الحمد : ضد اللوم ، وهو لا
يكون إلا على الفعل الاختياري الحسن ، سواء أكان إحسانا للحامد أم لم يكن ،
والشكر مقابل الكفران ، وهو لا يكون إلا للانعام والاحسان ، والمدح يقابل الذم
، ولا يعتبر أن يكون على الفعل الاختياري فضلا عن كونه إحسانا ، والالف واللام
في كلمة الحمد للجنس إذ لا عهد ، وتقدم معنى كلمات : " الله . الرحمن . الرحيم
" .
الرب : مأخوذ من ربب ، وهو
المالك المصلح والمربي ، ومنه الربيبة ، وهو لا يطلق على غيره تعالى إلا مضافا
إلي شئ ، فيقال : رب السفينة ، رب الدار .
العالم : جمع لا مفرد له كرهط
وقوم ، وهو قد يطلق على مجموعة من الخلق متماثلة ، كما يقال : عالم الجماد،
عالم النبات ، عالم الحيوان . وقد يطلق على مجموعة يؤلف بين أجزائها اجتماعها
في زمان أو مكان، فيقال : عالم الصبا ، عالم الذر، عالم
الدنيا ، عالم الاخرة . وقد يطلق ويراد به الخلق كله على
اختلاف حقائق وحداته ، ويجمع بالواو والنون ، فيقال : عالمون ويجمع على فواعل ،
فيقال : عوالم ، ولم يوجد في لغة العرب ما هو على زنة فاعل ، ويجمع بالواو
والنون غير هذه الكلمة.
الملك : الاحاطة والسلطة ،
وهذه قد تكون خارجية حقيقية كما في إحاطته تعالى بالموجودات ، فإن كل موجود
إنما يتقوم في ذاته بخالقه وموجده ، وليس له
واقع مستقل سوى التدلي والارتباط بعلته الموجدة ،
والممكن فقير محتاج إلى المؤثر في حدوثه وفي بقائه ، فهو لا ينفك عن الحاجة
أبدا : " والله الغني وأنتم الفقراء 47 : 38 " .
وقد تكون اعتبارية ، كما في ملكية الناس للاشياء ، فإن
ملكية زيد لما بيده مثلا ليست إلا اعتبار كونه مالكا لذلك الشئ ، وأن زمان أمره
بيده ، وذلك عند حدوث سبب يقتضيه من عقد أو إيقاع أو حيازة أو إرث أو غير ذلك ،
حسب ما توجبه المصلحة في نظر الشارع أو العقلاء .
والملكية عند الفلاسفة هيئة حاصلة من إحاطة شئ بشئ ، وهي
أحد الاعراض التسعة ، ويعبر عنها بمقولة الجدة ، كالهيئة الحاصلة من إحاطة
العمامة بالرأس أو الخاتم بالاصبع .
الدين : بمعنى الجزاء والحساب
، وكلاهما مناسب للمقام ، فان الحساب مقدمة للجزاء ويوم الحساب هو يوم الجزاء
بعينه . التفسير بين سبحانه أن طبيعة الحمد وجنسه تختص به تعالى ، وذلك لامور :
الامر الاول : إن حسن الفعل
وكماله ينشأ من حسن الفاعل وكماله ، والله سبحانه هو الكامل المطلق الذي لا نقص
فيه من جهة أبدا ، ففعله هو الفعل الكامل الذي لا نقص فيه أبدا : "
قل كل يعمل على شاكلته 17 : 84 " .
وأما غيره فلا يخلو عن نقيصة ذاتية بل نقائص ، فأفعاله
لا محالة تكون كذلك . والفعل الحسن المحض يختص به سبحانه ، ويمتنع صدوره من
سواه ، فهو المختص بالحمد ويمتنع أن يستحقه أحد سواه .
وقد أشير إلى هذا بقوله : " الحمد لله " فقد عرفت أن كلمة "
الله " علم للذات المقدسة المستجمعة لجميع صفات الكمال .
وقد ورد عن الصادق عليه السلام
أنه قال : " فقد لابي بغلة فقال : لئن ردها الله علي لاحمدنه بمحامد يرضاها ،
فما لبث أن جئ بها بسرجها ولجامها ، ولما استوى وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى
السماء فقال : الحمد لله ، ولم يزد ، ثم قال : ما تركت ولا أبقيت شيئا جعلت
جميع أنواع المحامد لله عز وجل فما من حمد إلا وهو داخل فيما قلت " ( 1 ) .
وعنه - سلام الله عليه - : "
ما أنعم الله على عبد بنعمة صغرت أو كبرت فقال : الحمد لله ، إلا أدى شكرها " (
2 ) .
الامر الثاني : إن الكمال
الاول لكل ممكن من العقول والنفوس والارواح والاشباح إنما هو وجوده ولا ريب في
أنه فعل الله سبحانه وهو مبدعه وموجده .
وأما الكمال الثاني وهى الامور التي توجب الفضل والميز ،
فما كان منه خارجا عن اختيار المخلوق فهو أيضا من أفعال الله تعالى بلا ريب .
وذلك كما في نمو النبات وإدراك الحيوان منافعه ومضاره ،
وقدرة الانسان على بيان مقاصده . وما كان منه صادرا عن المخلوقين باختيارهم ،
فهي وإن كانت الختيارية إلا أنها منتهية إلى الله سبحانه ، فانه الموفق للصواب
، والهادي إلى الرشاد.
وقد ورد : " إن الله أولى بحسنات العبد منه " ( 3 ) وقد
أشير إلى ذلك بجملة " رب العالمين " .
الامر الثالث : إن الفعل
الحسن الصادر من الله تعالى لا يرجع نفعه إليه ، لانه الكامل المطلق
| |
( 1 ) تفسير البرهان
ج 1 ص 29 وقريب منه في اصول الكافي باب الشكر ص 356 .
( 2 ) اصول الكافي باب الشكر ص 356 .
( 3 ) الوافي باب الخير والقدر ج 1 ص 119
. ( * )
|
|
|
الذي يستحيل عليه الاستكمال . وفعله إنما هو إحسان محض
يرجع نفعه إلى المخلوقين .
وأما الفعل الحسن الصادر من غيره فهو وإن كان إحسانا إلى
أحد في بعض الاحيان ، إلا أنه إحسان إلى نفسه أولا وبالذات ، وبه يدرك كماله :
" إن أحسنتم أحسنت لانفسكم 17 : 7 " . فالاحسان
المحض إنما هو فعل الله تعالى لا غير فهو المستحق للحمد دون غيره وإلى ذلك أشير
بجملة : " الرحمن الرحيم " .
ثم إن الثناء على الفعل الجميل قد يكون ناشئا عن إدراك
الحامد حسن ذات الفاعل وصفاته من دون نظر إلى إنعامه ، أو الرغبة فيه ، أو
الرهبة منه .
وقد يكون ناشئا عن النظر إلى أحد هذه الامور الثلاثة ، فقد
أشير إلى المنشأ الاول بجملة : " الحمد لله " فالحامد يحمده تعالى بما أنه
مستحق للحمد في ذاته ، وبما أنه مستجمع لجميع صفات الكمال منزه عن جميع جهات
النقص .
وأشير إلى المنشأ الثاني بجملة : " رب العالمين " فانه
المنعم على عباده بالخلق والايجاد ، ثم بالتربية والتكميل .
وأشير إلى المنشأ الثالث بجملة : " الرحمن الرحيم " .
فان صفة الرحمة تستدعي الرغبة في نعمائه تعالى وطلب الخير منه .
وأشير إلى المنشأ الرابع بقوله : " مالك يوم الدين " ،
فان من تنتهي إليه الامور ويكون إليه المنقلب جدير بأن ترهب سطوته ، وتحذر
مخالفته .
وقد يكون الوجه هو بيان أن يوم الدين هو يوم ظهور العدل
والفضل الالهيين ، وكلاهما جميل لا بد من حمده تعالى لاجله ، فكما أن أفعاله في
الدنيا من الخلق والتربية والاحسان كلها أفعال جميلة يستحق عليها الحمد فكذلك
أفعاله في الاخرة من العفو والغفران وإثابة المطيعين ، وعقاب العاصين كلها
أفعال جميلة يستوجب الحمد بها .
ومما بيناه يتضح أن جملة : "
الرحمن الرحيم " ليس تكرارا أتي بها للتأكيد - كما زعمه بعض المفسرين - بل هي
لبيان منشأ اختصاص الحمد به تعالى فلا يغني عنه ذكرها أولا في مقام التيمن
والتبرك ، وهو ظاهر .