حصر الاستعانة بالله

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي  ص 478 : -

حصر الاستعانة بالله :


لا مانع من استعانة الانسان في مقاصده بغير الله من المخلوقات أو الافعال قال الله تعالى : " واستعينوا بالصبر والصلاة 2 : 45 . وتعاونوا على البر والتقوى 5 : 2 . قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة 18 : 95 " .

وإذن فليست الاستعانة بمطلقها تنحصر بالله سبحانه بل المراد منها استعداد القدرة على العبادة منه تعالى ، والاستزادة من توفيقه لها حتى تتم وتخلص

-  ص 479 -

والغرض من ذلك اثبات أن العبد في أفعاله الاختيارية وسط بين الجبر والتقويض فان الفعل يصدر عن العبد بإختياره ، ولذلك أسند الفعل إليه في قوله تعالى :" إياك نعبد " إلا أن هذا الفعل الاختياري من العبد إنما يكون بعون الله له وبإمداده إياه بالقدرة آنا فآنا : " عطاء غير مجذوذ " بحيث لو انقطع المدد عنه في آن لم يستطع إتمام الفعل ، ولم تصدر منه عبادة ولا حسنة .


وهذا هو القول الذي يقتضيه محض الايمان ، فان الجبر يلزمه أن يكون العقاب على المعاصي عقابا للعبد من غير استحقاق ، وهذا ظلم بين : " سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا 17 : 43 " .


وإن التفويض يلزمه القول بخالق غير الله فان معناه أن العبد مستقل في أفعاله ، وأنه خالق لها ، ومرجع هذا إلى تعدد الخالق وهو شرك بالله العظيم والايمان الحق بالله هو الحد الوسط بين الافراط والتفريط ، فالفعل فعل العبد وهو فاعله باختياره ،

ولذلك استحق عليه الثواب أو العقاب ، والله سبحانه هو الذي يفيض على العبد الحياة والقدرة وغيرهما من مبادئ الفعل إفاضة مستمرة غير منقطعة ، فلا استقلال للعبد ، ولا تصرف له في سلطان المولى ، وقد أوضحنا هذا في بحثنا عن إعجاز القرآن ( 1 ) .

هذه هي الاستعانة المنحصرة بالله تعالى ، فلولا الافاضة الالهية لما وجد فعل من الافعال ولو تظاهرت الجن والانس على إيجاده ، فإن الممكن غير مستقل في وجوده ، فيستحيل أن يكون مستقلا في إيجاده ، وبما ذكرناه يظهر الوجه في تأخير

جملة : " إياك نستعين " عن قوله : " إياك نعبد " فإنه تعالى حصر العبادة بذاته أولا ، فالمؤمنون لا يعبدون إلا الله ، ثم أبان لهم أن عباداتهم إنما تصدر

 

( 1 ) في الصفحة 33 من هذا الكتاب . ( * ) 

 

 

-  ص 480 -

عنهم بعون الله وإقداره ، فالعبد رهين إفاضة الله ومشيئته ، والله أولى بحسنات العبد من نفسه ، كما أن العبد أولى بسيأته من الله ( 1 ) .


 

( 1 ) انظر رقم ( 25 ) للوقوف على الامر بين الامريين في كسب الحسنات وارتكاب السيئات - في قسم التعليقات . ( * ) 

 

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب