الكثرة في الاحاد - سبع قراءات - اللهجات المختلفة

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 190 : -

 8 - الكثرة في الاحاد :


ان لفظ السبعة يراد منه الكثرة في الاحاد ، كما يراد من لفظ السبعين والسبعمائة الكثرة في العشرات أو المئات . ونسب هذا القول إلى القاضي عياض ومن تبعه .

ويرده : ان هذا خلاف ظاهر الروايات ، بل خلاف صريح بعضها . على أن هذا لا

-  ص 191 -

يعد قولا مستقلا عن الوجوه الاخرى ، لانه لم يعين معنى الحروف فيه ، فلا بد وان يراد من الحروف أحد المعاني المذكورة في الوجوه المتقدمة ويرد عليه ما يرد من الاشكال على تلك الوجوه .


 9 - سبع قراءات :

ومن تلك الوجوه ان الاحرف السبعة " موضوعة البحث " هي سبع قراءات . ويرده : ان هذه القراءات السبع إن اريد بها السبع المشهورة ، فقد أوضحنا للقارئ بطلان هذا الاحتمال في البحث عن تواتر القراءات - وقد تقدم ذلك - في باب " نظرة في القراءات " .


وان اريد بها قراءات سبع عى إطلاقها ، فمن الواضح أن عدد القراءات أكثر من ذلك بكثير ، ولا يمكن أن يوجه ذلك بأن غاية ما ينتهي إليه اختلاف القراءات أكثر من ذلك بكثير ، الواحدة هي السبع ، لانه إن اريد أن الغالب في كلمات القرآن أن تقرأ على سبعة وجوه فهذا باطل ، لان الكلمات التي تقرأ على سبعة وجوه قليلة جدا .


وإن اريد أن ذلك موجود في بعض الكلمات وعلى سبيل الايجاب الجزئي فمن الواضح أن في كلمات القرآن ما يقرأ بأكثر من ذلك فقد قرأت كلمة " وعبد الطاغوت " بإثنين وعشرين وجها ، وفي كلمة " أف " أكثر من ثلاثين وجها . ويضاف إلى ما تقدم ان هذا القول لا ينطبق على مورد الروايات ، ومثله أكثر الاقوال في المسألة .


 10 - اللهجات المختلفة :

إن الاحرف السبع يراد بها اللهجات المختلفة في لفظ واحد ، اختاره الرافعي في كتابه ( 1 ) .

 

( 1 ) إعجاز القرآن 70 . ( * )

 

 

-  ص 192 -

وتوضيح القول : أن لكل قوم من العرب لهجة خاصة في تأدية بعض الكلمات ، ولذلك نرى العرب يختلفون في تأدية الكلمة الواحدة حسب اختلاف لهجاتهم . فالقاف في كلمة " يقول " مثلا يبدلها العراقي بالكاف الفارسية ، ويبدلها الشامي بالهمزة ،

وقد أنزل القرآن على جميع هذه اللهجات للتوسعة على الامة ، لان الالتزام بلهجة خاصة من هذه اللهجات فيه تضييق على القبائل الاخرى التي لم تألف هذه اللهجة ، والتعبير بالسبع إنما هو رمز إلى ما ألفوه من معنى الكمال في هذه اللفظة ، فلا ينافي ذلك كثرة اللهجات العربية ، وزيادتها على السبع .


الرد : وهذا الوجه - على أنه أحسن الوجوه التي قيلت في هذا المقام - غير تام أيضا :

 1 - لانه ينافي ما ورد عن عمر وعثمان من أن القرآن نزل بلغة قريش ، وأن عمر منع ابن مسعود من قراءة " عتى حين "

 2 - ولانه ينافي مخاصمة عمر مع هشام بن حكيم في الراءة ، مع أن كليهما من قريش .

 3 - ولانه ينافي مورد الروايات ، بل وصراحة بعضها في أن الاختلاف كان في جوهر اللفظ ، لا في كيفية أدائه ، وان هذا من الاحرف التي نزل بها القرآن .

 4 - ولان حمل لفظ السبع - على ما ذكره خلاف - ظاهر الروايات ، بل وخلاف صريح بعضها .

 5 - ولان لازم هذا القول جواز القراءة فعلا باللهجات المتعددة ، وهو خلاف السيرة القطعية من جميع المسلمين ، ولا يمكن أن يدعي نسخ جواز القراءة بغير اللهجة الواحدة المتعارفة ، لانه قول بغير دليل ، ولا يمكن لقائله أن يستدل على النسخ

بالاجماع القطعي على ذلك ، لان مدرك الاجماع إنما هو عدم ثبوت نزول القرآن على اللهجات المختلفة ، فإذا فرضنا ثبوت ذلك كما يقوله أصحاب هذا القول فكيف يمكن تحصيل الاجماع على ذلك ؟ مع أن إصرار

-  ص 193 -

النبي - صلى الله عليه واله وسلم - على نزول القرآن على سبعة أحرف إنما كان للتوسعة على الامة ، فكيف يمكن أن يختص ذلك بزمان قليل بعد نزول القرآن ، وكيف يصح أن يقوم على ذلك إجماع أو غيره من الادلة ؟ !


ومن الواضح أن الامة - بعد ذلك - أكثر احتياجا إلى التوسعة ، لان المعتنقين للاسلام في ذلك الزمان قليلون . فيمكنهم أن يجتمعوا في قراءة القرآن على لهجة واحدة ، وهذا بخلاف المسلمين في الازمنة المتأخرة ، ولنقتصر على ما ذكرنا من الاقوال فإن فيه كفاية عن ذكر البقية والتعرض لجوابها وردها .


وحاصل ما قدمناه : أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يرجع إلى معنى صحيح ، فلا بد من طرح الروايات الدالة عليه ، ولا سيما بعد أن دلت أحاديث الصادقين - ع - على تكذيبها ، وأن القرآن إنما نزل على حرف واحد ، وان الاختلاف قد جاء من قبل الرواة . ( البيان - 13 )

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب