تعارض أحاديث الجمع مع الكتاب - مخالفة أحاديث الجمع مع حكم العقل

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 252 : -

3 - تعارض أحايث الجمع مع الكتاب :


إن هذه الروايات معارضة بالكتاب ، فإن كثيرا من آيات الكتاب الكريمة دالة على أن سور القرآن كانت متميزة في الخارج بعضها عن بعض ، وان السور كانت منتشرة بين الناس ، حتى المشركين وأهل الكتاب ، فإن النبي - ص - قد تحدى الكفار

والمشركين على الاتيان بمثل القرآن ، وبعشر سور مثله مفتريات ، وبسورة من مثله ، ومعنى هذا : أن سور القرآن كانت في متناول أيديهم . وقد أطلق لفظ الكتاب على القرآن في كثير من آياته الكريمة ، وفي قول النبي صلى الله عليه واله وسلم :

" إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي " وفي هذا دلالة على أنه كان مكتوبا مجموعا ، لانه لا يصح إطلاق الكتاب عليه وهو في الصدور ، بل ولا على ما كتب في اللخاف ، والعسب ، والاكتاف ، إلا على نحو المجاز والعناية ، والمجاز لا

يحمل اللفظ عليه من غير قرينة ، فإن لفظ الكتاب ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزء غير مجتمع ، فضلا عما إذا لم يكتب ، وكان محفوظا في الصدور فقط .

-  ص 1 -

 4 - مخالفة أحاديث الجمع من حكم العقل !


إن هذه الروايات مخالفة لحكم العقل ، فإن عظمة القرآن في نفسه ، واهتمام النبي - ص - بحفظه وقراءته ، واهتمام المسلمين بما يهتم به النبي - ص - وما يستوجبه ذلك من الثواب ، كل ذلك ينافي جمع القرآن على النحو المذكور في تلك الروايات ،

فإن في القرآن جهات عديدة كل واحدة منها تكفي لان يكون القرآن موضعا لعناية المسلمين ، وسببا لاشتهاره حتى بين الاطفال والنساء منهم ، فضلا عن الرجال .

وهذه الجهات هي :

 1 - بلاغة القرآن : فقد كانت العرب تهتم بحفظ الكلام البليغ ، ولذلك فهم يحفظون أشعار الجاهلية وخطبها ، فكيف بالقرآن الذي تحدى ببلاغته كل بليغ ، وأخرس بفصاحته كل خطيب لسن ، وقد كانت العرب بأجمعهم متوجهين إليه ، سواء في ذلك مؤمنهم وكافرهم ، فالمؤمن يحفظه لايمانه ، والكافر يتحفظ به لانه يتمنى معارضته ، وإبطال حجته .


 2 - إظهار النبي - ص - رغبته بحفظ القرآن ، والاحتفاظ به : وكانت السيطرة والسلطة له خاصة ، والعادة تقضي بأن الزعيم إذا أظهر رغبته بحفظ كتاب أو بقراءته فإن ذلك الكتاب يكون رائجا بين جميع الرعية، الذين يطلبون رضاه لدين أو دنيا


 3 - إن حفظ القرآن سبب لارتفاع شأن الحافظ بين الناس ، وتعظيمه عندهم : فقد علم كل مطلع على التاريخ ما للقراء والحفاظ من المنزلة الكبيرة ، والمقام الرفيع بين الناس ، وهذا أقوى سبب لاهتمام الناس بحفظ القرآن جملة ، أو بحفظ القدر الميسور منه .

 4 - الاجر والثواب الذي يستحقه القارئ والحافظ بقراءة القرآن وحفظه : هذه أهم العوامل التي تبعث على حفظ القرآن والاحتفاظ به ، وقد كان المسلمون

-  ص 254 -

يهتمون بشأن القرآن ، ويحتفظون به أكثر من اهتمامهم بأنفسهم ، وبما يهمهم من مال وأولاد .

وقد ورد أن بعض النساء جمعت جميع القرآن .

أخرج ابن سعد في الطبقات : " أنبأنا الفضل بن دكين ، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع ، قال : حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث ، وكان رسول الله - ص - يزورها ، ويسميها الشهيدة وكانت قد جمعت القرآن ، ان رسول الله -

ص - حين غزا بدار ، قالت له : أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وامرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة ؟ قال : إن الله مهد لك شهادة . . . " ( 1 ) وإذا كان هذا حال النساء في جمع القران فكيف يكون حال الرجال ؟ وقد عد من حفاظ القرآن على عهد رسول الله - ص - جم غفير .

قال القرطبي : " قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء ، وقتل في عهد النبي - ص - ببئر معونة مثل هذا العدد " ( 2 ) .


وقد تقدم في الرواية " العاشرة " أنه قتل من القراء يوم اليمامة أربعمائة رجل على أن شدة اهتمام النبي صلى الله عليه واله وسلم بالقرآن ، وقد كان له كتاب عديدون ، ولا سيما أن القرآن نزل نجوما في مدة ثلاث وعشرين سنة ، كل هذا يورث لنا القطع بأن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان قد أمر بكتابة القرآن على عهده .


روى زيد بن ثابت ، قال : " كنا عند رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نؤلف القرآن من الرقاع " . قال الحاكم : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه " وفيه الدليل الواضح : أن القرآن إنما جمع على عهد رسول الله ( 3 ) .


وأما حفظ بعض سور القرآن أو بعض السورة فقد كان منتشرا جدا ، وشذ

 

( 1 ) الاتقان النوع 20 ج 1 ص 125 .
( 2 ) الاتقان النوع 20 ص 122 ، وقال القرطبي في تفسيره ج 1 ص 50 : وقتل منهم " القراء " في ذلك اليوم " يوم اليمامة " فيما قيل سبعمائة .
( 3 ) المستدرك ج 2 ص 611 . ( * )

 

 

-  ص 255 -

أن يخلو من ذلك رجل أو امرأة من المسلمين . روى عبادة بن الصامت قال : " كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يشغل ، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن " ( 1 ) .


وروى كليب ، قال : " كنت مع علي عليه السلام فسمع ضجتهم في المسجد يقرأون القرآن، فقال : طوبى لهؤلاء . . ."( 2 )

وعن عبادة بن الصامت أيضا : " كان الرجل إذاهاجر دفعه النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى رجل منا يعلمه القرآن ، وكان يسمع لمسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ضجة بتلاوة القرآن ، حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا " ( 3 ) .


نعم إن حفظ القرآن ولو ببعضه كان رائجا بين الرجال والنساء من المسلمين ، حتى أن المسلمة قد تجعل مهرها تعليم سورة من القرآن أو أكثر ( 4 ) ومع هذا الاهتمام كله كيف يمكن أن يقال : إن جمع القرآن قد تأخر إلى زمان خلافة أبي بكر ، وإن أبا بكر احتاج في جمع القرآن إلى شاهدين يشهدان أنهما سمعا ذلك من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

 

 

( 1 ) مسند أحمد ج 5 ص 324 .
( 2 ) كنز العمال . فضائل القرآن الطبعة الثانية ج 2 ص 185 .
( 3 ) مناهل العرفان ص 324 .
( 4 ) رواه الشيخان ، وأبو داود والترمذي ، والنسائي . التاج : ج 2 ص 332 .

 

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب