|
- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 195 : - |
صيانة القرآن من التحريف
وقوع التحريف المعنوي في القرآن باتفاق المسلمين
.
التحريف الذي لم يقع في القرآن بلا خلاف .
التحريف الذي وقع فيه الخلاف .
تصريحات أعلام الامامية بعدم التحريف كجزء من معتقداتهم .
نسخ التلاوة مذهب
مشهور بين علماء أهل السنة .
كلمات مشاهير الصحابة في وقوع التحريف .
القول
بنسخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف .
الادلة الخمسة على نفي التحريف . شبهات
القائلين بالتحريف .
يحسن بنا - قبل الخوض في صميم الموضوع - أن نقدم أمام البحث
امورا ، لها صلة بالمقصود ، لا يستغنى عنها في تحقيق الحال وتوضيحها .
1 - معنى التحريف :
يطلق لفظ التحريف ويراد منه عدة معان على سبيل الاشتراك ،
فبعض منها واقع في القرآن باتفاق من المسلمين ، وبعض منها لم يقع فيه باتفاق
منهم أيضا ، وبعض منها وقع الخلاف بينهم . واليك تفصيل ذلك ( 1 ) :
الاول : " نقل الشئ عن موضعه
وتحويله إلى غيره " ومنه قوله تعالى : " من الذين هادوا
يحرفون الكلم عن مواضعه 4 : 46 " . ولا خلاف بين المسلمين في وقوع مثل
هذا التحريف في كتاب الله فإن كل من فسر القرآن بغير حقيقته ، وحمله على غير
معناه فقد حرفه .
وترى كثيرا من أهل البدع ، والمذاهب الفاسدة قد
حرفوا القرآن بأويلهم آياته على آرائهم وأهوائهم . وقد ورد المنع عن التحريف
بهذا المعنى ، وذم فاعله في عدة من الروايات .
| |
( 1 ) انظر التعليقة رقم ( 6 ) تقديم دار التقريب لهذا البحث في قسم
التعليقات . ( * )
|
|
|
منها : رواية الكافي بإسناده عن الباقر عليه السلام أنه كتب
في رسالته إلى سعد الخير : " وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا
حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء
يحزنهم تركهم للرعاية . . . " ( 1 ) .
الثاني " النقص أو الزيادة في الحروف أو في
الحركات ، مع حفظ القرآن وعدم ضياعه ، وإن لم يكن متميزا في الخارج عن غيره " .
والتحريف بهذا المعنى واقع في القرآن قطعا ، فقد أثبتنا لك فيما تقدم عدم تواتر
القراءات ، ومعنى هذا أن القرآن المنزل إنما هو مطابق لاحدى القراءات ، وأما
غيرها فهو إما زيادة في القرآن وإما نقيصة فيه .
الثالث : " النقص أو الزيادة بكلمة أو كلمتين ،
مع التحفظ على نفس القرآن المنزل " . والتحريف بهذا المعنى قد وقع في صدر
الاسلام ، وفي زمان الصحابة قطعا ، ويدلنا على ذلك إجماع المسلمين على أن عثمان
أحرق جملة من المصاحف
وأمر ولاته بحرق كل مصحف غير ما جمعه ، وهذا يدل على أن هذه
المصاحف كانت مخالفة لما جمعه ، وإلا لم يكن هناك سبب موجب لاحراقها ، وقد ضبط
جماعة من العلماء موارد الاختلاف بين المصاحف، منهم عبد الله ابن أبي دود
السجستاني
، وقد سمى كتابه هذا بكتاب المصاحف . وعلى ذلك فالتحريف واقع
لا محالة إما من عثمان أو من كتاب تلك المصاحف ، ولكنا سنبين بعد هذا إن شاء
الله تعالى أن ما جمعه عثمان كان هو القرآن المعروف بين المسلمين ، الذى
تداولوه على النبي
| |
( 1 ) الوافي آخر كتاب الصلاة ص 274 .
|
|
|
- ص - يدا بيد .
فالتحريك بالزيادة والنقيصة إنما وقع في تلك المصاحف التي
انقطعت بعد عهد عثمان ، وأما القرآن الموجود فليس فيه زيادة ولا نقيصة .
وجملة القول : إن من يقول بعدم تواتر تلك المصاحف - كما هو
الصحيح - فالتحريف بهذا المعنى وإن كان قد وقع عنده في الصدر الاول إلا أنه قد
انقطع في زمان عثمان ، وانحصر المصحف بما ثبت تواتره عن النبي - ص - وأما
القائل بتواتر المصاحف بأجمعها ، فلا بد له من الالترام بوقوع التحريف بالمعنى
المتنازع فيه في القرآن المنزل ، وبضياع شئ منه .
وقد مر عليك تصريح الطبري ، وجماعة آخرين بإلغاء عثمان للحروف
الستة التي نزل بها القرآن ، واقتصاره على حرف واحد ( 1 ) .
الرابع : " التحريف بالزيادة والنقيصة في الاية
والسورة مع التحفظ على القرآن المنزل ، والتسالم على قراءة النبي - ص - إياها "
. والتحريف بهذا المعنى أيضا واقع في القرآن قطعا .
فالبسملة - مثلا - مما تسالم المسلمون على أن النبي - ص - قرأها قبل كل سورة
غير سورة التوبة وقد وقع الخلاف في كونها من القرآن بين علماء السنة ، فاختار
جمع منهم أنها ليست من القرآن ، بل ذهبت المالكية إلى كراهة الاتيان بها قبل
قراءة الفاتحة في الصلاة المفروضة ، إلا إذا نوى به المصلي
الخروج من الخلاف ، وذهب جماعة اخرى إلى أن البسملة من القرآن .
وأما الشيعة فهم متسالمون على جزئية البسملة من كل سورة غير سورة التوبة ،
واختار هذا القول جماعة من علماء السنة أيضا - وستعرف تفصيل ذلك عند تفسيرنا
سورة الفاتحة - وإذن فالقرآن المنزل من السماء قد وقع فيه التحريف يقينا ،
بالزيادة أو بالنقيصة .
| |
( 1 ) في موضع نزول القرآن على سبعة أحرف ص 196 من هذا الكتاب . ( * )
|
|
|
الخامس : " التحريف بالزيادة
بمعنى أن بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل " . والتحريف بهذا
المعنى باطل بإجماع المسلمين ، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة .
السادس : " التحريف بالنقيصة ، بمعنى أن المصحف
الذي بأيدينا لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء ، فقد ضاع بعضه على
الناس " . والتحريف بهذا المعنى هو الذي وقع فيه الخلاف فأثبته قوم ونفاه آخرون
.
2 - رأي المسلمين في التحريف :
المعروف بين المسلمين عدم وقوع التحريف في القرآن ، وأن
الموجود بأيدينا هو جميع القرآن المنزل على النبي الاعظم - ص - ، وقد صرح بذلك
كثير من الاعلام .
منهم رئيس المحدثين الصدوق محمد بن بابويه ، وقد
عد القول بعدم التحريف من معتقدات الامامية . ومنه شيخ الطائفة أبو جعفر محمد
بن الحسن الطوسي ، وصرح بذلك في أول تفسيره " التبيان " ونقل القول بذلك أيضا
عن شيخه علم الهدى السيد المرتضى ، واستدلاله على ذلك بأتم دليل .
ومنهم المفسر الشهير الطبرسي في مقدمة تفسيره "
مجمع البيان " ، ومنهم شيخ الفقهاء الشيخ جعفر في بحث القرآن من كتابه " كشف
الغطاء " وادعى الاجماع على ذلك ومنهم العلامة الجليل الشهشهاني في بحث القرآن
من كتابه " العروة الوثقى " ونسب القول بعدم التحريف إلى جمهور المجتهدين .
ومنه المحدث الشهير المولى محسن القاساني في كتابيه ( 1 ) .
ومنهم بطل العلم المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي
في مقدمة تفسيره " آلاء الرحمن " .
| |
( 1 ) الوافي ج 5 ص 274 ، وعلم
اليقين ص 130 . ( * )
|
|
|
وقد نسب جماعة القول بعدم التحريف إلى كثير من الاعاظم . منهم شيخ المشايخ
المفيد ، والمتبحر الجامع الشيخ البهائي ، والمحقق القاضي نور الله ، وأضرابهم
.
وممن يظهر منه القول بعدم التحريف : كل من كتب في
الامامة من علماء الشيعة وذكر فيه المثالب ، ولم يتعرض للتحريف ، فلو كان هؤلاء
قائلين بالتحريف لكان ذلك أولى بالذكر من إحراق المصحف وغيره .
وجملة القول : أن المشهور بين علماء الشيعة
ومحققيهم ، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف . نعم ذهب جماعة من
المحدثين من الشيعة ، وجمع من علماء أهل السنة إلى وقوع التحريف .
قال الرافعي : فذهب جماعة من أهل الكلام ممن لا
صناعة لهم إلا الظن والتأويل ، واستخراج الاساليب الجدلية من كل حكم وكل قول
إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شئ ، حملا على ما وصفوا من كيفية جمعه
( 1 ) وقد نسب الطبرسي في " مجمع البيان " هذا القول إلى الحشوية من العامة .
أقول : سيظهر لك - بعيد هذا - أن القول بنسخ
التلاوة هو بعينه القول بالتحريف ، وعليه فاشتهار القول بوقوع
| |
( 1 ) إعجاز القرآن ص 41 . ( * )
|
|
|
|