والحق . بعد هذا كله ان التحريف " بالمعنى الذي وقع النزاع فيه " غير واقع في
القرآن أصلا بالادلة التالية :
الدليل الاول - قوله تعالى : "
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون 15 : 9 " .
فإن في هذه الاية دلالة على حفظ القرآن من التحريف ، وأن الايدي الجائرة لن
تتمكن من التلاعب فيه .
والقائلون بالتحريف قد أولوا هذه الاية الشريفة ،
وذكروا في تأويلها وجوها : الاول : " أن الذكر هو الرسول " فقد ورد استعمال
الذكر فيه في قوله تعالى : " قد أنزل الله إليكم ذكرا
65 : 10 . رسولا يتلوا عليكم آيات الله :
11 " .
وهذا الوجه بين الفساد : لان المراد بالذكر هو القرآن في كلتا
الايتين بقرينة التعبير " بالتنزيل والانزال " ولو كان المراد هو الرسول لكان
المناسب أن يأتي
بلفظ " الارسال " أو بما يقاربه في المعنى ، على ان هذا
الاحتمال إذ تم في الاية التانية فلا يتم في آية الحفظ ، فإنها مسبوقة بقوله
تعالى : " وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك
لمجنون 15 : 6 " . ولا شبهة في أن المراد بالذكر في هذه الاية هو القرآن
، فتكون قرينة على أن المراد من الذكر في آية الحفظ هو القرآن أيضا .
الثاني : " أن يراد من حفظ القرآن صيانته عن
القدح فيه ، وعن إبطال ما يتضمنه من المعاني العالية ، والتعاليم الجليلة " .
وهذا الاحتمال أبين فساد من الاول : لان صيانته عن القدح إن أريد بها حفظه من
قدح الكفار والمعاندين فلا ريب في بطلان
ذلك ، لان قدح هؤلاء في القرآن فوق حد الاحصاء . وان أريد أن
القرآن رصين المعاني ، قوي الاستدلال مستقيم الطريقة ، وأنه لهذه الجهات ونحوها
أرفع مقاما من أن يصل إليه قدح القادحين ، وريب المرتابين فهو صحيح ولكن هذه
ليس من الحفظ
بعد التنزيل كما تقوله الاية ، لان القرآن بما له من الميزات
حافظ لنفسه ، وليس محتاجا إلى حافظ آخر ، وهو غير مفاد الاية الكريمة ، لانها
تضمنت حفظه بعد التنزيل .
الثالث : " أن الاية دلت على حفظ القرآن في
الجملة ، ولم تدل على حفظ كل فرد من أفراد القرآن ، فإن هذا غير مراد من الاية
بالضرورة وإذا كان المراد حفظه في الجملة ، كفى في ذلك حفظه عند الامام الغائب
عليه السلام " .
وهذا الاحتمال أوهن الاحتمالات : لان حفظ القرآن يجب أن يكون
عند من انزل إليهم وهم عامة البشر ، أما حفظه عند الامام عليه السلام فهو نظير
حفظه في
اللوح المحفوظ ، أو عند ملك من الملائكة ، وهو معنى تافه يشبه
قول القائل : إني أرسلت اليك بهدية وأنا حافظ لها عندي ، أو عند بعض خاصتي .
ومن الغريب قول هذا القائل إن المراد في الاية
حفظ القرآن في الجملة ، لا حفظ كل فرد من أفراده ، فكأنه توهم أن المراد بالذكر
هو القران المكتوب ، أو الملفوظ لتكون له أفراد كثيرة ، ومن الواضح أن المراد
ليس ذلك ، لان القرآن المكتوب أو
الملفوظ لا دوام له خارجا ، فلا يمكن أن يراد من آية الحفظ
وإنما المراد بالذكر هو المحكي بهذا القرآن الملفوظ أو المكتوب ، وهو المنزل
على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والمراد بحفظه صيانته عن التلاعب ، وعن
الضياع ، فيمكن للبشر
عامة أن يصلوا إليه ، وهو نظير قولنا القصيدة الفلانية محفوظة
، فإنا نريد من حفظها صيانتها ، وعدم ضياعها بحيث يمكن الحصول عليها .
نعم هنا شبهة اخرى ترد على الاستدلال بالاية الكريمة على عدم
التحريف .
وحاصل هذه الشبهة أن مدعي
التحريف في القرآن يحتمل وجود التحريف في هذه الاية نفسها ، لانها بعض آيات
القرآن ، فلا يكون الاستدلال بها صحيحا حتى يثبت عدم التحريف ، فلو أردنا أن
نثبت عدم التحريف بها كان ذلك من الدور الباطل .
وهذه شبهة تدل على عزل العترة الطاهرة عن الخلافة الالهية ،
ولم يعتمد على أقوالهم وأفعالهم، فإنه لا يسعه دفع هذه الشبهة ، وأما من يرى
أنهم حجج الله على خلقه ، وأنهم قرناء الكتاب في وجوب التمسك فلا ترد عليه هذه
الشبهة ، لان استدلال
العترة بالكتاب ، وتقرير أصحابهم عليه يكشف عن حجية الكتاب
الموجود ، وإن قيل بتحريفه ، غاية الامر أن حجية الكتاب على القول بالتحريف
تكون متوقفة على إمضائهم . ( البيان - 14 )
الدليل الثاني قوله تعالى: "
وإنه لكتاب عزيز 41 : 41 .
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: 42 " .
فقد دلت هذه الاية الكريمة على نفي الباطل بجميع أقسامه عن الكتاب فإن النفي
إذا ورد على الطبيعة أفاد العموم ، ولا شبهة في أن التحريف من أفراد الباطل ،
فيجب أن لا يتطرق إلى الكتاب العزيز .
وقد أجيب عن هذا الدليل : بأن المراد من الاية صيانة الكتاب
من التناقض في أحكامه ، ونفي الكذب عن أخباره ، واستشهد لذلك برواية علي بن
إبراهيم القمي ، في تفسيره عن الامام الباقر عليه السلام قال : " لا يأتيه
الباطل من قبل التوراة ، ولا من قبل الانجيل ، والزبور ، ولا من خلفه أي لا
يأتيه من بعده كتاب يبطله "
ورواية مجمع البيان عن الصادقين - ع - أنه : " ليس في اخباره عما مضى باطل ،
ولا في اخباره عما يكون في المستقبل باطل " .
ويرد هذا الجواب : أن الرواية
لا تدل على حصر الباطل في ذلك ، لتكون منافية لدلالة الاية على العموم ، وخصوصا
إذا لا حظنا الروايات التي دلت على أن معاني القرآن لا تختص بموارد خاصة ، وقد
تقدم بعض هذه الروايات في مبحث " فضل
القرآن " فالاية دالة على تنزيه القرآن في جميع الاعصار عن
الباطل بجميع أقسامه ، والتحريف من أظهر أفراد الباطل فيجب أن يكون مصونا عنه ،
ويشهد لدخول التحريف في الباطل ، الذي نفته الاية عن الكتاب أن الاية وصفت
الكتاب
بالعزة وعزة الشئ تقتضي المحافظة عليه من التغيير والضياع ، أما إرادة خصوص
التناقض والكذب من لفظ الباطل في الاية الكريمة ، فلا يناسبها توصيف الكتاب
بالعزة .