ومن تلك الوجوه ان الاحرف السبعة " موضوعة البحث " هي سبع
قراءات . ويرده : ان هذه القراءات السبع إن اريد بها السبع المشهورة ، فقد
أوضحنا للقارئ بطلان هذا الاحتمال في البحث عن تواتر القراءات - وقد تقدم ذلك -
في باب " نظرة في القراءات " .
وان اريد بها قراءات سبع عى إطلاقها ، فمن الواضح أن عدد القراءات أكثر من ذلك
بكثير ، ولا يمكن أن يوجه ذلك بأن غاية ما ينتهي إليه اختلاف القراءات أكثر من
ذلك بكثير ، الواحدة هي السبع ، لانه إن اريد أن الغالب في كلمات القرآن أن
تقرأ على سبعة وجوه فهذا باطل ، لان الكلمات التي تقرأ على سبعة وجوه قليلة جدا
.
وإن اريد أن ذلك موجود في بعض الكلمات وعلى سبيل الايجاب الجزئي فمن الواضح أن
في كلمات القرآن ما يقرأ بأكثر من ذلك فقد قرأت كلمة " وعبد الطاغوت " بإثنين
وعشرين وجها ، وفي كلمة " أف " أكثر من ثلاثين وجها . ويضاف إلى ما تقدم ان هذا
القول لا ينطبق على مورد الروايات ، ومثله أكثر الاقوال في المسألة .
وتوضيح القول : أن لكل قوم من
العرب لهجة خاصة في تأدية بعض الكلمات ، ولذلك نرى العرب يختلفون في تأدية
الكلمة الواحدة حسب اختلاف لهجاتهم . فالقاف في كلمة " يقول " مثلا يبدلها
العراقي بالكاف الفارسية ، ويبدلها الشامي بالهمزة ،
وقد أنزل القرآن على جميع هذه اللهجات للتوسعة على الامة ،
لان الالتزام بلهجة خاصة من هذه اللهجات فيه تضييق على القبائل الاخرى التي لم
تألف هذه اللهجة ، والتعبير بالسبع إنما هو رمز إلى ما ألفوه من معنى الكمال في
هذه اللفظة ، فلا ينافي ذلك كثرة اللهجات العربية ، وزيادتها على السبع .
الرد : وهذا الوجه - على أنه أحسن الوجوه التي
قيلت في هذا المقام - غير تام أيضا :
1 - لانه ينافي ما ورد عن عمر وعثمان من أن القرآن نزل
بلغة قريش ، وأن عمر منع ابن مسعود من قراءة " عتى حين "
2 - ولانه ينافي مخاصمة عمر مع هشام بن حكيم في الراءة
، مع أن كليهما من قريش .
3 - ولانه ينافي مورد الروايات ، بل وصراحة بعضها في أن
الاختلاف كان في جوهر اللفظ ، لا في كيفية أدائه ، وان هذا من الاحرف التي نزل
بها القرآن .
4 - ولان حمل لفظ السبع - على ما ذكره خلاف - ظاهر
الروايات ، بل وخلاف صريح بعضها .
5 - ولان لازم هذا القول جواز القراءة فعلا باللهجات
المتعددة ، وهو خلاف السيرة القطعية من جميع المسلمين ، ولا يمكن أن يدعي نسخ
جواز القراءة بغير اللهجة الواحدة المتعارفة ، لانه قول بغير دليل ، ولا يمكن
لقائله أن يستدل على النسخ
بالاجماع القطعي على ذلك ، لان مدرك الاجماع إنما هو عدم ثبوت
نزول القرآن على اللهجات المختلفة ، فإذا فرضنا ثبوت ذلك كما يقوله أصحاب هذا
القول فكيف يمكن تحصيل الاجماع على ذلك ؟ مع أن إصرار
النبي - صلى الله عليه واله وسلم - على نزول القرآن على سبعة
أحرف إنما كان للتوسعة على الامة ، فكيف يمكن أن يختص ذلك بزمان قليل بعد نزول
القرآن ، وكيف يصح أن يقوم على ذلك إجماع أو غيره من الادلة ؟ !
ومن الواضح أن الامة - بعد ذلك - أكثر احتياجا إلى التوسعة ، لان المعتنقين
للاسلام في ذلك الزمان قليلون . فيمكنهم أن يجتمعوا في قراءة القرآن على لهجة
واحدة ، وهذا بخلاف المسلمين في الازمنة المتأخرة ، ولنقتصر على ما ذكرنا من
الاقوال فإن فيه كفاية عن ذكر البقية والتعرض لجوابها وردها .
وحاصل ما قدمناه : أن نزول القرآن على سبعة أحرف
لا يرجع إلى معنى صحيح ، فلا بد من طرح الروايات الدالة عليه ، ولا سيما بعد أن
دلت أحاديث الصادقين - ع - على تكذيبها ، وأن القرآن إنما نزل على حرف واحد ،
وان الاختلاف قد جاء من قبل الرواة . ( البيان - 13 )