الدليل الثالث : أخبار الثقلين اللذين خلفهما
النبي صلى الله عليه واله وسلم في أمته وأخبر أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه
الحوض ، وأمر الامة بالتمسك بهما ، وهما الكتاب والعترة . وهذه الاخبار متظافرة
من طرق الفريقين ( 1 ) والاستدال بها على عدم التحريف في الكتاب يكون من
ناحيتين :
الناحية الاولى : أن القول بالتحريف يستلزم عدم
وجوب التمسك بالكتاب المنزل لضياعه على الامة بسبب وقوع التحريف ، ولكن وجوب
التمسك بالكتاب باق إلى يوم القيام : لصريح أخبار الثقلين ، فيكون القول
بالتحريف باطلا جزما .
وتوضيح ذلك : أن هذه الروايات دلت على اقتران
العترة بالكتاب ، وعلى أنهما باقيان في الناس إلى يوم القيامة ، فلا بد من وجود
شخص يكون قرينا الكتاب ولا بد من وجود الكتاب ليكون قرينا للعترة ، حتى يردا
على النبي الحوض ، وليكون التمسك بهما حفظا للامة عن الضلال ، كما يقول النبي
صلى الله عليه واله وسلم في هذه الحديث .
ومن الضروري أن التمسك بالعترة إنما يكون
بموالاتهم ، واتباع أوامرهم ونواهيهم والسير على هداهم ، وهذا شئ لا يتوقف على
الاتصال بالامام ، والمخاطبة معه شفها ، فإن الوصول إلى الامام والمخاطبة معه
لا يتيسر لجميع المكلفين في زمان
| |
( 1 ) تقدمت الاشارة إلى مصادر هذه الاخبار في ص 26 من هذا الكتاب . (
* )
|
|
|
الحضور ، فضلا عن أزمنة الغيبة ، واشتراط إمكان الوصول إلى
الامام عليه السلام لبعض الناس دعوى بلا برهان ولا سبب يوجب ذلك ، فالشيعة في
أيام الغيبة متمسكون بإمامهم يوالونه ويتبعون أوامره، ومن هذه الاوامر الرجوع
إلى رواة أحاديثهم
في الحوادث الواقعة ، أما التمسك بالقرآن فهو أمر لا يمكن إلا
بالوصول إليه ، فلا بد من كونه موجودا بين الامة ، ليمكنها أن تتمسك به ، لئلا
تقع في الضلال ، وهذا البيان يرشدنا إلى فساد المناقشة بأن القرآن محفوظ وموجود
عند الامام الغائب ، فإن وجوده الواقعي لا يكفى لتمسك الامة به .
وقد أشكل على هذا الدليل : بأن أخبار الثقلين
إنما تدل على نفي التحريف في آيات الاحكام من القرآن ، لانها هي التي أمر الناس
بالتمسك بها ، فلا تنفي وقوع التحريف في الايات الاخرى منه .
وجوابه : أن القرآن بجميع آياته مما أنزله الله
لهداية البشر ، وإرشادهم إلى كمالهم الممكن من جميع الجهات ، ولا فرق في ذلك
بين آيات الاحكام وغيرها ، وقد قدمنا في بيان فضل القرآن أن ظاهر القرآن قصة
وباطنه عظة ، على أن عمدة القائلين
بالتحريف يدعون وقوع التحريف في الايات التي ترجع إلى الولاية
وما يشبهها ومن البين أنها لو ثبت كونها من القرآن ، لوجب التمسك بها على الامة
.
الناحية الثانية : أن القول بالتحريف يقتضي سقوط
الكتاب عن الحجية ، فلا يتمسك بظواهره ، فلا بد للقائلين بالتحريف من الرجوع
إلى إمضاء الائمة الطاهرين لهذا الكتاب الموجود بأيدينا ، وإقرار الناس على
الرجوع إليه بعد ثبوت تحريفه ،
ومعنى هذا : أن حجية الكتاب الموجود متوقفة على إمضاء الائمة
للاستدلال به ، وأولى الحجتين المستقلتين اللتين يجب التمسك بهما ، بل هو الثقل
الاكبر ، فلا تكون حجيته فرعا على حجية الثقل الاصغر ، والوجه
في سقوط الكتاب عن الحجية - على القول بالتحريف - هو احتمال اقتران ظواهره بما
يكون قرينة على خلافها ، أما الاعتماد في ذلك على أصالة عدم القرينة فهو ساقط ،
فإن الدليل
على هذا الاصل هو بناء العقلاء على اتباع الظهور ، وعدم
اعتنائهم باحتمال القرينة على خلافه ، وقد أوضحنا في مباحث الاصول أن القدر
الثابت من البناء العقلائي ، هو عدم اعتناء العقلاء باحتمال وجود القرينة
المنفصلة ، ولا باحتمال القرية
المتصلة إذا كان سببه احتمال غفلة المتكلم عن البيان ، أو
غفلة السامع عن الاستفادة ، أما احتمال وجود القرينة المتصلة من غير هذين
السببين ، فإن العقلاء يتوقفون عن اتباع الظهور معه ، ومثال ذلك : ما إذا ورد
على إنسان كتاب ممن يجب عليه
طاعته يأمره فيه بشراء دار ، ووجد بعض الكتاب تالفا ، واحتمل
أن يكون في هذا البعض التالف بيان لحصوصيات في الدار التي أمر بشرائها من حيث
السعة والضيق ، أو من حيث القيمة أو المحل ، فإن العقلاء لا يتمسكون بإطلاق
الكلام الموجود ،
اعتمادا على أصالة عدم القرينة المتصلة ولا يشترون أية دار
امتثالا لامر هذا الامر ، ولا يعدون من يعمل مثل ذلك ممتثلا لامر سيده . ولعل
القارئ يذهب به وهمه بعيدا ، فيقول : إن هذا التقريب يهدم أساس الفقه ،
واستنباط الاحكام الشرعية ،
لان العمدة فإن أدلتها هي الاخبار المروية عن المعصومين -
عليهم السلام - ومن المحتمل أن تكون كلماتهم مقرونة بقرائن متصلة ، ولم تنقل
الينا . ولو تأمل قليلا لم يستقر في ذهنه هذا التوهم ، فإن المتبع في مقام
الاخبار ، هو ظهور كلام الراوي
في عدم وجود القرينة المتصلة ، فإن اللازم عليه البيان لو كان
كلام المعصوم متصلا بقرينة ، واحتمال غفلته عنها مدفوع بالاصل .
نعم إن القول بالتحريف يلزمه عدم جواز التمسك بظواهر القرآن ، ولا
يحتاج في إثبات هذه النتيجة إلى دعوى العلم الاجمالي باختال الظواهر في بعض
الايات ، حتى يجاب عنه بأن وقوع التحريف في القرآن لا يلزمه العلم الاجمالي
المذكور ، وبأن هذا العلم الاجمالي لا ينجز ، لان بعض أطرافه ليس من آيات
الاحكام ، فلا يكون له أثر في العمل ، والعلم الاجمالي إنما ينجز إذا كان له
أثر عملي في كل طرف من أطرافه .
وقد يدعي القائل بالتحريف : أن إرشاد الائمة
المعصومين - عليهم السلام - إلى الاستدلال بظواهر الكتاب ، وتقرير أصحابهم عليه
قد أثبت الحجية للظواهر ، وإن سقطت قبل ذلك بسبب التحريف .
ولكن هذه الدعوى فاسدة ، فإن هذا الارشاد من
الائمة المعصومين عليهم السلام ، وهذا التقرير منهم لاصحابهم على التمسك بظواهر
القرآن ، إنما هو من جهة كون القرآن في نفسه حجة مستقلة ، لا أنهم يريدون إثبات
الحجية له بذلك ابتداء .