بين القرآن والسنة (2)

والذي يُصرُّ على أنْ يتّهمَ طائفةً من المسلمين بالقول المخالف في القرآن، مع إنكار هذه الطائفة للتّهمة ومع تأكيدها لنفيها، إنّما يدلّل على إرادته الإساءة بالقرآن، مهما كان الثمن! وهو إنّما يمهّد لهجوم أعداء الدين من النصارى واليهود.
وقد تنبّهَ المجاهد رحمةُ الله الهنديّ صاحب كتاب (إظهار الحقّ في الردّ على النصارى) فنفى فيه التهمةَ عن أهل السنّة والشيعة، وأكّد إجماع المسلمين على صيانة القرآن، ونقل كلام أعلام الشيعة الصريحة في القول المتفّق عليه والمتواتر بين المسلمين، يصدّ بذلك طعن النصارى في كتاب الله!
فالذي يعاكس هذا، ويُحاول أنْ يُظهر خلافا من فرقةٍ بائدةٍ، أو أفرادٍ بائدين، ويقلّب الكتب المطبوعة، ويبحث في المكتبات عن نسخة عتيقة حتّى يقف على رواية أو قول، ربّما يُوهم الخلاف، أو تظهر منه رائحة الانشقاق والافتراق عن الرأي السائد العامّ للمسلمين ـ كافّة ـ إنّ مثلَ هذا الشخص ، هل يُريد خيراً بالقرآن وللإسلام؟ أم إنّه يسعى في تثبيت أهداف النصارى؟ لكن بصورة المدافع، وبقناع المحقّق، وباسم الدارس الجامعيّ، وبقبّعة الدكتور والأُستاذ؟؟
لا أظنّ أنّ خبث هذا العمل، وسوء نيّة فاعله تخفى على محب لله ورسوله ودينه و قرآنه.
موقف أهل الحديث؟
ومن هنا نعرفُ مدى ما تورّط فيه الحشويّة من أهل الحديث من البُعْد عن العلم، وعن الحقّ: لمّا تظاهروا بأنّ السنّة الشريفة، والحديث الشريف من مصادر التشريع، ولذا كان من الضروري الحفاظ على نصوصها، وبذل قصارى الجهود في سبيل تثبيتها وتسجيلها ونقلها، وأنّها قد بلغت الأجيال المتعاقبة سالمةً مصونةً محفوظةً.
وهذه كلمة حقّ، يريدون بها الباطل، حيث يواجهون النصّ القرآني المقدّس، بأخبار آحاد، يُوحُون أنّها مقدّمةٌ عليه، ولابدّ من العمل بها في مقابله!!
ونقول لهم : إذا كانتْ همّةُ المسلمين بحيث يُحافظون على مجموعة الحديث الشريف، على كبرها وسعتها وانتشارها، فهذه الهمّة مبذولة لحفظ القرآن وصيانته بشكل آكد وأحوط وأشمل وأجمع، لأنّه الأصل الأوّل للدين، فهو أولى بالرعاية والمحافظة، وكذلك عمل المسلمون، حتّى حفظوه، والحمد لله ربّ العالمين .
مع ما ثبت من لزوم تواتر النصّ القرآني، وعدم ثبوته بغيره.
فكيف يُعارَضُ العلمُ الذي هو الحق، بالظن الذي لا يُغني عن الحق شيئاً ؟!
وكيف يُحكم على القرآن القطعيّ، بما لا يُوافقه من الخبر الظنّيّ ؟!
والأغربُ من ذلك موقفُ أهل الحديث من نقلة هذه القراءة المتواترة بين المسلمين وهم القرّاء : حفص، وعاصم. فقد طبّقوا عليهم ما لفّقهُ أهل الجرح والتعديل من اُصول التزموا بها، وقواعد قرّروها، فحكموا على هؤلاء بأحكامٍ جائرةٍ، يكفي في الردّ عليها أنّ هؤلاء معتمَدون عند أئمّة المسلمين وعامّة أهل الإيمان، لمّا اتّفقوا على الأخذ بقراءتهم ونقلهم للنصّ القرآنيّ المقدّس، فهذا حفصُ بن سليمان، الأسديّ أبو عمر البزّاز الكوفي، القارئ، الغاضِريّ، يُقال له: حُفَيْص (!) صاحب عاصم في القراءة وابن امرأته، وكان معه في دارٍ واحدةٍ، روى عن جمع، وروى عنه جمعٌ أكثر، قال العوفي: لو رأيتَه لقرّتْ عيناك فهما وعلما، مات سنة 180' وله تسعون سنة، (تهذيب الكمال 7/ 10).
لكنّ أئمّة الجرح والتعديل من أهل الحديث، تكلّموا فيه :
قال الرازي: لا يُكتب حديثُه، هو ضعيفُ الحديث، لا يصدق، متروكُ الحديث.
وقال ابن معين: كان من أعلم الناس بقرأة عاصمٍ! وكان أقرأ من (زميله) أبي بكر القارئ، وكان كذّابا! ليس بثقةٍ.
وقال ابن المديني: ضعيف الحديث وتركتُهُ على عمدٍ!.
وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه، متروك.
وقال البخاري: ومسلم: تركوه، متروكٌ.
وقال ابن خراش: كذّاب، متروكٌ، يضع الحديث.
فانظر أيّها المسلمُ المحب للقرآن وأهله: كيف أن هؤلاء المتسمّين بأهل السنّة والحديث: يواجهون حملةَ القرآن ورواته والمتخصّصين بعلمه وقراءته بالسبّ والقذف والاتّهام!
فباللهِ عليك هل ترضى أنْ يكون معلّمُ القرآن والعالمُ به هكذا: رجلا، متّهما بالكذب والوضع، وتأخذ منه أقدس نصّ وأعظمه! وهو الذي أجمع المسلمون على قراءته وتواترت بينهم مدى القرون ؟!.
هذا، والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قد كرّم حملةَ القرآن فقال:(أشرافُ اُمّتي حملةُ القرآن)
وقال: (حملةُ القرآن هم المخصوصون برحمة الله الملبوسون نور الله، المعلّمون كلام الله، من عاداهم فقد عادى الله، ومن والاهم فقد والى الله)
وقال: (حملةُ القرآن عُرفأ أهل الجنّة)
وقال في وصيّته لأبي ذرّ ;: (من إجْلال الله إكرام حملة القرآن العاملين به).
ويكفي في الردّ على إساءة أهل الحديث بقرّاء القرآن: أنّ الاُمّة اتّفقت على قبول قراءتهم وتداولها.
وقد تنبّه شيخُ الإسلام الشافعيّ الإمام تقيّ الدين السُبكيّ (ت756') إلى هذه النكتة، فردّ على من قال في (حفص القارئ): إنّه كذّاب، متروك، يضع الحديث ؟! فقال: عندي أنّ هذا القول سَرَفٌ ، فإنّ هذا الرجل إمامُ قراءة، وكيفَ يعتقدُ أنّه يُقدم على وضع الحديث والكذب؟ ويتّفقُ الناس على الأخذ بقراءته؟ (شفاء السقام في زيارة خير الأنام للسبكي ص95).
لكنّ المغالين من أهل الحديث، في حُبّ ما لفّقوه من قواعد الجرح والتعديل، لا يُبالون بما سينجرّ إليه التزامهم، حتّى لو انجرّ إلى الإساءة بأعظم نص وأقدسه وهو القرآن؟ ولو كانوا يحبّون القرآن، لأعرضوا عن تلك القواعد التي صنعوها، ولحافظوا على كرامة القرآن من أنْ يمسّها أحدٌ بسوءٍ ولو بالإشارة، أو ببنت شَفَةٍ.
ولم يكن نصيبُ عاصمٍ الأسديّ بأحسن بكثيرٍ من صاحبه، فقد وجّهوا إليه تهمة سوء الحفظ! وقالوا: له أوهامٌ!!
وحاول الذهبيّ في (سير أعلام النبلاء5/260) الاعتذار عن ذلك، في ترجمة عاصم، فقال: ما زال في كلّ وقت يكون العالم إماما في كلّ فنّ مقصّرا في فنون، وكذلك كان حفصٌ ثبتا في القراءة واهيا في الحديث.
نقول: التقصيرُ في الفنّ وحتّى الوهنُ فيه أمرٌ محتملٌ لو كانوا اتّهموه بهما،واكتفوا! لكنّ حفصا اتّهموه (بالكذب والوضع) ومن المعلوم أنّ الكذّاب والوضّاع، تُسْلَبُ الثقةُ منه؟ ولا يطمئنّ السامعُ بما يقوله وينقله بل ولا بما يفعله؟ لأنّه يحتمل في كلّ كلمةٍ منه: الخيانة والكذب والنقل المخالف، فكيف يُوثق بمن يكذب أن ينقل كلام شيخه صحيحا؟ وبمن يضع الحديث: أن لا يضع قراءة أو كلمة أو حرفا، وينسبه إلى قراءة شيخه؟!
ومن كان سيّئ الحفظ، له أوهام; فما هو المؤمّنُ من أن لا يَهِمَ أو يُخطىء في ما ينقله من قراءته للقرآن ؟.
فإذا كانت الوثاقة والصدق والأمانة والحفظ، مطلوبةً في نقل الحديث الذي هو كلام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فهي في نقل القرآن وحكايته، أكثرُ مطلوبيّةً وأشدّ ضرورةً لأنّه كلام الله عزّ وجلّ .
ولكنّ تلك المحاولات المسيئة تذهبُ أدراج الرياح لمّا نجدُ الاُمّة قد اتّفقتْ على القرآن بهذه القراءة المنقولة عن هؤلاء القرّأ، فيكشف اتّفاقهم على قبول هؤلاء القُرّاء، عن ثقتهم وأمانتهم وضبطهم. وكرامتهم عند الله ورسوله والمؤمنين، لمّا تحمّلوا القرآن وتخصّصوا لنقله وحفظه وإبلاغه.
الشيعة يعتمدون هذا القرآن:
وإذا عرفت أنّ هؤلاء الرواة للقرآن والقرّاء هم من الشيعة، تيقّنتَ أنّ النصّ القرآنيّ المقدّس هذا المتداول في أيدي الناس، وهو الذي اتّفقت عليه الاُمّة، هو (ذلك الكتابُ لا ريبَ فيه هدىً للمتّقين).
وهذه مفخرةٌ عظيمةٌ لهم، أنّ المعجزةَ الإلهيّة الخالدة بقيتْ منقولةً مصونةً عندهم، وعلى أيديهم، وكذلك بالجهود الجبّارة التي بذلها علماء الشيعة في سبيل القرآن بهذا النصّ المتداول، منذ صدر الإسلام وحتّى اليوم، تدلّ بوضوح على اهتمامٍ لا حدّ له بالحفاظ على نصّه:
فأوّل من وضع نقط المصحف هو أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو البصري مؤسّس النحو، أو تلميذه يحيى بن يعمر العدواني البصري القارئ، وكلاهما من الشيعة، وكلاهما من الشيعة.
وأوّل من صنّف في القراءات وغريب القرآن ومعاني القرآن: أبان بن تغلب.الشيعيّ العالم المشهور.
وصنّف في مجاز القرآن: يحيى بن زياد الفرّاء (المتوفّى 207هج) والشريف الرضيّ (المتوفّى 406) من أعلام الشيعة.
وصنّف في أحكام القرآن: محمّد بن السائب الكلبيّ المفسّر (المتوفّى 146).
وأمّا القراءأ والمؤلّفون في علوم القرآن من الشيعة، فكثيرون (راجع عنهم تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام للسّيد حسن الصدر، والجزء الأوّل من أعيان الشيعة للسّيد الأمين العاملي )
فنجد أعمال هؤلاء كلّهم إنّما هي تدور على النصّ الموجود من القرآن الكريم، ممّا يدلّ على إجماع عملي على أنّه هو المقطوع به، لا غيره.
وكذلك لو راجعتَ كتب الفقه عند الشيعة، لتجدنّهم إنّما يستدلّون بالآيات القرآنيّة كما هي مثبتةٌ في القرآن الكريم المتداول، ولم يستدلّوا بما ليس فيه أبدا ولا يحتجّون بغير ما فيه بعنوان القرآنيّة، إطلاقا، وهذا واضحٌ بالعيان.
وكذلك بقيّةُ علمائهم، في اللغة، والكلام، والنحو.
وأمّا المفسّرون منهم، فهاهي كتبُ التفسير عند الشيعة كسائر المسلمين إنّما تُعَنْوِنُ الآَيات التي يريدون تفسيرها كما هي موجودة في القرآن المتداول، لا
غيرها، ثمّ يوردون التفاسير، حتّى تلك الكتب التي ألّفها أهلُ الحديث الجامعون لكلّ ما روي ونُقِلَ ممّا فيه ذكرٌ لروايات مثارة، فإنّما أوردوها بعنوان التفسير أو التأويل، في ذيل الآية التي وردت في القرآن، ووضعوا النصّ المُفَسَّرَ هو النصّ الموجود في المصحف، لا غير.
وكذلك نُسَخُ القرآن الكريم التي كتبها خطّاطون من الشيعة، تجدُها كلّها موافقةً للمصحف الموجود، بلا أدنى تفاوتٍ، وهذه النُسَخُ يصلُ تاريخُها إلى القرن الأوّل والثاني، وفيها نسخٌ منسوبةٌ إلى الأئمّة أنفسهم , وإذا علمنا أنّ هذه الجهود مستمرّةٌ متواصلةٌ من القرن الأوّل وحتّى القرن الحاضر، ووجدنا اتّفاقها على نص موحّد هو المصحف الموجود، علمنا بيقينٍ عدمَ احتمال خلاف ذلك، وعلمنا ببطلان نسبة نص آخر إلى أيّ أحدٍ، وضلّت مساعي دعاة السوء والتفرقة، وعلم المسلمُ أنّ مَنْ يُثيرُ التهمة وينسبها إلى الشيعة أو أهل السنّة: إنّما هو معادٍ للقرآن مسيئٌ إليه، قبل أنْ نعدّه كاذبا على طائفة كبيرةٍ من المسلمين، أثبتوا أنّهم أنصارُ القرآن والمجاهدون في سبيله علما وعملا.