الشبهة الثانية : أن عليا عليه
السلام كان له مصحف غير المصحف الموجود ، وقد أتى به إلى القوم فلم يقبلوا منه
، وأن مصحفه عليه السلام كان مشتملا على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي
بأيدينا ، ويترتب على ذلك نقص القرآن
الموجود عن مصحف أمير المؤمنين علي عليه السلام وهذا هو
التحريف الذي وقع الكلام فيه ، والروايات الدالة على ذلك كثيرة : منها ما في
رواية احتجاج علي عليه السلام على جماعة من المهاجرين والانصار أنه قال : " يا
طلحة إن كل آية
أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه واله وسلم عندي
باملاء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وخط يدي،وتأويل كل آية أنزلها الله
تعالى على محمد صلى الله عليه واله وسلم وكل حلال ، أو حرام ، أو حد أو حكم ،
أو شئ تحتاح إليه الامة
إلى يوم القيامة ، فهو عندي مكتوب باملاء رسول الله صلى الله
عليه واله وسلم وخط يدي ، حتى أرش الخدش . . . " ( 1 ) ومنها ما في احتجاجه
عليه السلام على الزنديق من أنه :
| |
( 1 ) مقدمة تفسير البرهان ص 27 . وفي هذه
الرواية تصريح بأن ما في القرآن الموجود كله قرآن . ( * )
|
|
|
" أتى بالكتاب كملا مشتملا على التأويل والتنزيل ، والمحكم
والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، لم يسقط منه حرف ألف ولا لام فلم يقبلوا ذلك "
( 1 ) .
ومنها ما رواه في الكافي ، بإسناده عن جابر ، عن أبي جعفر
عليه السلام قال : " ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ، ظاهره
وباطنه غير الاوصياء " ( 2 ) .
وبإسناده عن جابر . قال : " سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : ما ادعى أحد من
الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب ، وما جمعه وحفظه كما نزله الله
تعالى إلا علي بن أبي طالب والائمة من بعده عليهم السلام " ( 3 ) .
والجواب عن ذلك : أن وجود مصحف لامير المؤمنين -
عليه السلام - يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور مما لا ينبغي الشك فيه ،
وتسالم العلماء الاعلام على وجوده أغنانا عن التكلف لاثباته ، كما أن اشتمال
قرآنه - عليه السلام - على زيادات
ليست في القرآن الموجود ، وإن كان صحيحا إلا أنه لا دلالة في
ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن ، وقد أسقطت منه بالتحريف ، بل الصحيح
أن تلك الزيادات كانت تفسيرا بعنوان التأويل ، وما يؤول إليه الكلام ، أو
بعنوان التنزيل من الله شرحا للمراد .
| |
( 1 ) تفسير الصافي المقدمة السادسة ص 11
. ( 2 ) الوافي
ج 2 كتاب الحجة باب 76 ص 130 . ( 3 ) نفس
المصدر . ( * )
|
|
|
وأن هذه الشبهة مبتنية على أن يراد من لفظي التأويل والتنزيل
ما اصطلح عليه المتأخرون من إطلاق لفظ التنزيل على ما نزل قرآنا ، وإطلاق لفظ
التأويل على بيان المراد من اللفظ، حملا له على خلاف ظاهره، إلا أن هذين
الاطلاقين من الاصطلاحات
المحدثة ، وليس لهما في اللغة عين ولا أثر ليحمل عليهما هذان
اللفظان " التنزيل والتأويل " متى وراد في الروايات المأثورة عن أهل البيت
عليهم السلام .
وإنما التأويل في اللغة مصدر مزيد فيه ، وأصله " الاول - بمعنى الرجوع " . ومنه
قولهم : " أول الحكم إلى أهله أي رده إليهم " .
وقد يستعمل التأويل ويراد منه العاقبة ، وما يؤول إليه الامر
. وعلى ذلك جرت الايات الكريمة : " ويعلمك من تأويل
الاحاديث 12 : 6 . نبئنا بتأويله : 36 .
هذا تأويل رؤياي : 100 . ذلك تأويل ما لم تسطع
عليه صبرا 18 : 82 " .
وغير ذلك من موارد استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم ، وعلى ذلك فالمراد
بتأويل القرآن ما يرجع إليه الكلام ، وما هو عاقبته ، سواء أكان ذلك ظاهرا
يفهمه العارف باللغة العربية ، أم كان خفيا لا يعرفه إلا الراسخون في العلم .
وأما التنزيل فهو أيضا مصدر مزيد فيه ، وأصله النزول ، وقد يستعمل ويراد به ما
نزل ، ومن هذا القبيل إطلاقه على القرآن في آيات كثيرة ، منها قوله تعالى :
" إنه لقرآن كريم 56 : 77 .
في كتاب مكنون : 78 . لا
يمسه إلا المطهرون : 79 . تنزيل من رب العالمين
: 80 " . وعلى ما ذكرناه فليس كل ما نزل من الله وحيا يلزم أن يكون من القرآن ،
فالذي يستفاد من الروايات في هذا المقام أن مصحف علي - عليه السلام - كان
مشتملا على زيادات تنزيلا أو تأويلا .
ولا دلالة في شئ من هذه الروايات على أن تلك الزيادات هي من القرآن . وعلى ذلك
يحمل ما ورد من ذكر أسماء المنافقين في مصحف أمير المؤمنين - عليه السلام - فإن
ذكر أسمائهم لا بد وأن يكون بعنوان التفسير .
ويدل على ذلك ما تقدم من الادلة القاطعة على عدم سقوط شئ من القرآن ، أضف إلى
ذلك أن سيرة النبي - ص - مع المنافقين تأبى ذلك فإن دأبة تأليف قلوبهم ،
والاسرار بما يعلمه من نفاقهم ، وهذا واضح لمن له أدنى اطلاع على سيرة النبي
صلى الله عليه واله وسلم وحسن أخلاقه ، فكيف يمكن أن يذكر
أسماءهم في القرآن ، ويأمرهم بلعن أنفسهم ، ويأمر سائر المسلمين بذلك ويحثهم
عليه ليلا ونهارا ، وهل يحتمل ذلك حتى ينظر في صحته وفساده أو يتمسك في إثباته
بما في بعض
الروايات من وجود أسماء جملة من المنافقين في مصحف علي عليه
السلام وهل يقاس ذلك بذكر أبي لهب المعلن بشركه ، ومعاداته النبي صلى الله عليه
واله وسلم مع علم النبي بأنه يموت على شركه . نعم لا بعد في ذكر النبي صلى الله
عليه واله وسلم أسماء المنافقين لبعض خواصه كأمير المؤمنين عليه السلام وغيره
في مجالسه الخاصة .
وحاصل ما تقدم : أن وجود الزيادات في مصحف علي
عليه السلام وإن كان صحيحا ، إلا أن هذه الزيادات ليست من القرآن ، ومما أمر
رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ( البيان - 15 )
بتبليغه إلى الامة ، فإن الالتزام بزيادة مصحفه بهذا النوع من الزيادة قول
بلا دليل ، مضافا إلى أنه باطل قطعا . ويدل على بطلانه جميع ما تقدم من الادلة
القاطعة على عدم التحريف في القرآن .
الشبهة الثالثة : أن الروايات المتواترة عن أهل
البيت - ع - قد دلت على تحريف القرآن فلا بد من القول به :
والجواب : أن هذه الروايات لا دلالة فيها على
وقوع التحريف في القرآن بالمعنى المتنازع فيه ، وتوضيح ذلك : أن كثيرا من
الروايات ، وإن كانت ضعيفة السند ، فإن جملة منها نقلت من كتاب أحمد بن محمد
السياري ، الذي اتفق علماء الرجال على
فساد مذهبه ، وأنه يقول بالتناسخ ، ومن علي بن أحمد الكوفي الذي ذكر علماء
الرجال أنه كذاب ، وأنه فاسد المذهب إلا أن كثرة الروايات تورث القطع بصدور
بعضها عن المعصومين عليهم السلام ولا أقل من الاطمئنان بذلك ، وفيها ما روي
بطريق معتبر فلا حاجة بنا إلى التكلم في سند كل رواية بخصوصها .