القرآن معجزة إلهية

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي  ص 40 : -

القرآن معجزة إلهية :


قد علم كان عاقل بلغته الدعوة الاسلامية ، أن محمدا - ص - بشر جميع الامم بدعوتهم إلى الاسلام ، وأقام الحجة عليهم بالقرآن ، وتحداهم بإعجازه ، وطلب منهم أن يأتوا بمثله وإن كان بعضهم لبعض ظهيرا ، ثم تنزل عن ذلك فطلب منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، ثم تحداهم إلى الاتيان بسورة واحدة .


وكان من الجدير بالعرب - وفيهم الفصحاء النابغون في الفصاحة - أن

 

( 1 ) اصول الكافي " كتاب العقل والجهل " الرواية 20 . ( * ) 

 

 

-  ص 41 -

يجيبوه إلى ما يريد ، ويسقطوا حجته بالمعارضة ، لو كان ذلك ممكنا غير مستحيل .

نعم كان من الجدير بهم أن يعارضوا سورة واحدة من سور القرآن ، ويأتوا بنظيرها في البلاغة ، فيسقطوا حجة هذا المدعي الذي تحداهم في أبرع كمالاتهم ، وأظهر ميزاتهم ، ويسجلوا لانفسهم ظهور الغلبة وخلود الذكر ، وسمو الشرف والمكانة ، ويستريحوا بهذه المعارضة البسيطة من حروب طاحنة ، وبذل أموال ، ومفارقة أوطان ، وتحمل شدائد ومكاره .


ولكن العرب فكرت في بلاغة القرآن فأذعنت لاعجازه ، وعلمت أنها مهزومة إذا أرادت المعارضة ، فصدق منها قوم داعي الحق ، وخضعوا لدعوة القرآن ، وفازوا بشرف الاسلام ، وركب آخرون جادة العناد ، فاختاروا المقابلة بالسيوف على

المقاومة بالحروف ، وآثروا المبارزة بالسنان على المعارضة في البيان ، فكان هذا العجز والمقاومة أعظم حجة على أن القرآن وحي إلهي خارج عن طوق البشر .


وقد يدعي جاهل من غير المسلمين : أن العرب قد أتت بمثل القرآن وعارضته بالحجة ، وقد اختفت علينا هذه المعارضة لطول الزمان .

وجواب ذلك : أن هذه المعارضة لو كانت حاصلة لاعلنتها العرب في أنديتها ، وشهرتها في مواسمها وأسواقها . ولاخذ منه أعداء الاسلام نشيدا يوقعونه في كل مجلس ، وذكرا يرددونه في كل مناسبة ، وللقنه السلف للخلف ، وتحفظوا عليه تحفظ

المدعي على حجته ، وكان ذلك أقر لعيونهم من الاحتفاظ بتاريخ السلف ، وأشعار الجاهلية التي ملات كتب التاريخ ، وجوامع الادب ، مع أنا لا نرى أثرا لهذه المعارضة ، ولا نسمع لها بذكر .

على أن القرآن الكريم قد تحدى جميع البشر بذلك ، بل جميع الانس والجن ، ولم يحصر ذلك بجماعة خاصة . فقال عز من قائل : " قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل 

-  ص 42 -

هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا 17 : 88 " .


ونحن نرى النصارى وأعداء الاسلام ، يبذلون الاموال الطائلة في الحط من كرامة هذا الدين ، والنيل من نبيه الاعظم ، وكتابه المقدس ، ويتكرر هذا العمل منهم في كل عام بل في كل شهر .

فلو كان من الميسور لهم أن يعارضوا القرآن ، ولو بمقدار سورة منه ، لكان هذا أعظم لهم في الحجة ، وأقرب لحصول الامنية ، ولما احتاجوا إلى صرف هذه الاموال ، وإتعاب النفوس . " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون 61 : 8 " .


على أن من مارس كلاما بليغا ، وبالغ في ممارسته زمانا ، أمكنه أن يأتي بمثله أو بما يقاربه في الاسلوب ، وهذا مشاهد في العادة ، ولا يجري مثل هذا في القرآن ، فإن كثرة ممارسته ودراسته ، لا تمكن الانسان من مشابهته في قليل ولا كثير، وهذا

يكشف لنا أن للقرآن اسلوبا خارجا عن حدود التعليم والتعلم ، ولو كان القرآن من كلام الرسول وإنشائه ، لوجدنا في بعض خطبه وكلماته ما يشبه القرآن في اسلوبه ، ويضارعه في بلاغته .


وكلمات الرسول - ص - وخطبه محفوظة مدونة تختص باسلوب آخر . ولو كان في كلماته ما يشبه القران لشاع نقله وتدوينه ، وخصوصا من أعدائه الذين يريدون كيد الاسلام بكل وسيلة وذريعة . مع أن للبلاغة المألوفة حدودا لا تتعداها في الاغلب ،

فإنا نرى البليغ العربي الشاعر أو الناثر تختص بلاغته في جهة واحدة ، أو جهتين أو ثلاث جهات ، فيجيد في الحماسة مثلا دون المديح ، أو في الرثاء دون النسيب ، والقرآن قد استطرد مواضيع عديدة ، وتعرض لفنون من

-  ص 43 -

الكلام كثيرة ، وأتى في جميع ذلك بما يعجز عنه غيره ، وهذا ممتنع على البشر في العادة .

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب