالخصوص ، وقد استقل العقل ، وحكم الشرع بالمنع عن اتباع غير العلم . وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى .

 

( 1 ) الاتقان النوع 22 - 27 ج 1 ص 138 . ( * )

 

 

-  ص 165 -

ولعل أحدا يحاول أن يقول : إن القراءات - وإن لم تكن متواترة - إلا أنها منقولة عن النبي - صلى الله عليه واله وسلم - فتشملها الادلة القطعية التي أثبتت حجية الخبر الواحد ، وإذا شملتها هذه الادلة القطعية خرج الاستناد إليها عن العمل بالظن بالورود ، أوالحكومة ، أو التخصيص ( 1 ) .

الجواب :

أولا : ان القراءات لم يتضح كونها رواية ، لتشملها هذه الادلة ، فلعلها اجتهادات من القراء ، ويؤيد هذا الاحتمال ما تقدم من تصريح بعض الاعلام بذلك ، بل إذا لاحظنا السبب الذي من أجله اختلف القراء في قراءاتهم - وهو خلو المصاحف المرسلة إلى الجهات من النقط والشكل - يقوى هذا الاحتمال جدا .


قال ابن أبي هاشم : " إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها . ان الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل . قال : فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعا عن الصحابة، بشرط موافقة الخط، وتركوا ما يخالف الخط . . .فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الامصار "( 2 )


وقال الزرقاني : " كان العلماء في الصدر الاول يرون كراهة نقط المصحف وشكله ، مبالغة منهم في المحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف ، وخوفا من أن يؤدي ذلك

 

( 1 ) وقد أوضحنا الفرق بين هذه المعاني في مبحث " التعادل والترجيح " في محاضراتنا الاصولية المنتشرة .
( 2 ) التبيان ص 86 . ( * )

 

 

-  ص 166 -

إلى التغيير فيه . . . ولكن الزمان تغير - كما علمت - فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله لنفس ذلك السبب ، أي للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف ، وخوفا من أن يؤدي تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه " ( 1 ) .


ثانيا : ان رواة كل قراءة من هذه القراءات ، لم تثبت وثاقتهم أجمع ، فلا تشمل أدلة حجية خبر الثقة روايتهم . ويظهر ذلك مما قدمناه في ترجمة أحوال القراء ورواتهم .


ثالثا : إنا لو سلمنا أن القراءات كلها تستند إلى الرواية ، وأن جميع رواتها ثقات ، إلا أنا نعلم علما إجماليا أن بعض هذه القراءات لم تصدر عن النبي قطعا ، ومن الواضح أن مثل هذا العلم يوجب التعارض بين تلك الروايات وتكون كل واحدة

منها مكذبة للاخرى ، فتسقط جميعها عن الحجية ، فإن تخصيص بعضها بالاعتبار ترجيح بلا مرجح ، فلا بد من الرجوع إلى مرجحات باب المعارضة ، وبدونه لا يجوز الاحتجاج على الحكم الشرعي بواحدة من تلك القراءات .


وهذه النتيجة حاصلة أيضا إذا قلنا بتواتر القراءات . فإن تواتر القراءتين المختلفتين عن النبي - صلى الله عليه واله وسلم - يورث القطع بأن كلا من القراءتين قرآن منزل من الله ، فلا يكون بينهما تعارض بحسب السند ، بل يكون التعارض بينهما بحسب الدلالة .


فإذا علمنا إجمالا أن أحد الظاهرين غير مراد في الواقع فلا بد من القول بتساقطهما ، والرجوع إلى الاصل اللفظي أو العملي ، لان أدلة الترجيح ، أو التخيير تختص بالادلة التي يكون سندها ظنيا ، فلا تعم ما يكون صدوره قطعيا . وتفصيل ذلك كله في بحث " التعادل والترجيح " من علم الاصول .

 

 

( 1 ) مناهل العرفان ص 402 الطبعة الثانية . ( * )

 

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب