السجود لغير الله

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي  ص 471 : -

السجود لغير الله :


لقد اتضح مما قدمنا أن الخضوع لاي مخلوق إذا نهي عنه في الشريعة لم يجز فعله ، وإن لم يكن على نحو التأله ، ومن هذا القبيل السجود لغير الله ، فقد أجمع المسلمون على حرمة السجود لغير الله ، قال عز من قائل : " لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون 41 : 37 " .


فإن المستفاد منه أن السجود مما يختص بالخالق ، ولا يجوز للمخلوق وقال تعالى : 

-  ص 472 -

" وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا 72 : 18 " .

ودلالة هذه الاية الكريمة على المقصود مبنية على أن المراد بالمساجد المساجد السبعة ، وهي الاعضاء التي يضعها الانسان على الارض في سجوده وهذا هو الظاهر ، ويدل عليه المأثور ( 1 ) وكيف كان فلا ريب في هذا الحكم وأنه لا يجوز السجود لنبي أو وصي فضلا عن غيرهما .


وأما ما ينسب إلى الشيعة الامامية من أنهم يسجدون لقبور أئمتهم ، فهو بهتان محض ، ولسوف يجمع الله بينهم وبين من افترى عليهم وهو أحكم الحاكمين ولقد أفرط بعضهم في الفرية ، فنسب إليهم ما هو أدهى وأمض ، وادعى أنهم يأخذون التراب من قبور أئمتهم ، فيسجدون له سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم ( 2 )


وهذه كتب الشيعة : قديما وحديثها مطبوعها ومخطوطها ، وهي منتشرة في أرجاء العالم متفقة على تحريم السجود لغير الله ، فمن نسب إليهم جواز السجود للتربة فهو إما مفتر يتعمد البهت عليهم ، وإما غافل لا يفرق بين السجود لشئ والسجود عليه .


والشيعة يعتبرون في سجود الصلاة أن يكون على أجزاء الارض الاصلية : من حجر أو مدر أر رمل أو تراب ، أو على نبات الارض غير المأكول والملبوس ويرون أن السجود على التراب أفضل من السجود على غيره ، كما أن السجود على التربة الحسينية أفضل من السجود على غيرها .


وفي كل ذلك اتبعوا أئمة مذهبهم الاوصياء المعصومين ( 3 ) ومع ذلك كيف تصح نسبة الشرك إليهم وأنهم يسجدون لغير الله ( 4 ) .

 

( 1 ) راجع الوسائل باب حد القطع من أبواب حد السرقة ج 3 ص 448 .
( 2 ) انظر التعليقة رقم ( 18 ) للوقوف على التهمة التي ألصقها الالوسي بالشيعة في صيامهم - في قسم التعليقات .
( 3 ) راجع الوسائل باب 162 من أبواب ما يسجد عليه ص 236 .
( 4 ) انظر التعليقة رقم ( 19 ) بشأن حوار جرى بين المؤلف وأحد علماء الحجاز حول التربة الحسينية - في قسم التعليقات . ( * ) 

 

 

-  ص 473 -

والتربة الحسينية ليست إلا جزء من أرض الله الواسعة التي جعلها لنبيه مسجدا وطهورا ( 1 ) ولكنها تربة ما أشرفها وأعظمها قدرا ، حيث تضمنت ريحانة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسيد شباب أهل الجنة من فدى بنفسه ونفيسه ونفوس عشيرته وأصحابه في سبيل الدين وإحياء كلمة سيد المرسلين .


وقد وردت من الطريقين في فضل هذه التربة عدة روايات عن رسول الله ( 2 ) وهب أنه لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولا عن أوصيائه ما يدل على فضل هذه التربة ، أفليس من الحق أن يلازم المسلم هذه التربة ، ويسجد عليها

في مواقع السجود ؟ فإن في السجود عليها - بعد كونها مما يصح السجود عليه في نفسه - رمزا وإشارة إلى أن ملازمها على منهاج صاحبها الذي قتل في سبيل الدين وإصلاح المسلمين .


آراء حول السجود لادم :

بقي الكلام في سجود الملائكة لادم ، وكيف جاز ذلك ؟ مع أن السجود لا يجوز لغير الله، وقد أجاب العلماء عن ذلك بوجوه:

الرأي الاول : إن سجود الملائكة هنا بمعنى الخضوع ، وليس بمعنى السجود المعهود .

ويرده : أن ذلك خلاف الظاهر من اللفظ ، فلا يصار إليه من غير قرينة ، وأن الروايات قد دلت على أن ابن آدم إذا سجد لربه ضجر إبليس وبكى ، وهي دالة على أن سجود الملائكة الذي أمرهم الله به ، واستكبر عنه إبليس كان بهذا المعنى المعهود ، ولذلك يضجر إبليس ويبكي من إطاعة ابن آدم للامر وعصيانه هو من قبل .

 

( 1 ) راجع سنن البيهقي باب التيمم بالصعيد الطيب ج 1 ص 212 ، 213 .
( 2 ) راجع الوسائل باب استحباب السجود على تربة الحسين - ع - 1 ص 236 ،
انظر التعليقة رقم ( 20 ) بشأن فضيلة تربة الحسين - ع - في قسم التعليقات . ( * ) 

 

 

-  ص 474 -

الرأي الثاني : إن سجود الملائكة كان لله ، وإنما كان آدم قبلة لهم ، كما يقال : صلى للقبلة أي إليها . وقد أمرهم الله بالتوجه إلى آدم في سجودهم تكريما له وتعظيما لشأنه .

ويرده : أنه تأويل ينافيه ظاهر الايات والروايات ، بل ينافيه صريح الاية المباركة . فإن إبليس إنما أبى عن السجود بادعاء أنه أشرف من آدم ، فلو كان السجود لله ، وكان آدم قبلة له لما كان لقوله : " ءأسجد لمن خلقت طينا 17 : 61 " . معنى لجواز أن يكون الساجد أشرف مما يستقبله .


الرأي الثالث : إن السجود لادم حيث كان بأمر من الله تعالى فهو في الحقيقة خضوع لله وسجود له .

وبيان ذلك : أن السجود هو الغاية القصوى للتذلل والخضوع ، ولذلك قد خصه الله بنفسه ، ولم يرخص عباده أن يسجدوا لغيره ، وإن لم يكن السجود بعنوان العبودية من الساجد ، والربوبية للمسجود له .


غير أن السجود لغير الله إذا كان بأمر من الله كان في الحقيقة عبادة له وتقربا إليه ، لانه امتثال لامره ، وانقياد لحكمه ، وإن كان في الصورة تذللا للمخلوق .


ومن أجل ذلك يصح عقاب المتمرد عن هذا الامر ، ولا يسمع اعتذاره بأنه لا يتذلل للمخلوق ، ولا يخضع لغير الامر ( 1 ) .

وهذا هو الوجه الصحيح : فإن العبد يجب أن لا يرى لنفسه استقلالا في

 

( 1 ) انظر التعليقة رقم ( 21 ) بشأن تأويل آية السجود من قبل بعض أصحاب الكشف - في قسم التعليقات . ( * ) 

 

 

-  ص 475 -

اموره ، بل يطيع مولاه من حيث يهوى ويشتهي . فإذا أمره بالخضوع لاحد وجب عليه أن يمتثله ، وكان خضوعه حينئذ خضوعا لمولاه الذي أمره به ( 1 ) .


ونتيجة ما قدمناه : أنه لا بد في كل عمل يتقرب به العبد إلى ربه من أن يكون مأمورا به من قبله بدليل خاص أو عام . وإذا شك في أن ذلك العمل مأمور به كان التقرب به تشريعا محرما بالادلة الاربعة .


نعم إن زيارة القبور وتقبيلها وتعظيمها مما ثبت بالعمومات ، وبالروايات الخاصة من طرق أهل البيت عليهم السلام الذين جعلهم النبي صلى الله عليه واله وسلم قرناء للكتاب في قوله : " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي " ( 2 ) .


وتؤكد جوازها أيضا سيرة المسلمين وجريهم عليها من السلف والخلف ، وما قدمناه من الروايات عن طرق أهل السنة . كيف يتحقق الشرك بالله ؟


تنبيه : إذا نهي عن خضوع خاص لغير الله كالسجود ، أو عن عبادة خاصة كصوم العيدين ، وصلاة الحائض ، والحج في غير الاشهر الحرم كان الاتي به مرتكبا للحرام ومستحقا للعقاب ، إلا أنه لا يكون بذلك الفعل مشركا ولا كافرا ، فليس كل فعل محرم يقتضي شرك مرتكبه أو كفره .


وقد عرفت أن الشرك إنما هو الخضوع لغير الله بما أن الخاضع عبد والمخضوع له رب ، فمن تعمد السجود لغير الله بغير قصد العبودية لم يخرج بعمله هذا المحرم عن زمرة المسلمين ، فإن الاسلام يدور مدار الاقرار بالشهادتين ، وبذلك يحرم ماله ودمه .

 

( 1 ) انظر التعليقة رقم ( 22 ) لمعرفة ما قاله تعالى لابليس في ترك السجود - في قسم التعليقات .
( 2 ) تقدم بعض مصادر الحديث في الصفحة 18 ، 398 من هذا الكتاب . ( * ) 

 

 

-  ص 476 -

والروايات الدالة على هذا متواترة من الطريقين ( 1 ) ، ومع ذلك كيف يجوز الحكم بشرك من زار قبر النبي صلى الله عليه واله وسلم وأوصياءه - ع - متقربا إلى الله وهو يشهد الشهادتين : " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا 4 : 94 " . ولسوف يحكم الله بين عباده بالحق وهو أحكم الحاكمين .


دواعي العبادة :

العبادة فعل اختياري ، فلا بد لها من باعث نفساني يبعث نحوها ، وهو أحد امور :

 1 - أن يكون الداعي لعبادة الله هو طمع الانسان في إنعامه ، وبما يجزيه عليها من الاجر والثواب ، حسبما وعده في كتابه الكريم : " ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار 4 : 13 .

وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم 5 : 9 " .


 2 - أن يكون الداعي للعبادة هو الخوف من العقاب على المخالفة : " إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم 10 : 15. إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا 76 : 10 " .


وقد أشير إلى كلا الامرين في عدة من الايات الكريمة :

 

( 1 ) انظر التعليقة رقم ( 23 ) لمعرفة ان الاسلام يدور مدار الشهادتين - في قسم التعليقات . ( * ) 

 

 

-  ص 477 -

" تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا 32 : 16 .

وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين 7 : 56 .

يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه 17 : 57 " .


 3 - أن يعبد الله بما أنه أهل لان يعبد ، فإن الكامل بالذات والجامع لصفات الجمال والجلال . وهذا القسم من العبادة لا يتحقق إلا ممن اندكت نفسيته فلم ير لذاته إنية إزاء خالقه ، ليقصد بها خيرا ، أو يحذر لها من عقوبة ، وإنما ينظر إلى صانعه

وموجده ولا يتوجه إلا إليه ، وهذه مرتبة لا يسعنا التصديق ببلوغها لغير المعصومين - ع - الذين أخلصوا لله أنفسهم فهم المخلصون الذين لا يستطيع الشيطان أن يقترب من أحدهم :" ولاغوينهم أجمعين 15 : 39 . إلا عبادك منهم المخلصين : 40"


قال أمير المؤمنين وسيد الموحدين صلوات الله عليه : " ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا طمعا في جنتك ، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك " ( 1 ) ، وأما سائر العباد فتنحصر عبادتهم في أحد القسمين الاولين ، ولا يسعهم تحصيل هذه الغاية .


وبذلك يظهر بطلان قول من أبطل العبادة إذا كانت ناشئة عن العطمع أو الخوف ، واعتبر في صحة العبادة أن تكون لله ما هو أهل للعبادة ووجه بطلان هذا القول : أن عامة البشر غير المعصومين لا يتمكنون من ذلك فكيف يمكن تكليفهم به ! وهل هو إلا تكليف بما لا يطاق ؟ !

 

( 1 ) مرآة العقول باب النية ج 2 ص 101 . ( * ) 

 

 

-  ص 478 -

أضف إلى ذلك أن الايتين الكريمتين المتقدمتين قد دلتا على صحة العبادة إذا صدرت عن خوف أو طمع . فقد مدح الله سبحانه من يدعوه خوفا أو طمعا وذلك يقتضي محبوبية هذا العمل وأنه مما أمر به الله تعالى وأنه يكفي في مقام الامتثال .

وقد ورد عن المعصومين عليهم السلام ما يدل على صحة العبادة إذا كانت ناشئة من خوف أو طمع ( 1 ) .


وقد أوضحنا - فيما تقدم - أن الايات السابقة من هذه السورة قد حصرت الحمد في الله تعالى من جهة كماله الذاتي ، ومن جهة ربوبيته ورحمته ، ومن جهة سلطانه وقدرته ، فتكون فيها إشارة إلى منا شئ العبادة ودواعيها أيضا ، فالعبادة إما ناشئة

من إدراك العابد كمال المعبود واستحقاقه العبادة بذاته وهي عبادة الاحرار ، وإما من إدراكه إنعام المعبود وإحسانه وطمعه في ذلك وهي عبادة الاجراء ، وإما من إدراكه سطوته وقهره وعقابه وهي عبادة العبيد .

  * هامش *  
 

( 1 ) انظر التعليقة رقم ( 24 ) للوقوف على أقسام الدوافع للعبادة - في قسم التعليقات . ( * ) 

 

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب