بين القرآن والسنّة
لا ريبَ أنّ الموروث الإسلاميّ من المعارف يتكوّن من القرآن العظيم والسنّة
الشريفة، معا، لأنّ القرآن هو كلام الله، وكتابه الذي أوحاه إلى رسوله صلّى الله
عليه وآله وسلّم أرسله هدىً للناس.
والسنّة هي إرشادات الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم طوال عصر النبوّة المقدّسة.
فهما يكوّنان العمود الفقريّ للإسلام، وبمعرفتهما والالتزام بهما يتمّ الدين
الإسلاميّ.
وهما متعاضدان :
فالكتاب يدعمُ الرسالة ويجعل من الرسول حجّةً، واجبَ الطاعة، ومن كلامه وحيا حقّا،
فقال: (وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيٌ يُوحى).
و سنّةُ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم تؤكّد باستمرار على الالتزام بالقرآن
واتّباعه والعمل به، ورعايته ودرايته حفظا وتعلّما ودراسةً ونشرا وتكريما، حتّى
جعله ثاني خليفتيه من بعده، فقال: (... أنا تارك فيكم ثقلين، أوّلهما كتاب الله فيه
الهدى والنور، فخذوا كتاب الله، واستمسكوا به) فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه،
ثمّ قال: (وأهل بيتي اُذكّركم الله في أهل بيتي، اُذكّركم الله في أهل بيتي،
اُذكّركم الله في أهل بيتي) (رواه مسلم7/ 122، وانظر كتابنا : تدوين السنّة الشريفة).
والتزم المسلمون بالقرآن والسنّة، للعلم والعمل، ولم يفرّق أحدٌ من المسلمين بين
هذين المصدرين، ممّن يؤمن بالإسلام دينا جامعا عامّا.
ولكنّ الغلاةَ في كلّ واحدٍ منهما حاولوا الالتزام به على حساب الاَّخر، فكانتْ
فرقتان من العامّة، هما: القرآنيّون ، وأهل السنّة:
أمّا القرآنيّون:
فهم الذين نادوا بالقرآن وحده، والتزموا بتقديسه على حساب السنّة، فرفضوها، ولم
يُعيروا لها اهتماما، وتسمّوا (القرآنيّين) وكان شعارهم على طول التاريخ : (حسبُنا
كتاب الله).
وقد بلغت بهؤلاء كراهةُ السنّة وأصحاب الحديث، أنْ قال شعبةُ ـ وهو من الكبار ـ
لأصحاب الحديث: قُوموا عنّي، مجالسةُ اليهود والنصارى أحب إليَّ من مجالستكم، إنّكم
لتصدّون عن ذكر الله، وعن الصلاة) (الجامع لأخلاق الراوي للخطيب1/ 331 ح409). وكان
الفُضيلُ بن عياض: إذا رأى أصحابَ الحديث قد أقبلوا نحوه، وضعَ يده في صدره وحرّكَ
يديه، وقال: (أعوذ بالله منكم) (الجامع للخطيب1/ 332 ح411).
وقال بشرُ بن الحارث: سمعتُ أبا خالد الأحمر، يقول: يأتي على الناس زمان تعطّل فيه
المصاحف لا يُقرأ فيها، يطلبون الحديث والرأي، ثمّ قال: إيّاكم وذلك، فإنّه يصفق
الوجه، ويكثر الكلام ويشغل القلب. (جامع بيان العلم للقرطبي2/ 125).
وقال الضحّاكُ بن مزاحم: يأتي على الناس زمانٌ يعلّق فيه المصحف حتّى يعشعش عليه
العنكبوتُ لا يُنتفعُ بما فيه، ويكون أعمالُ الناس بالروايات
والأحاديث. (جامع بيان العلم للقرطبي2/ 129).
وفي هذا الإطار يدخل كلّ أقوالهم ومحاولاتهم للمنع عن تدوين السنّة وتثبيتها وحفظها
في الكتب بحجّة الاشتغال بذلك عن القرآن تحت شعار (حسبنا كتاب الله) وانطلاقا منه،
كما فصّلنا في كتابنا (تدوين السنّة الشريفة).
وبلغ الأمرُ بالقرآنيّين أن يقول أحدُهم: إنّ تقديس كتب السُنّة جزءٌ من مؤامرةٍ
أعجميّة، استهدفت النيل من الإسلام وأهله، فما أصحابُ الصحاح الستّة ! إلاّ جزءٌ من
تلك المؤامرة، لذا نجدهم إيرانيّين ! جميعا، لا وجودَ لساكن الجزيرة بينهم، والشيء
المحيّر للعقول: أنّ العربَ لم يُسهموا في هذا العمل البنّاء، بل أسندوا جمع
الأحاديث وتدوينها إلى العجم. (القرآنيّون ص238).
ومن المعلوم خطورة ما تنتهي إليه مثل هذه المحاولة الجريئة من مخالفة للإسلام، بل
وإثارة الأحقاد بين شعوبه وطوائفه، بينما النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم
يُعلن: (من آمنَ فهو العربيّ ومن لم يؤمنْ فهو العِلْجُ) ويقول صلّى الله عليه وآله
وسلّم :(ليست العربيّةُ لأحدكم بأبٍ ولا بأم، من تكلّمَ العربيةَ فهو عربي).
ثمّ مَنْ هم القُرآنيّون؟
فالذي نقرؤه في المصادر: أنّهم هم الذين رفعوا شعار (حسبنا كتاب الله) في وجه النبيّ
صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو في مرض الموت، فمنعوه بذلك من أنْ يكتبَ ما أراد وهمّ
به، فهم البذرة الاُولى لفرقة القرآنيّين.
وهم الذين نجدهم وراء عمليّة منع الحديث كتابةً وتدوينا، بل، ونقلا وتحديثا، إلى
نهاية القرن الأوّل الهجريّ، وفيهم من الخلفاء والصحابة، والتابعين، رجال ونساء،
فهؤلاء هم طلائع القرآنيّين.
والغريب أنّ الباحثين في عصرنا أغفلوا ذكر هؤلاء في الحديث عن القرآنيّين، بل ذكروا
تاريخ القرآنيّين، منذ القرن الثاني للهجرة، يقول السلفي خادم حسين إلهي بخش (الأُستاذ
المساعد بكليّة التربية، جامعة اُمّ القرى ـ الطائف، في (رسالته) التي نال بها درجة
الماجستير؟! بدرجة ممتاز): إنّ إنكارَ السنّة من مصدريّة التشريع في الإسلام يعود
تاريخه إلى القرن الثاني الهجريّ، غير أنّ مصادر التاريخ لا تحدّثنا عن أفراد أو
جماعات تنسب إلى الإسلام ودعتْ إلى نبذ السنّة بعد ذلك القرن.(القرآنيون ص8).
ولماذا أغفلَ الأُستاذ الدكتور! الجماعات التي التزمتْ فكرة القرآنيّين، وتزعّمتها
قبل ذلك، وفي القرن الأوّل، وعند وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالذات؟
فإنّا نجد الحكّام من الخلفاء والولاة، وحتّى بعض الصحابة، وكذلك أجهزة الدولة،
وراء منع الحديث تدوينا ونقلا، تطبيقا لمقولة (حسبنا كتاب الله) وسيرا وراء مَن
أطلقها وأعلنها أوّل مرّةٍ في محضر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وفي وجهه؟؟!!.
ثمّ من هُم بعد ذلك؟
يقول خادم إلهي بعد كلامه السابق: الذين ذكرهم الإمام الشافعيّ قد عفاهم التاريخ
وضمّهم في طيّاته، اللهمّ ما عدا بعض الأفراد (كالشيعة!!!). (القرآنيّون ص8).
ومع إغفال خادم إلهي لذكر القرآنيّين في القرن الأوّل، وعدم ذكره لمقولة(حسبُنا
كتاب الله) الشهيرة الخطيرة. ومع أنّ الشافعي لم يصعبْ عليه أنْ يذكر
أسماء من عناهم، لكنّه لم يذكر أحداً من الشيعة; لأنّه لم يجد ولا واحداً منهم; فلا
التاريخ ولا المصادر لم تُسعفنا بذكر اسم أي أحدٍ من الشيعة التزمَ بهذه الفكرة
الباطلة، إطلاقا.
بل، على العكس، فإنّ الأسماء التي نقلنا مقولاتهم حول أهل الحديث، كلّهم من كبار
العامّة، مثل شعبة الذي عدّوه إماما في الحديث، والفضيل بن عيّاض
الزاهد المعروف، وبشر بن الحارث كذلك، وأبي خالد الأحمر، والضحّاك بن مزاحم، فلا
أحدَ من هؤلاء يُنسب إلى التشيّع!وقبل هذا وذاك، فإنّ الشيعةَ بمخالفتهم للاُمراء
والأوامر الأميريّة بمنع تدوين السنّة، قد أثبتوا انتفاء تلك التّهمة عنهم، بتاتا.
بينما نجد المنسوبين إلى القرآنيّين، هم:الخوارج ـ وهم أبعد الفرق من الشيعة ـ فقد
ذكر ابن تيميّة وهو يتحدّث عن الخوارج : وأصلُ مذهبهم تعظيمُ القرآن وطلب اتّباعه،
حتّى خرجوا عن السنّة والجماعة، فهم لا يرون اتّباع السنّة التي يظنّون أنّها تخالف
القرآن. (القرآنيون، عن مجموعة الرسائل1/ 156). وقال عبدالقاهر البغدادي: زعمتْ
أنّه لا حجّةَ في شيءٍ من أحكام الشريعة إلاّ من القرآن. (القرآنيون ص6 1).
وأمّا القرآنيّون في العصر الحاضر:
ونجد في العصر الحاضر أنّ فكرة (القُرآنيّين) رفعت شعارها فئةٌ من علماء مصر
وكتّابها، يؤلّفون لها ويستدلّون، ويصرّحون بها وينشرونها، مثل محمّد رشيد
رضا المصريّ السلفيّ المشهور صاحب (المنار ) فقد نشر في مجلته هذه (المنار) مقالة
الدكتور محمّد توفيق صدقي: (الإسلامُ هو القرآنُ وحده).
يقول خادم إلهي: إنّ (المنار) هي أوّل صحيفةٍ مصريّةٍ تبرّعتْ لنشر الشبهات حول
السنّة ـ عن حُسْن نيّةٍ ! ـ وذلك في عدديها التاسع والثاني عشر من السنة التاسعة
عام 1324هج' . (القرآنيون ص153).
وما معنى (حسن النيّة) مع أنّها تقارن هذ ه الفكرة، والذي لم يقلعْ صاحبُها عن
التزامها وظلّ يكرّرها ويؤيّدها في المنار (59/50).؟؟!!
ثمّ تابعه الآخرون:
فقد ظهر للدكتور إسماعيل أدهم، كتاب (مصادر التاريخ الإسلامي) وسحبته الأزهر (!) من
الأسواق، وصادرته من الأيدي التي تملّكته. (القرآنيون ص180).
وذكر خادم إلهي عن رئيس عربيّ: أنّه حذف كلمة (قُلْ) من سورة التوحيد، وأنّه أنكر
مصدريّة السنّة للتشريع، وأنّه يعتبرالقرآن هو المصدر الوحيد. (القرآنيّون ص197).
واعترف كتّاب العصر: بأنّ فِتنة (القرآنيّين) إنّما عادتْ فنشأتْ في القرن الثالث
عشر في مصر، ثمّ ترعرعتْ في الهند على يد سِر أحمد خان، والمولوي جراغ
علي، والمولوي عبد الله بكرلوي ، ثمّ أحمد النبيّ أمرتسري، ومولانا أسلم، وأخيرا
تولّى رئاستها غلام أحمد بيروز . ( القرآنيون ص99).
والأخير هو الذي أسّس جمعيّة باسم (أهل القرآن) كما أصدر مجلّة شهريّة، وهو يقلّد
توفيق صدقي تقليدا تاما، مع دعوى الاجتهاد والانفراد، لأنّه ينكرُ أن تكون للأحاديث
أيّة قيمة تشريعيّة. (دراسات في الحديث النبوي، للأعظمي ص28).
ولابدّ أن يعترف الجميع بأنّ حركة (القرآنيّين) المعارضة للسنّة الشريفة، لم تجد
لها موضع قدم بين الشيعة، بل على العكس: فكما وقف الشيعة موقفا معارضا من حركة منع
الحديث تدوينا ونقلا، فزاولوا عمليّة كتابة الحديث ونشره، وتداوله بقوّة تبعا
للأئمّة من أهل البيت النبوي، بقيادة أمير المؤمنين عليه السلام رائد التدوين (كما
شرحناه في تدوين السنّة الشريفة: القسم الأوّل) فكذلك وقف الشيعة للتصدّي للتيّار
الجديد، وهم جماعة القرآنيّين، بمؤلّفاتٍ عديدةٍ في عاصمة الحركة في الهند، مثل
كتاب: 1ـ امتحان أهل القرآن. 2ـ قول فيصل. 3ـ الكوثريّة. وهي باللغة الأوردويّة (الذريعة
إلى مصنّفات الشيعة2/ 345).
وأمّا أهل السنّة:
فهم الذين نادوا بالحديث وعظّموه على حساب القرآن، وذلك لأنّ القرآن ـ
كما هو معلوم لدى كلّ مسلم ـ قطعيّ يقينيّ، لا ريب فيه، ولا يدخله الشكّ والظنّ.
ومن المعلوم للمسلم ـ أيضا ـ حجيّة السنّة الشريفة وضرورتها وكونها ثاني أعمدة
الدين، كما أسلفنا. وكون السنّة مساويةً للقرآن في الحجيّة والاعتماد، يقتضي بوضوحٍ
أنْ تكون السنّة مثلَ القرآن معلومةً قطعيّةً ثابتةً يقينيّةً، حتّى يمكن اعتبارها
مساويّةً للقرآن، وحتّى يمكن تفسيره بها، واعتمادها مخصّصةً لعمومه ، و مبيّنةً
لمجمله.
فمن القطعيّ عند العلماء: أنّ السنّةَ المعلومةَ الثابتةَ حجّةٌ كالقرآن، وضروريّةٌ
ولازمةٌ لتكميل الدين. لكنّ الغلوّ دخلَ في عقليّة بعض المسلمين فراحوا يضخّمون
الحديث، حتّى لو كان ظنيّا، وحتّى لو كان واحدا، فقابلوه بالقطعيّ وساووه بالقرآن
اليقينيّ. فبدأت مشكلة جعل القرآن، في مواجهة أحاديثَ مشكوكةٍ ظنّيّةٍ، غير ثابتةٍ
ولا علميّةٍ.
وبينما التزم العلماء بشروط في قبول رواية الرواة من : العدالة والضبط والاتّصال
وغيرها، توغّلَ المغالون في الحديث في تجاوز الحدود العادلة المقرّرة، وقلبوا
الموازين المحدّدة، فحكموا بعدالة مَن شاءوا، وجرحوا من خالف هواهم، وأسقطوا
المضبوط، وقبلوا المضطرب، كلّ ذلك موافقة لأهوائهم وحبّا للتكثّر من الأحاديث،
وطمعا في زيادة الكمّ على حساب الكيف؟( لاحظ كتاب : العتب الجميل على أهل الجرح
والتعديل للحضرميّ والرسالة المنقذة من الضلال للمسوري ) بينما أهل الورع ،
المحافظون على الدين ونصوصه لم يُقيموا وزنا إلاّ للخبر الجامع للشرائط المعتبرة في
الراوي، ممّا اتّفق عليه العقلأ، وعلمأ المسلمين الفضلاء، وجعلوا ذلك بالغا بالمرويّ
مبلغ العلم، بعد الاتّفاق عليه والالتزام به، فهو قطعيّ علميّ كالحديث المتواتر،
وما بحكمه من المتّفق عليه ، والذي قام عليه إجماع الطائفة واعتبار المتشرّعة بلا
خلافٍ يذكر، وبذلك يمكن موازاته للقرآن القطعيّ في الحجيّة والالتزام، وإفادته
للعلم، و إيجابه للعمل.
وهذا معنى الموافقة المشترطة في أحاديث عرض الخبر على القرآن , وأمّا الخبر المخالف
له بحيث يكون ظنيّا محتملا، فلا يبلغ شأوَ القرآن، ولا يوافقه في الدرجة، بل
يُخالفه ويتصادم معه، فهو رد، وساقطٌ، ومرفوضٌ. لكنّ مَنْ يتسمّى بأهل الحديث،
يلتزمون بكلّ منقولٍ ومروي، ويعارضون به أحكام القرآن القطعيّة، ويقدّمون المظنونَ
على المعلوم، لأنّهم التزموا بحجيّة الخبر
مهما كان راويه واحدا أو أكثر، حتّى لو لم يُفد العلم، وحتّى لو كان راويه متّهما ،
ما دام موافقا لما قرّروه و التزموه من آراء وأهواء، حتّى لو لم تكن متفقاً عليها.
وكانت نتيجة هذا الغُلُوّ في الحديث عند المتسمّين بأهل الحديث أن اجتمع عندهم كم
هائلٌ من المنقولات التي تحتوي على نصوص تشكّك في تماميّة هذا القرآن، فأصبح (أهلُ
الحديث) هؤلاء يؤكّدون على الالتزام بتلك المنقولات ـ التي يسمّونها الأحاديث ـ على
حساب تماميّة القرآن. ولم يختلف في هذا: أهل الحديث من العامّة الذين يتسمَّوْن (أهل
السنّة) وبين أهل الحديث من الشيعة الذي يُسمَّوْن (المقلّدة)(
الذين جاء ذكر هؤلاء بهذا الاسم في كتب الشيخ المفيد والشيخ الطوسيّ رحمهما الله )
وكلاهما على خطأ فضيعٍ في مواجهة قطعيّة القرآن، وعلميّة نصّه، بأخبار الآحاد التي
لا تُفيد علما بإجماع المسلمين، إلاّ أنّ أهل الحديث من الشيعة يتفرّدون بعدم رواية
أخبار الزيادة في القرآن العظيم، كما سيأتي تفصيله، بينما أهل الحديث من أهل السنّة
يروون مثل هذه الخرافة الباطلة بإجماع الاُمّة الإسلاميّة قاطبة.
ما هو القرآن؟
هو النصّ المتداول بين المسلمين الحاوي لـ(114) سورة أوّلها (سورة الحمد) وآخرها
(سورة الناس) هو القرآن المعجزة الإلهيّة الخالدة، الذي اُنزل على رسول الله محمّد
صلّى الله عليه وآله وسلّم .
وطريق ثبوته هو شيءٌ واحدٌ، وهو التواتر القطعيّ، ولا يثبت بغيره إطلاقا.
وقد التزم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بإبلاغه ـ منذ أوّل نزوله ـ إلى
المسلمين الذين يفوق عددهم التواتر، وسجّله كتّابُه الذين بلغ عددهم في بعض المصادر
ما يناهزُ الأربعين كاتباً.
فكان المسلمون يترصدّون نبأ نزول آياته، ويبثّونها فوراً بحيث يجزم الكلّ بكلّ
سورة، بل آية، بل كلمة، بل كلّ حرف منه، فور نزوله، ويُشرِف النبيّ صلّى الله عليه
وآله وسلّم بنفسه على تحديد موقع الآية من السورة، وموقع السورة من القرآن ، ومواقع
السور بعضها من الاُخرى. (نصّ على ذلك أعلام المسلمين كافّة).
وقد تتابعتْ جهودُ المسلمين في نقل القرآن ورعايته بالحفظ والكتابة والتلاوة
والقراءة، والتداول، وكثُرَ ذلك بكثرة أهل كلّ جيلٍ وزيادتهم على مَنْ سبقهم، حتّى
عصر الطباعة الحاضرة، حيث ملايين المصاحف تتّفق على نص واحدٍ، مجمعٍ عليه.
فلا يثبتُ لنص كونه (قرآناً) بخبرٍ واحد، مهما كان راويه ثقةً جامعا لشرائط الصحّة.
ولا يثبتُ بشهادة البيّنة، حتّى لو كانت عادلةً. ولا بتناقل جماعةٍ منفردةٍ عن سائر
المسلمين، مهما كبرتْ وكثرتْ.
فإنّ القرآنَ أكبرُ من أنْ ينحصرَ بفردٍ، أو جماعةٍ، أو طائفةٍ ،أو فريقٍ، أو ينزوي
في بيتٍ أو كتابٍ أو صندوقٍ!إنّه النصّ الموجود منذ عصر النبي صلّى الله عليه وآله
وسلّم :
كان يُعْرَضُ على النبيّ، ويُتلى عليه، وإنّ جماعةً من الصحابة ختموا القرآنَ عليه
عدّةَ ختماتٍ. (مجمع البيان للطبرسي 1/ 14).
وكان يعرضه على جبرئيل في شهر رمضان في كلّ عامٍ مرّةً، وعرضه عليه عامَ وفاته
مرّتين. (رواه البخاري).
وبعد هذا، فلا يمكنُ أنْ يؤثّر في الالتزام بهذا النصّ وسلامته، شيءٌ من قبيل الخبر
الواحد، أو البيّنة، أو كلام طائفة معيّنة، تختص بشيءٍ، مهما بلغَ الشخصُ الناقلُ
من العظمة والاحترام، ومهما بلغت الطائفةُ من الكبر والقدرة.
والقرآن الموجود:
فهو المتّصل بالتواتر إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام كاتب الوحي،
وربيب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وإمام المسلمين، أعلم الاُمّة بالقرآن،
حتّى اعترفَ له الجميع بذلك فعدّوه (صدر المفسّرين والمقدّم فيهم).
وكان ابن عبّاس ترجمان القرآن تلميذه قد أخذَ القرآن منه، وقال: فإذا علمي بالقرآن
ـ في علم عليّ ـ كالقرارة في المثعنجر، أي كالغدير الصغير في أعمق موضع من
البحر،وقال ابن مسعود: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله منّي تبلغني الإبل إليه
لأتيتُه، فقيل له: أينَ أنتَ من علي؟ قال: به بدأتُ. (رواه المحدّثون والمفسّرون).
والقرآن الموجود في أيدي المسلمين، والذي يتلوه ملايينُ المسلمين في أقطار الدنيا،
وعلى طول القرون، إنّما هو بقرأة حَفْصٍ عن عاصِم بن أبي النُجود، عن أبي عبد
الرحمن السُلميّ، عن علي أمير المؤمنين عليه السلام من دون اختلافٍ كما صرّح به
العلماء، فانظر مشكل الآثار للطحاوي 1/ 114و سير أعلام النبلاء2/426).
على هذا ماتَ السلفُ وعاشَ الخلفُ، بكلّ فخرٍ وتقديرٍ، ومن دون أدنى ريبٍ ونكيرٍ .
وهذه القراءة هي المشهورة بين المسلمين، وقد ألّف حولها العلماء مؤلّفات، منها ما
كتبه أبو المواهب الحنبلي محمّد بن عبد الباقي البعلي (1.14 – 1126 ) فله كتابان:
1ـ رسالة في قراءة حفص عن عاصم، نسخته في مكتبة الأسد. 2ـ فيض الودود بقراءة حفص عن
عاصم بن أبي النجود بخط المؤلّف في مكتبة الأسد ـ دمشق. وألّف عثمان بن عمر بن أبي
بكر الناشريّ الزبيدي المتوفى عام 848 كتاب : درّ الناظم لرواية حفص من قراءة عاصم،
منه مصوّرة في معهد المخطوطات في جامعة الدول العربية بالقاهرة في (22)ورقة , و قد
طبع بتقديم السيد محمد حسين الحسيني الجلالي في شيكاكو عام 1418 عن مخطوطة يمنية.
وهناك قراءة قالون عن نافع يتداولها الموالك في المغرب الإسلاميّ و الزيديّة في
اليمن ، إلى جنب القراءة المشهورة ، وأمّا سائر القراءات فهي لا توجد إلاّ في بطون
الكتب ولا يتداولها إلاّ القليل من العلماء وفي مجال البحوث العلميّة .
أهل البيت وشيعتهم يكرّمون القرآن:
إنّ ما ورد عن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ليدلّ على وجود هذا القرآن، بنصّه
المتداول المتواتر، منذ عهد الرسالة وعلى طول الخطّ، حتّى اليوم. فحديثُ الثقلين
المتواتر بين المسلمين، والمتّفق عليه بين الفرق الإسلاميّة، دليلٌ واضحٌ على وجود
القرآن مجموعا في (كتاب) خلّفه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأشار إليه فمّما
قال: (إذا التبست عليكم الفتن، كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ... وهو كتاب فيه
تفصيل، وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم،
ظاهره أنيق، وباطنه عميق ...). (رواه في الكافي2/ 238).
وقال:النظرُ في المصحف من غير قراءةٍ عبادةٌ (رواه في كتاب الفقيه1/ 73).
قال أمير المؤمنين عليه السلام: (أشهدُ أنّ محمّدا عبده ورسوله أرسله بالدين
المشهور والعِلْم المأثور، والكتاب المسطور). وقال: (كتابُ الله بين أظهركم: ناطقٌ
لا يعيى لسانُه، وبيتٌ لا تهدمُ أركانُه، وعزّ لا تهزم أعوانه ...).
وقال: (ذلك القرآنُ، فاستنطقوه، ولن ينطق ولكن أخبركم عنه: ألا إنّ فيه علمُ ما
يأتي، والحديثُ عن الماضي، ودواء دائكم، ونظمُ أمركم ...).
وقال: (واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصحُ الذي لا يَغُش، والهادي الذي لا يَضِل،
والمحدّثُ الذي لا يَكذبُ، وما جالسَ القرآنَ أحدٌ إلاّ قامَ عنه بزيادةٍ أو
نقصانٍ:زيادة في هدىً، أو نقصان في عمى). (منقولات من نهج البلاغة، ومصادره).
وقال الإمامُ زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام:لو ماتَ ما بين المشرق
والمغرب لما استوحشتُ بعد أن يكون القرآنُ معي. (الكافي2/ 446).
وقيل له: أيّ الأعمال أفضل؟ فقال: (الحال المرتحِل،… فتحُ القرآن وختُمه، كلّما
حلَّ بأوّله ارتحلَ في آخره). (الكافي2/442).
وقال الإمام الباقر محمّد بن عليّ عليه السلام: (إنّ شيعةَ علي كثيرةٌ صلاتهم،
كثيرةٌ تلاوتهم للقرآن).
وقال الإمام الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام: (عليكم بتلاوة القرآن، فإنّ درجات
الجنّة على عدد آيات القرآن ...، فإذا كان يوم القيامة قيل لقارئ القرآن: اقْرأ
وارقهْ، فكلّما قرأ آيةً، يرقى درجةً).
وقال: ومن قرأ القرآنَ في المصحف مُتّعَ ببصره وخفّفَ عن والديه، وإن كانا كافرين.
وكذلك كلّ حديثٍ يحتوي على عدد الآيات، كمائة آية، أو على نسبةٍ معيّنةٍ
كثُلُث القرآن، أو جاء فيه كلمة (ختم) أو كلمة (المصحف) وما يشبه ذلك; فهو دليلٌ
واضحٌ على وجود القرآن الكامل، في زمان ذلك الحديث: فلا ريبَ أنّ المشارَ إليه و
المرجوع إليه، والمرغّب فيه، ليس إلاّ القرآن المتداول بين الناس، والذي يعرفه
الناس، وإلاّ فلا تصحّ تلك الخطابات والأحكام عن نص لا يوجد عند المخاطبين، أو
يندرُ وجودُه.
وكذلك نجد أنّ الأئمّة : يستندونَ في أحاديثهم المودعة في الكتب الحديثيّة
المعتبرة، إلى نصوص آيات القرآن، كما هي موجودة اليوم في المصحف الشريف.
وهذا دليلٌ على استمرار وجود نصّه ـ كما هو اليوم ـ منذُ عهودهم، بلا اختلاف.
علماء مذهب أهل البيت يصرّحون:
قال الشيخ المحدّث الفقيه، أبو جعفر محمّد بن عليّ القمّي الشهير بالشيخ الصدوق
(المتوفّى 391هج) : اعتقادُنا أنّ القرآن، الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمّد
صلّى الله عليه وآله وسلّم هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس، وعدد سوره
على المعروف (114) سورة، ليس بأكثر من ذلك. (ذكره في كتاب اعتقادات الإمامية).
وقال الشريف المرتضى، علي بن الحسين الموسوي (المتوفّى 336 هج): إنّ العلم بصحّة
نقل القرآن: كالعلم بالبلدان ...، فإنّ العنايةَ اشتدّتْ والدواعي توفّرتْ على نقله
وحراسته، لأنّ القرآن معجزةُ النبوّة ومأخذُ العلوم الشرعيّة والأحكام الدينيّة،
وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتّى عرفوا كلّ شيء فيه؟ فكيفَ
يجوزُ أنْ يكون مغيّرا ومنقوصا مع العناية الصادقة؟ والضبط الشديد؟؟
وقال العلاّمة الحلّي الحسن بن المطهّر (المتوفى 726 هـ ): الحق أنّه لا تبديلَ ولا
تأخيرَ ولا تقديمَ فيه وأنه لم يزِدْ ولم ينْقُصْ ، ونعوذُ بالله تعالى من أنْ
يعتقدَ مثلُ ذلك ، فإنّه يوجبُ التطرق إلى معجزة الرسول عليه السلام المنقولة
بالتواتُر (أجوبة المسائل المهنائية ص 121).
وقال المحدّث الشيخ الحرّ العامليّ محمّد بن الحسن المشغري (المتوفّى 1104'هج): إنّ
مَن تتبّع أحاديث أهل البيت : وتصفّح التاريخ و الآثار، عَلِمَ علما يقينيّا: أنّ
القرآن قد بلغ أعلى درجات التواتُر، قد حفظه الأُلوف من الصحابة، ونقلته الأُلوف،
وكان منذ عهده صلّى الله عليه وآله وسلّم مجموعا مؤلّفا.
وقد اعترف بعض العامّة لمذهب أهل البيت، ببراءته وبراءة أتباعه، من القول بغير ما
عرفناه من تصريحاتهم:
فقال أبو الحسن الأشعري ، عليّ بن إسماعيل في كتابه (مقالات الإسلاميّين 1/ 115)
حيث نقل عن القائلين بالاعتزال والإمامة يزعمون : أنّ القرآن ما نُقِصَ منه، ولا
زِيْدَ فيه، وأنّه على ما أنزل الله تعالى على نبيّه عليه الصلاة والسلام، لم
يُغيّر، ولم يُبدّل، ولا زال عمّا كان عليه.
وغرضه بالاعتزال: القول بأصل (العدل) وهو الأصل الثاني من أصول مذهب الشيعة
الإماميّة ، و مَن لم يقل به فليس بشيعي إماميّ، حسب الاصطلاح.
ومن هنا فإنّ الفرقة التي ذكرها قبل هذه، تخالف الإماميّة في أصل المذهب، ولا يجوز
حملُ مقالتها على الإماميّة ، وإنْ كانت توافقهم في بعض الآراء.
فلينظر المنصفُ بدقّةٍ لائقةٍ بالمسلم المخلص لدينه، حتّى لا يقعَ في محذور اتّهام
طائفة من المسلمين بما لا يقولون، وخاصّةً في مثل موضوع القرآن الكريم.