|
- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 424 : - |
تحليل آية بسم الله
الرحمن الرحيم
اللغة الاسم : في اللغة بمعنى
العلامة ، وهمزته همزة وصل ، وليست من الحروف الاصلية ، وفيه لغات كثيرة
والمعروف منها أربع : اسم ، سم وكلاهما بكسر الاول وضمه وهو مأخوذ من السمو "
الارتفاع " باعتبار أن المعنى يرتفع به فيخرج
من الخفاء إلى الظهور ، فإن المعنى يحضر في ذهن السامع
بمجرد سماع اللفظ بعد أن لم يكن فيه ، أو باعتبار أن اللفظ يرتفع بالوضع فيخرج
من الاهمال إلى الاستعمال ، وقيل باشتقاقه من السمة " العلامة " وهو خطأ لان
جمع اسم أسماء ، وتصغيره سمي ، وعند النسبة إليه يقال : سموي واسمي وعند
التعدية يقال : سميت وأسميت .
ولو كان مأخوذا من السمة لقيل في جمعه أو سام ، وفي تصغيره
وسيم ، وفي النسبة إليه وسمي ، وعند التعدية وسمت وأو سمت .
الله : علم للذات المقدسة
، وقد عرفها العرب به حتى في الجاهلية ، قال لبيد :
ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وكل
نعيم لا محالة زائل
وقال سبحانه : " ولئن سألتهم من
خلق السماوات والارض ليقولن الله 31 : 25 " .
ومن توهم أنه اسم جنس فقد أخطأ ،
ودليلنا على ذلك أمور :
الاول : التبادر ، فإن لفظ
الجلالة ينصرف بلا قرينة إلى الذات المقدسة ، ولا يشك في ذلك أحد ، وبإصالة عدم
النقل يثبت أنه كذلك في اللغة ، وقد حققت حجيتها في علم الاصول .
الثاني : ان لفظ الجلالة -
بما له من المعنى - لا يستعمل وصفا ، فلا يقال : العالم الله ، الخالق الله ،
على أن يراد بذلك توصيف العالم والخالق بصفة هي كونه الله وهذه آية كون لفظ
الجلالة جامدا ، وإذا كان جامدا كان علما لا محالة ، فإن الذاهب إلى أنه اسم
جنس فسره بالمعنى الاشتقاقي .
الثالث : أن لفظ الجلالة لو
لم يكن علما لما كانت كلمة " لا إله إلا الله " كلمة توحيد ، فإنها لا تدل على
التوحيد بنفسها حينئذ ، كما لا يدل عليه قول : لا إله إلا الرازق ، أو الخالق ،
أو غيرهما من الالفاظ التي تطلق على الله سبحانه ، ولذلك لا يقبل إسلام من قال
إحدى هذه الكلمات .
الرابع : أن حكمة الوضع تقتضي
وضع لفظ للذات المقدسة ، كما تقتضي الوضع بإزاء سائر المفاهيم ، وليس في لغة
العرب لفظ موضوع لها غير لفظ الجلالة ، فيتعين أن يكون هو اللفظ الموضوع لها .
إن قلت : إن وضع لفظ لمعنى
يتوقف على تصور كل منهما ، وذات الله سبحانه يستحيل تصورها ، لا ستحالة إحاطة
الممكن بالواجب ، فيمتنع وضع لفظ لها، ولو قلنا بأن الواضع هو الله - وأنه لا
يستحيل عليه أن يضع إسما لذاته لانه محيط بها - لما
كانت لهذا الوضع فائدة لاستحالة أن يستعمله المخلوق في
معناه فإن الاستعمال أيضا يتوقف على تصور المعنى كالوضع ، على أن هذا القول
باطل في نفسه .
قلت : وضع اللفظ بإزاء المعنى
يتوقف على تصوره في الجملة ، ولو بالاشارة إليه ، وهذا أمر ممكن في الواجب
وغيره ، والمستحيل هو تصور الواجب بكنهه وحقيقته ، وهذا لا يعتبر في الوضع ولا
في الاستعمال ، ولو اعتبر ذلك لامتنع الوضع
والاستعمال في الموجودات الممكنة التي لا تمكن الاحاطة
بكنهها : كالروح والملك والجن ، ومما لا يرتاب فيه أحد أنه يصح استعمال اسم
الاشارة أو الضمير ويقصد به الذات المقدسة ، فكذلك يمكن قصدها من اللفظ الموضوع
لها ، وبما أن الذات
المقدسة مستجمعة لجميع صفات الكمال ، ولم يلحظ فيها - في
مرحلة الوضع - جهة من كمالاتها دون جهة صح أن يقال : لفظ الجلالة موضوع للذات
المستجمعة لجميع صفات الكمال .
إن قلت : إن كلمة " الله " لو
كانت علما شخصيا لم يستقم معنى قوله عزاسمه : " وهو الله
في السماوات وفي الارض 6 : 3 " . وذلك لانها لو كانت علما لكانت الآية
قد أثبتت له المكان وهو محال ، فلا مناص من أن يكون معناه المعبود ، فيكون معنى
الآية : وهو المعبود في السماوات والارضين .
قلت : المراد بالآية
المباركة أنه تعالى لا يخلو منه مكان ، وأنه محيط بما في السماوات وما في الارض
، ولا تخفى عليه منها خافية ، ويشهد لهذا قوله تعالى في آخر الآية الكريمة : "
يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون 6 : 3 " .
وقد روى أبو جعفر وهو محمد بن
نعمان في ظن الصدوق قال : " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل
: " وهو الله في السماوات وفي الارض 6 : 3 " .
قال عليه السلام : " كذلك هو في كل مكان ، قلت : بذاته ؟ قال : ويحك إن
الاماكن أقدار ، فإذا قلت في مكان بذاته لزمك أن تقول في
أقدار وغير ذلك ، ولكن هو بائن من خلقه محيط بما خلق : علما وقدرة وإحاطة
وسلطانا . . . " ( 1 ) .
والالف واللام : من كلمة
الجلالة وإن كانت جزء منها على العلمية ، إلا أن الهمزة فيها همزة وصل تسقط في
الدرج ، إلا إذا وقعت بعد حرف النداء ، فتقول يا الله بإثبات الهمزة وهذا مما
اختص به لفظ الجلالة ، ولم يوجد نظيره في كلام العرب قط ،
ولا مضايقة في كون كلمة الجلالة من المنقول ، وعليه
فالاظهر أنه مأخوذ من كلمة " لاه " بمعنى الاحتجاب والارتفاع ، فهو مصدر مبني
للفاعل ، لانه سبحانه هو المرتفع حقيقة الارتفاع التي لا يشوبها انخفاض ، وهو -
في غاية ظهوره بآثاره وآياته - محتجب عن خلقه بذاته ، فلا تدركه الابصار ولا
تصل إلى كنهه الافكار :
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تفسير البرهان
ج 1 ص 315 . ( * )
|
|
|
فيك يا أعجوبة الكون * غدا
الفكر كليلا
أنت حيرت ذوي اللب * وبلبلت العقولا
كلما أقدم فكري * فيك شبرا فر ميلا
ناكصا يخبط في عشواء * لا يهدي السبيلا
ولا موجب للقول باشتقاقه من " أله " بمعنى عبد ، أو " أله "
بمعنى تحير ليكون الاله مصدرا بمعنى المفعول - ككتاب - فانه التزام بما لا يلزم
.
الرحمن : مأخوذ من الرحمة ،
ومعناها معروف ، وهي ضد القسوة والشدة . قال الله تعالى : "
أشداء على الكفار رحماء بينهم 48 : 29 .
إعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم 5
: 98 " . وهي من الصفات الفعلية ، وليست رقة القلب مأخوذة في مفهومها ، بل هي
من لوازمها في البشر .
فالرحمة - دون تجرد عن معناها
الحقيقي - من صفات الله الفعلية كالخلق والرزق ، يوجدها حيث يشاء .
قال عز وجل : " ربكم أعلم بكم إن
يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم 17 : 54 .
يعذب من يشآء ويرحم من يشآء وإليه
تقلبون 29 : 21 " . حسب ما تقتضيه حكمته البالغة .
وقد ورد في الآيات طلب الرحمة من الله سبحانه : "
وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين 23 : 118 "
.
وقال غير واحد من المفسرين وبعض اللغويين : إن صيغة
الرحمن مبالغة في الرحمة ، وهو كذلك في خصوص هذه الكلمة ، سواء أكانت هيئة
فعلان مستعملة في المبالغة أم لم تكن ، فان كلمة " الرحمن " في جميع موارد
استعمالها محذوفة المتعلق ، فيستفاد منها العموم وأن رحمته وسعت كل شئ . و
مما يدلنا على ذلك أنه لا يقال : إن الله بالناس أو
بالمؤمنين لرحمن ، كما يقال : إن الله بالناس أو بالمؤمنين لرحيم . وكلمة "
الرحمن " بمنزلة اللقب من الله سبحانه ، فلا تطلق على غيره تعالى ، ومن أجل ذلك
استعملت في كثير من الآيات الكريمة
من دون لحاظ مادتها قال سبحانه : "
قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ
36 : 15 .
إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني
شفاعتهم شيئا ولا ينقذون : 23 .
هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون
: 52 .
ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت
67 : 3 " .
ومما يقرب اختصاص هذا اللفظ به قوله تعالى : "
رب السماوات والارض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل
تعلم له سميا 19 : 65 " .
فان الملحوظ أن الله تعالى قد
اعتنى بكلمة " الرحمن " في هذه السورة " مريم " حتى كررها فيها ست عشرة مرة .
وهذا يقرب أن المراد بالآية الكريمة أنه ليس لله سمي بتلك الكلمة .
الرحيم : صفة مشبهة ، أو صيغة
مبالغة . ومن خصائص هذه الصيغة أنها تستعمل
غالبا في الغرائز واللوازم غير المنفكة عن الذات :
كالعليم والقدير والشريف ، والوضيع والسخي والبخيل والعلي والدني .
فالفارق بين الصفتين : أن
الرحيم يدل على لزوم الرحمة للذات وعدم انفكاكها عنها ، والرحمن يدل على ثبوت
الرحمة فقط .
ومما يدل على أن الرحمة في كلمة " رحيم " غريزة وسجية :
أن هذه الكلمة لم ترد في القرآن عند ذكر متعلقها إلا متعدية بالباء ، فقد قال
تعالى : " إن الله بالناس لرؤف رحيم 1432 .
وكان بالمؤمنين رحيما 33 : 43 " . فكأنها عند ذكر
متعلقها انسلخت عن التعدية إلى اللزوم .
وذهب الآلوسي إلى أن الكلمتين
ليستا من الصفات المشبهة ، بقرينة إضافتهما إلى المفعول في جملة : " رحمن
الدنيا والآخرة وحريمهما " . والصفة المشبهة لا بد من أن تؤخذ من اللازم ( 1 )
.
وهذا الاستدلال غريب ، لان
الاضافة في الجملة المذكورة ليست من الاضافة إلى المفعول بل هي من الاضافة إلى
المكان أو الزمان . ولا يفرق فيها بين اللازم والمتعدي .
ثم إنه قد ورد في بعض الروايات : أن " الرحمن " اسم خاص
ومعناه عام وأما لفظ " الرحيم " فهو اسم عام ، ومعناه خاص ومختص بالآخرة أو
بالمؤمنين ( 2 ) إلا أنه لا مناص من تأويل هذه الروايات أو طرحها ، لمخالفتها
الكتاب العزيز ، فانه قد استعمل فيه لفظ " الرحيم من غير اختصاص بالمؤمنين أو
بالآخرة ففي الكتاب العزيز :
| |
( 1 ) تفسير الآلوسي
ج 1 ص 59 .
( 2 ) تفسير الطبري ج 1 ص 43 ، وتفسير
البرهان ج 1 ص 28 . ( * ) |
|
|
" فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني
فإنك غفور رحيم 14 : 36 .
نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم 15 : 49 .
إن الله
بالناس لرؤف رحيم 22 : 65 .
ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله
إنه كان بكم رحيما 17 : 66 .
ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان
غفورا رحيما 33 : 24 " .
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة ، وفي بعض الادعية
والروايات : رحمن الدنيا الآخرة ورحيمهما ( 1 ) .
ويمكن أن يوجه هذا الاختصاص بأن الرحمة
الالهية إذا لم تنته إلى الرحمة في الآخرة ، فكأنها لم تكن رحمة ( 2 ) .
وما جدوى رحمة تكون عاقبتها العذاب والخسران ؟
فإن الرحمة الزائلة تندك أمام العذاب الدائم لا محالة ، وبلحاظ ذلك صح أن يقال
: الرحمة مختصة بالمؤمنين أو بالآخرة .
| |
( 1 ) الصحيفة
السجادية في دعائه - ع - في استكشاف الهموم ، ومستدرك الحاكم ج 1 ص 155 .
( 2 )
اشير إلى ذلك في بعض الادعية المأثورة . ( * )
|
|
|
|