الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين ، والطيبين من أصحابه أجمعين .
جاء الاسلام الحنيف بأحكامه العادلة ، لينقذ الانسانية المعذبه من هلكات الجهل ، وويلات الظلم ، ومداحض التمرد والعصيان ، وعبادة الاوثان . فأمر الناس بالتوحيد ، وسلك لهم سبلا ، وسن لهم قوانين وأنظمة تنير لهم نواحي الحياة بجميع أبعادها ، وأنزل الكتاب الدستور الأساس ، فيه تبيان كل شيء ، و جعله نبراسا للساري ، ونورا للمهتدي ، وشفاء لصدور المؤمنين ،و خسارا للكافرين .
وبعث رسوله الكريم ـ صلى الله عليه وآله ـ به بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الهدى وسراجا منيرا ، وهاديا إلى كتابه شارحا ومفسرا ومؤوّلاً . فهو أول مفسر للقرآن الكريم ، يتلو عليهم آياته ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، يبين محكمه ، ويفسر غوامضه ، ويؤول متشابهه .
والبررة من أصحابه يحوطونه كما يحوط الفراش السراج المنير ، يتزودون من نوره الوهاج ؛ ليهتدوا إلى سبل الفجاج من سماحة أحكام القرآن . ولذا فقد اهتم المسلمون منذ صدر الاسلام حتى يومنا هذا بالقرآن الكريم ؛ ليفوزوا به الفوز العظيم في الدنيا والآخرة . فبادروا إلى حفظه والمحافظة
قال ابن النديم في كتابه : « الفهرست ص 47 » وهو يذكر جماع القرآن على عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ : « علي بن أبي طالب ـ رضوان الله عليه ـ ، سعد بن عبيد الله بن النعمان بن عمرو بن زيد ـ رضى الله عنه ـ ، أبو الدرداء عويمر بن زيد ـ رضى الله عنه ـ ، معاذ بن جبل بن أوس ـ رضى الله عنه ـ ، أبو زيد ثابت بن زيد بن النعمان ، أبيّ بن كعب بن قيس بن مالك ابن امرئ القيس ، عبيد بن معاوية بن زيد بن ثابت ابن الضحاك » .
هؤلاء الذين ذكر هم ابن النديم وهم الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ وعلى رأسهم وأولهم أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وإنما ذكرنا هذه القائمة لنستدل بها على اهتمام كبار الصحابة وأولي الشأن منهم بحفظ القرآن من التلف والضياع بين العسب واللخاف والأكتاف.
وقال العلامة السيد حسن الصدر في كتابه « تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص 317 » بعد أن ذكر الروايات الواردة عن طريق أبناء السنة في ذلك : وأما الروايات عن أهل البيت في أن عليا أول من جمع القرآن على ترتيب النزول ففوق حد الإحصاء ـ ثم أردف قائلا :
وأما التفسير فهو الذي عنده علم الكتاب . قال السيوطي في الاتقان : وأما علي فروي عنه الشيء الكثير ، وقد روى معمر بن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل قال : شهدت عليا يخطب ويقول : سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا خبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل أم في جبل .
وأخرج أبو نعيم في « الحلية » عن ابن مسعود ، قال : إن القرآن نزل على سبعة أحرف ، ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن ، وأن علي بن أبي طالب عنده من
وأخرج ـ أيضا ـ من طريق أبي بكر بن عياش عن نصير بن سليمان الأحمسي عن أبيه عن علي قال : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت ، وأين نزلت ، إن ربي وهب لي قلبا عقو لا ولسانا سؤولا ، إنتهى .
ثم قال ـ السيد الصدر ـ : وأما سائر أنواع علوم القرآن ، فأول من نوعها و قسمها فهو ـ أيضا ـ علي أمير المؤمنين ، أملى ستين نوعا من أنواع علوم القرآن ، وذكر لكل نوع مثالا يخصه . وهو في كتاب نرويه عنه من عدة طرق ، موجود بايدينا إلى اليوم . وقد أخرجه بتمامه العلامة المجلسي في الجزء التاسع عشر من بحار الأنوار المطبوع بايران ، وهو الأصل لكل من كتب في أنواع علوم القرآن ، إنتهى .
إن الحديث عن القرآن الكريم شيق وشاق ، أي أنه ممتع ومتعب ؛ لأنه لا نهاية له ولا نفاد ، وهو طويل متشعب بعدد علومه وفنونه ، فالحديث كإعجازه الذي لا ينفد ، كرموزه وأسراره ، كأحكامه ومعانيه ، كنظمه ومبانيه ؛ فكما أن أحكامه تسير مسير الزمان ، ومعانيه لا نهاية لها ، كذلك الحديث عن القرآن وأخباره وآثاره وبلاغته وبدائعه لا تنتهي معانيه ، ولا تضاهى مبانيه ، وقد ولع الذين عرفوا بعض جوانب جماله وروعته ، ولعوابه منذ نزوله حتى يومنا هذا ، حيث غاصوا في لججه وهو يمدهم بلآلئه وفرائده ، ولا زالوا كذلك ، ولا زاك كذلك . يزدادون غوصا ، ويزداد عطاء ، فلا تنفد مواهبه أبدا .
فدأب علماء اللغة والنحو ، والتفسير ، والفقه ، وأصول الفقه ، والتأريخ ، و الكلام
، والبلاغة والأدب ، كل يعمل على شاكلته ، وحسب رغبته ، و بموجب اختصاصه ، يبحث في جانب من جوانبه ، ويتجول في بعد من أبعاده ، ويطرق بعض أبوابه . والكل لا يرجع إلاّ بملء كفيه مما أفاض عليه هذا الكتاب الكريم . وكل منهم قاصر لا مقصر ؛ لأنهم بذلوا ما بوسعهم من الجهد لما يتوخونه ، ولكن عظمة القرآن لا يمكن أن تحيط بها الأفكار القاصرة
ولو أردنا أن نستقصي أسماء الذين كتبوا عن تفسير القرآن وعلومه و فنونه لبلغنا الجهد وما بلغناهم لكثرتهم في البلدان الاسلامية ،
وقد أوردت بعض الكتب المعنية بالفهارس والفنون بعض الأسماء إما متتالية أو متناثرة في طياتها . ومنها ابن النديم « في الفهرست ص 56 » في عرض تسمية الكتب المصنفة في تفسير القرآن ، فيقول :ـ
« كتاب الباقر محمد بن على بن الحسين ـ عليهم السلام ـ رواه عنه أبو الجارود زياد بن المنذر ، رئيس الجارودية الزيدية ، ونحن نستقصي خبره في موضعه . كتاب ابن عباس » ( ويذكر رواته ) ، ثم يذكر كتاب التفسير لابن ثعلب ، وبعده يقول : « كتاب تفسير أبي حمزة الثمالي ، واسمه ثابت بن دينار ، وكنية دينار أبو صفية . وكان أبو حمزة من أصحاب علي ـ عليه السلام ـ من النجباء الثقات ، وصحب أبا جعفر . . »
أقول : نقل الشيخ الطوسي في تفسيره « التبيان » ، والعلامة الطبرسي في تفسيره « مجمع البيان » في كثير من الموارد عن تفسير أبي حمزة الثمالى ، مما يشير إلى أن هذا التفسير كان موجودا آن ذاك .
وبادر العلماء بالقرآن إلى تفسيره جيلا بعد جيل ، وكل منهم نحا مَنحىً في هذا المضمار ، فلم يدعوا ـ حسب مقدرتهم العلمية ـ جانبا منه إلا تحدثوا عنه بما لديهم من طاقة وإدراك ، وما أروع كلمة العلامة المحقق السيد الخوئي ـ قدس سره ـ في كتابه « البيان ص 21 » من مقدمة الطبعة الأولى ، حيث يقول :
« على المفسر أن يجري مع الآية حيث تجري ، ويكشف معناها حيث تشير ، ويوضح دلالتها حيث تدل . عليه أن يكون حكيما حين تشتمل الآية على الحكمة ، وخلقيا حين ترشد الآية إلى الأخلاق ، وفقيها حين تتعرض للفقه ، و اجتماعيا حين تبحث في الاجتماع ، وشيأ آخر حين تنظر في أشياء اخر .
على المفسر أن يوضح الفن الذي يظهر في الآية ، والأدب الذي يتجلى
والحقيقة الملموسة في كتب التفاسير هي كما قرره وحرره شيخنا المحقق الخوئي ـ قدس الله نفسه الزكية ـ ، وأن كل مفسر التزم جانب رغته وعلمه بالتفسير .
وبين يدي القارئ الكريم ( تفسير الصافي ) لعلامة دهره ، ووحيد عصره ، الفقيه الفيلسوف ، والمتبحر العارف ، محمد المحسن بن مرتضى بن محمود المعروف بالفيض الكاشاني ، الذي نحا فيه منحى الفلاسفة والعرفاء .
وكان ـ رحمه الله ـ من أعلام القرن الحادي عشر ، ذكره معاصره الشيخ الحر العاملي ـ قدس سره ـ في كتابه « أمل الآمل : 2 | 305 » فقال :
« المولى الجليل محمد بن مرتضى المدعو بمحسن الكاشاني . كان فاضلا
عالما ماهرا حكيما متكلما محدثا فقيها محققا شاعرا أديبا ، حسن التصنيف ، من المعاصرين ، له كتب ، منها كتاب الوافى ، جمع الكتب الأربعة مع شرح أحاديثها المشكلة ، إلا أن فيه ميلا إلى بعض طريقة الصوفية ، وكذا جملة من كتبه وكتاب سفينة النجاة في طريقة العمل ، وتفاسير ثلاثة : كبير وصغير ومتوسط . . » ثم ذكر سبعة وعشرين من كتبه بأسمائها .
أقول : إن ما ذكره الشيخ الحر العاملي ـ رضوان الله عليه ـ في وصف كتبه من : « أن فيها ميلا إلى بعض الطريقة الصوفية » قد يكون ناتجا مما رآه من أسلوبه في الشرح الذي نحا فيه منحى العرفاء والفلاسفة ـ كما قلنا وأنه استعمل الكلمات المصطلحة لديهم ، متأثرا بأستاذه صدر المتألهين المعروف بملا صدرا الشيرازي الذي ثنيت له الوسادة في الفلسفة والعرفان ، فتراءى للشيخ العاملي أن فيها ميلا إلى بعض الطريقة الصوفية . ولو أردنا أن نحتسب الجملة هذه باحتساب ما تعبر كل كلمة منها عن المعنى الذى تحمله ، يتضح لنا ما أراد الشيخ العاملي .
ففي كلمة « ميل » منعى أقل بكثير من معنى الا تجاه ، فلو كان صوفيا ـ كما
ولهذا نرى أن أصحابنا ـ قدست أسرارهم ـ لم يجدوا فيه مغمزا ، وأثنوا عليه غاية الثناء ، وأطروه بأحسن إطراء . ولنستعرض أقوال بعض هؤلاء الأعلام : ـ
1 ـ محمد باقر الخوانساري في روضات الجنات : 6 | 79 :
« اسمه كما يظهر من تقريرات نفسه محمد ، وأمره في الفضل والفهم والنبالة في الفروع والأصول ، والإحاطة بمراتب المعقول والمنقول ، وكثرة التصنيف والتأليف مع جودة التعبير والترصيف ، أشهر من أن يخفى في هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد . وعمره كما استفيد لنا من تتبع تصانيفه الوافرة تجاوز حدود الثمانين ، ووفاته بعد الألف من الهجرة الطاهرة بنيف يلحق تمام التسعين ، ومرقده الشريف معروف بالكرامة والمقامة في دار المؤمنين . . »
2 ـ الأردبيلي في « جامع الرواة : 2 | 42 » :
« العلامة المحقق المدقق ، جليل القدر ، عظيم الشأن ، رفيع المنزلة ، فاضل كامل أديب ، متبحر في جميع العلوم ، له قريبا من مائةٍ تأليفات منها كتاب تفسير الصافي وكتاب الوافي ، وكتاب الشافي ملخص الصافي و . . » .
3 ـ الشيخ عباس القمي في « الكنى والألقاب : ـ
« الفيض لقب العالم الفاضل الكامل العارف المحدث المحقق المدقق الحكيم المتأله محمد بن المرتضى المدعو بالمولى محسن الكاشاني . صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة كالوافي ، والصافي ، والشافي ، والمفاتيح ، و . . »
4 ـ العلامة الأميني في « الغدير : 11 | 362 » قال عند ذكر ابنه « علم الهدى » : ـ
« هو ابن المحقق الفيض علم الفقه ، وراية الحديث ، ومنار الفلسفة ، ومعدن العرفان ، وطود الأخلاق ، وعباب العلوم والمعارف .
هو ابن ذلك الفذ الذي قل ما أنتج شكل الدهر بمثيله ، وعقمت الأيام عن أن تأتي بمشبهه » .
وكتابه « تفسير الصافي » هذا يعد من كتب التفسير المهمَّة التي يعول عليها كل من تأخر عنها . وها نحن نرى أن العلامة السيد محمد الحسين الطباطبائي قد أفاد كثيرا من تفسير الصافي ، واستشهد بأقوال مؤلفه في تفسيره الميزان ، ومن يتصفح تفسير الميزان ، يجد ذلك واضحا . وهذا يدلنا على أهمية تفسير الصافي ، والاعتماد على مؤلفه .
وقد طبع هذا التفسير القيم عدة طبعات في ايران بالقطع الرحلي وبالطبعة الحجرية ، ثم طبع في المطبعة الاسلامية بطهران بخط الهمداني ، وبعد ذلك طبع طبعة حديثة في بيروت ، ضم إليه تعليقات بيانية لنفس المؤلف تحت رمز ( منه ) ، وتعليقات من كتب أخرى تحت رموز مثل : ـ
م . ن = مجمع البيان في تفسير القرآن .
ق = القاموس للفيروز آبادي .
ص = الصحاح للجوهري .
وقد تصدى أخيرا صديقنا الفاضل سماحه السيد كاظم صدر السادات الدزفولي صاحب مكتبة الصدر في طهران ، الذي طالما وفقه الله لإصدار الكتب الاسلامية المفيدة ، إلى طبع هذا الكتاب القيم والتفسير البين ، بطبعته الحديثة ، وحلته القشيبة هذه التي تتجلى ميزتها عما سبقها من الطبعات ، بنصاعة الورق ، ووضوح الحروف ، والإخراج الفني ، والتجليد الحديث . كل ذلك خدمة للاسلام والمسلمين ، فحيا الله روحه الاسلامية ، وأخذ بيده لما فيه الصلاح ، وكلّل مساعيه بالنجاح ، إنه ولي التوفيق . |
طهران 22 | جمادى الثانية 1415 هـ عباس الترجمان |
نحمدك يا من تجلى لعباده في كتابه ، بل في كل شيء ، وأراهم نفسه في خطابه ، بل في كل نور وفيء ، دل على ذاته بذاته ، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته ، كيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر إليه ، بل متى غاب حتى يحتاج إلى دليل يدل عليه ، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه ، عميت عين لا تراه ولا يزال عليها رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم يجعل له من حبه نصيبا ، تعرّف لكل موجود فما جهله موجود ، وتعرّف إلينا بكل شاهد لنشاهده في كل مشهود ، نزّل الفرقان على عبده ليكون للعلمين نذيرا وأودع أسراره أهل البيت فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، أبلج عن هدى نبيه المرسل ، بنور كتابه المنزل ، وكشف عن سر كتابه المنزل بعترة نبيه المرسل ، جعل الكتاب والعترة حبلين ممدودين بينه وبيننا ، ليخرجنا بتمسكنا بهما من مهوى ضلالتنا ويذهب عنا شيننا ، لم يزل أقامهما فينا طرف منهما بيده وطرف بأيدينا ، منَّ بهما علينا وحببهما بفضله إلينا ، وهما الثقلان اللذان تركهما النبي فينا ، وخلفهما لدينا ، وقال إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ حوضي ، فأخبرنا بأنهما صاحبان مصطحبان ، وأخوان مؤتلفان ، وإن العترة تراجمة للقرآن ، فمن الكشاف عن وجوه عرايس أسراره ودقائقه وهم قد خوطبوا به ، ومن لتبيان مشكلاته ولديه مجمع بيان معضلاته ومنبع بحر حقائقه وهم : أبو
حسنه ، ومن لشرح آيات الله وتيسير تفسيرها بالرموز والصراح الا من شرح الله صدره بنوره ، ومثّله بالمشكاة والمصباح ومن عسى يبلغ علمه بمعالم التنزيل
أما بعد : فيقول خادم علوم الدين ، وراصد اسرار كتاب الله المبين ، الفقير إلى الله في كل موقف وموطن ( محمد بن مرتضى ) المدعو ( بمحسن ) حشره الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
هذا يا اخواني ما سألتموني من تفسير القرآن بما وصل إلينا من أئمتنا المعصومين من البيان ، أتيتكم به مع قلة البضاعة ، وقصور يدي عن هذه الصناعة ، على قدر مقدور فإن المأمور معذور ، والميسور لا يترك بالمعسور ، ولا سيما كنت أراه امرا مهما ، وبدونه أرى الخطب مدلهما ، فان المفسرين وان أكثروا القول في معاني القرآن ، إلا أنه لم يأت أحد منهم فيه بسلطان وذلك لأن في القرآن ناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وخاصا وعاما ومبيّنا ومبهما ومقطوعا وموصولا وفرائض وأحكاما وسننا وآدابا وحلالا وحراما وعزيمة ورخصة وظاهرا وباطنا وحداً ومطلعاً ، ولا يعلم تمييز ذلك كله إلا من نزل في بيته ، وذلك هو النبي وأهل بيته ، فكل ما لا يخرج من بيتهم فلا تعويل عليه .
ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله من فسر القرآن برأيه فأصاب الحق فقد أخطأ ، وقد جاءت عن أهل البيت في تفسير القرآن وتأويله أخبار كثيرة إلا أنها خرجت متفرقة عند أسئلة السائلين ، وعلى قدر أفهام المخاطبين ، وبموجب إرشادهم إلى مناهج الدين وبقيت بعد خبايا في زوايا خوفا من الأعداء وتقية من
ولما أصبح الأمر كذلك وبقي العلم مخزونا هنالك صار الناس كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب بإمامهم فضربوا بعضه ببعض لترويج مرامهم وحملوه على أهوائهم في تفاسيرهم وكلامهم ، والتفاسير التي صنفها علماء العامة من هذا القبيل فكيف يصح عليها التعويل ، وكذلك التي صنفها متأخروا أصحابنا ، فانها أيضا مستندة إلى رؤساء العامة وشذ ما نقل فيه حديث عن أهل العصمة ، وذلك لأنهم إنما نسجوا على منوالهم واقتصروا في الأكثر على أقوالهم ، مع أن أكثر ما تكلم به هؤلاء وهؤلاء فإنما تكلموا في النحو والصرف والاشتقاق واللغة والقراءة وامثالها مما يدور على القشر دون اللباب فأين هم والمقصود من الكتاب ، وإنما أورد كل طائفة منهم ما قويت فيه منّته ، وترك ما لا معرفة له به مما قصرت عنه همته ، ومنهم من أدخل في التفسير ما لا يليق به فبسط الكلام في فروع الفقه وأصوله وطوّل القول في اختلاف الفقهاء أو صرف همته فيه إلى المسائل الكلامية وذكر ما فيها من الآراء ، واما ما وصل الينا مما ألفه قدماؤنا من أهل الحديث فغير تام لأنه إما غير منّته إلى آخر القرآن وإما غير محيط بجميع الآيات المفتقرة إلى البيان ، مع أن منه ما لم يثبت صحته عن المعصوم لضعف رواته أو جهالة حالهم ونكارة بعض مقالهم ، ومنه ما أورد جامعه في كثير من المواضع ما لا مدخل له في فهم القرآن وترك فيه وفي مواضع اخر ما لا بد منه في التفسير والتبيان . لم يأت بنظم يليق ، ولا بأسلوب أنيق ، ومنه ما يشتمل مع ذلك على ما ثبت خلافه في العقل والأنباء كنسبة الكبائر والسفه إلى الأنبياء ، ومنه ما يشتمل على التأويلات البعيدة التي تشمئز عنها الطباع وتنفر عنه الأسماع
ومنه ما يشتمل على ما يوهم عليه التناقض والتضاد (1) لتخصيص المعنى تارة ببعض الأفراد كأنه هو المراد ، وتارة بفرد آخر كأن غيره لا يراد ، من غير تعرض للجمع والتوفيق ، ولا اتيان بما هو التحقيق وجله يشتمل على ما يوهم اختصاص آيات الرحمة بأشخاص بأعيانهم ، كأنها لا يجاوزهم إلى الغير واختصاص آيات العذاب بأشخاص أُخر كأنهم خصوا بالبعد عن الخير من غير تعرض منهم لبيان المراد ، وأن ليس المقصود بهما خصوص الآحاد والأفراد ، كما يعرفه البصير في الدين والخبير بأسرار كلام المعصومين ، كيف ولو كان ذلك كذلك لكان القرآن قليل الفائدة ، يسير الجدوى والعائدة ، حاشاه عن ذلك بل إنما ورد ذلك على سبيل المثال ، لازاحة الخفاء أو ذكر الفرد الأكمل أو الأخفى ، أو المنزل فيه أو للاشارة إلى احد بطون معانيه .
وأما في كتب الأخبار مما يتعلق بالتفسير فكان مع اشتماله على بعض هذه الامور متفرقا بحيث يعسر ضبطه وربطه بالأيات ، مع أنه لم يف بأكثر المهمات ، وبالجملة لم نر إلى الآن في جملة المفسرين مع كثرتهم وكثرة تفاسيرهم من أتى بتصنيف تفسير مهذب صاف واف كاف شاف يشفي العليل ويروي الغليل ، يكون منزها عن آراء العوام مستنبطا من أحاديث أهل البيت عليهم السلام ، وليس لهذا الأمر الخطير والاتيان بمثل هذا التفسير الا ناقد بصير ، ينظر بنور الله ويؤيده روح القدس ، باذن الله ليشاهد صدق الحديث وصحته من اشراق نوره ، ويعرف كذبه وضعفه من لحن القول وزوره فيصحح
وذلك كما ورد في قول الله عز وجل : « الذين يؤمنون بالغيب » تارة بأن المراد بالغيب التوحيد واخرى أن المراد به الأنبياء الماضون ، وأخرى أن المراد به القيامة ، وأخرى أن المراد به القائم (ع) ، واخرى أن المراد به الرجعة الى غير ذلك . وهذه الأخبار توهم التناقض وليست بمتناقضة لأن المراد به الجميع دائما خرجت على ما اقتضاه الحال وارتضاه السؤال « منه »
وبالحري أن يسمى هذا التفسير بالصافي لصفائه عن كدورات آراء العامة والممل والمحير والمتنافي .
ونمهد أولا اثنتي عشرة مقدمة مهمات ثم نشرع إنشاء الله في تفسير الآيات :
المقدمة الأولى : في نبذ مما جاء في الوصية بالتمسك بالقرآن وفضله .
والمقدمة الثانية : في نبذ مما جاء في أن علم القرآن كله إنما هو من عند أهل البيت عليهم السلام .
والمقدمة الثالثة : في نبذ مما جاء في أن جل القرآن إنما ورد فيهم وفي أوليائهم وفي أعدائهم ، وبيان سر ذلك .
والمقدمة والرابعة : في نبذ مما جاء في معاني وجوه الآيات من التفسير
والمقدمة الخامسة : في نبذ مما جاء في المنع من تفسير القرآن بالرأي والسر فيه .
والمقدمة السادسة : في نبذ مما جاء في جمع القرآن وتحريفه وزيادته ونقصه وتأويل ذلك .
والمقدمة السابعة : في نبذ مما جاء في أن القرآن تبيان كل شيء وتحقيق معناه .
والمقدمة الثامنة : في نبذ مما جاء في أقسام الآيات واشتمالها على البطون والتأويلات وأنواع اللغات واختلاف القراءات والمعتبرة منها .
والمقدمة التاسعة : في نبذ مما جاء في زمان نزول القرآن وتحقيق ذلك .
والمقدمة العاشرة : في نبذ مما جاء في تمثيل القرآن لأهله يوم القيامة وشفاعته لهم وثواب حفظه وتلاوته .
والمقدمة الحادية عشرة : في نبذ مما جاء في كيفية التلاوة وآدابها .
والمقدمة الثانية عشرة : في بيان ما اصطلحنا عليه في تفسير الآيات ليكون الناظر فيه على بصيرة ومن الله الاعانة وإعطاء الفهم والبصيرة .