|
- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 15 : - |
فضل القرآن
عجز الانسان عن وصف القرآن .
من هم أعرف الناس بمنزلته .
حديث الرسول في فضل القرآن .
صيانة القرآن من التلاعب .
عاصميته للامة من الاختلاف .
خلوده وشموله .
فضل قراءة القرآن .
الاحاديث الموضوعة في قراءته .
التدبر في القرآن .
معرفة تفسيره .
حث الكتاب ، والسنة ، وحكم العقل على التدبر في القرآن .
من الخير أن يقف الانسان دون ولوج هذا الباب ، وأن يتصاغر
أمام هذه لعظمة ، وقد يكون الاعتراف بالعجز خيرا من المضي في البيان .
ماذا يقول الواصف في عظمة القرآن ، وعلو كعبه ؟
وماذا يقول في بيان فضله ، وسمو مقامه ؟
وكيف يستطيع الممكن أن يدرك مدى كلام الواجب ؟
وماذا يكتب لكاتب في هذا الباب ؟
وماذا يتفؤه به الخطيب ؟
وهل يصف المحدود إلا محدودا ؟ .
وحسب القرآن عظمة ، وكفاه منزلة وفخرا أنه كلام الله العظيم ،
ومعجزة نبيه الكريم ، وأن آياته هي المتكفلة بهداية البشر في جميع شؤونهم
وأطوارهم في أجيالهم وأدوارهم ، وهي الضمينة لهم بنيل الغاية القصوى والسعادة
الكبرى في العاجل والآجل :
" إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم 17 : 9 .
كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز
الحميد 14 : 1 .
هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين 3 : 138 " . ( * ) ( البيان - 2 )
وقد ورد في الاثر عن النبي صلى الله عليه واله وسلم : " فضل
كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " ( 1 ) .
نعم من الخير أن يقف الانسان دون ولوج هذا الباب ، وأن يكل بيان فضل القرآن إلى
نظراء القرآن ، فإنهم أعرف الناس بمنزلته ، وأدلهم على سمو قدره ، وهم قرناؤه
في الفضل ، وشركاؤه في الهداية ، أما جدهم الاعظم فهو الصادع بالقرآن ، والهادي
إلى أحكامه ، والناشر لتعاليمه .
وقد قال صلى الله عليه واله وسلم : "
إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ،
وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " ( 2 ) .
فالعترة هم الادلاء على القرآن ، والعالمون بفضله
. فمن الواجب أن نقتصر على أقوالهم ، ونستضئ بإرشاداتهم . ولهم في فضل القرآن
أحاديث كثيرة جمعها شيخنا المجلسي في ( البحار ) الجزء التاسع عشر منه .
ونحن نكتفي بذكر بعض ما ورد : روى الحارث
الهمداني ( 3 ) قال : " دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث فدخلت على علي
فقلت : ألا ترى أن أناسا يخوضون في الاحاديث في المسجد ؟ فقال : قد فعلوها ؟
قلت : نعم ، قال : أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول :
| |
( 1 ) بحار الانوار ج 19 ص 6 ،
صحيح الترمذي بشرح ابن العربي ج 11 ص 47
، أبواب فضائل القرآن .
( 2 ) رواه الترمذي ج 13 ص 200 ، 201
مناقب أهل البيت . راجع بقية المصادر في قسم التعليقات رقم ( 1 ) .
( 3 ) انظر ترجمة الحارث وافتراء الشعبي عليه في قسم التعليقات رقم ( 2
) . ( * )
|
|
|
ستكون فتن ، قلت : وما المخرج منها ؟ قال : كتاب الله ، كتاب
الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم . هو الفصل ليس بالهزل ،
هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، فهو
حبل الله المتين ،
وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ
به الاهواء ، ولا تلتبس به الالسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة
الرد ، ولا تنقضي عجائبه . وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا : إنا
سمعنا قرآنا عجبا ،
هو الذي من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به اجر ،
ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم ، خذها اليك يا أعور " ( 1 ) .
وفي الحديث مغاز جليلة يحسن أن نتعرض لبيان أهمها
. يقول صلى الله عليه واله وسلم : " فيه نبأ ما كان قبلكم . وخبر ما بعدكم "
والذي يحتمل في هذه الجملة وجوه :
الاول : أن تكون إشارة إلى
اخبار النشأة الاخرى من عالمي البرزخ والحساب والجزاء على الاعمال . ولعل هذا
الاحتمال هو الاقرب ، ويدل على ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته : "
فيه نبأ من كان قبلكم والحكم فيما بينكم وخبر معادكم " ( 2 ) .
الثاني : أن تكون إشارة إلى
المغيبات التي أنبأ عنها القرآن ، مما يقع في الاجيال المقبلة .
| |
( 1 ) هكذا في سنن الدارمي ج 2 ص 435 ،
كتاب فضائل القرآن ومع اختلاف يسير في ألفاظه في
صحيح الترمذي ج 11 ص 30 أبواب فضائل القرآن . وفي
بحار الانوار ج 9 ص 7 عن تفسير العياشي .
( 2 ) بحار الانوار ج 19 ص 6 . ( * )
|
|
|
الثالث : أن يكون معناها أن
حوادث الامم السابقة تجري بعينها في هذه الامة ، فهي بمعنى قوله تعالى : * (
لتركبن طبقا عن طبق 84 : 19 ) * ، وبمعنى الحديث
المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله " لتركبن سنن من قبلكم " ( 1 ) .
أما قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " من تركه من جبار قصمه الله " فلعل فيه
ضمانا بحفظ القرآن عن تلاعب الجبارين ، بحيث يؤدي ذلك إلى ترك تلاوته وترك
العمل به ، والى جمعه من أيدي الناس كما صنع بالكتب الالهية السابقة ( 2 )
فتكون إشارة إلى حفظ القرآن من التحريف . وسنبحث عنه مفصلا .
وهذا أيضا هو معنى قوله في الحديث : " لا تزيغ به الاهواء " بمعنى لا تغيره عما
هو عليه ، لان معاني القرآن قد زاغت بها الاهواء فغيرتها . وسنبين ذلك مفصلا
عند تفسير الآيات إن شاء الله تعالى .
وأشار الحديث إلى أن الامة لو رجعوا إلى القرآن في خصوماتهم ، وما يلتبس عليهم
في عقائدهم وأعمالهم لاوضح لهم السبيل . ولوجدوه الحكم العدل ، والفاصل بين
الحق والباطل .
نعم ، لو أقامت الامة حدود القرآن ، واتبعت مواقع إشاراته وإرشاداته ، لعرفت
لحق وأهله ، وعرفت حق العترة الطاهرة الذين جعلهم النبي صلى الله عليه واله
وسلم قرناء الكتاب ، وأنهم الخليفة الثانية على الامة من بعده ( 3 ) ولو
استضاءت
الامة بأنوار معارف القرآن ، لامنت العذاب الواصب ، ولما تردت
في العمى ، ولا غشيتهم حنادس الضلال ، ولا عال سهم من فرائض الله ، ولا زلت قدم
عن الصراط السوي ، ولكنها أبت إلا الانقلاب على الاعقاب ، واتباع الاهواء ،
والانضواء
| |
( 1 ) ورد هذا اللفظ في كنز العمال ج 6 ص
40 ، من حديث سهل بن سعد . انظر بقية المصادر في قسم التعليقات رقم ( 3
) .
( 2 ) راجع الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص
34 ، لآية الله الحجة الشيخ محمد جواد البلاغي .
( 3 ) تقدم مصادر حديث الثقلين في ص 26 رقم ( 2 ) ، وفي بعض نصوصه
تصريح بأن القرآن والعترة خليفتا الرسول " ص " .( * )
|
|
|
إلى راية الباطل حق آل الامر إلى أن يكفر بعض المسلمين بعضا ،
ويتقرب إلى الله بقتله ، وهتك حرمته ، وإباحة ماله ، وأي دليل على إهمال الامة
للقرآن أكبر من هذا التشتت العظيم ؟ ! !
وقال أمير المؤمنين عليه السلام في صفة القرآن :
" ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ، وسراجا لا يخبو توقده ، وبحرا لا
يدرك قعره ، ومنهاجا لا يضل نهجه ، وشعاعا لا يظلم ضوءه ، وفرقانا لا يخمد
برهانه ، وتبيانا ( 1 ) لا تهدم
أركانه ، وشفاء لا تخشى أسقامه ، وعزا لا تهزم أنصاره ، وحقا
لا تخذل أعوانه ، فهومعدن الايمان وبحبوحته ، وينابيع العلم وبحوره ، ورياض
العدل وغدرانه ، وأثافي الاسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه
المنتزفون ، وعيون
لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل لا
يضل نهجها المسافرون ، وأعلام لا يعمى عنها السائرون ، وآكام لا يجوز عنها
القاصدون ، جعله الله ريا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومحاج لطرق
الصلحاء ، ودواء ليس
بعده داء ، ونورا ليس معه ظلمة ، وحبلا وثيقا عروته ، ومعقلا
منيعا ذروته ، وعزا لمن تولاه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن ائتم به ، وعذرا لمن
انتحله ، وبرهانا لمن تكلم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاج به ،
وحاملا لمن حمله ، ومطية لمن أعمله ، وآية لمن توسم ،
| |
( 1 ) في بحار الانوار " بنيانا " بدل "
تبيانا " . ( * )
|
|
|
وجنة لمن استلام ، وعلما لمن وعى ، وحديث لمن روى وحكما لمن
قضى " ( 1 ) .
وقد استعرضت هذه الخطبة الشريفة كثيرا من الامور المهمة التي يجب الوقوف عليها
، والتدبر في معانيها .
فقوله : " لا يخبو توقده " ( 2 ) يريد بقوله هذا وبكثير من
جمل هذه الخطبة أن القرآن لا تنتهي معانيه ، وأنه غض جديد إلى يوم القيامة .
فقد تنزل الآية في مورد أو في شخص أو في قوم ، ولكنها لا تختص بذلك المورد أو
ذلك الشخص أو أولئك القوم ، فهي عامة المعنى .
وقد روى العياشي بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام
في قوله تعالى ، * ( ولكل قوم هاد 12 : 8 ) * .
أنه قال : " علي : الهادي ، ومنا الهادي ، فقلت : فأنت جعلت فداك الهادي . قال
: صدقت إن القرآن حي لا يموت ، والآية حية لا تموت ، فلو كانت الآية إذا نزلت
في الاقوام وماتوا ماتت الآية لمات القرآن ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في
الماضين " .
وعن أبي عبد الله عليه السلام : " إن القرآن حي
لم يمت ، وإنه يجري كما يجري الليل والنهار ، وكما تجري الشمس والقمر ، ويجري
على آخرنا كما يجري على أولنا " .
| |
( 1 ) نهج البلاغة من خطبة أولها : "
يعلم عجيج الوحوش " .
|
( 2 ) خبت النار : خمد لهبها . ( * )
|
|
|
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام
أنه قال لعمر بن يزيد لما سأله عن قوله تعالى : " والذين
يصلون ما أمر الله به أن يوصل 13 : 21 " : " هذه نزلت في رحم آل محمد
صلى الله عليه واله وسلم وقد تكون في قرابتك ، فلا تكونن ممن يقول للشئ : إنه
في شئ واحد " .
وفي تفسير الفرات : " ولو أن الآية إذا نزلت في
قوم ثم مات اولئك ماتت الآية لما بقي من القرآن شئ ، ولكن القرآن يجري أوله على
آخره مادامت السماوات والارض ، ولكل قوم آية يتلوها هم منها من خير أو شر " .
إلى غير هذه من الروايات الواردة في المقام ( 1 ) .
" ومنها جالا يضل نهجه " يريد به : أن القرآن
طريق لا يضل سالكه ، فقد أنزله الله تعالى هداية لخلقه ، فهو حافظ لمن اتبعه عن
الضلال .
" وتبيانا لا تهدم أركانه " المحتمل في المراد من
هذه الجملة أحد وجهين :
( الاول ) أن أركان القرآن في
معارفه وتعاليمه ، وجميع ما فيه من الحقائق محكمة لا تقبل التضعضع والانهدام .
( الثاني ) أن القرآن بألفاظه
لا يتسرب إليه الخلل والنقصان ، فيكون فيها إيماء إلى حفظ القرآن عن التحريف .
" ورياض العدل وغدرانه " ( 2 ) معنى هذه الجملة : أن العدل بجميع نواحيه
| |
( 1 ) مرآة الانوار ص 3 ، 4 .
( 2 ) الرياض جمع روضة ، وهي الارض الخضرة بحسن النبات . والغدران جمع
غدير وهو الماء الذي تغدره السيول . والعدل الاستقامة |
|
|
من الاستقامة في العقيدة والعمل والاخلاق قد اجتمع في الكتاب
العزيز ، فهو مجمع العدالة وملتقى متفرقاتها .
" وأثافي الاسلام " ( 1 ) ومعنى ذلك : أن استقامة
الاسلام وثباته بالقرآن كما أن استقامة القدر على وضعه الخاص تكون بسبب الاثافي
.
" وأودية الحق وغيطانه " يريد بذلك : أن القرآن
منابت الحق ، وفى الجملة تشبيه القرآن بالارض الواسعة المطمئنة ، وتشبيه الحق
بالنبات النابت فيها . وفي ذلك دلالة على أن المتمسك بغير القرآن لا يمكن أن
يصيب الحق ، لان القرآن هو منبت الحق ، ولا حق في غيره .
" وبحر لا ينزفه المنتزفون " ( 2 ) ومعنى هذه
الجملة والجمل التي بعدها : أن المتصدين لفهم معاني القرآن لا يصلون إلى منتهاه
، لانه غير متناهي المعاني ، بل وفيها دلالة على أن معاني القرآن لا تنقص أصلا
، كما لا تنضب العيون الجارية بالسقاية منها .
" وآكام لا يجوز عنها القاصدون " ( 3 ) والمراد
أن القاصدين لا يصلون إلى أعالي الكتاب ليتجاوزوها . وفي هذا القول إشارة إلى
أن للقرآن بواطن لا تصل إليها أفهام اولي الافهام .
وسنبين هذا في ما سيأتي إن شاء الله تعالى . وقد يكون المراد أن القاصدين إذا
وصلوا إلى أعاليه وقفوا عندها ولم يطلبوا غيرها ، لانهم يجدون مقاصدهم عندها
على الوجه الاتم .
| |
( 1 ) الاثافي كأماني جمع اثفية - بالضم والكسر - وهي الحجارة التي
يوضع عليها القدر .
( 2 ) نزف ماء البئر : نزح كله .
( 3 ) والآكام جمع اكم ، كقصب ، وهو جمع أكمة ، كقصبة ، وهي التل . ( *
)
|
|
|
|