تخصيص القرآن بخبر الواحد

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 399 : -

تخصيص القرآن بخبر الواحد :


إذا ثبتت حجية الخبر الواحد بدليل قطعي فهل يخصص به عموم ما ورد في الكتاب العزيز ؟


ذهب المشهور إلى جواز ذلك ، وخالف فيه فريق من علماء أهل السنة ، فمنعه بعضهم على الاطلاق .

وقال عيسى بن أبان : إن كان العام الكتابي قد خص - من قبل - بدليل مقطوع به جاز تخصيصه بخبر الواحد وإلا لم يجز .

وقال الكرخي : إذا خص العام بدليل منفصل جاز تخصيصه بعد ذلك

-  ص 400 -

بخبر الواحد وإلا فلا . وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف ( 1 ) .


والذي نختاره : هو القول المشهور . والدليل على ذلك أن الخبر - كما فرضنا - قطعي الحجية ، ومقتضى ذلك أنه يجب العمل بموجبه ما لم يمنع منه مانع .


شبهات وأقوال :

وما توهم منعه عن ذلك امور لا تصلح للمنع :

 1 - قالوا : إن الكتاب العزيز كلام الله العظيم المنزل على نبيه الكريم ، وذلك قطعي لا شبهة فيه . وأما خبر الواحد فلا يقين بمطابقته للواقع ، ولا بصدور مضمونه عن المعصوم إذ لا أقل من احتمال اشتباه الراوي . والعقل لا يجوز أن ترفع اليد عن أمر مقطوع به لدليل يحتمل فيه الخطأ .


والجواب عن ذلك : أن الكتاب - وإن كان قطعي الصدور - إلا أنه لا يقين بأن الحكم الواقعي على طبق عموماته ، فإن العمومات إنما وجب العمل على طبقها من أجل أنها ظاهر الكلام ، وقد استقرت العقلاء على حجية الظواهر ، ولم يردع الشارع على اتباع هذه السيرة .


ومن البين أن سيرة العقلاء على حجية الظاهر مختصة بما إذا لم تقم قرينة على خلاف الظهور ، سواء أكانت القرينة متصلة أم كانت منفصلة ، فإذا نهضت القرينة على الخلاف وجب رفع اليد عن الظاهر ، والعمل على وفق القرينة .

وإذن فلا مناص من تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد بعد قيام الدليل القطعي على حجيته .

فإن معنى ذلك أن مضمون الخبر صادر عن المعصومين تعبدا .

وإن شئت فقل : إن سند الكتاب العزيز - وإن كان قطعيا - إلا أن دلالته ظنية ، ولا محذور بحكم العقل في أن ترفع اليد عن الدلالة الظنية لدليل ظني آخر ثبتت حجيته بدليل قطعي .

 

( 1 ) اصول الاحكام للامدي ج 2 ص 472 . ( * )

 

 

-  ص 401 -

 2 - وقالوا : قد صح عن المعصومين عليهم السلام أن تعرض الروايات على الكتاب وما يكون منها مخالفا لكتاب الله يلزم طرحه ، وضربه على الجدار ، وهو مما لم يقولوه . والخبر الخاص المخالف لعموم الكتاب مما تشمله تلك الادلة ، فيجب طرحه وعدم تصديقه .


والجواب عن ذلك : أن القرائن العرفية على بيان المراد من الكتاب لا تعد في نظر العرف من المخالفة له في شئ ، والدليل الخاص قرينة لا يضاح المعنى المقصود من الدليل العام ، والمخالفة بين الدليلين إنما تتحقق إذا عارض أحدهما صاحبه بحيث

يتوقف أهل العرف في فهم المراد منهما إذا صدر كلاهما من متكلم واحد ، أو ممن بحكمه فخبر الواحد الخاص ليس مخالفا للعام الكتابي ، بل هو مبين للمراد منه .


ويدل على ذلك أيضا : أنا نعلم أنه قد صدر عن المعصومين عليهم السلام كثير من الاخبار المخصصة لعمومات الكتاب ، والمقيدة لمطلقاته ، فلو كان التخصيص أو التقييد من المخالف للكتاب لما صح قولهم : " ما خالف قول ربنا لم نقله ، أو هو زخرف ، أو باطل " فيكون صدور ذلك عنهم عليهم السلام دليلا على أن التخصيص أو التقييد ليس من المخالفة في شئ .


أضف إلى ذلك : أن المعصومين عليهم السلام قد جعلوا موافقة أحد الخبرين المتعارضين للكتاب مرجحا له على الخبر الاخر ، ومعنى ذلك أن معارضه - وهو الذي لم يوافق الكتاب - حجة في نفسه لو لا المعارضة ، ومن الواضح أن ذلك الخبر لو

كانت مخالفته للكتاب على نحو لا يمكن الجمع بينهما لم يكن حجة في نفسه ولم يبق مع مجال للمعارضة والترجيح ، وإذن فلا مناص من أن يكون المراد من عدم موافقته للكتاب أنه يمكن الجمع بينهما عرفا بالالتزام بالتخصيص أو التقييد . ( البيان - 26 ) .

-  ص 402 -

ونتيجة ذلك : أن الخبر المخصص للكتاب ، أو المقيد له حجة في نفسه ، ويلزم العمل به إلا حين يبتلى بالمعارضة .


 3 - وقالوا : لو جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد لجاز نسخه به ، والنسخ به غير جائز يقينا فالتخصيص به غير جائز أيضا ، والسند في هذه الملازمة : أن النسخ - كما أوضحناه في مبحث النسخ - تخصيص في الازمان ، والدليل الناسخ كاشف

عن أن الحكم الاول كان مختصا بزمان ينتهي بورود ذلك الدليل الناسخ ، فنسخ الحكم ليس رفعا له حقيقة ، بل هو رفع له صورة وظاهرا ، والتخصيص في الافراد كالتخصيص في الازمان ، فكلاهما تخصيص ، فلو جاز الاول لجاز الثاني .


والجواب عن ذلك : أن الفارق بين النوعين من التخصيص هو الاجماع القطعي على المنع في النسخ ولو لا ذلك الاجماع لجاز النسخ بخبر الواحد الحجة ، كما جاز التخصيص به ، وقد بينا أن الكتاب وإن كان قطعي السند إلا أن دلالته غير قطعية ، ولا مانع من رفع اليد عنها بخبر الواحد الذي ثبتت حجيته بدليل قطعي .


نعم : الاجماع المذكور ليس إجماعا تعبديا ، بل لان بعض الامور من شأنه أن ينقل بالتواتر لو تحقق في الخارج ، فإذا اختص بنقله بعض دون بعض كان ذلك دليلا على كذب راويه أو خطئه ، فلا تشمله أدلة الحجية لخبر الواحد ، ومن أجل هذا قلنا : إن القرآن لا يثبت بخبر الواحد .


ومما لا ريب فيه أن النسخ لا يختص بقوم من المسلمين دون قوم ، والدواعي لنقله متظافرة ، فلو ثبت لكانت الاخبار به متواترة ، فإذا اختص الواحد بنقله كان ذلك دليلا على كذبه أو خطئه ، وبذلك يظهر الفارق بين التخصيص والنسخ وتبطل الملازمة بين جواز الاول وجواز الثاني .

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب