الطائفة الثانية : هي الروايات
التي دلت على أن بعض الايات المنزلة من القرآن قد ذكرت فيها أسماء الائمة -
عليهم السلام - وهي كثيرة :
منها : ما ورد من ذكر أسماء
الائمة - عليهم السلام - في القرآن ، كرواية الكافي بإسناده عن محمد بن الفضيل
بن أبي الحسن - عليه السلام - قال : " ولاية علي بن أبي طالب مكتوبة في جميع
صحف الانبياء ، ولن يبعث الله رسولا إلا بنبوة محمد و " ولاية " وصيه ، صلى
الله عليهما وآلهما " .
ومنها : رواية العياشي بإسناده عن الصادق عليه
السلام : " لو قرئ القرآن - كما أنزل - لالفينا مسمين " .
ومنها : رواية الكافي ، وتفسير
العياشي عن أبي جعفر - عليه السلام - وكنز الفوائد بأسانيد عديدة عن ابن عباس ،
وتفسير فرات بن إبراهيم الكوفي بأسانيد متعددة أيضا ، عن الاصبغ بن نباتة .
قالوا : قال أمير المؤمنين - عليه السلام - : " القرآن نزل على أربعة أرباع :
ربع فينا ، وربع في عدونا ، وربع سنن وأمثال ، وربع فرائض وأحكام ، ولنا كرائم
القرآن " .
ومنها : رواية الكافي أيضا بإسناده عن أبي جعفر -
عليه السلام - قال : " نزل جبرئيل بهذه الاية على محمد - ص - هكذا : وإن كنتم
في ريب مما نزلنا على عبدنا - في علي - فأتوا بسورة من مثله " .
والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة : أنا قد
أوضحنا فيما تقدم أن بعض التنزيل كان من قبيل التفسير للقرآن وليس من القرآن
نفسه ، فلا بد من حمل هذه الروايات على أن ذكر أسماء الائمة - عليهم السلام -
في التنزيل من هذا القبيل ، وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من
طرح هذه الروايات لمخالفتها للكتاب ، والسنة ، والادلة
المتقدمة على نفي التحريف .
وقد دلت الاخبار المتواترة على وجوب عرض الروايات على الكتاب والسنة وأن ما
خالف الكتاب منها يجب طرحه ، وضربه على الجدار .
ومما يدل على أن اسم أمير المؤمنين عليه السلام لم يذكر صريحا
في القرآن حديث الغدير ، فإنه صريح في أن النبي - ص - إنما نصب عليا بأمرالله ،
وبعد أن ورد عليه التأكيد في ذلك ، وبعد أن وعده الله بالعصمة من الناس ، ولو
كان اسم " علي "
مذكورا في القرآن لم يحتج إلى ذلك النصب ، ولا إلى تهيئة ذلك
الاجتماع الحافل بالمسلمين ، ولما خشي رسول الله - ص - من إظهار ذلك ، ليحتاج
إلى التأكيد في أمر التبليغ .
وعلى الجملة : فصحة حديث الغدير توجب الحكم بكذب
هذه الروايات التي تقول : إن أسماء الائمة مذكورة في القرآن ولا سيما أن حديث
الغدير كان في حجة الوداع التي وقعت في أواخر حياة النبي صلى الله عليه واله
وسلم ونزول عامة القرآن ،
وشيوعه بين المسلمين ، على أن الرواية الاخيرة المروية في
الكافي مما لا يحتمل صدقه في نفسه ، فإن ذكر اسم علي عليه السلام في مقام إثبات
النبوة والتحدي على الاتيان بمثل القرآن لا يناسب مقتضى الحال . ويعارض جميع
هذه الروايات
صحيحة أبي بصير المروية في الكافي . قال : سألت أبا عبد الله
عليه السلام عن قول الله تعالى : " وأطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الامر منكم 4 : 59 " . " قال : فقال نزلت في علي بن أبي
طالب والحسن والحسين - ع - فقلت له : إن الناس يقولون فما له لم
يسم عليا وأهل بيته في كتاب الله . قال عليه السلام : فقولوا
لهم إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم
ثلاثا ، ولا أربعا ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم هو الذى فسر
لهم ذلك . . . " ( 1 ) .
فتكون هذه الصحيحة حاكمة على جميع تلك الروايات ، وموضحة للمراد منها ، وأن ذكر
اسم أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الروايات قد كان بعنوان التفسير ، أو
بعنوان التنزيل ، مع عدم الامر بالتبليغ .
ويضاف إلى ذلك أن المتخلفين عن بيعة أبي بكر لم يحتجوا بذكر اسم علي في القرآن
، ولو كان له ذكر في الكتاب لكان ذلك أبلغ في الحجة ، ولا سيما أن جمع القرآن -
بزعم المستدل - كان بعد تمامية أمر الخلافة بزمان غير يسير ، فهذا من الادلة
الواضحة على عدم ذكره في الايات .
الطائفة الثالثة : هي الروايات التي دلت على وقوع
التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان ، وان الامة بعد النبي صلى الله عليه واله
وسلم غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى .
فمنها : ما رواه علي بن ابراهيم القمي ، بإسناده
عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام : " صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب
عليهم وغير الضالين " .
ومنها : ما عن العياشي ، عن
هشام بن سالم . قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى : "
إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران
33 : 3 " .
| |
( 1 ) الوافي ج 2 باب 30 ما نص الله
ورسوله عليهم ص 63 . ( * )
|
|
|
قال : هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين ، فوضعوا اسما
مكان اسم . أي انهم غيرا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران .
والجواب : عن الاستدلال بهذه
الطائفة - بعد الاغضاء عما في سندها من الضعف - أنها مخالفة للكتاب ، والسنة ،
ولاجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفا واحدا حتى من القائلين
بالتحريف .
وقد ادعى الاجماع جماعة كثيرون على عدم الزيادة في القرآن ،
وأن مجموع ما بين الدفتين كله من القرآن .
وممن ادعى الاجماع الشيخ المفيد ، والشيخ الطوسي ، والشيخ
البهائي ، وغيرهم من الاعاظم قدس الله أسرارهم .
وقد تقدمت رواية الاحتجاج الدالة على عدم الزيادة في القرآن .
الطائفة الرابعة : هي الروايات التي دلت على التحريف في القرآن بالنقيصة فقط .
والجواب عن الاستدلال بهذه الطائفة : أنه لا بد
من حملها على ما تقدم في معنى الزيادات في مصحف أمير المؤمنين - عليه السلام -
وإن لم يمكن ذلك الحمل في جملة منها فلا بد من طرحها لانها مخالفة للكتاب
والسنة، وقد ذكرنا لها في مجلس بحثنا توجيها آخر أعرضنا عن ذكره هنا حذرا من
الاطالة ، ولعله أقرب المحامل ، ونشير إليه في محل آخر إن شاء الله تعالى .
على أن أكثر هذه الروايات بل كثيرها ضعيفة السند .
وبعضها لا يحتمل صدقه في نفسه .
وقد صرح جماعة من الاعلام بلزوم تأويل هذه الروايات أو لزوم
طرحها .
وممن صرح بذلك المحقق الكلباسي حيث قال على ما حكي عنه : " أن
الروايات الدالة على التحريف مخالفة لاجماع الامة إلا من لا اعتداد به . . .
وقال : إن نقصان الكتاب مما لا أصل له وإلا لاشتهر وتواتر ، نظرا إلى العادة في
الحوادث العظيمة . وهذا منها بل أعظمها " .
وعن المحقق البغدادي شارح الوافية التصريح بذلك ، ونقله عن المحقق الكركي الذي
صنف في ذلك رسالة مستقلة ، وذكر فيها : " أن ما دل من الروايات على النقيصة لا
بد من تأويلها أو طرحها ، فإن الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب ،
والسنة المتواترة ، والاجماع ، ولم يمكن تأويله ، ولا حمله على بعض الوجوه ،
وجب طرحه " .
أقول : أشار المحقق الكركي بكلامه هذا إلى ما
أشرنا إليه - سابقا - من أن الروايات المتواترة قد دلت على أن الروايات إذا
خالفت القرآن لا بد من طرحها .
فمن تلك الروايات : ما رواه الشيخ الصدوق محمد بن
علي بن الحسين بسنده الصحيح عن الصادق عليه السلام : " الوقوف عند الشبهه خير
من الاقتحام في الهلكة ، إن على كل حق حقيقة ، وعلى كل صواب نورا ، فما وافق
كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه . . . " ( 1 ) .
وما رواه الشيخ الجليل سعيد بن هبة الله " القطب
الراوندي " بسنده الصحيح إلى الصادق عليه السلام :
| |
( 1 ) الوسائل گ 3 كتاب القضاء . باب
وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة ، وكيفية العمل ، ص 380 . ( * )
|
|
|