ترخيص قراءة السور في الصلاة

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 214 : -

ترخيص قراءة السور في الصلاة :


الدليل الرابع : انه قد أمر الائمة من أهل البيت - ع - بقراءة سورة تامة بعد الفاتحة في الركعتين الاوليين من الفريضة ، وحكموا بجواز تقسيم سورة تامة أو أكثر في صلاة الايات ، على تفصيل مذكور في موضعه .


ومن البين أن هذه الاحكام إنما ثبتت في أصل الشريعة بتشريع الصلاة وليس للتقية فيها أثر ، وعلى ذلك فاللازم على القائلين بالتحريف أن لا يأتوا بما يحتمل فيه التحريف من السور ، لان الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية .


وقد يدعي القائل بالتحريف أنه غير متمكن من إحراز السورة التامة ، فلا تجب عليه ، لا الاحكام إنما تتوجه إلى المتمكنين ، وهذه الدعوى إنما تكون مسلمة إذا احتمل وقوع التحريف في جميع السور .

-  ص 215 -

أما إذا كان هناك سورة لا يحتمل فيها ذلك كسورة التوحيد ، فاللازم عليه أن لا يقرأ غيرها ، ولا يمكن للخصم أن يجعل ترخيص الائمة - ع - للمصلي بقراءة أية سورة شاء دليلا على الاكتفاء بما يختاره من السور ، وإن لم يجز الاكتفاء بها قبل

هذا الترخيص بسبب التحريف ، فإن هذا الترخيص من الائمة - ع - بنفسه دليل على عدم وقوع التحريف في القرآن وإلا لكان مستلزما لتفويت الصلاة الواجبة على المكلف بدون سبب موجب فإن من البين أن الالزام بقراءة السور ، التي لم يقع

فيها تحريف ليس فيه مخالفة للتقية ، ونرى أنهم عليهم السلام أمرونا بقراءة سورة " القدر والتوحيد " في كل صلاة استحبابا ، فأي مانع من الالزام بهما ، أو بغيرهما مما لا يحتمل وقوع التحريف فيه .


اللهم إلا أن يدعي نسخ وجوب قراءة السورة التامة إلى وجوب قراءة سورة تامة من القرآن الموجود ، ولا أظن القائل بالتحريف يلتزم بذلك ، لان النسخ لم يقع بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم قطعا ، وان كان في إمكانه وامتناعه كلام بين

العلماء ، وهذا خارج عما نحن بصدده . وجملة القول انه لا ريب في أمر أهل البيت - ع - بقراءة سورة من القرآن الذي بين أيدينا في الصلاة ، وهذا الحكم الثابت من دون ريب ولا شائبة تقية إما أن يكون هو نفس الحكم الثابت في زمان رسول الله

صلى الله عليه واله وسلم وإما أن يكون غيره ، وهذا الاخير باطل لانه من النسخ الذي لا ريب في عدم وقوعه بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم وإن كان أمرا ممكنا في نفسه ، فلا بد وأن يكون ذلك هو الحكم الثابت على عهد رسول الله صلى

الله عليه واله وسلم ومعنى ذلك عدم التحريف . وهذا الاستدلال يجري في كل حكم شرعي ، رتبه أهل البيت عليهم السلام على قراءة سورة كاملة ، أو آية تامة .


دعوى وقوع التحريف من الخلفاء :


الدليل الخامس : أن القائل بالتحريف إما أن يدعي وقوعه من الشيخين ،

-  ص 216 -

بعد وفاة النبي صلى الله عليه واله وسلم وإما من عثمان بعد انتهاء الامر إليه ، وإما من شخص آخر بعد انتهاء الدور الاول من الخلافة ، وجميع هذه الدعاوى باطلة .


أما دعوى وقوع التحريف من أبي بكر وعمر ، فيبطلها انهما في هذا التحريف إما أن يكونا غير عامدين ، وإنما صدر عنهما من جهة عدم وصول القرآن اليهما بتمامه ، لانه لم يكن مجموعا قبل ذلك ، وإما أن يكونا متعمدين في هذا التحريف ، وإذا

كانا عامدين فإما أن يكون التحريف الذي وقع منهما في آيات تمس بزعامتهما وإما أن يكون في آيات ليس لها تعلق بذلك ، فالاحتمالات المتصورة ثلاثة : أما احتمال عدم وصول القرآن اليهما بتمامه فهو ساقط قطعا ، فإن اهتمام النبي - ص - بأمر

القرآن بحفظه ، وقراءته ، وترتيل آياته ، واهتمام الصحابة بذلك في عهد رسول الله - ص - وبعد وفاته يورث القطع بكون القرآن محفوظا عندهم ، جمعا أو متفرقا ، حفظا في الصدور ، أو تدوينا في القراطيس ، وقد اهتموا بحفظ أشعار الجاهلية

وخطبها ، فكيف لا يهتمون بأمر الكتاب العزيز ، الذي عرضوا أنفسهم للقتل في دعوته ، وإعلان أحكامه ، وهجروا في سبيله أوطانهم ، وبذلوا أموالهم ، وأعرضوا عن نسائهم وأطفالهم ، ووقفوا المواقف التي بيضوا بها وجه التاريخ ، وهل يحتمل

عاقل مع ذلك كله عدم اعتنائهم بالقرآن ؟ حتى يضيع بين الناس ، وحتى يحتاج في إثباته إلى شهادة شاهدين ؟ وهل هذا إلا كاحتمال الزيادة في القرآن بل كاحتمال عدم بقاء شئ من القرآن المنزل ؟ .


على أن روايات الثقلين المتظافرة " المتقدمة " دالة على بطلان هذا الاحتمال ، فإن قوله - ص - : " إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي " لا يصح إذا كان بعض القرآن ضائعا في عصره ، فإن المتروك حينئذ يكون بعض الكتاب لا جميعه ،

بل وفي هذه الروايات دلالة صريحة على تدوين القرآن ، وجمعه في زمان النبي - ص - لان الكتاب لا يصدق على مجموع المتفرقات ، ولا على المحفوظ في الصدور . - وسنتعرض للكلام فيمن جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه واله وسلم - ، وإذا سلم عدم اهتمام المسلمين بجمع القرآن على عهده - صلى الله عليه واله وسلم -

-  ص 217 -

فلماذا لم يهتم بذلك النبي - صلى الله عليه واله وسلم - بنفسه مع اهتمامه الشديد بأمر القرآن ؟

فهل كان غافلا عن نتائج هذا الاغفال ، أو كان غير متمكن من الجمع ، لعدم تهيؤ الوسائل عنده ؟ !

ومن الواضح بطلان جميع ذلك .


وأما احتمال تحريف الشيخين للقرآن - عمدا - في الايات التي لا تمس بزعامتهما ، وزعامة أصحابهما فهو بعيد في نفسه ، إذ لا غرض لهما في ذلك ، على أن ذلك مقطوع بعدمه ، وكيف يمكن وقوع التحريف منهما مع أن الخلافة كانت مبتنية على السياسة ، وإظهار الاهتمام بأمر الدين ؟

وهلا احتج بذلك أحد الممتنعين عن بيعتهما ، والمعترضين على أبي بكر في أمر الخلافة كسعد بن عبادة وأصحابه ؟

وهلا ذكر ذلك أمير المؤمنين (ع) في خطبته الشقشقية المعروفة، أو في غيرها من كلماته التي اعترض بها على من تقدمه ؟

ولا يمكن دعوى اعتراض المسلمين عليهما بذلك ، واختفاء ذلك عنا ، فإن هذه الدعوى واضحة البطلان .


وأما احتمال وقوع التحريف من الشيخين عمدا ، في آيات تمس بزعمامتهما فهو أيضا مقطوع بعدمه ، فإن أمير المؤمنين - عليه السلام - وزوجته الصديقة الطاهرة - عليها السلام - وجماعة من أصحابه قد عارضوا الشيخين في أمر الخلافة ،

واحتجوا عليهما بما سمعوا من النبي - ص - واستشهدوا على ذلك من شهد من المهاجرين والانصار ، واحتجوا عليه بحديث الغدير وغيره ، وقد ذكر في كتاب الاحتجاج : احتجاج اثني عشر رجلا على أبي بكر في الخلافة ، وذكروا له النص فيها ،

وقد عقد العلامة المجلسي بابا لا حتجاج أمير المؤمنين عليه السلام في أمر الخلافة ( 1 ) ، ولو كان في القرآن شئ يمس زعامتهم لكان أحق بالذكر في مقام الاحتجاج ، وأحرى بالاستشهاد عليه من جميع المسلمين ، ولا سيما أن أمر الخلافة كان قبل جمع القرآن على زعمهم بكثير ، ففي ترك الصحابة ذكر ذلك في أول

 

( 1 ) بحار الانوار ج 8 ص 79 . ( * )

 

 

-  ص 218 -

أمر الخلافة وبعد انتهائها إلى علي - عليه السلام - دلالة قطعية على عدم التحريف المذكور .

وأما احتمال وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد من الدعوى الاولى :

 1 - لان الاسلام قد انتشر في زمان عثمان على نحو ليس في إمكان عثمان أن ينقص من القرآن شيئا ، ولا في إمكان من وأكبر شأنا من عثمان .

 2 - ولان تحريفه إن كان للايات التي لا ترجع إلى الولاية ، ولا تمس زعامة سلفه بشئ ، فهو بغير سبب موجب ، وإن كان للايات التي ترجع إلى شئ من ذلك فهو مقطوع بعدمه ، لان القرآن لو اشتمل على شئ من ذلك وانتشر بين الناس لما وصلت الخلافة إلى عثمان .

 3 - ولانه لو كان محرفا للقرآن ، لكان في ذلك أوضح حجة ، وأكبر عذر لقتلة عثمان في قتله علنا ، ولما احتاجوا في الاحتجاج على ذلك إلى مخالفته لسيرة الشيخين في بيت مال المسلمين ، وإلى ما سوى ذلك من الحجج .

 4 - ولكان من الواجب على علي - عليه السلام - بعد عثمان أن يرد القرآن إلى أصله ، الذي كان يقرأ به في زمان النبي - ص - وزمان الشيخين ولم يكن عليه في ذلك شئ ينتقد به ، بل ولكان ذلك أبلغ أثرا في مقصوده وأظهر لحجته على التائرين بدم عثمان ، ولا سيما أنه - عليه السلام - قد أمر بإرجاع القطائع التي أقطعها عثمان .


وقال في خطبة له : " والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الاماء لرددته فإن في العدل سعة ، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق " ( 1 ) .

 

( 1 ) نهج البلاغة : فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان . ( * )

 

 

-  ص 219 -

هذا أمر علي في الاموال ، فكيف يكون أمره في القرآن لو كان محرفا ، فيكون إمضاؤه - عليه السلام - للقرآن الموجود في عصره ، دليلا على عدم وقوع التحريف فيه .


وأما دعوى وقوع التحريف بعد زمان الخلفاء فلم يدعها أحد فيما نعلم ، غير أنها نسبت إلى بعض القائلين بالتحريف ، فادعى أن الحجاج لما قام بنصرة بني أمية أسقط من القرآن آيات كثيرة كانت قد نزلت فيهم ، وزاد فيه ما لم يكن منه ، وكتب

مصاحف وبعثها إلى مصر ، والشام ، والحرمين ، والبصرة والكوفة ، وإن القرآن الموجود اليوم مطابق لتلك المصاحف . وأما المصاحف الاخرى فقد جمعها ولم يبق منها شيئا ولا نسخة واحدة ( 1 ) .


وهذه الدعوى تشبه هذيان المحمومين ، وخرافات المجانين والاطفال ، فإن الحجاج واحد من ولاة بني أمية ، وهو أقصر باعا ، وأصغر قدرا من أن ينال القرآن بشئ ، بل وهو أعجز من أن يغير شيئا من الفروع الاسلامية ، فكيف يغير ما هو أساس الدين ، وقوام الشريعة ؟

ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الاسلام وغيرها مع انتشار القرآن فيها ؟

وكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرخ في تاريخه ، ولا ناقد في نقده مع ما فيه من الاهمية ، وكثرة الدواعي إلى نقله ، وكيف لم يتعرض لنقله واحد من المسلمين في وقته ، وكيف أغضى المسلمون عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجاج ، وانتهاء سلطته ؟ .


وهب أنه تمكن من جمع نسخ المصاحف جميعها ، ولم تشذ عن قدرته نسخة واحدة من أقطار المسلمين المتباعدة ، فهل تمكن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفظة القران ؟ وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلا الله ، على أن القرآن لو كان في بعض آياته شئ يمس بني أمية ، لاهتم معاوية بإسقاطه قبل

 

( 1 ) مناهل العرفان ص 257 . ( * )

 

 

-  ص 220 -

زمان الحجاج وهو أشد منه قدرة ، وأعظم نفوذا ، ولاستدل به أصحاب علي - عليه السلام - على معاوية ، كما احتجوا عليه بما حفظه التاريخ ، وكتب الحديث والكلام ، وبما قدمناه للقارئ ، يتضح له أن من يدعي التحريف يخالف بداهة العقل ، وقد قيل في المثل : حدث الرجل بما لا يليق ، فإن صدق فهو ليس بعاقل .


 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب