اللغات الفصيحة - لغات مضر - الاختلاف في القراءات

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 185 : -

4 - اللغات الفصيحة :


إن الاحرف السبعة هي اللغات الفصيحة من لغات العرب ، وأنها متفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش ، وبعضه بلغة هذيل ، وبعضه بلغة هوازن ، وبعضه وبعضه بلغة اليمن ، وبعضه بلغة كنانة ، وبعضه بلغة تميم ، وبعضه بلغة ثقيف . ونسب هذا القول إلى جماعة ، منهم : البيهقي ، والابهري ، وصاحب القاموس . ويرده :


 1 - ان الروايات المتقدمة قد عينت المراد من الاحرف السبعة ، فلا يمكن حملها على أمثال هذه المعاني التي لا تنطبق على موردها .

 2 - ان حمل الاحرف على اللغات ينافي ما روي عن عمر من قوله : نزل القرآن بلغة مضر ( 2 ) . وانه أنكر على ابن مسعود قراءته " عتى حين " أي حتى حين ، وكتب إليه أن القرآن لم ينزل بلغة هذيل ، فأقرئ الناس بلغة قريش ، ولا تقرئهم بلغة هذيل ( 3 ) .

 

( 1 ) تفسير الطبري ج 1 ص 24 .           ( 2 ) التبيان ص 64 .           ( 3 ) نفس المصدر ص 65 . ( * )

 

 

-  ص 186 -

وما روي عن عثمان أنه قال : " للرهط القرشيين الثلاثة ، إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل بلسانهم " ( 1 ) .


وما روى من : " أن عمر وهشام بن حكيم اختلفا في قراءة سورة الفرقان ، فقرأ هشام قراءة . فقال رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم - هكذا أنزلت ، وقرأ عمر قراءة غير تلك القراءة . فقال رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم - هكذا أنزلت ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف " ( 2 ) .


فإن عمر وهشام كان كلاهما من قريش ، فلم يكن حينئذ ما يوجب اختلافهما في القراءة ، ويضاف إلى جميع ذلك أن حمل الاحرف على اللغات قول بغير علم ، وتحكم من غير دليل .


 3 - أن القائلين بهذا القول إن أرادوا أن القرآن اشتمل على لغات اخرى ، كانت لغة قريش خالية منها ، فهذا المعنى خلاف التسهيل على الامة ، الذي هو الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف ، على ما نطقت الروايات بذلك ، بل هو خلاف

الواقع ، فإن لغة قريش هي المهيمنة على سائر لغات العرب ، وقد جمعت من هذه اللغات ما هو أفصحها ، ولذلك استحقت أن توزن بها العربية ، وأن يرجع إليها في قواعدها . وإن أرادوا أن القرآن مشتمل على لغات اخرى ، ولكنها تتحد مع لغة

قريش ، فلا وجه للحصر بلغات سبع ، فإن في القرآن ما يقرب من خمسين لغة . فعن أبي بكر الواسطي : في القرآن من اللغات خمسون لغة ، وهي لغات قريش ، وهذيل ، وكنانة ، وخثعم ، والخزرج ، وأشعر ، ونمير . . . ( 3 )

 

( 1 ) صحيح البخاري باب نزل القرآن بلسان قريش ص 156 .
( 2 ) أشرنا إلى هذه الرواية في ما تقدم من هذا الكتاب .
( 3 ) راجع الاتقان ج 1 النوع 37 ص 230 ، 204 . ( * )

 

 

-  ص 187 -

 5 - لغات مضر :


إن الاحرف السبعة هي سبع لغات من لغات مضر خاصة . وإنها متفرقة في القرآن ، وهي لغات قريش ، وأسد ، وكنانة ، وهذيل ، وتميم ، وضبة ، وقيس . ويرد عليه جميع ما أوردناه على الوجه الرابع .


 6 - الاختلاف في القراءات :

إن الاحرف السبعة هي وجوه الاختلاف في القراءات . قال بعضهم : إني تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا .

فمنها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل . " هن أطهر لكم " بضم أطهر وفتحه .

ومنها ما تتغير صورته ويتغير معناه بالاعراب مثل : " ربنا باعد بين أسفارنا " بصيغة الامر والماضي .

ومنها ما تبقى صورته ويتغير معناه باختلاف الحروف مثل : " كالعهن المنفوش وكالصوف المنفوش " .

ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل : " وطلح منضود وطلع منضود " .

ومنها بالتقديم والتأخير مثل : " وجاءت سكرة الموت بالحق ، وجاءت سكرة الحق بالموت " .

ومنها بالزيادة والنقصان : " تسع وتسعون نعجة انثى . وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين .

فإن الله من بعد اكراههن لهن غفور رحيم " .

ويرده : 1 - أن ذلك قول لا دليل عليه ، ولا سيما أن المخاطبين في تلك الرويات لم يكونوا يعرفون من ذلك شيئا .

-  ص 188 -

 2 - أن من وجوه الاختلاف المذكورة ما يتغير فيه المعنى وما لا يتغير ، ومن الواضع أن تغير المعنى وعدمه لا يوجب الانقسام إلى وجهين ، لان حال اللفظ والقراءة لا تختلف بذلك ، ونسبة الاختلاف إلى اللفظ في ذلك من قبيل وصف الشئ بحال متعلقة . ولذلك يكون الاختلاف في " طلح منضود . وكالعهن المنفوش " قسما واحدا .


 3 - أن من وجوه الاختلاف المذكور بقاء الصورز للفظ ، وعدم بقائها ، ومن الواضح أيضا أن ذلك لا يكون سببا للانقسام ، لان بقاء الصورة إنما هو في المكتوب لا في المقروء ، والقرآن اسم للمقروء لا للمكتوب والمنزل من السماء إنما كان لفظا لا كتابة . وعلى هذا يكون الاختلاف في " وطلح . وننشزها " وجها واحدا لا وجهين .


 4 - ان صريح الروايات المتقدمة أن القرآن نزل في ابتداء الامر على حرف واحد . ومن البين أن المراد بهذا الحرف الواحد ليس هو أحد الاختلافات المذكورة ، فكيف يمكن أن يراد بالسبعة مجموعها ! .


 5 - أن كثيرا من القرآن موضع اتفاق بين القراء ، وليس موردا للاختلاف ، فإذا أضفنا موضع الاتفاق إلى موارد الاختلاف بلغ ثمانية . ومعنى هذا أن القرآن نزل على ثمانية أحرف .


 6 - أن مورد الروايات المتقدمة هو اختلاف القراء في الكلمات ، وقد ذكر ذلك في قصة عمر وغيرها . وعلى ما تقدم فهذا الاختلاف حرف واحد من السبعة ، ولا يحتاج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في رفع خصومتهم إلى الاعتذار بأن

القرآن نزل على الاحرف السبعة ، وهل يمكن أن يحمل نزول جبريل بحرف ، ثم بحرفين ، ثم بثلاثة . ثم بسبعة على هذه الاختلافات ؟ ! وقد أنصف الجزائري في قوله : " والاقوال في هذه المسألة كثيرة ، وغالبها بعيد عن الصواب " .

وكأن القائلين

-  ص 189 -

بذلك ذهلوا عن مورد حديث انزل القرآن على سبعة أحرف ، فقالوا ما قالوا ( 1 ) .


 7 - اختلاف القراءات بمعنى آخر :

ان الاحرف السبعة هي وجوه الاختلاف في القراءة ، ولكن بنحو آخر غير ما تقدم . وهذا القول اختاره الزرقاني ، وحكاه عن أبي الفضل الرازي في اللوائح . فقال : الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف

الاول : اختلاف الاسماء من إفراد ، وتثنية ، وجمع ، وتذكير ، وتأنيث .
الثاني : اختلاف تصريف الافعال من ماض ، ومضارع ، وأمر .
الثالث : اختلاف الوجوه في الاعراب .
الرابع : الاختلاف بالنقص والزيادة .
الخامس : الاختلاف بالتقديم والتأخير .
السادس : الاختلاف بالابدال .
السابع : اختلاف اللغات " اللهجات " كالفتح ، والامالة ، والترقيق ، والتفخيم ، والاظهار ، والادغام ، ونحو ذلك .


ويرد عليه : ما أوردناه على الوجه السادس في الاشكال الاول والرابع والخامس منه ، ويرده أيضا : أن الاختلاف في الاسماء يشترك مع الاختلاف في الافعال في كونهما اختلافا في الهيئة ، فلا معنى لجعله قسما آخر مقابلا له .


ولو راعينا الخصوصيات في هذا التقسيم لوجب علينا أن نعد كل واحد من الاختلاف في التثنية ، والجمع ، والتذكير ، والتأنيث ، والماضي ، والمضارع ، والامر قسما مستقلا . ويضاف إلى ذلك أن الاختلاف في الادغام ، والاظهار ، والروم ، والاشمام ، والتخفيف

 

( 1 ) التبيان ص 59 . ( * )

 

 

-  ص 190 -

والتسهيل في اللفظ الواحد لا يخرجه عن كونه لفظا واحدا . وقد صرح بذلك ابن قتيبة على ما حكاه الزرقاني عنه ( 1 ) .


والصحيح أن وجوه الاختلاف في القراءة ترجع إلى ستة أقسام :

الاول : الاختلاف في هيئة الكلمة دون مادتها ، كالاختلاف في لفظة " باعد " بين صيغة الماضي والامر ، وفي كلمة " أمانتهم " بنى الجمع والافراد .

الثاني : الاختلاف في مادة الكلمة دون هيئتها ، كالاختلاف في لفظة " ننشرها " بين الراء والزي .

الثالث : الاختلاف في المادة والهيئة كالاختلاف في " العهن والصوف " .

الرابع : الاختلاف في هيئة الجملة بالاعراب ، كالاختلاف " وأرجلكم " بين النصب والجر .

الخامس : الاختلاف بالتقديم والتأخير ، وقد تقدم مثال ذلك .

السادس : الاختلاف بالزيادة والنقيصة ، وقد تقدم مثاله أيضا .

 

 

( 1 ) مناهل العرفان 154 . ( * )

 

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب