(8) وإذا حضر القسمة أي قسمة التركة أولوا القربى ممن لا يرث واليتامى والمساكين فارزقوهم منه فاعطوهم شيئا من المقسوم تطييبا لقلوبهم وتصدقا عليهم
وقولوا لهم قولا معروفا تلطفوا لهم في القول واعتذروا إليهم واستقلوا ما تعطونهم ولا تمنوا بذلك عليهم .
والقمي هي منسوخة بقوله يوصيكم الله .
والعياشي عن الباقر والصادق عليه السلام نسختها آية الفرائض .
وفي رواية عن الباقر عليه السلام أنه سئل أمنسوخة هي قال لا إذا حضروك فاعطهم .
أقول : نسخ الوجوب لا ينافي بقاء الجواز والاستحباب وقد مر نظيره في سورة البقرة .
(9) وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم أمر بأن يخشوا الله ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم .
في الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام من ظلم يتيما سلط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه ثم تلا هذه الآية فليتقوا الله في أمر اليتامى وليقولوا لهم قولا سديدا مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب .
(10) إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم ملء بطونهم نَاراً ما يجر إلى النار وسيصلون سعيرا سيدخلون نارا وأي نار وقرئ بضم الياء وصلي النار مقاساة حرها وصليته شويته والإصلاء الإلقاء فيها وسعر النار إلهابها .
في الفقيه عن الصادق عليه السلام إن أكل مال اليتيم سيلحقه وبال ذلك في الدنيا والآخرة .
أما في الدنيا فان الله يقول وليخش الذين الآية ، وأما في الآخرة فان الله يقول إن الذين يأكلون الآية .
والقمي عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أسري
( 426 )
بي إلى السماء رأيت قوما تقذف في أجوافهم النار وتخرج من أدبارهم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل فقال هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام أن آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه حتى يخرج لهب النار من فيه يعرفه أهل الجمع إنه آكل مال اليتيم .
(11) يوصيكم الله يأمركم ويعهد إليكم ويفرض عليكم في أولادكم في شأن ميراثهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا اجتمع الصنفان والعلة فيه ما في الكافي عن الرضا عليه السلام أنهن يرجعن عيالا عليهم .
وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام لما جعل الله لها من الصداق .
وفيهما عنه عليه السلام لأنه ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا معقلة (1) وعد غيرها فإن كن نساء ليس معهن ذكر فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك المتوفى منكم وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه ولأبوي المتوفى لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فَلأُمِّهِ الثلث مما ترك فإن كان له إخوه فَلأُمِّهِ السدس وقرئ فلإمه بكسر الهمزة اتباعا لما قبلها والاخوة تقع على الإثنين فصاعدا والاختان بمنزلة أخ واحد .
ولهذا ورد في الكافي والتهذيب وغيرهما في غير واحدة من الروايات عن الصادق عليه السلام أنه لا يحجب الام عن الثلث الا اخوان أو أخ واختان أو أربع أخوات وورد أن الاخوة من الام فقط لا يحجبون الام عن الثلث وان الاخوة والأخوات لا يرثون مع الأبوين وأن الوجه فيه أن الأب ينفق عليهم فوفر نصيبه من بعد وصية
يوصي بها أو دين يعني أن هذه الأنصباء بعد الامرين إن كانا وقرئ على البناء للمفعول ولفظة أولا توجب الترتيب .
وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام انكم تقرؤون في هذه الآية الوصية قبل الدين وأن رسول الله صلى الله عليه وآله قضى بالدين قبل الوصية قيل قدم الوصية على الدين وهي متأخرة في الحكم لأنها مشبهة بالميراث شاقة على
____________
(1) قد عقل كفرح وتعاقلوا دم فلان عقلوه بينهم ودمه معقلة بضم القاف على قومه غرم عليهم والمعقلة الدية نفسها (ق) .
( 427 )
الورثة آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا يعني لا تعلمون من أنفع لكم من اصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم ممن يورثكم ويرثكم أمن أوصى منهم فعرضكم للثواب بامضاء وصيته أم من لم يوص فوفر عليكم ماله أو من أوصيتم له فوفرتم عليه أم من لم توصوا له فحرمتموه فتحروا فيهم ما وصاكم الله به ولا تعمدوا إلى تبديل الوصية أو تفضيل بعض وحرمان بعض فهو اعتراض مؤكد لأمر القسمة وتنفيذ الوصية فريضة من الله مصدر مؤكد إن الله كان عليما بالمصالح والرتب حكيما فيما قضى وقدر .
(12) ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن أي ولد وارث من بطنها أو من صلب بنيها أو بطن بناتها وان سفل ذكرا كان أو انثى منكم أو من غيركم من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين فرض للرجل بحق الزواج ضعف ماللمرأة كما في النسب والعلة هاهنا هي العلة هناك وتستوي الواحدة والعدد منهن في الربع والثمن وإن كان رجل يورث كلالة (1) لهذا الكلام وجوه من الإعراب لا يتغير بها الحكم والكلالة القرابة ويطلق على الوارث والموروث .
وفسرت في الكافي عن الصادق عليه السلام بمن ليس بولد ولا والد أي القريب من جهة العرض لا الطول والمراد بها هنا الأخوة والأخوات من الأم خاصة وفي الآية الاخرى من الأب والأم أو الاب فقط كذا عن المعصومين عليهم السلام أو امرأة كذلك وله ولكل واحد منهما وقيل أي وللرجل اكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف
____________
(1) قوله تعالى وان كان رجل يورث كلالة في كان وجهان أحدهما هي تامة ورجل فاعلها ويورث صفة له وكلالة حال من الضمير في يورث والكلالة على هذا اسم للميت الذي لم يترك ولدا ولا والدا ولو وقرئ كلالة بالرفع على أنه صفة أو بدل من الضمير في يورث لجاز غير اني لم أعرف أحدا قرأ به فلا يقرأن الا بما نقل ، الوجه الثاني أن يكون هي كان الناقصة ورجل اسمها ويورث خبرها وكلالة حال أيضا وقيل الكلالة اسم للمال الموروث فعلى هذا فينتصب كلالة على المفعول الثاني ليورث كما تقول ورث زيد مالاً وقيل الكلالة اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا والد فعلى هذا لا وجه لهذا الكلام على القراءة المشهورة لأنه لا ناصب له ألا ترى أنك لو قلت زيد يورث أخوه لم يستقم وانما يصح على قراءة من قرأ بكسر الراء مخففة ومثقلة وقد قرئ بهما وقيل يصح هذا المذهب على تقدير حذف مضاف تقديره وان كان رجل يورث ذا كلالة فذا حال أو خبر كان ، ومن كسر الراء جعل كلالة مفعولا به اما الورثة واما المال وعلى كلا الأمرين أحد المفعولين محذوف والتقدير يورث أهله مالا ( سيوطي ) .
( 428 )
على تشاركهما فيه أخ أو أخت أي من الام فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث سوّى بين الذكر والأنثى هاهنا لأن الإنتساب بمحض الانوثة من بعد وصية يوصى بها أو دين وقرئ على البناء للمفعول غير مضار لورثته بالزيادة على الثلث أو ان يقصد الإضرار بها دون القرابة أو يقر بدين لا يلزمه وصية من الله والله عليم بالمضار وغيره حليم لا يعاجل بعقوبته .
(13) تلك اشارة الى ما تقدم من الاحكام في أمر اليتامى والوصايا والمواريث حدود الله شرائعه المحدودة التي لا يجوز تجاوزها ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم .
(14) ومن يعص الله ورسوله ويَتَعَدّ حدوده يدخله نارا وقرئ ندخله بالنون خالدا فيها وله عذاب مهين توحيد الضمير في يدخله (1) وجمع خالدين للفظ والمعنى ، ان قيل ان الله سبحانه وتعالى لم يبين حكم البنتين في الفرائض ولا حكم الفرائض إذا نقصت التركة عن السهام أو زادت عليها ، قلنا لا ضير فقد بين أهل البيت ذلك كله على أحسن وجه واجمعت الطائفة المحقة على ما سمعوه منهم من غير اختلاف فيما بينهم لمطابقته مقتضى العقول السليمة وهذا كما في سائر الآيات القرآنية المجملة فانها انما يؤولها الراسخون في العلم منهم ولا ينفرد أحد الثقلين عن الآخر أما حكم البنتين فقد نبهت عليه هذه الآيات وثبت عنهم بالروايات من غير اختلاف .
قال في الكافي وقد تكلم الناس في أمر البنتين من أين جعل لهما الثلثان والله تعالى انما جعل الثلثين لما فوق اثنتين فقال قوم باجماع وقال قوم قياسا كما ان كانت للواحدة النصف كان ذلك دليلا على أن لما فوق الواحدة الثلثين وقال قوم بالتقليد والرواية ولم يصب واحد منهم الوجه في ذلك فقلنا ان الله جعل حظ الانثيين الثلثين بقوله للذكر مثل حظ الانثيين وذلك أنه إذا ترك الرجل بنتا وإبنا فللذكر مثل حظ الأنثيين وهو الثلثان فحظ الانثيين الثلثان
____________
(1) قوله توحيد الضمير في يدخله ( اه ) فالإفراد باعتبار اللفظ والجمع بملاحظة المعنى وفي جمع أصحاب الجنة وأفراد أصحاب النار اشعار بايتلافهم واستيناس بعضهم في درجات الجنة لا منية خاطرهم وعدم اهتمامهم بأنفسهم بخلاف أصحاب النار فان لكل واحد يومئذ شأنا من العذاب يشغله بنفسه .
( 429 )
واكتفى بهذا البيان أن يكون ذكر الانثيين بالثلثين وهذا بيان قد جهله كلهم والحمد لله كثيرا انتهى كلامه ، وأما إذا نقصت التركة عن السهام فالنقص عندنا انما يقع على البنات والاخوات لأن كل واحد من الابوين والزوجين له سهمان أعلى وأدنى وليس للبنت والبنتين والاختين لولا ما قلنا إلا سهم واحد فإذا دخل النقص عليهما استوى ذوو السهام في ذلك وقد تبين ذلك في اخبارهم والمخالفون يقولون في ذلك بالعول (1) فيوقعون النقص على الجميع بنسبة سهامهم قياسا على تركة لا تفي بالديون واستنادا إلى قضية عمرية واخرى متشابهة علوية وقياسهم مع بطلانه مع الفارق وعمرهم كان عن بدعة لا يفارق مع انكار ابن عباس عليه وان لم يظهر الإنكار إلا بعده معتذرا بأنه كان رجلا مهيبا وتأويل المتشابه عند من أتى به دون الذين في قلوبهم زيغ مع عدم ثبوت الرواية وتواتر خلافها عنه « ع » هذا مع ما في العول من التناقض والمحال كما بينه أئمتنا « ع » وفصّله أصحابنا ولفضل بن شاذان « ره » في هذا الباب كلمات أوردها في التهذيب على وجهها وأما إذا زادت التركة عن السهام فانما يزاد الزايد على من كان يقع عليه النقص إذا نقصت كما بينوه عليهم السلام وأجمعت عليه أصحابنا والمخالفون يقولون بالتعصيب (2) فيعطون الفاضل أولي عصبة الذكر ولا يعطون الأنثى شيئا وان كانت أقرب منه في النسب استنادا إلى قصة زكريا حيث لم يسأل الانثى لعلمه بعدم ارثها مع العصبة كذلك كانوا يؤفكون وليت شعري ما أدراهم أنه لم يسأل الانثى وانما حمله على الطلب كفالة مريم وما رأى من كرامتها ، ثم ما المانع من ارادته الجنس الشامل للذكر والانثى وانما أراد الذكر لأنه أحب إلى طباع البشر وانما طلبه للإرث والقيام بأعباء النبوة معا ولا شك أنه غير متصور في النساء أو كان شرعه في الارث على خلاف
شرعنا واستندوا أيضا إلى رواية ضعيفة روتها رواتها الأعلى بعدما سمعوها منقولة عن الأدنى وردها بعضهم بمحكمات الكتاب وقال آخر والله ما رويت هذا وانما الشيطان
____________
(1) من قولهم عال في الحكم أي مال وجار وفي الحديث الذي أحصى رمل عالج يعلم أن السهام لا تعول وفيه أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب ، العول عبارة عن قصور التركة عن سهام ذوي الفروض ولن يقصر الا بدخول الزوج أو الزوجة وهو في الشرع ضد التعصيب الذي هو توريث العصبة ما فضل عن ذوي السهام ( مجمع ) .
(2) عصبة الرجل بالتحريك جمع عاصب ككفرة جمع كافر وهم بنوه وقرابته لأبيه ، والجمع العصاب قال الجوهري وانما سموا عصبة لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به فالأب طرف والإبن طرف والأخ جانب والعم جانب ومنه التعصيب وهو باطل عندنا ( مجمع ) .
( 430 )
القى على السنتهم على أنهم رووا عن زيد بن ثابت أنه قال من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء .
(15) واللاّتي يأتين الفاحشة من نسائكم أي يفعلنها قيل الفاحشة الزنا سمي بها لزيادة قبحها وشناعتها فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فاطلبوا ممن قذفهن أربعة من رجال المؤمنين تشهد عليهن فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت فاحبسوهن فيها حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا هذه الآية والتي بعدها منسوختان بآية الزانية والزاني .
ففي الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث وسورة النور انزلت بعد سورة النساء وتصديق ذلك أن الله تعالى أنزل عليه في سورة النساء واللاتي يأتين الفاحشة الآية والسبيل الذي قال الله سورة أنزلناها وفرضناها إلى قوله طائفة من المؤمنين .
والعياشي عن الصادق عليه السلام هي منسوخة والسبيل هو الحدود .
وعنه عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية واللاتي يأتين الفاحشة قال هذه منسوخة قيل كيف كانت قال كانت المرأة إذا فجرت فقام عليها أربعة شهود ادخلت بيتا ولم تحدث ولم تكلم ولم تجالس وأوتيت بطعامها وشرابها حتى تموت أو يجعل الله لهن سبيلا قال جعل السبيل الجلد والرجم .
وفي الغوالي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عامه والثيب بالثيب جلد مائة والرجم .
(16) واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما .
القمي كان في الجاهلية إذا زنا الرجل يؤذى والمرأة تحبس في بيت إلى أن تموت ثم نسخ ذلك بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا الآية انتهى وقيل الآية الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين والزانية والزاني في الزناة ولم يثبت عن أهل البيت عليهم السلام .
( 431 )
(17) إنما التوبة على الله أي قبول التوبة الذي أوجبه الله على نفسه بمقتضى وعده من تاب عليه إذا قبل توبته إلا أن على هذه ليست هي على في قولهم تاب عليه وقد مضى تحقيق معنى التوبة عند تفسير قول الله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه للذين يعملون السوء بجهالة متلبسين بها سفها فان ارتكاب الذنب والمعصية سفه وتجاهل .
في المجمع والعياشي عن الصادق عليه السلام كل ذنب عمله العد وان كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه فقد حكى الله سبحانه قول يوسف لاخوته
هل علمتم ما فعلتم بيوسف واخيه إذ انتم جاهلون فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله عز وجل .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قيل له فان عاد وتاب مرارا قال يغفر الله له قيل إلى متى قال حتى يكون الشيطان هو المحسور (1) ثم يتوبون من قريب قيل أي قبل أن يشرب في قلوبهم حبه فيطبع عليها ويتعذر عليهم الرجوع أو قبل حضور الموت لقوله تعالى حتى إذا حضر أحدهم الموت سماه قريبا لأن أمد الحياة قريب كما قال سبحانه قل متاع الدنيا قليل .
أقول : التفسير الثاني بعيد عن ظاهر اللفظ بل ولا دلالة في الآية عليه لجواز السكوت عن القسم الثالث كما يقع كثيرا في نظائره من مجملات القرآن وأما الحصر المدلول عليه بلفظة إنما فلا ينافي في الاخبار الآتية لأن وجوب القبول غير التفضل به .
في الفقيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر خطبة خطبها من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه ثم قال وإن السنة لكثيرة ومن تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه ثم قال وان الشهر لكثير ومن تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه ثم قال وان يوما لكثير ومن تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه ثم قال وان الساعة لكثيرة ، من تاب وقد
____________
(1) حسر بصره يحسر حسورا أي كل وانقطع نظره من طول مدى وما أشبه ذلك فهو حسر ومحسور أيضا ( صحاح ) والمراد بالمحسور في الرواية ذو الكلالة والإعياء والملالة والتعب أي لا نهاية لقبول التوبة إلا أن يكل الشيطان فلايخدعه فلا يعصي الله حتى يحتاج إلى توبة جديدة .
( 432 )
بلغت نفسه هذه واهوى بيده إلى حلقه تاب الله عليه .
وفي الكافي والعياشي ما يقرب منه وذكر الجمعة أيضا وقال في آخره من تاب قبل أن يعاين قَبِل الله تعالى توبته ، وفي رواية العامة من تاب قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه .
وفي رواية أن ابليس لما هبط قال وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله عز وجل سبحانه وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إذا بلغت النفس هاهنا واشار بيده إلى حلقه لم يكن للعالم توبة ثم قرأ هذه الآية .
وفيه والعياشي عن الباقر عليه السلام مثله وكان للجاهل توبة .
أقول : لعل السبب في عدم التوبة من العالم في ذلك الوقت حصول يأسه من الحياة بامارات الموت بخلاف الجاهل فانه لا ييأس إلا عند معاينة الغيب ، قيل ومن لطف الله تعالى بالعباد ان امر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من اصابع الرجلين ثم يصعد شيئا فشيئا الى ان يصل الى الصدر ثم ينتهي الى الحلق ليتمكن في هذه المهلة من الاقبال بالقلب على الله تعالى والوصية والتوبة ما لم يعاين والاستحلال وذكر الله فيخرج روحه وذكر الله على لسانه فيرجى بذلك حسن خاتمته رزقنا الله ذلك بمنه فأولئك يتوب الله عليهم وعد بالوفاء بما وعد به وكتب على نفسه من قبول التوبة وكان الله عليما يعلم اخلاصهم في التوبة حكيما لا يعاقب التائب .
(18) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الآن .
في الفقيه عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الآية فقال ذلك إذا عاين امر الآخرة ولا الذين يموتون وهم كفار سوّى بين من سوّف التوبة إلى حضور الموت من الفسقة والكفار وبين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الإعتداد بها في
( 433 )
تلك الحالة وكأنه قال توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء وقيل المراد بالذين يعملون السوء عصاة المؤمنين وبالذين يعملون السيئات المنافقون لتضاعف كفرهم وسوء اعمالهم وبالذين يموتون الكفار أولئك اعتدنا هيأنا لهم عذابا أليما تأكيد لعدم قبول توبتهم لتهيئة عذابهم وانه يعذبهم متى شاء .
(19) يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها وقرئ بالضم .
القمي عن الباقر عليه السلام كان في الجاهلية في اول ما اسلموا في قبائل العرب إذا مات حميم الرجل وله امرأة ألقى الرجل ثوبه عليها فورث نكاحها بصداق حميمه الذي كان اصدقها يرث نكاحها كما يرث ماله فلما مات أبو قيس بن الأشلت القى محصن بن ابي قيس ثوبه على امرأة ابيه وهي كبيشة ابنة معمر بن معبد فورث نكاحها ثم تركها لا يدخل بها ولا ينفق عليها فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله مات أبو قيس بن الأشلت فورث ابنه محصن نكاحي فلا يدخل عليّ ولا ينفق عليّ ولا يخلّي سبيلي فألحق بأهلي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارجعي إلى بيتك فان يحدث الله في شأنك شيئا اعلمتكه فنزل ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا فلحقت بأهلها وكان نسوة في المدينة قد ورث نكاحهن كما ورث نكاح كبيشة غير انه ورثهن غير الابناء فأنزل يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها .
والعياشي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال الرجل يكون في حجره اليتيمة فيمنعها من التزويج يضرّ بها تكون قريبة له .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام انها نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له وينتظر موتها حتى يرثها ولا تعضلوهن ولا تحبسوهن ضرارا بهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن .
العياشي عن الصادق عليه السلام قال الرجل تكون له المرأة فيضرّ بها حتى تفتدي منه فنهى الله عن ذلك .
وفي المجمع عنه عليه السلام ان المراد بها الزوج امره الله سبحانه بتخلية سبيلها
( 434 )
إذا لم يكن له فيها حاجة وان لا يمسكها اضرارا بها حتى تفتدي ببعض مالها إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ظاهرة كالنشوز وسوء العشرة وعدم التعفف .
وفي المجمع عن الباقر عليه السلام كل معصية .
وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إذا قالت له لا اغتسل لك من جنابة ولا ابر (1) لك قسما ولا وطين فراشك من تكرهه حل له ان يخلعها وحل له ما اخذ منها وعاشروهن بالمعروف بالإنصاف في الفعل والإجمال في القول فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا يعني فاصبروا عليهن ولا تفارقوهن لكراهة الأنفس فربما كرهت النفس ما هو اصلح في الدين واحمد واحبت ما هو بخلافه .
(20) وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج تطليق امرأة وتزويج اخرى وآتيتم إحداهن قنطارا مالا كثيرا فلا تأخذوا منه من القنطار شيئا .
في المجمع عنهما عليهما السلام القنطار ملء مسك ثور ذهبا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا انكار وتوبيخ قيل كان الرجل إذا اراد جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما اعطاها ليصرفه إلى تزوج الجديدة فنهوا عن ذلك .
(21) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض .
القمي الإفضاء المباشرة وأخذن منكم ميثاقا غليظا عهدا وثيقا .
في المجمع عن الباقر عليه السلام هو العهد المأخوذ على الزوج حالة العقد من امساك بمعروف أو تسريح باحسان .
وفي الكافي والعياشي عنه عليه السلام الميثاق هي الكلمة التي عقد بها النكاح والغليظ هو ماء الرجل يفضيه (2) إليها .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله .
____________
(1) برأ الله قسمه وابره أي صدقه ومنه لو أقسم على الله لأبر قسمه أي لو حلف على وقوع شيء لأبره أي صدقه وصدق يمينه (م) .
(2) أفضى الرجل المرأة جعل مسلكها واحدا فهي مفضاة وإليها جامعها أو خلا بها جامعها أم لا (ق) .