تهافت الروايات - وجوه الأحرف السبعة - المعاني المتقاربة

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 177 : -

تهافت الروايات :


فمن التناقض أن بعض الروايات دل على أن جبرئيل أقرأ النبي صلى الله عليه واله وسلم على حرف فاستزاده النبي صلى الله عليه واله وسلم فزاده ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف ، وهذا يدل

-  ص 178 -

على أن الزيادة كانت على التدريج ، وفي بعضها أن الزيادة كانت مرة واحدة في المرة الثالثة ، وفي بعضها أن الله أمره في المرة الثالثة أن يقرأ القرآن على ثلاثة أحرف ، وكان الامر بقراءة سبع في المرة الرابعة .


ومن التناقض
أن بعض الروايات يدل على أن الزيادة كلها كانت في مجلس واحد ، وأن طلب النبي صلى الله عليه واله وسلم الزيادة كان بإرشاد ميكائيل ، فزاده جبرئيل حتى بلغ سبعا ، وبعضها يدل على أن جبرئيل كان ينطلق ويعود مرة بعد مرة .


ومن التناقض أن بعض الروايات يقول : إن أبي دخل المسجد ، فرأى رجلا يقرأ على خلاف قراءته . وفي بعضها أنه كان في المسجد ، فدخل رجلان وقرءا على خلاف قراءته .


وقد وقع فيها الاختلاف أيضا فيما قاله النبي - صلى الله عليه واله وسلم - لابي . . إلى غير ذلك من الاختلاف . ومن عدم التناسب بين السؤال والجواب ، ما في رواية ابن مسعود من قول علي عليه السلام إن رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم - يأمركم أن تقرؤا كما علمتم .


فإن هذا الجواب لا يرتبط بما وقع فيه النزاع من الاختلاف في عدد الآيات . أضف إلى جميع ذلك أنه لا يرجع نزول القرآن على سبعة أحرف إلى معنى معقول ، ولا يتحصل للناظر فيها معنى صحيح .


وجوه الاحرف السبعة :

وقد ذكروا في توجيه نزول القرآن على سبعة أحرف وجوها كثيرة نتعرض للمهم منها مع مناقشتها وبيان فسادها :

 1 - المعاني المتقاربة : إن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو " عجل ، وأسرع ، واسع " وكانت هذه الاحرف باقية إلى زمان عثمان فحصرها عثمان

-  ص 179 -

بحرف واحد ، وأمر بإحراق بقية المصاحف التي كانت على غيره من الحروف الستة . واختار هذا الوجه الطبري ( 1 ) وجماعة . وذكر القرطبي أنه مختار أكثر أهل العلم ( 2 ) . وكذلك قال أبو عمرو بن عبد البر ( 3 ) .


واستدلوا على ذلك برواية ابن أبي بكرة ، وأبي داود ، وغيرهما مما تقدم . وبرواية يونس بإسناده عن ابن شهاب . قال : " أخبرني سعيد بن المسيب أن الذي ذكر الله تعالى ذكره : " إنما يعلمه بشر 16 : 103 " . إنما افتتن أنه كان يكتب الوحي ،

فكان يملي عليه رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم - سميع عليم ، أو عزيز حكيم ، وغير ذلك من خواتم الآي ، ثم يشتغل عنه رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم - وهو على الوحي ، فيستفهم رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم -

فيقول : " أعزيز حكيم ، أو سميع عليم ، أو عزيز عليم " ؟ فيقول له رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم - أي ذلك كتبت فهو كذلك ، ففتنه ذلك . فقال : إن محمدا أوكل ذلك إلي فاكتب ما شئت " .


واستدلوا أيضا بقراءة أنس " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلا " فقال له بعض القوم : يا أبا حمزة إنما هي " وأقوم " فقال : " أقوم ، وأصوب ، وأهدى واحد " . وبقراءة ابن مسعود " إن كانت إلا زقية واحدة " ( 4 ) .

  ( 1 ) تفسير الطبري ج 1 ص 15 .
( 2 ) تفسير القرطبي ج 1 ص 42 .
( 3 ) التبيان ص 39 .
( 4 ) تفسير الطبري ج 1 ص 18 . ( * )
 

 

-  ص 180 -

وبما رواه الطبري عن محمد بن بشار ، وأبي السائب بإسنادهما عن همام : أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا : " إن شجرة الزقوم . طعام الاثيم 44 : 44 " . قال : فجعل الرجل يقول : " إن شجرة الزقوم طعام اليتيم " قال : فلما أكثر عليه أبو الدرداء فرآه لا يفهم . قال : " إن شجرة الزقوم طعام الفاجر " ( 1 ) .


واستدلوا أيضا على ذلك بما تقدم من الروايات الدالة على التوسعة : " ما لم تختم آية رحمة بعذاب ، أو آية عذاب برحمة " . فإن هذا التحديد لا معنى له إلا أن يراد بالسبعة أحرف جواز تبديل بعض الكلمات ببعض . فاستثنى من ذلك ختم آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب .


وبمقتضى هذه الروايات لا بد من حمل روايات السبعة أحرف على ذلك بعدد بحملها إلى مبينها . إن جميع ما ذكر لها من المعاني أجنبي عن مورد الروايات - وستعرف ذلك - وعلى هذا فلا بد من طرح الروايات ، لان الالتزام بمفادها غير ممكن . والدليل على ذلك :

أولا : ان هذا إنما يتم في بعض معاني القرآن ، التي يمكن أن يعبر عنها بألفاظ سبعة متقاربة . ومن الضروري أن أكثر القرآن لا يتم فيه ذلك ، فكيف تتصور هذه الحروف السبعة التي نزل بها القرآن ؟ .


