|
- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 391 : - |
ثمرة الاعتقاد بالبداء :
والبداء : إنما يكون في القضاء الموقوف المعبر
عنه بلوح المحو والاثبات ، والالتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل
إلى الله سبحانه وليس في هذا الالتزام ما ينافي عظمته وجلاله .
فالقول بالبداء : هو الاعتراف الصريح بأن العالم
تحت سلطان الله وقدرته في حدوثه وبقائه ، وأن إرادة الله نافذة في الاشياء أزلا
وأبدا ، بل وفي القول بالبداء يتضح الفارق بين العلم الالهي وبين علم المخلوقين
، فعلم المخلوقين - وإن كانوا أنبياء أو
أوصياء - لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى ، فإن بعضا منهم وإن
كان عالما - بتعليم الله إياه - بجميع عوالم الممكنات لا يحيط بما أحاط به علم
الله المخزون الذي استأثر به لنفسه ، فإنه لا يعلم بمشيئة الله تعالى - لوجود
شئ - أو عدم مشيئته إلا حيث يخبره الله تعالى به على نحو الحتم .
والقول بالبداء : يوجب انقطاع
العبد إلى الله وطلبه إجابة دعائه منه وكفاية مهماته ، وتوفيقه للطاعة ،
وإبعاده عن المعصية ، فإن إنكار البداء والالتزام بأن ما جرى به قلم التقدير
كائن لا محالة - دون استثناء - يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة
دعائه ، فإن ما يطلبه العبد من ربه إن كان قد جرى قلم التقدير
بإنفاذه فهو كائن لا محالة ، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسل ، وإن كان قد جرى
القلم بخلافه لم يقع أبدا ، ولم ينفعه الدعا ولا التضرع ، وإذا يئس العبد من
إجابة دعائه ترك التضرع
لخالقه ، حيث لا فائدة في ذلك ، وكذلك الحال في سائر العبادات
والصدقات التي ورد عن المعصومين - ع - أنها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير
ذلك مما يطلبه العبد .
وهذا هو سر ما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت
عليهم السلام من الاهتمام بشأن البداء . فقد روى الصدوق في كتاب " التوحيد "
بإسناده عن زرارة عن أحدهما عليه السلام قال : " ما عبد الله عز وجل بشئ مثل
البداء " ( 1 ) .
وروى بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله
عليه السلام قال : " ما عظم الله عز وجل بمثل البداء " ( 2 ) .
وروى بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله
عليه السلام قال : " ما بعث الله عز وجل نبيا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال :
الاقرار بالعبودية وخلع الانداد ، وأن الله يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء " ( 3 )
.
والسر في هذا الاهتمام : أن إنكار البداء يشترك
بالنتيجة مع القول بأن الله
| |
( 1 ) أفضل من البداء - نسخة اخرى .
( 2 ) التوحيد للصدوق باب البداء ص 272 ط
سنة 1386 ، ورواه الشيخ الكليني أيضا . الوافي
باب البداء ج 1 ص 113 .
( 3 ) نفس المصدر ص 272 ، ورواه الشيخ الكليني أيضا الوافي باب البداء
ج 1 ص 113 . ( * )
|
|
|
غير قادر على أن يغير ما جرى عليه قلم التقدير . تعالى الله
عن ذلك علوا كبيرا . فإن كلا القولين يؤيس العبد من إجابة دعائه ، وذلك يوجب
عدم توجهه في طلباته إلى ربه .
حقيقة البداء عند الشيعة :
وعلى الجملة : فإن البداء
بالمعنى الذي تقول به الشيعة الامامية هو من الابداء " الاظهار " حقيقة ،
وإطلاق لفظ البداء عليه مبني على التنزيل والاطلاق بعلاقة المشاكلة .
وقد اطلق بهذا المعنى في بعض الروايات من طرق أهل السنة
.
روى البخاري بإسناده عن أبي
عمرة ، أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن
ثلاثة في بني إسرائيل : أبرص وأعمى وأقرع ، بدالله عز وجل أن يبتليهم فبعث
إليهم ملكا فأتى الابرص . . . " ( 1 )
وقد وقع نظير ذلك في كثير من الاستعمالات
القرآنية ، كقوله تعالى : " الان علم الله أن فيكم ضعفا
8 : 66 " .
وقوله تعالى : " لنعلم أي الحزبين أحصى
لما لبثوا أمدا 8 : 12 " .
وقوله تعالى : " لنبلوهم أيهم أحسن
عملا 8 : 7 " .
وما أكثر الروايات من طرق أهل السنة في أن الصدقة والدعاء
يغيران القضاء ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري ج 4 باب ما ذكر عن
بني إسرائيل ص 146 .
( 2 ) انظر التعليقة رقم ( 11 ) للوقوف على روايات تفيد أن الدعاء يغير
القضاء - في قسم التعليقات . ( * )
|
|
|
أما ما وقع في كلمات المعصومين عليهم السلام من الانباء
بالحوادث المستقبلة فتحقيق الحال فيها : أن المعصوم متى ما أخبر بوقوع أمر
مستقبل على سبيل الحتم والجزم ودون تعليق ، فذلك يدل أن ما أخبر به مما جرى به
القضاء المحتوم وهذا هو القسم الثاني " الحتمي " من أقسام القضاء المتقدمة .
وقد علمت أن مثله ليس موضعا للبداء ، فإن الله لا يكذب نفسه ولا نبيه . ومتى ما
أخبر المعصوم بشئ معلقا على أن لا تتعلق المشيئة الالهية بخلافه ، ونصب قرينة
متصلة أو منفصلة على ذلك فهذا الخبر إنما يدل على جريان القضاء الموقوف الذي هو
موضع البداء .
والخبر الذي أخبر به المعصوم صادق وإن جرى فيه البداء ، وتعلقت المشيئة الالهية
بخلافه . فإن الخبر - كما عرفت - منوط بأن لا تخالفه المشيئة .
وروى العياشي عن عمرو بن الحمق قال : " دخلت على
أمير المؤمنين عليه السلام حين ضرب على قرنه ، فقال لي : يا عمرو إني مفارقكم ،
ثم قال : سنة السبعين فيها بلاء . . . فقلت : بأبي أنت وأمي قلت : إلى السبعين
بلاء ، فهل بعد السبعين رخاء ؟ قال : نعم يا عمرو إن بعد البلاء رخاء " . .
وذكر آية يمحو الله . . .
|