عرض روايات التحريف :
علينا أن نبحث عن مداليل هذه الروايات ، وإيضاح أنها ليست متحدة في المفاد ،
وأنها على طوائف . فلا بد لنا من شرح ذلك والكلام على كل طائفة بخصوصها .
الطائفة الاولى : هي الروايات التي دلت على
التحريف بعنوانه ، وانها تبلغ عشرين رواية ، نذكر جملة منها ونترك ما هو
بمضمونها .
وهي : 1 - ما عن علي بن إبراهيم القمي ، بإسناده عن أبي ذر .
قال :
" لما نزلت هذه الاية : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه . قال رسول
الله صلى الله عليه واله وسلم ترد أمتي علي يوم القيامة على خمس رايات . ثم ذكر
أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يسأل الرايات عما فعلوا بالثقلين . فتقول
الراية الاولى :
أما الاكبر فحرفناه ، ونبذناه وراء ظهورنا ، وأما الاصغر
فعاديناه ، وأبغضناه ، وظلمناه . وتقول الراية الثانية : أما الاكبر فحرفناه ،
ومزقناه ، وخالفناه ، وأما الاصغر فعاديناه وقاتلناه . . . " .
2 - ما عن ابن طاووس ، والسيد المحدث الجزائري ، باسنادهما عن الحسن ابن
الحسن السامري في حديث طويل أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لحذيفة
فيما قاله في من يهتك الحرم : " إنه يضل الناس عن سبيل الله ، ويحرف كتابه ،
ويغير سنتي " .
3 - ما عن سعد بن عبد الله القمي ، باسناده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه
السلام قال : " دعا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بمنى . فقال : أيها
الناس إني تارك فيكم الثقلين - أما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي -
والكعبة
البيت الحرام ثم قال أبو جعفر عليه السلام : أما كتاب الله
فحرفوا ، وأما الكعبة فهدموا ، وأما العترة فقتلوا ، وكل ودائع الله قد نبذوا
ومنها قد تبرأوا " .
4 - ما عن الصدوق في الخصال بإسناده عن جابر عن النبي قال : " يجئ يوم
القيامة ثلاثة يشكون : المصحف ،
والمسجد ، والعترة . يقول المصحف يا رب حرفوني ومزقوني ،
ويقول المسجد يا رب عطلوني وضيعوني ، وتقول العترة يا رب قتلونا ، وطردونا ،
وشردونا . . . " .
5 - ما عن الكافي والصدوق ، باسنادهما عن علي بن سويد قال : " كتبت إلى
أبي الحسن موسى صلى الله عليه واله وسلم وهو في الحبس كتابا إلى أن ذكر جوابه
عليه السلام بتمامه ، وفيه قوله عليه السلام اؤتمنوا على كتاب الله فحرفوه
وبدلوه ".
6 - ما عن ابن شهراشوب ، باسناده عن عبد الله في خطبة أبي عبد الله الحسين
عليه السلام في يوم عاشوراء ، وفيها : " إنما أنتم من طواغيت الامة ، وشذاذ
الاحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان ، وعصبة الاثام ، ومحرفي الكتاب " .
7 - ما عن كامل الزيارات ، باسناده عن الحسن بن عطية ، عن أبي عبد الله عليه
السلام قال : " إذا دخلت الحائر فقل : اللهم العن الذين كذبوا رسلك ، وهدموا
كعبتك ، وحرفوا كتابك . . . " .
8 - ما عن الحجال عن قطبة بن ميمون عن عبد الاعلى . قال : " قال أبو عبد الله
عليه السلام أصحاب العربية يحرفون كلام الله عز وجل عن مواضعه " .
المفهوم الحقيقي للروايات :
والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة : أن الظاهر
من الرواية الاخيرة تفسير التحريف باختلاف القراء ، وإعمال اجتهاداتهم في
القراءات .
ومرجع ذلك إلى الاختلاف في كيفية القراءة مع التحفظ على جوهر
القرآن وأصله وقد أوضحنا للقارئ في صدر المبحث أن التحريف بهذا المعنى مما لا
ريب في وقوعه ، بناء على ما هو الحق من عدم تواتر القراءات السبع ، بل ولا ريب
في وقوع
هذا التحريف ، بناء على تواتر القراءات السبع أيضا ، فإن
القراءات كثيرة ، وهي مبتنية على اجتهادات ظنية توجب تغيير كيفية القراءة .
فهذه الرواية لا مساس لها بمراد المستدل . وأما بقية الروايات ، فهي ظاهرة في
الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الايات على غير معانيها ، الذي يلازم إنكار
فضل أهل البيت - عليهم السلام - ونصب العداوة لهم وقتالهم . ويشهد لذلك - صريحا
- نسبة التحريف إلى مقاتلي أبي عبد الله - عليه السلام - في الخطبة المتقدمة .
ورواية الكافي التي تقدمت في صدر البحث ، فإن الامام الباقر - عليه السلام -
يقول فيها : " وكان من نبذهم الكتاب أنهم أقاموا حروفه ، وحرفوا حدوده " .
وقد ذكرنا أن التحريف بهذا المعنى واقع قطعا ، وهو خارج عن محل النزاع ، ولولا
هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة ، وحرمة النبي فيهم مرعية ، ولما انتهى
الامر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي - ص - فيهم .