ثانيا : إن كان المراد من هذا الوجه أن النبي - صلى الله عليه واله وسلم - قد جوز تبديل

 

( 1 ) تفسير الطبري ج 25 ص 78 عند تفسير الآية المباركة . ( * )

 

 

-  ص 181 -

كلمات القرآن الموجودة بكلمات اخرى تقاربها في المعنى - ويشهد لهذا بعض الروايات المتقدمة - فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن ، المعجزة الابدية ، والحجة على جميع البشر ، ولا يشك عاقل في أن ذلك يقتضي هجر القرآن المنزل ، وعدم الاعتناء بشأنه .


وهل يتوهم عاقل ترخيص النبي - صلى الله عليه واله وسلم - أن يقرأ القارئ " يس، والذكر العظيم ، إنك لمن الانبياء، على طريق سوي ، إنزال الحميد الكريم ، لتخوف قوما ما خوف أسلافهم فهم ساهون " فلتقر عيون المجوزين لذلك. سبحانك اللهم إن هذا إلا بهتان عظيم . وقد قال الله تعالى : " قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلاما يوحى إلي 10 : 15 " .


وإذا لم يكن للنبي أن يبدل القرآن من تلقاء نفسه ، فكيف يجوز ذلك لغيره ؟ وإن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم - علم براء بن عازب دعاء كان فيه : " ونبيك الذي أرسلت " فقرأ براء " ورسولك الذي أرسلت " فأمره - صلى الله عليه واله وسلم - أن لا يضع الرسول موضع النبي ( 1 ) . فإذا كان هذا في الدعاء ، فماذا يكون الشأن في القرآن ؟ .


وإن كان المراد من الوجه المتقدم أن النبي - صلى الله عليه واله وسلم - قرأ على الحروف السبعة - ويشهد لهذا كثير من الروايات المتقدمة - فلا بد للقائل بهذا أن يدل على هذه الحروف السبعة التي قرأ بها النبي - صلى الله عليه واله وسلم - لان الله سبحانه قد وعد بحفظ ما أنزله : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون 9 : 15 " .


ثالثا : أنه صرحت الروايات المتقدمة بأن الحكمة في نزول القرآن على سبعة

  ( 1 ) التبيان 58 . ( * )  

 

-  ص 182 -

أحرف هي التوسعة على الامة ، لانهم لا يستطيعون القراءة على حرف واحد ، وأن هذا هو الذي دعا النبي الاستزادة إلى سبعة أحرف . وقد رأينا أن اختلاف القراءات أوجب أن يكفر بعض المسلمين بعضا . حتى حصر عثمان القراءة بحرف واحد ، وأمر بإحراق بقية المصاحف .


ويستنتج من ذلك امور : إن الاختلاف في القراءة كان نقمة على الامة . وقد ظهر ذلك في عصر عثمان ، فكيف يصح أن يطلب النبي صلى الله عليه واله وسلم من الله ما فيه فساد الامة . وكيف يصح على الله أن يجيبه إلى ذلك ؟ وقد ورد في

كثير من الروايات النهي عن الاختلاف . وأن فيه هلاك الامة . وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه واله وسلم تغير وجهه واحمر حين ذكر له الاختلاف في القراءة . وقد تقدم جملة منها ، وسيجئ بعد هذا جملة اخرى .


 2 - قد تضمنت الروايات المتقدمة أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال : إن أمتي لا تستطيع ذلك " القراءة على حرف واحد " وهذا كذب صريح ، لا يعقل نسبته إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم لانا نجد الامة بعد عثمان على اختلاف

عناصرها ولغاتها قد استطاعت أن تقرأ القرآن على حرف واحد ، فكيف يكون من العسر عليها أن تجتمع على حرف واحد في زمان النبي صلى الله عليه واله وسلم وقد كانت الامة من العرب الفصحى .


 3 - إن الاختلاف الذي أوجب لعثمان أن يحصر القراءة في حرف واحد قد اتفق في عصر النبي صلى الله عليه واله وسلم وقد أقر النبي صلى الله عليه واله وسلم كل قارئ على قراءته ، وأمر المسلمين بالتسليم لجميعها ، وأعلمهم بأن ذلك رحمة

من الله لهم ، فكيف صح لعثمان ، ولتابعيه سد باب الرحمة ، مع نهي النبي صلى الله عليه واله وسلم عن المنع عن قراءة القرآن ، وكيف جاز للمسلمين رفض قول النبي صلى الله عليه واله وسلم وأخذ قول عثمان وإمضاء عمله ، أفهل وجدوه

أرأف بالامة من نبيها أو أنه تنبه لشئ قد جهله النبي صلى الله عليه واله وسلم من قبل وحاشاه ، أو أن الوحي قد نزل على عثمان بنسخ تلك الحروف ؟ ! .

-  ص 183 -

وخلاصة الكلام : أن بشاعة هذا القول تغني عن التكلف عن رده ، وهذه هي العمدة في رفض المتأخرين من علماء أهل السنة لهذا القول .


ولاجل ذلك قد التجأ بعضهم كأبي جعفر محمد بن سعدان النحوي ، والحافظ جلال الدين السيوطي إلى القول بأن هذه الروايات من المشكل والمتشابه ، وليس يدري ما هو مفادها ( 1 ) مع أنك قد عرفت أن مفادها أمر ظاهر ، ولا يشك فيه الناظر إليها ، كما ذهب إليه واختاره أكثر العلماء .

 

 

( 1 ) التبيان ص 61 .

 

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب