لا شك أيضا في وجوب طاعة الله سبحانه ، وفي استحقاق العقاب
عقلا على مخالفته ، وقد تكرر في القرآن وعد الله تعالى لمن أطاعه بالثواب
ووعيده لمن عصاه بالعقاب .
وأما إطاعة غير الله تعالى فهي على أقسام :
الاول : أن تكون إطاعته بأمر
من الله سبحانه وبإذنه كما في إطاعة الرسول
الاكرم صلى الله عليه واله وسلم وأوصيائه الطاهرين عليهم
السلام وهذا في الحقيقة إطاعة الله سبحانه ، فهو واجب أيضا بحكم العقل : "
من يطع الرسول فقد أطاع الله 4 : 80 .
وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله 4 : 64 "
.
ومن أجل ذلك قرن الله طاعة رسوله بطاعته في كل مورد أمر
فيه بطاعته : " ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما
33 : 71 . يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الامر منكم 4 : 59 " .
الثاني : أن تكون إطاعة غير
الله منهيا عنها ، كإطاعة الشيطان وإطاعة كل من أمير بمعصية الله ، ولا شك في
حرمة هذا القسم شرعا ، وقبحه عقلا ، بل قد تكون كفرا أو شركا ، كما إذا امر
بالشرك أو الكفر : " يا أيها النبي اتق الله ولا تطع
الكافرين والمنافقين 33 : 1 .
فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما
أو كفورا 76 : 24 .
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس
لك به علم فلا تطعهما 31 : 15 " .
الثالث : أن تكون إطاعة غير
الله مجردة لا أمر بها من الله ولا نهى ، وهي حينئذ تكون جائزة لا واجبة ولا
محرمة .
لا ينبغي الريب في أنه لا بد للمخلوق من أن يخضع ويتذلل
لخالقه ، فإن ذلك مما حكم به العقل ، وندب إليه الشرع . وأما الخضوع والتذلل
للمخلوق فهو على أقسام :
أحدها : الخضوع لمخلوق من
دون إضافة ذلك المخلوق إلى الله بإضافة خاصة وذلك : كخضوع الولد لوالده ،
والخادم لسيده والمتعلم لمعلمه ، وغير ذلك من الخضوع المتداول بين الناس ، ولا
ينبغي الشك في جواز هذا القسم ما لم يرد فيه نهى
كالسجود لغير الله ، بل جواز هذا القسم مقتضى الضرورة ،
وليس فيه أدنى شائبة للشرك ، وقد قال عز من قائل : "
واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا 17 :
24 " .
أفترى أنه سبحانه أمر بعبادة الوالدين ، حيث أمر بالتذلل
لهما ؟ مع أنه قد نهى عن عبادة من سواه قبل ذلك : " وقضى
ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا 17 : 23 " .
أم ترى أن خفض الجناح من الذل - كما تفعله صغار الطير - هو
من الاحسان الذي أمرت به الاية الكريمة ، وجعلته مقابلا للعبادة ، وإذا فلا
يكون كل خضوع وتذلل لغير الله شركا بالله تعالى .
ثانيها : الخضوع للمخلوق
باعتقاد أن له إضافة خاصة إلى الله يستحق من أجلها أن يخضع له ، مع أن العقيدة
باطلة ، وأن هذا الخضوع بغير إذن من الله كما في خضوع أهل الاديان والمذاهب
الفاسدة لرؤسائهم .
ولا ريب في أنه
إدخال في الدين لما لم يكن منه ، فهو تشريع
محرم بالادلة الاربعة ، وافتراء على الله تعالى . " فمن أظلم ممن افترى على
الله كذبا 18 : 15 " .
ثالثها : الخضوع للمخلوق
والتذلل له بأمر من الله وإرشاده ، كما في الخضوع للنبي صلى الله عليه واله
وسلم ولاوصيائه الطاهرين عليهم السلام بل الخضوع لكل مؤمن ، أو كل ما له إضافة
إلى الله توجب له المنزلة والحرمة ، كالمسجد والقرآن والحجر الاسود وما سواها
من الشعائر الالهية .
وهذا القسم من الخضوع محبوب لله فقد قال تعالى : "
فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين
أعزة على الكافرين 5 : 45 " .
بل هو لدى الحقيقة خضوع لله ، وإظهار للعبودية له فمن اعتقد
بالواحدانية الخالصة لله ، واعتقد أن الاحياء والاماتة والخلق والرزق والقبض
والبسط والمغفرة والعقوبة كلها بيده ، ثم اعتقد بأن النبي صلى الله عليه واله
وسلم وأوصياءه الكرام عليهم السلام : " عباد مكرمون لا
يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون 21 : 27 " .
وتوسل بهم إلى الله ، وجعلهم شفعاء إليه بإذنه ، تجليلا
لشأنهم وتعظيما لمقامهم ، لم يخرج بذلك عن حد الايمان ، ولم يعبد غير الله .
ولقد علم كل مسلم أن رسول
الله صلى الله عليه واله وسلم كان يقبل الحجر الاسود ، ويستلمه بيده إجلالا
لشأنه وتعظيما لامره . وكان صلى الله عليه واله وسلم يزور قبور المؤمنين
والشهداء والصالحين ، ويسلم عليهم ، ويدعو لهم .
وعلى هذا جرت الصحابة والتابعون خلفا عن سلف ، فكانوا
يزورون قبر النبي صلى الله عليه واله وسلم ويتبركون به ويقبلونه ، ويستشفعون
برسول الله ، كما كانوا يستشفعون به في حياته .
وهكذا كانوا يفعلون مع قبور أئمة
الدين وأولياء الله الصالحين ، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ، ولا أحد
من التابعين أو الاعلام ، إلى أن ظهر أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد
الله بن تيمية الحراني فحرم شد الرحال إلى زيارة القبور ،
وتقبيلها ، ومسها ، والاستشفاع بمن دفن فيها ، حتى أنه
شدد النكير على من زار قبر النبي صلى الله عليه واله وسلم أن تبرك به بتقبيل أو
لمس ، وجعل ذلك من الشرك الاصغر تارة ومن الشرك الاكبر أخرى .
ولما رأى علماء عصره عامة أنه
قد خالف في رأيه هذا ما ثبت من الدين ، وضرورة المسلمين ، لانهم قد رووا عن
رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حثه على زيارة المؤمنين عامة وعلى زيارته
خاصة بقوله صلى الله عليه واله وسلم : " من
زارني بعد مماتي كان كمن زارني في حياتي " وما يؤدي هذا
المعنى بألفاظ أخر ( 1 ) تبرأوا منه ، وحكموا بضلاله ، وأوجبوا عليه التوبة ،
فأمروا بحبسه إما مطلقا أو على تقدير أن لا يتوب .
والذي أوقع ابن تيمية في الغلط
- إن لم يكن عامدا لتفريق كلمة المسلمين - وهو تخيله أن الامور المذكورة
شرك بالله ، وعبادة لغيره .
ولم يدرك أن هؤلاء الذين يأتون بهذه الاعمال يعتقدون
توحيد الله ، وأنه لا خالق ولا رازق سواه ، وأن له الخلق والامر ، وإنما يقصدون
بأفعالهم هذه تعظيم شعائر الله ، وقد علمت أنها راجعة إلى تعظيم الله والخضوع
له والتقرب إليه سبحانه ، والخلوص لوجهه الكريم ، وأنه ليس في ذلك أدنى شائبة
للشرك ، لان الشرك - كما عرفت - أن يعبد الانسان غير الله .
والعبادة إنما تتحقق بالخضوع لشئ على أنه رب يعبد ، وأين هذا من تعظيم النبي
الاكرم وأوصيائه الطاهرين - ع - بما
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) انظر التعليقة رقم ( 17 ) للوقوف على
الروايات التي استفاضت في جواز زيارة القبور ، وقد ذكر جملة منها عبد
السلام بن تيمية - في قسم التعليقات . ( * )
|
|
|
هو نبي
وهم أوصياء ، وبما أنهم عباد مكرمون ، ولا ريب في أن المسلم لا يعبد النبي أو
الوصي فضلا عن أن يعبد قبورهم .
وصفوة القول : أن التقبيل والزيارة وما
يضاهيهما من وجوه التعظيم لا تكون شركا بأي وجه من الوجوه ، وبأي داع من
الدواعي ، ولو كان كذلك لكان تعظيم الحي من الشرك أيضا، إذ لا فرق بينه وبين
الميت من هذه الجهة - ولا يلتزم ابن تيمية
وأتباعه بهذا - وللزم نسبة الشرك إلى
الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم وحاشاه فقد كان يزور القبور ، ويسلم على
أهلها ، ويقبل الحجر الاسود كما سبق وعلى هذا فيدور الامر بين الحكم بأن بعض
الشرك جائز لا محذور فيه ، وبين أن
يكون التقبيل والتعظيم - لا بعنوان العبودية
- خارجا عن الشرك وحدوده ، وحيث أنه لا مجال للاول لظهور بطلانه فلا بد وأن
يكون الحق هو الثاني ، فإذا تكون الامور المذكورة داخلة في عبادة الله وتعظيمه
: " ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقول القلوب
22 : 32 " .
وقد مرت الروايات الدالة على استحباب زيارة
قبر النبي وأولياء الله الصالحين .