|
- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 365 : - |
أحكام الكافر المقاتل :
المعروف بين الشيعة الامامية أن الكافر المقاتل
يجب قتله ما لم يسلم ، ولا يسقط قتله بالاسر قبل أن يثخن المسلمون الكافرين ،
ويعجز الكافرون عن القتال لكثرة القتل فيهم ، وإذا أسلم ارتفع موضوع القتل ،
وهو الكافر ، وأما الاسر بعد الاثخان فيسقط فيه القتل ، فإن الآية قد جعلت
الاثخان غاية لوجوب ضرب الرقاب .
ومن الواضح : أن الحكم يسقط عند
حصول غايته ، ويتخير ولي الامر في تلك الحال بين استرقاق الاسير ، وبين مفاداته
، والمن عليه من غير فداء ، من غير فرق في ذلك بين المشرك وغيره من فرق الكفار
، وقد ادعي الاجماع على ما ذكرناه من الاحكام ، والمخالف فيها شاذ لا يعبأ
بخلافه ، " وسيظهر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى " .
وهذا الذي ذكروه يوافق ظاهر الآية الكريمة من جميع الجهات إذا كان شد الوثاق هو
الاسترقاق ، باعتبار أن معنى شد الوثاق هو عزله عن الاستقلال ما لم يمن عليه أو
يفاد ، وأما إذا لم يكن شد الوثاق بمعنى الاسترقاق ، فلا بد من إضافة الاسترقاق
إلى المفاداة والمن للعلم بجوازه من أدلة أخرى ، فيكون ذلك تقييدا لاطلاق الآية
بالدليل .
وقد وردت الاحكام المذكورة فيما رواه الكليني ،
والشيخ الطوسي بإسنادهما عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال : "
سمعته يقول كان أبي يقول ان للحرب حكمين : إذا كانت الحرب قائمة لم تضع أوزارها
، ولم يثخن أهلها ، فكل أسير
أخذ في تلك الحال فإن الامام فيه بالخيار إن شاء ضرب عنقه ،
وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم ، وتركه يتشحط في دمه حتى يموت وهو قول
الله تعالى : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله
ويسعون في الارض فسادا أن
يقتلوا أو يصلبوا أوتقطع أيديهم
وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب
عظيم 5 : 33 " . ألا ترى أنه التخيير الذي خير الله الامام على شئ واحد
وهو الكفر وليس
هو على أشياء مختلفة فقلت لجعفر بن محمد عليه السلام قول الله
تعالى : " أو ينفوا من الارض " ، قال ذلك الطلب أن يطلبه الخيل حتى يهرب ، فإن
أخذته الخيل حكم ببعض الاحكام التي وضعت ذلك ، والحكم الآخر إذا وضعت الحرب
أوزارها
وأثخن أهلها ، فكل أسير أخذ على تلك الحال وكان في أيديهم
فالامام فيه بالخيار ، إن شاء الله من عليهم فأرسلهم ، وإن شاء فاداهم أنفسهم ،
وإن شاء استعبدهم فصاروا عبيدا " ( 1 ) .
ووافقتا على سقوط القتل عن الاسير بعد الاثخان : الضحاك وعطاء
، وصرح الحسن بذلك وان الامام بالخيار إما أن يمن أو يفادي أو يسترق ( 2 ) .
وعلى ما ذكرناه فلا نسخ في الآية الكريمة ، غاية الامر أن القتل يختص بمورد ،
ويختص عدم القتل بمورد آخر من غير فرق بين أن تكون آية السيف متقدمة في النزول
على هذه الآية ، وبين أن تكون متأخرة عنها .
ومن الغريب : أن الشيخ الطوسي - في هذا المقام -
نسب إلى أصحابنا أنهم رووا تخيير الامام في الاسير بعد الاثخان بين القتل وبين
ما ذكر من الامور . قال : " والذي رواه أصحابنا أن الاسير إن أخذ قبل انقضاء
الحرب والقتال - بأن تكون
الحرب قائمة ، والقتال باق - فالامام مخير بين أن يقتلهم ، أو
يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا ، وليس له المن ولا الفداء،
وإن كان أخذ بعد وضع الحرب أوزارها وانقضاء الحرب والقتال كان - الامام - مخيرا
بين المن والمفاداة
إما بالمال أوالنفس ، وبين الاسترقاق - وضرب الرقاب - " .
وتبعه على ذلك الطبرسي في تفسيره ( 3 ) مع أنه لم ترد في ذلك رواية أصلا .
| |
( 1 ) الوافي ج 9 ص 23 .
( 2 ) القرطبي ج 16 ص 227 ، 228 ، ونقله
النحاس في الناسخ والمنسوخ عن عطاء ص 221
.
( 3 ) تفسير التبيان ج 9 ص 291 ط النجف .
( * )
|
|
|
وقد نص الشيخ الطوسي بنفسه في كتاب المبسوط ( 1 ) : " كل أسير
يؤخذ بعد أن تضع الحرب أوزارها ، فإنه يكون الامام مخيرا فيه بين أن يمن عليه
فيطلقه ، وبين أن يسترقه وبى أن يفاديه ، وليس له قتله على ما رواه أصحابنا وقد
ادعى الاجماع والاخبار على ذلك : في المسألة السابعة عشرة من كتاب الفئ ، وقسمة
الغنائم من كتاب الخلاف .
ومن الذين ادعوا الاجماع على ذلك صريحا العلامة في كتابي " المنتهى والتذكرة "
في أحكام الاسارى من كتاب الجهاد . وفي ظني : أن كلمة " ضرب الرقاب " في عبارة
" التبيان " إنما كانت من سهو القلم ، وقد جرى عليه الطبرسي من غير مراجعة .
هذا هو مذهب علماء الشيعة الامامية ، والضحاك ، وعطاء ، والحسن .
آراء اخرى حول الآية : وأما بقية علماء أهل السنة
فقد ذهبوا إلى أقوال :
1 - منهم من قال : " إن
الآية نزلت في المشركين ، ثم نسخت بآيات السيف " ، نسب ذلك إلى قتادة ، والضحاك
، والسدي ، وابن جريح ، وابن عباس ، وإلى كثير من الكوفيين ، فقالوا : " إن
الاسير المشرك يجب قتله ، ولا تجوز مفاداته ، ولا المن عليه بإطلاقه " ( 2 ) .
ويرده : أنه لا وجه للنسخ على
هذا القول ، فإن نسبة هذه الآية إلى آيات السيف نسبة المقيد إلى المطلق ، سواء
أكانت متقدمة عليها في النزول أم كانت متأخرة
| |
( 1 ) المبسوط كتاب الجهاد ، فصل في
أصناف الكفار وكيفية قتالهم .
|
( 2 ) تفسير القرطبي ج 16 ص 227 . ( * )
|
|
|
عنها . وقد أوضحنا - فيما سبق - أن العام المتأخر لا يكون
ناسخا للخاص المتقدم ، فكيف بالمطلق إذا سبقه المقيد ( 1 ) ؟ .
2 - ومنهم من قال : " إن
الآية نزلت في الكفار جميعا ، فنسخت في خصوص المشرك " نسب ذلك إلى قتادة ،
ومجاهد ، والحكم ، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة ( 2 ) .
ويرده : أن هذا القول واضح
البطلان كالقول السابق ، فإن ذلك موقوف على أن تكون آيات السيف متأخرة في
النزول عن هذه الآية ، ولا يمكن القائل بالنسخ إثبات ذلك ، ولا سند له غير
التمسك بخبر الواحد ، وقد أوضحنا أن خبر الواحد لا يثبت به
النسخ إجماعا ، ولو فرضنا ثبوت ذلك ، فلا دليل على كون آيات
السيف ناسخة لها ، ليصح القول المذكور ، بل تكون هذه الآية مقيدة لآيات السيف ،
وذلك : لاجماع الامة على أن هذه الآية قد شملت المشركين أو أنها مختصة بهم،
وعلى ذلك كانت
الآية المباركة قرينة على تقييد آيات السيف لما أشرنا إليه
آنفا من أن المطلق لا يصلح أن يكون ناسخا للمقيد ، وإذا أغمضنا عن ذلك كانت هذه
الآية الكريمة معارضة لآيات السيف بالعموم من وجه ، ومورد الاجتماع هو المشرك
الاسير بعد الاثخان ، ولا مجال للالتزام بالنسخ فيه .
3 - ومنهم من قال : " إن الآية ناسخة الآية
السيف " نسب ذلك إلى الضحاك وغيره " ( 3 ) .
ويرده :
| |
( 1 ) قد فصلنا الكلام في ذلك في بحث العموم والخصوص من كتابنا "
أجود التقريرات "
( 2 ) تفسير القرطبي ج 16 ص 227 . |
( 3 ) نفس المصدر . ( * ) ( البيان - 24 )
|
|
|
أن هذا القول ، يتوقف على إثبات تأخر هذه الآية في النزول عن
آيات السيف ، ولا يمكن هذا القائل إثبات ذلك ، على أنا قد أوضحنا - فيما تقدم -
أنه لا موجب للالتزام بالنسخ ، تأخرت الآية في النزول عن آيات السيف ، أم تقدمت
عليها .
4 - ومنهم من قال : " إن الامام مخير في كل
حال بين القتل والاسترقاق والمفاداة والمن " ، رواه أبو طلحة عن ابن عباس ،
واختاره كثير : منهم ابن عمر ، والحسن ، وعطاء ، وهو مذهب مالك ، والشافعي ،
والثوري ، والاوزاعي وأبي عبيد ، وغيرهم . وعلى هذا القول فلا نسخ في الآية ( 1
)
قال النحاس بعدما ذكر هذا القول : " وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما ،
وهو قول حسن لان النسخ إنما يكون بشئ قاطع ، فأما إذا أمكن العمل بالآيتين ،
فلا معنى في القول بالنسخ . . وهذا القول يروى عن أهل المدينة ، والشافعي ،
وأبي عبيد " ( 2 ) .
ويرده : أن هذا القول وإن لم يستلزم نسخا في
الآية ، إلا أنه باطل أيضا ، لان الآية الكريمة صريحة في أن المن والفداء إنما
هما بعد الاثخان فالقول بثبوتهما - قبل ذلك - قول بخلاف القرآن ، والامر بالقتل
في الآية مغيا بالاثخان فالقول بثبوت القتل بعده قول بخلاف القرآن أيضا ، وقد
سمعت أن آيات السيف مقيدة بهذه الآية .
وأما ما استدل به على هذا القول من أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قتل بعض
الاسارى وفادى بعضا ، ومن على آخرين ، فهذه الرواية - على فرض صحتها - لا دلالة
لها على التخيير بين القتل وغيره ، لجواز أن يكون قتله للاسير قبل الاثخان
| |
( 1 ) تفسير القرطبي ج 16 ص 228 .
|
( 2 ) الناسخ والمنسوخ ص 221 . ( * )
|
|
|
وفداؤه ومنه في الاسراء بعده ، وأما ما روي من فعل أبي بكر
وعمر فهو - على تقدير ثبوته - لا حجية فيه ، لترفع اليد به عن ظاهر الكتاب
العزيز . * * *
33 - " وفي أموالهم حق للسائل والمحروم 51 : 19
" . * * *
34 - " والذين في أموالهم حق
معلوم 70 : 24 . للسائل والمحروم : 25 " .
فقد وقع الاختلاف في نسخ الآيتين وإحكامهما . ووجه الاختلاف
في ذلك : أن الحق المعلوم الذي أمرت الآيتان به قد يكون هو الزكاة المفروضة ،
وقد يكون فرضا ماليا آخر غيرها ، وقد يكون حقا غير الزكاة ولكنه مندوب وليس
بمفروض .
فإن كان الحق واجبا ماليا غير الزكاة فالآيتان الكريمتان منسوختان لا محالة ،
من حيث إن الزكاة نسخت كل صدقة واجبة في القرآن وقد اختار هذا الوجه جماعة من
العلماء .
وإن كان الحق المعلوم هو الزكاة نفسها ، أو كان حقا مستحبا غير مفروض ،
فالآيتان محكمتان بلا ريب . والتحقيق : يقتضي اختيار الوجه الاخير ، وأن الحق
المعلوم شئ غير الزكاة ، وهو أمر قد ندب إليه الشرع . فقد استفاضت النصوص من
الطريقين بأن الصدقة الواجبة منحصرة بالزكاة ، وقد ورد عن أهل البيت عليهم
السلام بيان المراد من هذا الحق المعلوم .
روى الشيخ الكليني بإسناده عن أبي بصير قال : "
كنا عند أبي عبد الله عليه السلام ومعنا بعض أصحاب الاموال فذكروا الزكاة فقال
أبو عبد الله عليه السلام : إن الزكاة ليس يحمد بها صاحبها ، وإنما هو شئ ظاهر
إنما حقن بهادمه وسمي بها مسلما ، ولو لم يؤدها لم تقبل صلاته
، وإن عليكم في أموالكم غير الزكاة . فقلت : أصلحك الله وما علينا في أموالنا
غير الزكاة ؟ فقال : سبحان الله ! أما تسمع الله يقول في كتابه : والذين في
أموالهم . . . ؟ قال : قلت :
فماذا الحق المعلوم الذي علينا ؟ قال : هو والله الشئ يعلمه
الرجل في ماله يعطيه في اليوم ، أو في الجمعة ، أو الشهر قل أو كثر غير أنه
يدوم عليه " .
وروى أيضا بإسناده عن اسماعيل بن جابر عن أبي عبد
الله عليه السلام في قول الله تعالى : " والذين في أموالهم . . . أهو سوى
الزكاة ؟ فقال : هو الرجل يؤتيه الله الثروة من المال فيخرج منه الالف ،
والالفين ، والثلاثة آلاف ، والاقل والاكثر فيصل به رحمه ، ويحتمل به الكل عن
قومه " . وغير ذلك من الروايات عن الصادقين عليهما السلام ( 1 ) .
وروى البيهقي في شعب الايمان ، بإسناده عن غزوان
بن أبي حاتم قال : " بينا أبو ذر عند باب عثمان لم يؤذن له إذ مر به رجل من
قريش فقال : يا أبا ذر ما يجلسك ههنا ؟ فقال : يأبى هؤلاء أن يأذنوا لي ، فدخل
الرجل فقال : يا أمير المؤمنين ما
بال أبي ذر على الباب لا يؤذن له ؟ فأمر فاذن له فجاء حتى جلس
ناحية القوم . . فقال عثمان لكعب : يا أبا إسحق أرأيت المال إذا أدي زكاته هل
يخشى على صاحبه فيه تبعة ؟ قال : لا ، فقام أبو ذر ومعه عصا فضرب بها بين اذني
كعب ، ثم
قال : يا ابن اليهودية ، أنت تزعم أنه ليس حق في ماله إذا أدى
الزكاة . والله تعالى يقول : " ويؤثرون على أنفسهم ولو
كان بهم خصاصة 59 : 9 " .
| |
( 1 ) الوافي باب الحق المعلوم وما قبله
ج 6 ص 52 . ( * )
|
|
|
والله تعالى يقول : " ويطعمون الطعام
على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا 76 : 8 " . والله تعالى يقول : "
والذين في أموالهم حق معلوم 7 : 74 .
للسائل والمحروم : 75 " . فجعل يذكر نحو هذا من القرآن . . " ( 1 ) .
وروى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس : " أن الحق
المعلوم سوى الصدقة يصل بها رحما ، أن يقري بها ضيفا أو يحمل بها كلا ، أو يعين
بها محروما " ( 2 ) . وتبع ابن عباس على ذلك جملة من المفسرين ، وعلى هذا فلا
نسخ في الآية المباركة . * * *
35 - " يا
أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم
وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم 58 : 12 " .
فقد ذهب أكثر العلماء إلى نسخها بقوله تعالى :
ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا
وتاب الله عليكم فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير
بما تعملون 58 : 13 " .
فقد استفاضت الروايات من الطريقين : أن الآية المباركة لما نزلت لم يعمل بها
غير علي عليه السلام فكان له دينار فباعه بعشرة دراهم ، فكان كلما ناجى الرسول
صلى الله عليه واله وسلم قدم درهما حتى ناجاه عشر مرات .
| |
( 1 ) كنز العمال ج 3 ص 310 .
|
( 2 ) تفسير القرطبي ج 29 ص 50 . ( * )
|
|
|
|