|
|
ـ 1 ـ
التفسيرالمنسوب إلىالامام ابي محمد الحسن بن علي العسكري عليهم السلام
تحقيق ونشر
مدرسة الامام المهدي
قم المقدسة
الكتاب : التفسير المنسوب إلى
الامام أبى محمد الحسن بن على العسكرى عليه السلام
التحقيق والنشر في مدرسة الامام المهدى عجل الله فرجه الشريف - قم المقدسة
برعاية : الحاج السيد محمد باقر نجل المرتضى الموحد الابطحي دامت بركاته
الطبعة الاولى المحققة .
تاريخ الطبع : شهر ربيع الاول - سنة 1409 ه .
المطبعة : مهر - قم المقدسة .
حقوق الطبع محفوظة لمؤسسة الامام المهدى عجل الله فرجه الشريف - قم المقدسة .
............................................................................
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 261 سطر 1 الى ص 270 سطر 22
( رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ) يخرجون عن أمر الله وطاعته .
قال : والرجز الذي أصابهم أنه مات منهم بالطاعون في بعض يوم مائة وعشرون
ألفا ، وهم من علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون ولا يتوبون ، ولم ينزل هذا الرجز
على من علم أنه يتوب ، أو يخرج من صلبه ذرية طيبة توحد الله ، وتؤمن بمحمد
وتعرف موالاة علي ( 1 ) وصيه وأخيه . ( 2 )
129 - ثم قال الله عزوجل : ( وإذ استسقى موسى لقومه ) قال :
واذكروا يا بني إسرائيل إذ استسقى موسى لقومه ، طلب لهم السقيا ، لما لحقهم
العطش في التيه ، وضجوا بالبكاء إلى موسى ، وقالوا : أهلكنا العطش .
فقال موسى : اللهم بحق محمد سيد الانبياء ، وبحق علي سيد الاوصياء
وبحق فاطمة سيدة النساء ، وبحق الحسن سيد الاولياء ، وبحق الحسين سيد الشهداء
وبحق عترتهم وخلفائهم سادة الازكياء لما سقيت عبادك هؤلاء .
فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى " اضرب بعصاك الحجر " .
فضربه بها ( فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس - كل قبيلة من بني
أب من أولاد يعقوب - مشربهم ) فلا يزاحم الآخرين في مشربهم .
قال الله عزوجل : ( كلوا واشربوا من رزق الله ) الذي آتاكموه
( ولا تعثوا في الارض مفسدين ) ولا تسعوا ( 3 ) فيها وأنتم مفسدون عاصون .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من ـ أ ـ قام على موالاتنا أهل البيت سقاه الله تعالى من محبته
كأسا لا يبغون به بدلا ، ولا يريدون سواه كافيا ولا كاليا ( 4 ) ولا ناصرا .
* ( هامش ) * 1 ) " وتعرق الولاية لعلى " أ .
2 ) عنه تأويل الايات : 1 / 63 ح 40 ، والبحار : 13 / 183 ضمن ح 19 ، والبرهان : 1 / 103 ضمن ح 1
3 ) " تعثوا " أ ، س ، قال الراغب في المفردات : 324 : العيث والعثى يتقاربان نحو جذب
وجيذ ، الا أن العيث أكثر ما يقال في الفساد الذى يدرك حسا ، والعثى فيما يدرك حكما .
4 ) أى حافظا . ( * )
ـ262ـ
ومن وطن نفسه على احتمال المكاره في موالاتنا جعله الله يوم القيامة في عرصاتها
بحيث يقصر كل من تضمنته تلك العرصات أبصارهم عما يشاهدون من درجاتهم ( 1 )
وإن كل واحد منهم ليحيط بماله من درجاته ، كاحاطته في الدنيا ( لما يلقاه ) ( 2 )
بين يديه ، ثم يقال له : وطنت نفسك على احتمال المكاره في موالاة محمد وآله
الطيبين فقد جعل الله إليك ومكنك من تخليص كل من تحب تخليصه من أهل
الشدائد في هذه العرصات .
فيمد بصره ، فيحيط بهم ، ثم ينتقد من أحسن إليه أوبره في الدنيا بقول أو
فعل أورد غيبة أو حسن محضر ( 3 ) أو إرفاق ، فينتقده ( 4 ) من بينهم كما ينتقد الدرهم
الصحيح من المكسور .
ثم يقال له : اجعل هؤلاء في الجنة حيث شئت . فينزلهم جنان ربنا .
ثم يقال له : وقد جعلنا لك ، ومكناك من إلقاء من تريد في نار جهنم .
فيراهم فيحيط بهم ، وينتقدهم من بينهم كما ينتقد الدينار من القراضة .
ثم يقال له : صيرهم من النيران إلى حيث شئت . فيصيرهم حيث يشاء من
مضائق النار .
فقال الله تعالى لبني إسرائيل الموجودين في عصر محمد صلى الله عليه وآله : فاذا كان أسلافكم
إنما دعوا إلى موالاة محمد وآله فأنتم ـ الآن ـ لما شاهدتموهم فقد وصلتم إلى الغرض
والمطلب الافضل إلى موالاة محمد وآله ، فتقربوا إلى الله عزوجل بالتقرب إلينا
* ( هامش ) * 1 ) " درجاته " ب ، ط .
2 ) " بما يلقاه من " أ . " بما يتلقاه " التأويل ، والبرهان . " بثقله " ب ، س ، ط .
3 ) " أحسن محضرا " أ .
4 ) نقدت الدراهم وانتقدتها : اذا أخرجت منها الزيف . ( لسان العرب : 3 / 425 ) . ( * )
ـ263ـ
ولا تتقربوا من سخطه ، ولا تتباعدوا ( 1 ) من رحمته بالازورار ( 2 ) عنا . ( 3 )
130 - ثم قال الله عزوجل : ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد )
واذكروا إذ قال أسلافكم : لن نصبر على طعام واحد : المن والسلوى ، ولابد لنا
من خلط معه .
( فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها
وبصلها . قال موسى - أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) يريد : أتستدعون
الادنى ليكون لكم بدلا من الافضل ؟
ثم قال : ( اهبطوا مصرا ) ـ من الامصار ـ من هذا التيه " فان لكم ماسألتم " في المصر .
ثم قال الله عزوجل : ( وضربت عليهم الذلة ) الجزية اخزوا بها عند ربهم
وعند مؤمني عباده ، " والمسكنة " هي الفقر والذلة " وباءوا بغضب من الله " احتملوا
الغضب واللعنة من الله " ذلك بأنهم كانوا " بذلك الذي لحقهم من الذلة والمسكنة
واحتملوه من غضب الله ، ذلك بأنهم كانوا " يكفرون بآيات الله " قبل أن تضرب عليهم
هذه الذلة والمسكنة ( ويقتلون النبيين بغير الحق ) وكانوا يقتلونهم بغير حق
بلا جرم كان منهم إليهم ولا إلى غيرهم " ذلك بما عصوا " ذلك الخذلان الذي استولى
عليهم حتى فعلوا الآثام التي من أجلها ضربت عليهم الذلة والمسكنة ، وباؤا بغضب
من الله ـ بما عصوا ـ ( 4 ) " وكانوا يعتدون " ( أي ) يتجاوزون أمر الله إلى أمر إبليس . ( 5 )
131 - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ألا فلا تفعلوا كما فعلت بنو إسرائيل ، ولا تسخطوا
* ( هامش ) * ( 1 ) " فتتباعدوا " ب ، ص ، ط . 2 ) أى بالاعراض والانحراف .
3 ) عنه تأويل الايات : 1 / 64 ح 42 ، والبحار : 94 / 8 ح 10 ، والبرهان : 1 / 103
ضمن ح 1 ، ومستدرك الوسائل : 1 / 372 ح 12 ( قطعة ) واثبات الهداة : 1 / 392 ح 126
وج 3 / 67 ح 749 ( قطعة ) . 4 ) من البحار .
5 ) عنه البحار : 13 / 184 ضمن ح 19 ، والبرهان : 1 / 103 ضمن ح 1 . ( * )
ـ264ـ
نعم الله ، ولا تقترحوا على الله تعالى ، وإذا ابتلي أحدكم في رزقه أو معيشته بما
لا يحب ، فلا يحدس ( 1 ) شيئا يسأله لعل في ذلك حتفه وهلاكه ، ولكن ليقل .
" اللهم بجاه محمد وآله الطيبين إن كان ما كرهته من أمري هذا خيرا لي ، وأفضل
في دينى ، فصبرني عليه ، وقوني على احتماله ، ونشطني للنهوض بثقل أعبائه
وإن كان خلاف ذلك خيرا ـ لي ـ ( 2 ) فجد علي بن ، ورضني بقضائك على كل حال
فلك الحمد " .
فانك إذا قلت ذلك قدر الله ـ لك ـ ويسر لك ماهو خير . ( 3 )
132 - ثم قال صلى الله عليه وآله : يا عباد الله فاحذروا الانهماك في المعاصي والتهاون بها
فان المعاصي يستولي بها الخذلان على صاحبها حتى يوقعه فيما هو أعظم منها ، فلا
يزال يعصي ويتهاون ويخذل ويوقع فيما هو أعظم مما جنى حتى يوقعه في رد ولاية
وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ودفع نبوة نبي الله ، ولا يزال أيضا بذلك ( 4 ) حتى يوقعه في دفع
توحيد الله ، والالحاد في دين الله . ( 5 )
133 - ثم قال الله تعالى : " إن الذين آمنوا " بالله وبما فرض عليهم الايمان به من
الولاية لعلي ( 6 ) بن أبي طالب والطيبين من آله .
" والذين هادوا " يعني اليهود " والنصارى " الذين زعموا أنهم في دين الله متناصرون
* ( هامش ) * ( 1 ) " يجرين " ب ، ط . " يجذين " خ ل . " ينجذن " البحار . يحدثن " تنبيه الخواطر . " يجزين "
س ، ص ، البرهان . حدس في الامر : ظن ، توهم . ونجذه : جربه .
2 ) من تنبيه الخواهر ، وفى " أ " على .
3 ) عنه تنبيه الخواطر : 2 / 102 ، والبحار : 71 / 149 ح 46 ، والبرهان : 1 / 104 ضمن ح 1 .
4 ) " كذلك " أ .
5 ) عنه تنبيه الخواطر : 2 / 102 ( قطعة ) ، ومستدرك الوسائل : 2 / 313 ح 6 .
6 ) " نبوة نبى الله وولاية على " البحار . ( * )
ـ265ـ
" والصابئين " الذين زعموا أنهم صبوا ( 1 ) إلى دين ( الله ، وهم بقولهم ) ( 2 ) كاذبون .
( من آمن بالله ) من هؤلاء الكفار ، ونزع عن كفره ، ومن آمن من هؤلاء المؤمنين
في مستقبل أعمارهم ، وأخلص وفي بالعهد والميثاق المأخوذين عليه لمحمد
وعلي وخلفائهما الطاهرين ( وعمل صالحا ) ـ ومن عمل صالحا ـ من هؤلاء المؤمنين .
( فلهم أجرهم ) ثوابهم ( عند ربهم ) في الآخرة ( ولا خوف عليهم ) هناك حين
يخاف الفاسقون ( ولا هم يحزنون ) إذا حزن المخالفون ، لانهم لا يعملوا من مخالفة
الله ( 3 ) ما يخاف من فعله ، ولا يحزن له .
ونظر أمير المؤمنين ـ علي ـ عليه السلام إلى رجل ـ فرأى ـ أثر الخوف عليه ، فقال :
ما بالك ؟ قال : إني أخاف الله .
قال : يا عبدالله خف ذنوبك ، وخف عدل الله عليك في مظالم عباده ، وأطعه
فيما كلفك ، ولا تعصه فيما يصلحك ، ثم لا تخف الله بعد ذلك ، فانه لا يظلم أحدا
ولا يعذبه فوق استحقاقه أبدا ، إلا أن تخاف سوء العاقبة بأن تغير أو تبدل .
فان أردت أن يؤمنك الله سوء العاقبة ، فاعلم أن ما تأتيه من خير فبفضل الله وتوفيقه
وما تأتيه من شر ( 4 ) فبامهال الله ، وإنظاره إياك ، وحلمه عند . ( 5 )
قوله عزوجل : " واذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم
بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون . ثم توليتم من بعد ذلك فلو لا فضل
الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين . ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم
* ( هامش ) * ( 1 ) صبا إلى الشئ يصبو : اذا مال ، وقيل : هو مهموز من صبأ اذا خرج من دين إلى دين .
( النهاية : 3 / 10 )
2 ) " محمد وهم بقوله " أ . 3 ) " رسول الله صلى الله عليه وآله " أ .
4 ) " سوء نهاك الله تعالى عنه " أ . " سوء " البحار ، البرهان .
5 ) عنه البحار : 70 / 391 ح 60 ، والبرهان : 1 / 104 ضمن ح 1 . ( * )
ـ266ـ
في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين . فجعلناها نكالا لما بين يديها وما
خلفها وموعظة للمتقين " : 63 - 66 .
134 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل لهم : و ـ اذكروا ـ إذ ( أخذنا ميثاقكم )
وعهودكم أن تعملوا بما في التوراة ، وما في الفرقان الذي أعطيته موسى مع الكتاب
المخصوص بذكر محمد وعلي والطيبين من آلهما ، بأنهم سادة الخلق ، والقوامون بالحق
واذ أخذنا ميثاقكم أن تقروا به ، وأن تؤدوه إلى أخلافكم ، وتأمروهم أن
يؤدوه إلى أخلافهم إلى آخر مقدراتي في الدنيا ، ليؤمنن بمحمد نبي الله ، ويسلمن
له ما يأمرهم ـ به ـ في علي ولي الله عن الله ، وما يخبرهم به ـ عنه ـ من أحوال خلفائه
بعده القوامين بحق الله ، فأبيتم قبول ذلك واستكبرتموه .
( ورفعنا فوقكم الطور ) الجبل ، أمرنا جبرئيل أن يقطع من " جبل فلسطين " قطعة
على قدر معسكر أسلافكم فرسخا في فرسخ ، فقطعها ، وجاء بها ، فرفعها فوق رؤوسهم .
فقال موسى عليه السلام لهم : إما أن تأخذوا بما امرتم به فيه ، وإما أن القي عليكم هذا الجبل .
فالجئوا إلى قبوله كارهين إلا من عصمه الله من العناد ، فانه قبله طائعا مختارا .
ثم لما قبلوه ، سجدوا وعفروا ، وكثير منهم عفر خديه لا لارادة الخضوع
لله ، ولكن نظر إلى الجبل هل يقع أم لا ، وآخرون سجدوا طائعين مختارين .
ـ ثم قال عليه السلام ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :
احمدوا الله معاشر شيعتنا على توفيقه إياكم ، فانكم تعفرون في سجودكم لا كما
عفره كفرة بني إسرائيل ، ولكن كما عفره خيارهم .
قال الله عزوجل : ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) من هذه الاوامر والنواهي من هذا
الامر الجليل من ذكر محمد وعلي وآلهما الطيبين .
( واذكروا مافيه ) فيما آتيناكم ، اذكروا جزيل ثوابنا على قيامكم به ، وشديد
عقابنا على إبائكم له .
ـ267ـ
( لعلكم تتقون ) لتتقوا المخالفة الموجبة للعقاب ، فتستحقوا بذلك ( 1 )
جزيل الثواب . ( 2 )
135 - قال الله عزوجل ـ لهم ـ : ( ثم توليتم ) يعني تولى أسلافكم ( من بعد ذلك )
عن القيام به ، والوفاء بما عوهدوا عليه .
( فلو لا فضل الله عليكم ورحمته ) يعني على أسلافكم ، لولا فضل الله عليكم
بامهاله إياهم للتوبة ، وإنظارهم لمحو الخطيئة بالانابة ( لكنتم من الخاسرين )
المغبونين ، قد خسرتم الآخرة والدنيا ، لان الآخرة ـ قد ـ فسدت عليكم بكفركم ، والدنيا
كان لا يحصل لكم نعيمها لاخترامنا ( 3 ) لكم ، وتبقى عليكم حسرات نفوسكم وأمانيكم
التي قد اقتطعتم دونها .
ولكنا أمهلناكم للتوبة ، وأنظرناكم للانابة ، أي فعلنا ذلك بأسلافكم فتاب من تاب
منهم ، فسعد ، وخرج من صلبه من قدر أن يخرج منه الذرية الطيبة التي تطيب في
الدنيا ـ بالله تعالى ـ معيشتها ، وتشرف في الآخرة - بطاعة الله - مرتبتها .
وقال الحسين بن على ( 4 ) عليهما السلام : أما إنهم لو كانوا دعوا الله بمحمد وآله الطيبين
بصدق من نياتهم ، وصحة اعتقادهم من قلوبهم أن يعصمهم حتى لا يعاندوه بعد مشاهدة
تلك المعجزات الباهرات ، لفعل ذلك بجوده وكرمه .
ولكنهم قصروا ، وآثروا الهوى بنا ( 5 ) ومضوا مع الهوى في طلب لذاتهم . ( 6 )
* ( هامش ) * 1 ) " لذلك " أ .
2 ) عنه تأويل الايات : 1 / 65 ح 43 ، والبحار : 13 / 237 ح 47 . ( قطعة ) ، وج 26 / 288
ضمن ح 48 ، والبرهان : 1 / 106 صدر ح 9 .
3 ) " لاخترامها " أ . اخترمهم الدهر وتخرمهم : استأصلهم . ( لسان العرب : مادة خرم )
4 ) " الحسن بن على " ب ، ط . " على بن الحسين بن على " أ ، س ، ص .
5 ) " فآثروا اللهو بنا " أ . " فآثروا الهوينا " ص ، والبحار .
6 ) عنه البحار : 26 / 289 ضمن ح 48 ، والبرهان : 1 / 106 ضمن ح 9 . ( * )
ـ268ـ
136 - ثم قال الله عزوجل : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ) لما
اصطادوا السموك ( 1 ) فيه ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) مبعدين عن كل خير
( فجعلناها ) ـ أي ـ جعلنا تلك المسخة التي أخزيناهم ولعناهم بها ( نكالا ) عقابا
وردعا ( لما بين يديها ) بين يدي المسخة من ذنوبهم الموبقات التي استحقوا بها
العقوبات ( رما خلفها ) للقوم الذين شاهدوهم بعد مسخهم يرتدعون عن مثل أفعالهم
لما شاهدوا ماحل بهم من عقابنا ( وموعظة للمتقين ) يتعظون بها ، فيفارقون
المخزيات ( 2 ) ويعظون ـ بها ـ الناس ، ويحذرونهم المرديات .
ـ قصة أصحاب السبت : ـ
وقال على بن الحسين عليهما السلام : كان هؤلاء قوما يسكنون على شاطئ بحر ، نهاهم
الله وأنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت .
فتوصلوا إلى حيلة ليحلوا بها لانفسهم ما حرم الله ، فخذوا أخاديد ، وعملوا طرقا
تؤدي إلى حياض ، يتهيأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق ، ولا يتهيأ لها الخروج
إذا همت بالرجوع ـ منها إلى اللجج ـ .
فجاءت الحيتان يوم السبت جارية على أمان الله ـ لها ـ ( 3 ) فدخلت الاخاديد
وحصلت ( 4 ) في الحياض والغدران .
فلما كانت عشية اليوم همت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن صائدها ، فرامت
الرجوع فلم تقدر ، وابقيت ليلتها في مكان يتهيأ أخذها ـ يوم الاحد ـ بلا اصطياد
لاسترسالها ( 5 ) فيه ، وعجزها عن الامتناع لمنع المكان لها .
* ( هامش ) * ( 1 ) سماك وسموك جمع سمك ، واحدتها سمكة .
2 ) " المحرمات " ب ، ص ، والبرهان . 3 ) من البحار والبرهان .
4 ) تحصل الشئ : اجتمع وثبت . 5 ) أى استئناسها واطمئنانها . ( * )
ـ269ـ
فكانوا يأخذونها يوم الاحد ، ويقولون : ما اصطدنا يوم السبت ، إنما اصطدنا في
الاحد ، وكذب أعداء الله بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم التي عملوها يوم السبت
حتى كثر من ذلك مالهم وثراؤهم ، وتنعموا بالنساء وغيرهن لاتساع ( 1 ) أيديهم به .
وكانوا في المدينة نيفا وثمانين ألفا ، فعل هذا منهم سبعون ألفا ، وأنكر عليهم
الباقون ، كما قص الله تعالى ( وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) ( 2 ) الآية .
وذلك أن طائفة منهم وعظوهم وزجروهم ، ومن عذاب الله خوفوهم ، ومن انتقامه
وشديد ( 3 ) بأسه حذروهم ، فأجابوهم عن وعظهم ( لم تعظون قوما الله مهلكهم )
بذنوبهم هلاك الاصطلام ( أو معذبهم عذابا شديدا ) .
فأجابوا القائلين لهم هذا : ( معذرة إلى ربكم ) ـ هذا القول منا لهم معذرة
إلى ربكم ـ إذ كلفنا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فنحن ننهى عن المنكر ليعلم
ربنا مخالفتنا لهم ، وكراهتنا لفعلهم .
قالوا : ( ولعلهم يتقون ) ونعظهم أيضا لعلهم تنجع ( 4 ) فيهم المواعظ ، فيتقوا
هذه الموبقة ، ويحذروا عقوبتها .
قال الله عزوجل : ( فلما عتوا ) حادوا وأعرضوا وتكبروا عن قبولهم الزجر
( عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) ( 5 ) مبعدين عن الخير ، مقصين ( 6 ) .
قال فلما نظر العشرة الآلاف والنيف أن السبعين ألفا لا يقبلون مواعظهم ، ولا
يحفلون ( 7 ) بتخويفهم إياهم وتحذيرهم لهم ، اعتزلوهم إلى قرية اخرى قريبة من قريتهم
* ( هامش ) * ( 1 ) اتسع الرجل : صار ذا سعة وغنى . 2 ) الاعراف : 163 .
3 ) " شدائد " الاصل . والشدائد : - جمع شدة - : ما يحل بالانسان من مكاره الدهر .
4 ) نجع فيه الخطاب والوعظ : عمل فيه وأثر . 5 ) الاعراف : 164 - 166 .
6 ) " مغضبين " أ . " مقصرين " البرهان : 1 . أقصى فلانا عن الشئ : أبعده .
7 ) أى لا يبالون . " يخافون " أ ، والبرهان : 2 . ( * )
ـ270ـ
وقالوا : نكره أن ينزل بهم عذاب الله ونحن في خلالهم .
فأمسوا ليلة ، فمسخهم الله تعالى كلهم قردة ـ خاسئين ـ ، وبقي باب المدينة مغلقا
لا يخرج منه أحد ـ ولا يدخله أحد ـ .
وتسامع بذلك أهل القرى فقصدوهم ، وتسنموا ( 1 ) حيطان البلد ، فاطلعوا عليهم
فاذا هم كلهم رجالهم ونساؤهم قردة يموج بعضهم في بعض يعرف هؤلاء الناظرون
معارفهم وقراباتهم وخلطاءهم ، يقول المطلع لبعضهم : أنت فلان ؟ أنت فلانة ؟
فتدمع عينه ، ويؤمي برأسه ( بلا ، أو نعم ) .
فما زالوا كذلك ثلاثة أيام ، ثم بعث الله عزوجل ـ عليهم ـ مطرا وريحا فجرفهم ( 2 )
إلى البحر ، وما بقي مسخ بعد ثلاثة أيام ، وإنما الذين ترون من هذه المصورات
بصورها فانما هي أشباهها ، لا هي بأعيانها ولا من نسلها . ( 3 )
137 - ثم قال على بن الحسين عليهما السلام : إن الله تعالى مسخ هؤلاء لاصطياد السمك
فكيف ترى عند الله عزوجل ـ يكون ـ حال من قتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وهتك حريمه ؟ !
إن الله تعالى وإن لم يمسخهم في الدنيا ، فان المعد لهم من عذاب ـ الله في ـ الآخرة
ـ أضعاف ـ أضعاف عذاب المسخ .
فقيل له : يا بن رسول الله فانا قد سمعنا منك هذا الحديث فقال لنا بعض النصاب :
فان كان قتل الحسين عليه السلام باطلا ، فهو أعظم من صيد السمك في السبت ، أفما كان يغضب
الله على قاتليه كما غضب على صيادي السمك ؟
قال على بن الحسين عليهما السلام : قل لهؤلاء النصاب : فان كان إبليس معاصيه أعظم من
* ( هامش ) * ( 1 ) كل شئ علا شيئا فقد تسنمه . وفى " أ " تسموا .
2 ) جرف - بالفتح - الشئ : ذهب به كله أو معظمه . وفى " س " فجرتهم .
3 ) عنه البحار : 14 / 56 ح 13 ، والبرهان : 1 / 106 ضمن ح 9 ، وج 2 / 42 ح 3 . ( * )
ـ271ـ
معاصي من كفر باغوائه ، فأهلك الله تعالى من شاء منهم كقوم نوح وفرعون ، ولم ( 1 )
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 271 سطر 1 الى ص 280 سطر 23
معاصي من كفر باغوائه ، فأهلك الله تعالى من شاء منهم كقوم نوح وفرعون ، ولم ( 1 )
يهلك إبليس وهو أولى بالهلاك ، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن إبليس في
عمل الموبقات ، وأمهل إبليس مع إيثاره لكشف المخزيات ؟ ( 2 )
ألا ( 3 ) كان ربنا عزوجل حكيما بتدبيره وحكمه فيمن أهلك ، وفيمن استبقى .
فكذلك هولاء الصائدون ـ للسمك ـ في السبت ، وهؤلاء القاتلون للحسين عليه السلام
يفعل في الفريقين ما يعلم أنه أولى بالصواب والحكمة ، لا يسأل عما يفعل
وهم ( 4 ) يسألون . ( 5 )
138 - ثم قال على بن الحسين عليهما السلام : أما إن هؤلاء الذين اعتدوا في السبت لو
كانوا حين هموا بقبيح أفعالهم سألوا ربهم بجاه محمد وآله الطيبين أن يعصمهم
من ذلك لعصمهم ، وكذلك الناهون لهم لو سألوا الله عزوجل أن يعصمهم بجاه محمد
وآله الطيبين لعصمهم ، ولكن الله تعالى لم يلهمهم ذلك ، ولم يوفقهم له فجرت
معلومات الله تعالى فيهم على ماكان سطره في اللوح المحفوظ . ( 6 )
139 - وقال الباقر عليه السلام : فلما حدث علي بن الحسين عليهما السلام بهذا الحديث ، قال
له بعض من في مجلسه :
يا ابن رسول الله كيف يعاقب ( 7 ) الله ويوبخ هؤلاء الاخلاف على قبائح أتى بها ( 8 )
* ( هامش ) * ( 1 ) " فلم لم " أ ، ب ، ط . 2 ) " المحرمات " خ ل .
3 ) ألا : حرف يستفتح به الكلام ، ويدل على تحقق ما بعده . " أما كان " الاحتجاج . " والا فان "
ب ، س ، ط . " أولا فأن " أ .
4 ) " عباده " ب ، س ، ص ، ط ، الاحتجاج ، والبحار . وهو اقتباس من سورة الانبياء : 23 .
5 ) عنه البحار : 14 / 58 ضمن ح 13 قطعة ، والبرهان : 1 / 107 ضمن ح 9 ، وعنه البحار :
45 / 295 ح ، وعوالم الامام الحسين : 611 ح 4 وعن الاحتجاج : 2 / 40 .
6 ) عنه البحار : 14 / 59 ذ ح 13 ، والبرهان : 1 / 107 ضمن ح 9 .
7 ) " يجانب " أ ، " يعاتب " ص ، الاحتجاج ، البحار ، والعوالم .
8 ) " ما أتاه " أ ، ب ، س ، ط . ( * )
ـ272ـ
أسلافهم ؟ وهو يقول عزوجل : ( ولا تزر وازرة وزر اخرى ) ( 1 )
فقال زين العابدين عليه السلام : إن القرآن ـ نزل ـ ( 2 ) بلغة العرب ، فهو يخاطب فيه أهل
ـ هذا ـ اللسان بلغتهم ، يقول الرجل التميمي ( 3 ) - قد أغار قومه على بلد وقتلوا من فيه - :
أغرتم على بلد كذا ـ وكذا ـ وقتلتم ( 4 ) كذا ، ويقول العربي أيضا : نحن فعلنا ببني فلان ،
ونحن سبينا آل فلان ونحن خربنا بلد كذا ، لا يريد أنهم باشروا ذلك ، ولكن يريد
هؤلاء بالعذل ( 5 ) وأولئك بالافتخار ( 6 ) أن قومهم فعلوا كذا .
وقول الله تعالى في هذه الآيات إنما هو توبيخ لاسلافهم ، وتوبيخ العذل على هؤلاء
الموجودين ، لان ذلك هو اللغة التي بها أنزل القرآن ، فلان هؤلاء الاخلاف أيضا
راضون بما فعل أسلافهم ، مصوبون ذلك لهم ، فجاز أن يقال ـ لهم ـ ( 7 ) : أنتم فعلتم ، أي
إذ رضيتم بقبيح فعلهم . ( 8 )
قوله عزوجل : " واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا
أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . قالوا ادع لنا ربك
يبين لنا ما هى قال انه يقول انها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك
فافعلوا ما تؤمرون . قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال انه يقول
انها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين . قال ادع لنا ربك يبين لنا ما
* ( هامش ) * ( 1 ) الانعام : 164 .
2 ) من الاحتجاج . 3 ) " يقال للرجل التيمى " أ .
4 ) " فعلتم " أ ، ص ، الاحتجاج ، البحار ، والعوالم والبرهان . 5 ) أى اللوم .
6 ) " بالامتحان " الاصل . وما في المتن من الاحتجاج والبحار والعوالم والبرهان .
7 ) من البحار والعوالم .
8 ) عنه البرهان : 1 / 107 ضمن ح 9 ، وعنه البحار : 45 / 296 ضمن ح 2 ، وعوالم الامام
الحسين : 612 ضمن ح 4 وعن الاحتجاج : 2 / 41 . ( * )
ـ273ـ
هى ان البقر تشابه علينا وانا ان شاء الله لمهتدون . قال انه يقول انها بقرة لا ذلول
تثير الارض ولا تسقى الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الان جئت بالحق فذبحوها
وما كادوا يفعلون . واذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون
فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون "
67 - 73
ـ قصة ذبح بقرة بنى اسرائيل وسببها : ـ
140 - قال الامام : قال الله عزوجل ليهود المدينة : واذكروا ( إذ قال موسى
لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) تضربون ببعضها هذا المقتول بين أظهركم
ليقوم حيا سويا باذن الله عزوجل ، ويخبركم بقاتله .
وذلك حين القي القتيل بين أظهرهم ، فألزم موسى عليه السلام أهل القبيلة بأمر الله تعالى
أن يحلف خمسون من أماثلهم بالله القوي الشديد إليه ـ موسى و ـ بنى إسرائيل ، مفضل
محمد وآله الطيبين على البرايا أجمعين ـ إنا ـ ما قتلناه ، ولا علمنا له قاتلا ، فان حلفوا
بذلك غرموا دية المقتول ، وإن نكلوا نصوا على القاتل أو أقر القاتل فيقاد ( 1 ) منه
فان لم يفعلوا حبسوا في محبس ضنك إلى أن يحلفوا أو يقروا أو يشهدوا على القاتل .
فقالوا : يا نبي الله أما وقت ( 2 ) أيماننا أموالنا و ـ لا ـ أموالنا أيماننا ؟
قال : لا ، هكذا حكم الله .
وكان السبب : أن إمرأة حسناء ذات جمال وخلق كامل ، وفضل بارع ، ونسب شريف
وستر ثخين كثر خطابها ( 3 ) ، وكان لها بنو أعمام ثلاثة ، فرضيت بأفضلهم علما وأثخنهم
* ( هامش ) * ( 1 ) القود : القصاص وقتل القاتل بدل القتيل .
2 ) " وفت " أ . يقال : هذا الشئ لا يفى بذاك : أى يقصر عنه ولا يوازيه . قال المجلسى ( ره ) :
استبعاد منهم للحكم عليهم بالدية بعد حلفهم ، أى ليس أيماننا وقاية لاموالنا وبالعكس
حتى جمعت بينهما . 3 ) خطب الفتاة : دعاها أو طلبها إلى التزوج . ( * )
ـ274ـ
سترا ، وأرادت التزويج به ، فاشتد حسد ابني عمه الآخرين له ـ غيضا ـ ، وغبطاه عليها
لايثارها إياه ( 1 ) فعمدا إلى ابن عمهما المرضي ، فأخذاه إلى دعوتهما ، ثم قتلاه وحملاه
إلى محلة تشتمل على أكثر قبيلة في بني إسرائيل ، فألقياه بين أظهرهم ليلا .
فلما أصبحوا وجدوا القتيل هناك ، فعرف حاله ، فجاء ابنا عمه القاتلان له ، فمزقا
ـ ثيابهما ـ ( 2 ) على أنفسهما ، وحثيا التراب على رؤوسهما ، واستعديا عليهم ، فأحضرهم
موسى عليه السلام وسألهم ، فأنكروا أن يكونوا قتلوه ، أو علموا قاتله .
فقال : فحكم الله عزوجل على من فعل هذه الحادثه ما عرفتموه ، فالتزموه .
فقالوا : يا موسى أي نفع في أيماننا ـ لنا ـ ( 3 ) إذا لم تدرأ عنا الغرامة الثقيلة ؟ أم
أي نفع في غرامتنا لنا إذا لم تدرأ عنا الايمان ؟
فقال موسى عليه السلام : كل النفع في طاعة الله والايتمار لامره ، والانتهاء عما نهى عنه .
فقالوا : يا نبي الله غرم ثقيل ولا جناية لنا ، وأيمان غليظة ولا حق في رقابنا ـ لو ـ أن
الله عرفنا قاتله بعينه ، وكفانا مؤنته ، فادع لنا ربك يبين لنا هذا القاتل لتنزل به
ما يستحقه من العقاب ، وينكشف أمره لذوي الالباب .
فقال موسى عليه السلام : إن الله عزوجل قد بين ما أحكم به في هذا ، فليس لي أن أقترح
عليه غير ما حكم ، ولا أعترض عليه فيما أمر .
ألا ترون أنه لما حرم ( 4 ) العمل في يوم السبت ، وحرم لحم الجمل لم يكن لنا
* ( هامش ) * ( 1 ) " من اثرتها اياه " أ ، س ، ص ، ق . " من آثرته " ب ، ط ، د . وما في المتن كما في البحار .
2 ) من البرهان . 3 ) من البحار ، ق .
4 ) لقد أشبعنا موضوع تحريم العمل يوم السبت ، وتحريم لحم الجمل ، دراسة وبحثا وتحليلا
في كتابنا " المدخل إلى التفسير الموضوعى للقرآن الكريم حسب التسلسل الطبيعى
للموضوع " ج 1 / 36 وج 2 / 164 - 172 فراجع .
ففيه تجد ابطال ما قالته اليهود - كما عن التوراة المحرفة - من أنه تعالى أصابه اعياء
ولغوب ، فراح يستريح من عمله يوم السبت . تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وانما جعل < ( * )
ـ275ـ
أن نقترح عليه أن يغير ماحكم به علينا من ذلك ، بل علينا أن نسلم له حكمه ، ونلتزم
ما ألزمنا ، وهم بأن يحكم عليهم بالذي كان يحكم به على غيرهم في مثل حادثهم
فأوحى الله عزوجل إليه :
يا موسى أجبهم إلى ما اقترحوا ، وسلني أن ابين لهم القاتل ليقتل ، ويسلم غيره
من التهمة والغرامة ، فاني إنما اريد باجابتهم إلى ما اقترحوا توسعة الرزق على رجل
من خيار امتك ، دينه الصلاة على محمد وآله الطيبين ، والتفضيل لمحمد صلى الله عليه وآله
وعلي بعده على سائر البرايا ، اغنية في الدنيا في هذه القضية ، ليكون بعض ثوابه
عن تعظيمه لمحمد وآله .
فقال موسى : يا رب بين لنا قاتله .
فأوحى الله تعالى إليه : قل لبني إسرائيل إن الله يبين لكم ذلك بأن يأمركم أن
تذبحوا بقرة ، فتضربوا ببعضها المقتول فيحيى فتسلمون لرب العالمين ذلك ، وإلا
فكفوا عن المسألة ; والتزموا ظاهر حكمي .
فذلك ما حكى الله عزوجل :
( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم - أي سيأمركم - أن تذبحوا بقرة ) إن
أردتم الوقوف على القاتل ، وتضربوا المقتول ببعضها ليحيى ويخبر بالقاتل ( قالوا
- يا موسى - أتتخذنا هزوا ) ـ و ـ سخرية ؟ تزعم أن الله يأمرنا أن نذبح بقرة ، ونأخذ
قطعة من ميت ، ونضرب بها ميتا ، فيحيى أحد الميتين بملاقات بعض الميت الآخر
* ( هامش ) * > التحريم من الله على الذين اختلفوا فيه - وقال لا تعدوا في السبت - لبغيهم على الله
وافترائهم بالتحريم على أنفسهم ابتداء ، فأجابهم الله ابتلاء - ثم أخذهم بما اعتدوا في
السبت - وهكذا في تحريم الطيبات .
والحاصل أن كليهما كان حلالا من الله ، فحرموه على أنفسهم بغيا ، ثم حرمه الله عليهم لبغيهم
وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . فراجع البحث بطوله . ( * )
ـ276ـ
ـ له ـ ، فكيف يكون هذا ؟
( قال - موسى - أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) أنسب إلى الله تعالى مالم يقل
لي ، وأن أكون من الجاهلين ، اعارض أمر الله بقياسي على ما شاهدت ، دافعا لقول الله
عزوجل وأمره .
ثم قال موسى عليه السلام : أو ليس ماء الرجل نطفة ميتة ( 1 ) ، وماء المرأة كذلك ، ميتان
يلتقيان فيحدث الله تعالى من التقاء الميتين بشرا حيا سويا ؟ أو ليس بذوركم ( 2 ) التي
تزرعونها في أرضيكم تتفسخ وتتعفن وهي ميتة ، ثم يخرج الله منها هذه السنابل الحسنة
البهيجة وهذه الاشجار الباسقة المونقة ؟ فلما بهرهم موسى عليه السلام قالوا له : يا موسى ( ادع لنا ربك يبين لنا ما هي )
ـ أي ـ ما صفتها لنقف عليها .
فسأل موسى ربه عزوجل ، فقال : ( إنها بقرة لا فارض ) كبيرة ( ولا بكر ) صغيرة
ـ لم تغبط ـ ( 3 ) ( عوان ) وسط ( بين ذلك ) بين الفارض والبكر ( فافعلوا ما تؤمرون )
إذا امرتم به .
( قالوا - يا موسى - ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ) أي لون هذه البقرة التي
تريد أن تأمرنا بذبحها .
* ( هامش ) * ( 1 ) أى الظاهر في عصرهم ، والا ففي الحقيقة وعصر العلم هى ذرات حية كشف عنها العلم
الحاضر ويمكن مشاهدتها بالمجهر ، وقد أشار اليها عزوجل في قوله : " خلق الانسان
من نطفة " النحل : 4 . 2 ) " زروعكم " أ .
3 ) ليس في البحار . وفي ب ، وخ ل البرهان " تفرض " بدل تغبط . يقال : غبط الشاة اذا
لمس منها الموضع الذى يعرف به سمنها من هزالها ( النهاية : 3 / 341 ) .
والظاهر أنه كناية عن حداثة سنها وعدم انتقالها من شخص لاخر خلال عمليات بيع وشراء .
وفرضت البقرة : طعنت في السن . ( * )
ـ277ـ
قال ـ موسى ـ - عن الله بعد السؤال والجواب - ( إنها بقرة صفراء فاقع ) حسن
الصفرة ( 1 ) ليس بناقص يضرب إلى البياض ، ولا بمشبع يضرب إلى السواد ( لونها )
هكذا فاقع ( تسر - البقرة - الناظرين ) إليها لبهجتها وحسنها وبريقها .
( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ) ما صفتها ؟ ـ يزيد في صفتها ـ .
( قال - عن الله تعالى - إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ) لم تذلل لاثارة
الارض ( 2 ) ولم ترض ( 3 ) بها ( ولا تسقي الحرث ) ولا هي مما تجر الدلاء ، ولا تدير
النواعير قد أعفيت من ذلك أجمع ( مسلمة ) من العيوب كلها ، لا عيب فيها ( لاشية
فيها ) لا لون فيها من غيرها .
فلما سمعوا هذه الصفات قالوا : يا موسى ـ أ ـ ( 4 ) فقد أمرنا ربنا بذبح بقرة هذه
صفتها ؟ قال : بلى .
ولم يقل موسى في الابتداء ( إن الله قد أمركم ) لانه لو قال : إن الله أمركم ( 5 )
لكانوا إذا قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ماهي وما لونها ـ وما هي ـ كان لا يحتاج
أن يسأله - ذلك - عزوجل ، ولكن كان يجيبهم هو بأن يقول : أمركم ببقرة ، فأي شئ
وقع عليه اسم بقرة فقد خرجتم من أمره إذا ذبحتموها .
* ( هامش ) * ( 1 ) " حسنة لون الصفراء " أ .
2 ) أثاروا الارض : أى قلبوها للزراعة وعمروها بالفلاحة .
3 ) " تربص " خ ل . ابل رضارض : راتعة ، كانها ترض العشب . والرض : دق الشئ .
وتربص بالمكان : لبث . 4 ) من البحار ، ق ، د .
5 ) " يأمركم " البحار . قال المجلسى ( ره ) : حاصله أنه عليه السلام حمل قوله تعالى " ان الله
يأمركم " على حقيقة الاستقبال ، ولذا فسره بقوله سيأمركم ، فوعدهم أولا بالامر ، ثم بعد
سؤالهم وتعيين البقرة أمرهم ، ولو قال موسى أولا بصيغة الماضى " أمركم أن تذبحوا
لتعلق الامر بالحقيقة ، وكان يكفى أى بقرة كانت . .
أقول : للشريف المرتضى مجلس في تأويل هذه الاية . راجع أماليه : 2 / 36 . ( * )
ـ278ـ
قال : فلما استقر ( 1 ) الامر عليهم ، طلبوا هذه البقرة فلم يجدوها إلا عند شاب من بني
إسرائيل أراه الله عزوجل في منامه محمدا وعليا وطيبي ذريتهما ، فقالا له :
إنك كنت لنا ـ وليا ـ محبا ومفضلا ، ونحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك
في الدنيا ، فاذا راموا شراء بقرتك فلا تبعها إلا بأمر امك ، فان الله عزوجل يلقنها
ما يغنيك به وعقبك .
ففرح الغلام ، وجاءه القوم يطلبون بقرته ، فقالوا : بكم تبيع بقرتك هذه ؟
قال : بدينارين ، والخيار لامي . قالوا : قد رضينا ـ بدينار ـ . فسألها ، فقالت : بأربعة .
فأخبرهم فقالوا : نعطيك دينارين . فأخبر امه ، فقالت : بثمانية . ( 2 )
فما زالوا يطلبون على النصف ، مما تقول امه ، ويرجع إلى امه ، فتضعف الثمن
حتى بلغ ثمنها ملء مسك ( 3 ) ثور أكبر ما يكون ملؤه ( 4 ) دنانير ، فأوجب لهم البيع .
ثم ذبحوها ، وأخذوا قطعة وهي عجز ( 5 ) الذنب الذي منه خلق ابن آدم ، وعليه
يركب إذا اعيد خلقا جديدا ، فضربوه بها ، وقالوا : اللهم بجاه محمد وآله الطيبين
لما أحييت هذا الميت ، وأنطقته ليخبرنا عن قاتله .
فقام سالما سويا وقال : ـ يا نبي الله ـ قتلني هذان ابنا عمي ، حسداني على بنت
عمي فقتلاني ، وألقياني في محلة هؤلاء ليأخذا ديتي ـ منهم ـ .
فأخذ موسى عليه السلام الرجلين فقتلهما ، وكان قبل أن يقوم الميت ضرب بقطعة من
البقرة فلم يحي ، فقالوا : يا نبي الله أين ما وعدتنا عن الله عزوجل ؟
فقال موسى عليه السلام : ـ قد ـ صدقت ، وذلك إلى الله عزوجل .
* ( هامش ) * ( 1 ) أى : ثبت عليهم .
2 ) " بمائة " س ، ق ، د والبحار . 3 ) أى جلد .
4 ) كذا في البحار . وفى الاصل : ملاء . وليس في التأويل .
5 ) " عجب " البحار . وهو أصل الذنب عند رأس العصعص . ( * )
ـ279ـ
فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى إني لا اخلف وعدي ، ولكن ليقدموا للفتى ثمن
بقرته ملء مسكها دنانير ثم احيي هذا .
فجمعوا أموالهم ، فوسع الله جلد الثور حتى وزن ما ملئ به جلده فبلغ خمسة
آلاف ألف دينار .
فقال بعض بني إسرائيل لموسى عليه السلام - وذلك بحضرة ( 1 ) المقتول المنشور
المضروب ببعض البقرة - : لا ندري أيهما أعجب : إحياء الله هذا وإنطاقه بما نطق ( 2 )
أو اغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم !
فأوحى الله إليه : يا موسى قل لبني إسرائيل : من أحب منكم أن اطيب في الدنيا ( 3 )
عيشه ، واعظم في جناني محله ، وأجعل لمحمد وآله الطيبين فيها منادمته ، فليفعل كما
فعل هذا الفتى ، إنه كان قد سمع من موسى بن عمران عليه السلام ذكر محمد صلى الله عليه وآله وعلي
وآلهما الطيبين ، فكان عليهم مصليا ، ولهم على جميع الخلائق من الجن والانس
والملائكة مفضلا ، فلذلك صرفت إليه هذا المال العظيم ليتنعم ( 4 ) بالطيبات
ويتكرم بالهبات والصلاة ، ويتحبب بمعروفه إلى ذوي المودات ، ويكبت ( 5 ) بنفقاته
ذوي العداوات .
قال الفتى : يا نبي الله كيف أحفظ هذه الاموال ؟ أم كيف أحذر من عداوة من
يعاديني فيها ، وحسد من يحسدني لاجلها ؟ قال : قل عليها من الصلاة على محمد وآله
الطيبين ما كنت تقوله قبل أن تنالها ، فان الذي رزقكها بذلك القول مع صحة الاعتقاد
يحفظها عليك أيضا ( بهذا القول مع صحة الاعتقاد ) ( 6 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) " بمحضر " أ . المحضر : المشهد . 2 ) " قال لبني اسرائيل " أ .
3 ) " دنياه " أ ، والبرهان . 4 ) " لينتفع " ب ، ط ، د .
5 ) " يكب " ب ، ط . كبته كبتا : أذله ، أهانه . وكب الرجل : صرعه .
6 ) " ويدفع عنك " البرهان . ( * )
ـ280ـ
فقالها الفتى فما رامها حاسد ـ له ـ ليفسدها ، أو لص ليسرقها ، أو غاصب
ليغصبها ، إلا دفعه الله عزوجل عنها بلطف من ألطافه ( 1 ) حتى يمتنع من ظلمه اختيارا
أو منعه منه بآفة أو داهية حتى يكفه عنه ، فيكف أضطرارا .
ـ قال عليه السلام : ـ فلما قال موسى عليه السلام للفتى ذلك وصار الله عزوجل له
- لمقالته - حافظا ، قال هذا المنشور : اللهم إني أسألك بما سألك به هذا الفتى من
الصلاة على محمد وآله الطيبين والتوسل بهم أن تبقيني في الدنيا متمتعا بابنة
عمي وتجزي ( 2 ) عني أعدائي وحسادي ، وترزقني فيها ـ خيرا ـ ( 3 ) كثيرا طيبا .
فأوحى الله إليه : يا موسى إنه كان لهذا الفتى المنشور بعد القتل ستون سنة ، وقد
وهبت له بمسألته وتوسله بمحمد وآله الطيبين سبعين سنة تمام مائة وثلاثين سنة
صحيحة حواسه ، ثابت فيها جنانه ( 4 ) ، قوية فيها شهواته ، يتمتع بحلال هذه الدنيا
ويعيش ولا يفارقها ولا تفارقه ، فاذا حان ( 5 ) حينه ـ حان حينها ـ وماتا جميعا ـ معا ـ فصارا
إلى جناني ، وكانا زوجين فيها ناعمين .
ولو سألني - يا موسى - هذا الشقي القاتل بمثل ما توسل به هذا الفتى على صحة
اعتقاده أن أعصمه من الحسد ، وأقنعه بما رزقته - وذلك هو الملك العظيم - لفعلت .
ولو سألني بذلك مع التوبة من صنعه أن لا أفضحه لما فضحته ، ولصرفت هؤلاء
عن اقتراح إبانة القاتل ، ولاغنيت هذا الفتى من غير ـ هذا الوجه بقدر ـ هذا
المال أوجده ( 6 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) " بلطيفة من لطائفه " أ ، ب ، س ، ط .
2 ) " تخزى " البحار : 13 . 3 ) من البحار ، وفى التأويل بلفظ : منها أولادا .
4 ) الجنان - بفتح الجيم - : القلب .
5 ) " جاء " أ . الحين : الموت والهلاك . وحان : قرب وقته .
6 ) أوجد الله فلانا : أغناه وقواه . وفى " أ " : الذى أوجده . ( * )
ـ281ـ
ولو سألني بعد ما افتضح ، وتاب إلى ، وتوسل بمثل وسيلة هذا الفتى أن انسى
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 281 سطر 1 الى ص 290 سطر 24
ولو سألني بعد ما افتضح ، وتاب إلى ، وتوسل بمثل وسيلة هذا الفتى أن انسى
الناس فعله - بعدما ألطف لاوليائه فيعفونه عن القصاص - لفعلت ، فكان لا يعيره بفعله أحد
ولا يذكره فيهم ذاكر ، ولكن ذلك فضل ( 1 ) اوتيه من أشاء ، وأنا ذو الفضل العظيم
وأعدل بالمنع على من أشاء ، وأنا العزيز الحكيم .
فلما ذبحوها قال الله تعالى : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) فأرادوا أن لايفعلوا
ذلك من عظم ثمن البقرة ، ولكن اللجاج ( 2 ) حملهم على ذلك ، واتهامهم لموسى
عليه السلام حدأهم ( 3 ) عليه .
ـ قال : ـ فضجوا إلى موسى عليه السلام وقالوا : فتقرت القبيلة ودفعت إلى التكفف
وانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا ( 4 ) فادع الله لنا بسعة الرزق .
فقال موسى عليه السلام : ويحكم ما أعمى قلوبكم ؟ أما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة
وما أورثه الله تعالى من الغنى ؟ أو ما سمعتم دعاء ـ الفتى ـ المقتول المنشور ، وما أثمر
له من العمر الطويل والسعادة والتنعم والتمتع بحواسه وسائر بدنه وعقله ؟ لم لا تدعون
الله تعالى بمثل دعائهما ، وتتوسلون إلى الله بمثل توسلهما ( 5 ) ليسد فاقتكم ، ويجبر
كسركم ، ويسد خلتكم ؟
فقالوا : اللهم إليك التجأنا ، وعلى فضلك اعتمدنا ، فأزل فقرنا وسد خلتنا
بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم .
فأوحى الله إليه : ياموسى قل لهم : ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بني فلان ، ويكشفوا
في موضع كذا - لموضع عينه - وجه أرضها قليلا ، ثم يستخرجوا ماهناك ، فانه
عشرة آلاف ألف دينار ، ليردوا على كل من دفع في ثمن هذه البقرة ما دفع ، لتعود
* ( هامش ) * ( 1 ) أى التوسل بمحمد صلى الله عليه وآله الطيبين . وفى " ب ، س ، ط ، ق ، د ، والبرهان " فضلى .
2 ) أى الالحاح . 3 ) " جرهم " ب ، ط ، حدأ : لجأ .
4 ) كناية عن الافلاس الذى أصابهم . 5 ) " وسيلتهما " أ ، س ، ص ، ق ، د . ( * )
ـ282ـ
أحوالهم إلى ما كانت ـ عليه ـ ثم ليتقاسموا بعد ذلك مايفضل وهو خمسة آلاف ألف
دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم في هذه المحنة ( 1 ) لتتضاعف أموالهم جزاء على
توسلهم بمحمد وآله الطيبين ، واعتقادهم لتفضيلهم .
فذلك ما قال الله عزوجل : ( وإذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها ) اختلفتم فيها
وتدارأتم ، ألقى بعضكم الذنب في قتل المقتول على بعض ، ودرأه عن نفسه وذويه ( والله
مخرج ) مظهر ( ما كنتم تكتمون ) ما كان من خبر القاتل ، وماكنتم تكتمون من إرادة
تكذيب موسى عليه السلام باقتراحكم عليه ما قدرتم أن ربه لا يجيبه إليه .
( فقلنا اضربوه ببعضها ) ببعض البقرة ( كذلك يحيي الله الموتى ) في الدنيا
والاخرة كما أحيى الميت بملاقاة ميت آخر له .
أما في الدنيا فيلاقي ماء الرجل ماء المرأة فيحيي الله الذي كان في الاصلاب
والارحام حيا .
وأما في الاخرة فان الله تعالى ينزل بين نفختي الصور - بعد ما ينفخ النفخة الاولى
من دوين ( 2 ) السماء الدنيا - من البحر المسجور الذي قال الله تعالى ـ فيه ـ ( والبحر
المسجور ) ( 3 ) وهي ( 4 ) مني كمني الرجال ، فيمطر ذلك على الارض فيلقى الماء المني
مع الاموات البالية فينبتون من الارض ويحيون .
ثم قال الله عزوجل : ( ويريكم آياته ) سائر آياته سوى هذه الدلالات على توحيده
ونبوة موسى عليه السلام نبيه ، وفضل محمد صلى الله عليه وآله على الخلائق سيد إمائه وعبيده ، وتبيينه ( 5 )
فضله وفضل آله الطيبين على سائر خلق الله أجمعين .
( لعلكم تعقلون ) ـ تعتبرون و ـ تتفكرون أن الذي يفعل هذه العجائب لا يأمر
* ( هامش ) * ( 1 ) " الخمسه " أ . 2 ) " دون " ب ، ط . 3 ) الطور : 6 .
4 ) " هو " ب ، ط ، ق ، د . " وهى من " البحار . 5 ) " وتثبت " التأويل والبرهان . ( * )
ـ283ـ
الخلق إلا بالحكمة ، ولا يختار محمدا وآله إلا لانهم أفضل ذوي الالباب . ( 1 )
قوله عزوجل : " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة
وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار وان منها لما يشقق فيخرج منه
الماء وان منها لما يهبط من خشية الله وماالله بغافل عما تعملون : " 74
141 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل : ( ثم قست قلوبكم ) عست ( 2 ) وجفت
ويبست من الخير والرحمة ـ قلوبكم ـ معاشر اليهود ( من بعد ذلك ) من بعد ما بينت
من الآيات الباهرات في زمان موسى عليه السلام ، ومن الآيات المعجزات التي شاهدتموها
من محمد .
( فهي كالحجارة ) اليابسة لا ترشح برطوبة ، ولا ينتفض ( 3 ) منها ما ينتفع به ، أي
أنكم لا حق الله تعالى تؤدون ، ولا ـ من ـ أموالكم ولا من مواشيها تتصدقون ، ولا
بالمعروف تتكرمون وتجودون ، ولا الضيف تقرؤن ، ولا مكروبا تغيثون ، ولا بشئ
من الانسانية تعاشرون وتعاملون .
( أو أشد قسوة ) إنما هي في قساوة الاحجار ( أو أشد قسوة ) أبهم على السامعين
ولم يبين لهم ، كما يقول القائل : أكلت خبزا أو لحما ، وهو لا يريد به أني لا أدري
ما أكلت ، بل يريد ـ به ـ أن يبهم على السامع حتى لا يعلم ماذا أكل ، وإن كان يعلم أنه
قد أكل .
وليس معناه : بل أشد قسوة ، لان هذا استدراك غلط ، وهو عزوجل يرتفع ـ عن ـ
* ( هامش ) * ( 1 ) عنه تأويل الايات : 1 / 67 ح 44 باختصار ، والبحار : 6 / 329 ح 13 ( قطعة ) ، وج 7 / 43
ح 19 ( قطعة ) ، وج 13 / 266 ح 7 ، وج 60 / 358 ح 46 ( قطعة ) ، والبرهان : 1 / 108 ح 1 .
2 ) " عبست " أ ، " عصت " ص . " عنت " ط . " غشت " البرهان . عسى النبات عساء وعسوا :
غلظ ويبس . 3 ) نفض الكرم : تفتحت عناقيده . ( * )
ـ284ـ
أن يغلط في خبر ثم يستدرك على نفسه الغلط ، لانه العالم بما كان وبما يكون وبما
لا يكون أن لو كان كيف كان يكون ، وإنما يستدرك الغلط على نفسه المخلوق المنقوص .
ولا يريد به أيضا : فهي كالحجارة أو أشد أي وأشد قسوة ، لان هذا تكذيب الاول
بالثاني ، لانه قال : ( فهي كالحجارة ) في الشدة لا أشد منها ولا ألين ، فاذا قال بعد
ذلك : ( أو أشد ) فقد رجع عن قوله الاول : أنها ليست بأشد ، وهذا مثل أن يقول :
لا يجئ من قلوبكم خير لا قليل ولا كثير .
فأبهم عزوجل في الاول حيث قال : ( أو أشد ) .
وبين في الثاني أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة لا بقوله : ( أو أشد قسوة )
ولكن بقوله تعالى : ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار ) أي فهي في القساوة
بحيث لا يجئ منها الخير ـ يا يهود ـ وفي الحجارة ما يتفجر منه الانهار فيجئ بالخير
والغياث لبني آدم .
( وإن منها ) من الحجارة ( لما يشقق فيخرج منه الماء ) وهو ما يقطر منه الماء
فهو خير منها دون الانهار التي يتفجر من بعضها ، وقلوبهم لا يتفجر منها الخيرات
ولا يشقق فيخرج ـ منها ـ قليل من الخيرات ، وإن لم يكن كثيرا .
ثم قال الله تعالى : ( وإن منها ) يعني من الحجارة ( لما يهبط من خشية الله ) إذا
أقسم عليها باسم الله وبأسامي أوليائه : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين
من آلهم صلى الله عليهم ، وليس في قلوبكم شئ من هذه الخيرات .
( وما الله بغافل عما تعملون ) بل عالم به ، يجازيكم عنه بما هو به عادل عليكم
وليس بظالم لكم ، يشدد حسابكم ، ويؤلم عقابكم .
وهذا الذى ـ قد ـ وصف الله تعالى به قلوبهم ههنا نحو ما قال في سورة النساء :
( أم لهم نصيب من الملك فاذا لا يؤتون الناس نفيرا ) ( 1 ) .
* ( هامش ) * ( 1 ) النساء : 53 . ( * )
ـ285ـ
وما وصف به الاحجار ههنا نحو ما وصف ( 1 ) في قوله تعالى : ( لو أنزلنا هذا
القران على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) . ( 2 )
وهذا التقريع من الله تعالى لليهود والنواصب ، واليهود جمعوا الامرين واقترفوا
الخطيئتين ( 3 ) فغلظ على اليهود ما وبخهم به رسول الله صلى الله عليه وآله .
فقال جماعة من رؤسائهم ، وذوي الالسن والبيان منهم : يا محمد إنك تهجونا
وتدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها خلافه ، إن فيها خيرا كثيرا : نصوم ونتصدق
ونواسي الفقراء .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنما الخير ما اريد به وجه الله تعالى ، وعمل على ما
أمر الله تعالى ـ به ـ .
فأما ما اريد به الرياء والسمعة أو معاندة رسول الله ، وإظهار الغنى ( 4 ) له والتمالك
والتشرف عليه فليس بخير ، بل هو الشر الخالص ، ووبال على صاحبه ، يعذبه الله
به أشد العذاب .
فقالوا له : يا محمد أنت تقول هذا ، ونحن نقول : بل ما ننفقه إلا لابطال أمرك
ودفع رياستك ( 5 ) ولتفريق أصحابك عنك وهو الجهاد الاعظم ، نؤمل به من الله الثواب
الاجل الاجسم ، وأقل أحوالنا أنا تساوينا في الدعاوى ، فأي فضل لك علينا ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا إخوة اليهود إن الدعاوي يتساوى فيها المحقون والمبطلون
ولكن حجج الله ودلائله تفرق بينهم ، فتكشف عن تمويه المبطلين ، وتبين عن حقائق
المحقين ، ورسول الله محمد لا يغتنم جهلكم ولا يكلفكم التسليم له بغير حجة
ولكن يقيم عليكم حجة الله تعالى التي لا يمكنكم دفاعها ، ولا تطيقون الامتناع من
* ( هامش ) * ( 1 ) " وصف الله به " أ .
2 ) الحشر : 21 . 3 ) " الخطيرين " أ . " الخطيئتين الخطرين " ب ، ط .
4 ) " العناد " البحار . 5 ) " ورفع رسالتك " أ ، والبرهان . ( * )
ـ286ـ
موجبها ولو ذهب محمد يريكم آية من عنده لشككتم ، وقلتم : إنه متكلف
مصنوع محتال فيه ، معمول أو متواطأ عليه ، فاذا اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون لم
يكن لكم أن تقولوا معمول أو متواطأ عليه أو متأتي بحيلة ومقدمات ، فما الذي تقترحون ؟
فهذا رب العالمين قد وعدني أن يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذير الكافرين
منكم ، ويزيد في بصائر المؤمنين منكم .
قالوا : قد أنصفتنا يا محمد ، فان وفيت بما وعدت من نفسك من الانصاف ، وإلا
فأنت أول راجع من دعواك للنبوة ، وداخل في غمار ( 1 ) الامة ، ومسلم لحكم التوراة
لعجزك عما نقترحه عليك ، وظهور الباطل في دعواك فيما ترومه من جهتك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الصدق ينبئ عنكم ( 2 ) لا الوعيد ، اقترحوا ما تقترحون
ليقطع معاذيركم فيما تسألون .
ـ معجزة عظيمة من معجزات النبى صلى الله عليه وآله باقتراح اليهود : ـ
فقالوا : يا محمد زعمت أنه ما في قلوبنا شئ من مواساة الفقراء ، ومعاونة الضعفاء
والنفقة في إبطال الباطل ، وإحقاق الحق ، وأن الاحجار ألين من قلوبنا ، وأطوع لله
منا ، وهذه الجبال بحضرتنا ، فهلم بنا إلى بعضها ، فاستشهده على تصديقك وتكذيبنا
فان نطق بتصديقك فأنت المحق ، يلزمنا اتباعك ، وإن نطق بتكذيبك أو صمت فلم
يرد جوابك ، فاعلم بانك المبطل في دعواك ، المعاند لهواك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : نعم هلموا بنا إلى أيها شئتم أستشهده ، ليشهد لي عليكم
فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه ، فقالوا : يا محمد هذا الجبل فاستشهده .
* ( هامش ) * ( 1 ) أى جماعة الناس ولفيفهم .
2 ) " بينى وبينكم " البحار : 9 . قال الميدانى في مجمع الامثال : 398 رقم 2111 " الصدق
ينبئ عنك لا الوعيد " يقول : انما ينبئ عدوك عنك أن تصدقه في المحاربة وغيرها لا أن
توعده ولا تنفذ لما توعد به . ( * )
ـ287ـ
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للجبل : إني أسألك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بذكر
أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على
تحريكه وهم خلق كثير لا يعرف عددهم غير الله عزوجل .
وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله على آدم ، وغفر خطيئته
وأعاده إلى مرتبته .
وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم وسؤال الله بهم رفع إدريس
في الجنة ـ مكانا ـ عليا ، لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على هؤلاء اليهود
في ذكر قساوة قلوبهم ، وتكذيبهم وجحدهم لقول محمد رسول الله صلى الله عليه وآله .
فتحرك الجبل وتزلزل ، وفاض منه الماء ونادى :
يا محمد أشهد أنك رسول ـ الله ـ رب العالمين ، وسيد الخلائق أجمعين .
وأشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة ، لا يخرج منها خير
كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا أو تفجيرا .
وأشهد أن هولاء كاذبون عليك فيما به يقرفونك ( 1 ) من الفرية على رب العالمين
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأسألك أيها الجبل ، أمرك الله بطاعتي فيما ألتمسه ( 2 )
منك بجاه محمد وآله الطيبين ؟ الذين بهم نجى الله تعالى نوحا عليه السلام من الكرب
العظيم ، وبرد الله النار على إبراهيم عليه السلام وجعلها عليه سلاما ( 3 ) ومكنه في جوف النار
على سرير وفراش وثير ، لم ير ذلك الطاغية مثله لاحد من ملوك الارض أجمعين
وأنبت حواليه من الاشجار الخضرة النضرة النزهة ، وغمر ما حوله من أنواع المنثور ( 4 )
بما لا يوجد إلا في فصول أربعة من جميع السنة .
* ( هامش ) * ( 1 ) " يعرفونك " ب ، ط . " يقذفونك " التأويل والبحار . قرف على القوم : بغى عليهم وكذب .
2 ) " التمسته " أ ، والبرهان . 3 ) " بردا وسلاما " أ ، ص ، والبرهان .
4 ) " النور " البحار : 12 . وج 17 . " الميثور " أ . تصحيف ظ . والمنثور : نبات ذو زهر ذكى الرائحة . ( * )
ـ288ـ
قال الجبل : بلى ، أشهد لك يا محمد بذلك ، وأشهد أنك لو اقترحت على ربك
أن يجعل رجال الدنيا قردة وخنازير لفعل ، أو يجعلهم ملائكة لفعل ، وأن يقلب النيران
جليدا ، والجليد نيرانا لفعل ، أو يهبط السماء إلى الارض ، أو يرفع الارض إلى السماء
لفعل ، أو يصير أطراف المشارق والمغارب والوهاد كلها صرة كصرة الكيس لفعل
وأنه قد جعل الارض والسماء طوعك ، والجبال والبحار تنصرف بأمرك ، وسائر ما
خلق الله من الرياح والصواعق وجوارح الانسان وأعضاء الحيوان لك مطيعة ، وما
أمرتها ـ به ـ من شئ ائتمرت .
فقال اليهود : يا محمد أعلينا تلبس وتشبه ؟ ! قد أجلست مردة من أصحابك
خلف صخور هذا الجبل ، فهم ينطقون بهذا الكلام ، ونحن لا ندري ( 1 ) أنسمع من الرجال
أم من الجبل ! ؟ لا يغتر بمثل هذا إلا ضعفاؤك الذين تبحبح ( 2 ) في عقولهم ، فان كنت صادقا
فتنح عن موضعك هذا إلى ذلك القرار ، وامر هذا الجبل أن ينقلع من أصله ، فيسير
إليك إلى هناك ، فاذا حضرك - ونحن نشاهده - .
فأمره أن ينقطع نصفين من ارتفاع سمكه ، ثم ترتفع السفلى من قطعتيه فوق العليا
وتنخفض العليا تحت السفلى ، فاذا أصل الجبل قلته وقلته أصله ، لنعلم أنه من الله
لا يتفق بمواطأة ، ولا بمعاونة مموهين متمردين .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - وأشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال - : يا أيها الحجر
تدحرج . فتدحرج ، ثم قال لمخاطبه : خذه وقربه من اذنك ، فسيعيد عليك ما سمعت
فان هذا جزء من ذلك الجبل .
فأخذه الرجل ، فأدناه إلى اذنه ، فنطق به الحجر بمثل ما نطق به الجبل أولا من
* ( هامش ) * ( 1 ) " ولا تعرف أنحن " ط .
2 ) " قال المجلسى ( ره ) : أى تتمكن وتستقر في عقولهم ، من قولهم : بحبح في المكان أى
تمكن فيه ، وفى بعض النسخ بالنونين والجيمين من قولهم : تنجنج : اذا تحرك وتجبره ( * )
ـ289ـ
تصديق رسول الله صلى الله عليه وآله فيما ذكره عن قلوب اليهود ، وفيما أخبر به من أن نفقاتهم في
دفع أمر محمد صلى الله عليه وآله باطل ، ووبال عليهم .
فقال ـ له ـ رسول الله صلى الله عليه وآله : أسمعت هذا ؟ أخلف هذا الحجر أحد يكلمك
ـ ويوهمك أنه يكلمك ؟ ـ قال : لا ، فاتني بما اقترحت في الجبل .
فتباعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى فضاء واسع ، ثم نادى الجبل : يا أيها الجبل بحق محمد
وآله الطيبين الذين بجاههم ( ومسألة عباد الله ) ( 1 ) بهم أرسل الله على قوم عاد ريحا
صرصرا عاتية ، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل خاوية ، وأمر جبرئيل أن يصيح صيحة
ـ هائلة ـ في قوم صالح عليه السلام حتى صاروا كهشيم المحتظر ، لما انقلعت من مكانك باذن
الله ، وجئت إلى حضرتي هذه - ووضع يده على الارض بين يديه .
ـ قال : ـ فتزلزل الجبل وسار كالقارح ( 2 ) الهملاج حتى ـ صار بين يديه ، و ـ دنا من
إصبعه أصله فلزق ( 3 ) بها ، ووقف ونادى : ـ ها ـ أنا سامع لك مطيع يا رسول ( رب
العالمين ) ( 4 ) وإن رغمت انوف هؤلاء المعاندين مرني بأمرك يا رسول الله .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن هؤلاء ـ المعاندين ـ اقترحوا علي أن آمرك أن تنقلع
من أصلك ، فتصير نصفين ، ثم ينحط أعلاك ، ويرتفع أسفلك ، فتصير ذروتك أصلك
وأصلك ذروتك .
فقال الجبل : أفتأمرني بذلك يا رسول الله رب العالمين ؟ قال : بلى .
فانقطع ـ الجبل ـ نصفين وانحط أعلاه إلى الارض ، وارتفع أسلفه ( 5 ) فوق أعلاه
* ( هامش ) * ( 1 ) " عاذ عباد الله ، وبهم الوسيلة إلى الله ، و " أ . 2 ) " فصار كالفرس " أ . القارح : ذو الحافر من الدواب الذى انتهى به السن . ودابة هملاج :
حسنة السير في سرعة وتبختر .
3 ) " فلصق " أ . وكلاهما بمعنى واحد . 4 ) " الله " أ .
5 ) " أصله " ب ، ط ، والبرهان . ( * )
ـ290ـ
فصار فرعه أصله ، وأصله فرعه .
ثم نادى الجبل : معاشر اليهود هذا الذي ترون دون معجزات موسى الذي تزعمون
أنكم به مؤمنون ! ؟
فنظر اليهود بعضهم إلى بعض فقال بعضهم : ما عن هذا محيص .
وقال آخرون منهم : هذا رجل مبخوت ( 1 ) يؤتى له ، والمبخوت يتأتى له العجائب
فلا يغرنكم ما تشاهدون ـ منه ـ .
فناداهم الجبل : يا أعداء الله قد أبطلتم بما تقولون نبوة موسى عليه السلام هلا قلتم
لموسى : إن قلب العصا ثعبانا ، وانفلاق البحر طرقا ، ووقوف الجبل كالظلة ( 2 ) فوقكم
إنك يؤتى لك ( 3 ) يأتيك جدك ( 4 ) بالعجائب ، فلا يغرنا ما نشاهده منك .
فألقمتهم الجبال - بمقالتها - الصخور ، ولزمتهم ( 5 ) حجة رب العالمين . ( 6 )
قوله عزوجل : " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون
كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ، واذا لقوا الذين
آمنوا قالوا آمنا واذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله
* ( هامش ) * ( 1 ) البخت : كلمة فارسية ، وهى الحظ ، والمبخوت الذى يؤاتيه حظه بما يريد .
2 ) " كأنه المظلة " أ .
3 ) " انما تأتى لك لانك مؤاتى لك " ب ، س ، ص ، ط . قال العلامة المجلسى ( ره ) :
المؤاتى بالهمز وقد يقلب واوا من المؤاتات وهى حسن المطاوعة والموافقة .
4 ) بالجيم المفتوحة : حظك .
5 ) " فالتقمتهم الجبل بمقالتها ( و / ظ ) الصخور وألزمتهم " أ . " فالتقمهم الجبل بمقالتهم الزور
ولزمتهم " التأويل .
6 ) عنه مناقب آل أبى طالب : 92 ( قطعة ) ، وتأويل الايات : 1 / 70 ح 45 باختصار ، والبحار :
9 / 312 ح 11 ، وج 12 / 40 ح 28 ( قطعة ) ، وج 17 / 335 ضمن ح 16 ، وج 70 / 161
ح 18 صدره والبرهان : 1 / 112 ح 1 . وأورده في الخرائج والجرائح : 265 ( مخطوط ) باختصار ( * )
ـ291ـ
عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون . أولا يعلمون أن الله يعلم ما
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 291 سطر 1 الى ص 300 سطر 23
عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون . أولا يعلمون أن الله يعلم ما
يسرون وما يعلنون " : 75 - 77
142 - قال الامام عليه السلام : فلما بهر رسول الله صلى الله عليه وآله هؤلاء اليهود بمعجزته ، وقطع
معاذيرهم بواضح دلالته ، لم يمكنهم مراجعته ( 1 ) في حجته ، ولا إدخال التلبيس عليه
في معجزته فقالوا :
يا محمد قد آمنا بأنك الرسول الهادي المهدي ، وأن عليا أخاك هو
الوصي والولي .
وكانوا إذا خلوا باليهود الآخرين يقولون ـ لهم : ـ إن إظهارنا له الايمان به أمكن
لنا من ( 2 ) مكروهه ، وأعون لنا على اصطلامه ( 3 ) واصطلام أصحابه ، لانهم عند اعتقادهم
أننا معهم يقفوننا على أسرارهم ، ولا يكتموننا شيئا ، فنطلع عليهم أعداءهم ، فيقصدون
أذاهم بمعاونتنا ومظاهرتنا في أوقات اشتغالهم واضطرابهم ، وفي أحوال تعذر المدافعة
والامتناع من الاعداء عليهم .
وكانوا مع ذلك ينكرون على سائر اليهود إخبار الناس عما كانوا يشاهدونه
من آياته ، ويعاينونه من معجزاته ، فأظهر الله تعالى محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله على سوء
اعتقادهم ، وقبح ـ أخلاقهم و ـ دخلاتهم ( 4 ) وعلى إنكارهم على من اعترف بما شاهده
من آيات محمد وواضح بيناته ، وباهر معجزاته .
فقال عزوجل : يا محمد ( أفتطمعون ) أنت وأصحابك من علي وآله الطيبين
( أن يؤمنوا لكم ) هؤلاء اليهود الذين هم بحجج الله قد بهرتموهم ، وبآيات الله
ودلائله الواضحة قد قهرتموهم ، أن يؤمنوا لكم ، ويصدقوكم بقلوبهم ، ويبدوا في
* ( هامش ) * ( 1 ) أى رده . 2 ) " على دفع " ب ، س ، ط ، ق ، د ، والبرهان . 3 ) أى استئصاله .
4 ) دخلة الرجل ودخلته ودخيلته ودخيله : نيته ومذهبه وخلده وبطانته ، لان ذلك كله يداخله .
( لسان العرب : 11 / 240 ) ( * )
ـ292ـ
الخلوات لشياطينهم شريف أحوالكم .
( وقد كان فريق منهم ) يعني من هؤلاء اليهود من بني إسرائيل ( يسمعون كلام
الله ) في أصل جبل طور سيناء ، وأوامره ونواهيه ( ثم يحرفونه ) عما سمعوه إذا
أدوه إلى من وراءهم من سائر بني إسرائيل ( من بعد ما عقلوه ) وعلموا أنهم فيما
يقولونه كاذبون ( وهم يعلمون ) أنهم في قيلهم كاذبون .
وذلك أنهم لما صاروا مع موسى إلى الجبل ، فسمعوا كلام الله ، ووقفوا على
أوامره ، ونواهيه ، رجعوا فأدوه إلى من بعدهم فشق عليهم ، فأما المؤمنون منهم فثبتوا
على إيمانهم وصدقوا في نياتهم .
وأما أسلاف هؤلاء اليهود الذين نافقوا رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه القضية فانهم
قالوا لبني إسرائيل : إن الله تعالى قال لنا هذا ، وأمرنا بما ذكرناه لكم ونهانا ، وأتبع
ذلك بأنكم إن صعب عليكم ما أمرتكم به فلا عليكم أن ـ لا تفعلوه ، وإن صعب عليكم
ما عنه نهيتكم فلا عليكم أن ـ ترتكبوه وتواقعوه .
ـ هذا ـ وهم يعلمون أنهم بقولهم هذا كاذبون .
ثم أظهر الله تعالى ( على نفاقهم الآخر ) ( 1 ) مع جهلهم . فقال عزوجل : ( وإذا لقوا
الذين آمنوا قالوا آمنا ) كانوا إذا لقوا سلمان والمقداد وأباذر وعمارا قالوا آمنا
كايمانكم ، إيمانا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ، مقرونا ـ بالايمان ـ بامامة أخيه علي بن أبي طالب
عليه السلام ، وبأنه أخوه الهادي ، ووزيره ـ الموالي ـ ( 2 ) وخليفته على امته ومنجز عدته ، والوافي
بذمته ( 3 ) والناهض بأعباء سياسته ، وقيم الخلق ، والذائد لهم عن سخط الرحمن الموجب
لهم - إن أطاعوه - رضى الرحمن .
وأن خلفاءه من بعده هم النجوم الزاهرة ، والاقمار المنيرة ، والشموس المضيئة
* ( هامش ) * ( 1 ) " نفاقهم على الاخرين " البحار : 17 .
( 2 ) " المؤاتى " البحار : 9 ، وج 70 ، ق ، د . " الموافى " البحار : 17 . ( 3 ) " بدينه " خ ل . ( * )
ـ293ـ
الباهرة ، وأن أولياهم أولياء الله ، وأن أعداءهم أعداء الله .
ويقول بعضهم : نشهد أن محمدا صاحب المعجزات ، ومقيم الدلالات الواضحات .
هو الذى لما تواطأت قريش على قتله ، وطلبوه فقدا ( 1 ) لروحه أيبس الله تعالى
أيديهم فلم تعمل ، وأرجلهم فلم تنهض ، حتى رجعوا عنه خائبين ( 2 ) مغلوبين ، ولو شاء
محمد وحده قتلهم أجمعين .
وهو الذى لما جاءته قريش ، وأشخصته إلى هبل ليحكم عليه بصدقهم وكذبه
خر هبل لوجهه ، وشهد له بنبوته ، وشهد لاخيه علي بامامته ، ولاوليائه من بعده بوراثته
والقيام بسياسته وإمامته .
وهو الذى لما ألجأته قريش إلى الشعب ووكلو ببابه من يمنع من إيصال
قوت ( 3 ) ومن خروج أحد عنه ، خوفا أن يطلب لهم قوتا ، غذى هناك كافرهم ومؤمنهم
أفضل من المن والسلوى ، وكل ما اشتهى كل واحد منهم من أنواع الاطعمات
الطيبات ، ومن أصناف الحلاوات ، وكساهم أحسن الكسوات ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله
بين أظهرهم إذا رآهم وقد ضاق لضيق فجهم ( 4 ) صدورهم . قال بيده ( 5 ) هكذا بيمناه
إلى الجبال ، وهكذا بيسراه إلى الجبال ، وقال لها : اندقعي . فتندفع ، وتتأخر حتى
يصيروا بذلك في صحراء لا يرى طرفاها ، ثم يقول بيده هكذا ، ويقول : أطلعي يا أيتها
المودعات لمحمد وأنصاره ( 6 ) ما أودعكموها الله من الاشجار والثمار ـ والانهار ـ وأنواع
الزهر والنبات ، فتطلع من الاشجار الباسقة ، والرياحين المونقة ، والخضروات النزهة
ما تتمتع به القلوب والابصار وتنجلي به الهموم والغموم والافكار ، ويعلمون أنه ليس
* ( هامش ) * ( 1 ) " قصدا " ب ، س ، ط ، ق ، د . فقدته فقدا : عدمته فهو مفقود .
2 ) " خاسئين " أ . أى مدحورين . 3 ) " قوت الله " ب ، ط .
4 ) الفج : الطريق الواسع بين جبلين . والمراد الشعب الذى كانوا فيه .
5 ) قال بيده : أهوى بها . 6 ) " أصحابه " ط . ( * )
ـ294ـ
لاحد من ملوك الارض مثل صحرائهم على ما تشتمل عليهم من عجائب أشجارها ، وتهدل
أثمارها ، واطراد أنهارها ، وغضارة رياحينها ، وحسن نباتها .
ـ رسالة أبى جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والجواب عنها : ـ
ومحمد هو الذي لما جاءه رسول أبى جهل يتهدده ويقول : يا محمد إن الخبوط ( 1 )
التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة ، ورمت بك إلى يثرب ، وإنها لا تزال بك
ـ حتى ـ تنفرك وتحثك على ما يفسدك ويتلفك ( 2 ) إلى أن تفسدها على أهلها ، وتصليهم حر نار
تعديك طورك ، وما أرى ذلك إلا وسيؤول إلى أن تثور عليك قريش ثورة رجل واحد
لقصد آثارك ، ودفع ضررك وبلائك ، فتلقاهم بسفهائك المغترين بك ، ويساعدك على ذلك
من هو كافر بك مبغض لك ، فيلجئه إلى مساعدتك ومظافرتك ( 3 ) خوفه لان يهلك
بهلاكك ، و ـ تعطب ـ عياله بعطبك ( 4 ) ، ويفتقر هو ومن يليه بفقرك ، وبفقر متبعيك ( 5 ) ، إذ
يعتقدون أن أعداءك إذا قهروك ودخلوا ديارهم عنوة لم يفرقوا بين من والاك وعاداك
واصطلموهم باصطلامهم لك ، وأتوا على عيالاتهم وأموالهم بالسبي والنهب ، كما يأتون
على أموالك وعيالك ، وقد أعذر من أنذر ( 6 ) وبالغ من أوضح .
* ( هامش ) * ( 1 ) كذا في أكثر النسخ ، وفى " ب ، ط ، ق ، د ، الاحتجاج ، والبحار " خيوط . ، ولم أجد ( لها أصلا
في كتب اللغة ، اللهم الا اذا كانت كناية عن الجنون كما هو متعارف باللهجة العامية .
والخبطه - بفتح الخاء - من تخبطه الشيطان اذا مسه بخيل أو جنون . ج خبط - بكسر
الخاء وفتح الباء - وخبط - بضم الخاء وفتح الباء - .
والخباط : داء كالجنون وليس به ، ولعل ما في المتن تصحيف لهذا .
2 ) " يبلغك " أ ، س ، ط ، ق ، د . أى يجهدك .
3 ) " مظاهرتك " ب ، ط . وكلاهما بمعنى واحد .
4 ) العطب : الهلاك . 5 ) " شيعتك " أ ، والاحتجاج .
6 ) أى من حذرك ما يحل بك فقد أعذر اليك ، أصار معذروا عندك . ( * )
ـ295ـ
اديت هذه الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وآله وهو بظاهر المدينة بحضرة كافة ( 1 ) أصحابه
وعامة الكفار به من يهود بني إسرائيل ، وهكذا أمر الرسول ، ليجنبوا ( 2 ) المؤمنين
ويغروا بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول : قد أطريت ( 3 ) مقالتك ؟ واستكملت رسالتك ؟
قال : بلى .
قال صلى الله عليه وآله فاسمع الجواب : إن أبا جهل بالمكاره والعطب يهددني ، ورب
العالمين بالنصر والظفر يعدني ، وخبر الله أصدق ، والقبول من الله أحق ، لن يضر محمدا
من خذله ، أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله عزوجل ، ويتفضل بجوده وكرمه عليه .
قل له : يا أباجهل إنك راسلتني بما ألقاه في خلدك ( 4 ) الشيطان ، وأنا اجيبك بما
ألقاه في خاطري ( 5 ) الرحمن :
إن الحرب بيننا وبينك كائنة إلى تسعة وعشرين ـ يوما ـ وإن الله سيقتلك فيها
بأضعف أصحابي ، وستلقى أنت وعتبة وشيبة والوليد ، وفلان وفلان - وذكر عددا من
قريش - في " قليب بدر " مقتلين أقتل منكم سبعين ، وآسر منكم سبعين ، أحملهم
على الفداء ـ العظيم ـ الثقيل .
ثم نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين واليهود ـ والنصارى ـ وسائر الاخلاط ( 6 ) :
ألا تحبون أن اريكم مصرع كل واحد من هؤلاء ؟ ـ قالوا : بلى . قال : ـ ( 7 )
هلموا إلى بدر فان هناك الملتقى والمحشر ، وهناك البلاء الاكبر ، لاضع قدمي
على مواضع مصارعهم ، ثم ستجدونها لاتزيد ولاتنقص ، ولا تتغير ولاتتقدم ، ولا
* ( هامش ) * ( 1 ) " أكابر " خ ل ، ط . 2 ) " ليجبن " الاحتجاج ، والبحار . جنبه الشئ :
أبعده عنه . 3 ) " أطويت " أ . 4 ) بالتحريك : البال والقلب .
5 ) " خلدى " أ . والخاطر : ما يخطر بالقلب من أمر أو تدبير .
6 ) " الاخلاء " أ ، والبرهان . 7 ) من الاحتجاج والبحار . ( * )
ـ296ـ
تتأخر لحظة ، ولا قليلا ولا كثيرا .
فلم يخف ذلك على أحد منهم ، ولم يحبه إلا علي بن أبي طالب وحده ، وقال :
نعم ، بسم الله . فقال الباقون : نحن نحتاج إلى مركوب وآلات ونفقات ، فلا يمكننا
الخروج إلى هناك وهو مسيرة أيام .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسائر اليهود : فأنتم ماذا تقولون ؟ قالوا : نحن نريد أن نستقر
في بيوتنا ، ولا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في أدعائه محيل .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا نصب عليكم في المسير إلى هناك ، اخطوا خطوة واحدة
فان الله يطوى الارض لكم ويوصلكم في الخطوة الثانية إلى هناك .
فقال المؤمنون : صدق رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلنتشرف بهذه الآية .
وقال الكافرون والمنافقون : سوف نمتحن هذا الكذب لينقطع عذر محمد ، وتصير
دعواه حجة عليه ، وفاضحة له في كذبه .
قال : فخطا القوم خطوة ، ثم الثانية ، فاذاهم عند بئر بدر فعجبوا ، فجاء رسول الله
صلى الله عليه وآله فقال : اجعلوا البئر العلامة ، واذرعوا من عندها كذا ذرعا .
فذرعوا ، فلما انتهوا إلى آخرها قال : هذا مصرع أبي حهل ، يجرحه فلان
الانصاري ويجهز عليه عبدالله بن مسعود أضعف أصحابي .
ثم قال : اذرعوا من البئر من جانب آخر ـ ثم جانب آخر ، ثم جانب آخر ـ كذا
وكذا ذراعا وذراعا ، وذكر أعداد الاذرع مختلفة .
فلما انتهى كل عدد إلى آخره قال رسول الله صلى الله عليه وآله ( 1 ) : هذا مصرع عتبة ، وذلك
مصرع شيبة ، وذاك مصرع الوليد ، وسيقتل فلان وفلان - إلى أن ( سمى تمام ) ( 2 )
سبعين منهم بأسمائهم - وسيؤسر فلان وفلان إلى أن ذكر سبعين منهم بأسمائهم
وأسماء آبائهم وصفاتهم ، ونسب المنسوبين إلى الآباء منهم ، ونسب الموالي منهم
* ( هامش ) * ( 1 ) " محمد صلى الله عليه وآله " أ ، ب ، ط . 2 ) " ذكر " أ . ( * )
ـ297ـ
إلى مواليهم .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أوقفتم على ما أخبرتكم به ؟ قالوا : بلى . قال
( إن ذلك لحق ) ( 1 ) كائن بعد ثمانية وعشرين يوما ـ من اليوم ـ ( 2 ) في اليوم التاسع
والعشرين وعدا من الله مفعولا ، وقضاء حتما لازما .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا معشر المسلمين واليهود اكتبوا بما سمعتم .
فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وآله قد سمعنا ، ووعينا ولا ننسى .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الكتابة ـ أفضل و ـ أذكر لكم .
فقالوا يارسول الله صلى الله عليه وآله وأين الدواة والكتف ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك للملائكة ، ثم قال : ياملائكة ربي اكتبوا ما سمعتم
من هذه القصة في أكتاف ، واجعلوا في كم ( 3 ) كل واحد منهم كتفا من ذلك .
ثم قال : معاشر المسلمين تأملوا أكمامكم وما فيها وأخرجوه واقرؤوه .
فتأملوها فاذا في كم كل واحد منهم صحيفة ، قرأها ، وإذا فيها ذكر ما قال رسول الله
صلى الله عليه وآله في ذلك سواء ، لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر .
فقال : أعيدوها في أكمامكم ، تكن حجة عليكم ، وشرفا للمؤمنين منكم ، وحجة
على الكافرين ( 4 ) . فكانت معهم .
فلما كان يوم بدر جرت الامور كلها ـ ببدر ، ووجدوها ـ كما قال صلى الله عليه وآله ، لا يزيد
ولا ينقص ( 5 ) قابلوا بها ما في كتبهم فوجدوها كما كتبته الملائكة لا تزيد ولا تنقص
ولا تتقدم ولا تتأخر ، فقبل المسلمون ظاهرهم ، ووكلوا باطنهم إلى خالقهم .
فلما أفضى بعض هؤلاء اليهود إلى بعض قالوا : أي شئ صنعتم ؟ أخبرتموهم بما
* ( هامش ) * ( 1 ) " وذاك " أ . 2 ) من البحار . 3 ) أى مدخل اليد ومخرجها من الثواب .
4 ) " أعدائكم " أكثر النسخ والاحتجاج والبحار .
5 ) " لا تزيد ولا تنقص ولا تتقدم ولا تتأخر " ب ، ط ، والبرهان . ( * )
ـ298ـ
فتح الله عليكم من الدلالات على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله ، وإمامة أخيه علي عليه السلام
( ليحاجوكم به عند ربكم ) بأنكم كنتم قد علمتم هذا وشاهدتموه فلم تؤمنوا به
ولم تطيعوه .
وقدروا بجهلهم أنهم إن لم يخبروهم بتلك الآيات لم يكن له ( 1 ) عليهم حجة في غيرها
ثم قال عزوجل : ( أفلا تعقلون ) أن ـ هذا ـ الذي تخبرونهم ( 2 ) ـ به ـ مما فتح
الله عليكم من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وآله حجة عليكم عند ربكم ؟ !
قال الله عزوجل : ( أولا يعلمون ) ؟ يعني أولا يعلم هؤلاء القائلون لاخوانهم :
" أتحدثونهم بما فتح الله عليكم " :
( أن الله يعلم ما يسرون ) من عداوة محمد صلى الله عليه وآله ( 3 ) ويضمرونه من أن إظهارهم
الايمان به أمكن لهم من اصطلامه وإبارة ( 4 ) أصحابه ( وما يعلنون ) من الايمان ظاهرا
ليؤنسوهم ، ويقفوا به على أسرارهم فيذيعوها بحضرة من يضرهم .
وأن الله لما علم ذلك دبر لمحمد تمام أمره ، وبلوغ غاية ما أراده الله ببعثه
وأنه يتم أمره ، وأن نفاقهم وكيادهم لا يضره . ( 5 )
قوله عزوجل : " ومنهم اميون لايعلمون الكتاب الا أمانى وان هم الا
يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله
ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " : 78 - 79
* ( هامش ) * ( 1 ) " لهم " أ ، البحار 17 ، والبرهان . 2 ) " يخبرونهم " أ ، والبحار : 9 ، وج . 7 .
3 ) " عداوته " أ . 4 ) " ابادة " البحار : 9 وج 70 والبرهان . وكلاهما بمعنى " الاهلاك "
5 ) عنه البحار : 9 / 316 ح 12 باختصار ، وج 17 / 339 ضمن ح 16 ، وج 70 / 166
ضمن ح 18 باختصار ، واثبات الهداة : 2 / 15 ح 209 ( قطعة ) والبرهان : 1 / 115 ح 1
وعنه في البحار : 19 / 265 ح 6 وعن الاحتجاج : 1 / 40 ( قطعة ) . ( * )
ـ299ـ
143 - قال الامام عليه السلام : ـ ثم ـ قال الله عزوجل : يا محمد ومن هؤلاء اليهود
( اميون ) لا يقرؤون ـ الكتاب ـ ولا يكتبون ، كالامي منسوب إلى امه ( 1 ) أي هو
كما خرج من بطن امه لايقرأ ولا يكتب ( لا يعلمون الكتاب ) المنزل من السماء
ولا المكذب ( 2 ) به ، ولا يميزون بينهما ( إلا أماني ) أي إلا أن يقرأ عليهم ويقال لهم :
ـ إن ـ هذا كتاب الله وكلامه ، لايعرفون إن قرئ من الكتاب خلاف مافيه
( وإن هم إلا يظنون ) ، أي ( 3 ) مايقول لهم رؤساؤهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وآله في
نبوته ، وإمامة علي عليه السلام سيد عترته ، وهم يقلدونهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم .
قال : فقال رجل للصادق عليه السلام : فاذا كان هؤلاء العوام من اليهود لا يعرفون الكتاب
إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره ، فكيف ذمهم بتقليدهم والقبول
من علمائهم ؟ وهل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علماءهم ؟ فان لم يجز لاولئك
القبول من علمائهم ، لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم .
فقال عليه السلام : بين عوامنا وعلمائنا وبين عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة
وتسوية من جهة ، أما من حيث أنهم استووا ، فان الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم
كما ـ قد ـ ذم عوامهم .
وأما من حيث أنهم افترقوا فلا . قال : بين لي ذلك يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله !
قال عليه السلام : إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح ، وبأكل
الحرام وبالرشاء ، وبتغيير الاحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات .
وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم ، وأنهم إذا تعصبوا أزالوا
حقوق من تعصبوا عليه ، وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم
وظلموهم من أجلهم .
وعرفوهم بأنهم يقارفون المحرمات ، واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل
* ( هامش ) * ( 1 ) " الام " البحار : 9 وج 70 ، 2 ) " المتكذب " البحار . 3 ) " الا " أ والبرهان . ( * )
ـ300ـ
ما يفعلونه فهو فاسق ، لا يجوز أن يصدق على الله ، ولا على الوسائط بين الخلق
وبين الله ، فلذلك ذمهم ـ الله ـ لما قلدوا من قد عرفوا ، ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول
خبره ، ولا تصديقه في حكايته ، ولا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه ، ووجب
عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى ، وأشهر
من أن لاتظهر لهم .
وكذلك عوام امتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر ، والعصبية الشديدة
والتكالب على حطام الدنيا وحرامها ، وإهلاك من يتعصبون عليه إن كان لاصلاح
أمره مستحقا ، وبالترفق ( 1 ) بالبر والاحسان على من تعصبوا له ، وإن كان للاذلال
والاهانة مستحقا .
فمن قلد من عوامنا ـ من ـ مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى
بالتقليد لفسقة فقهائهم .
فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه ، حافظا لدينه ، مخالفا لهواه ، مطيعا لامر مولاه
فللعوام أن يقلدوه .
وذلك لايكون إلا ـ في ـ بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم ، فان من ركب من القبائح
والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ، ولا كرامة لهم ، وإنما
كثر التخليط فيما يتحمل ( 2 ) عنا أهل البيت لذلك ، لان الفسقة يتحملون عنا ، فهم
يحرفونه بأسره لجهلهم ، ويضعون الاشياء على غير ـ مواضعها و ـ وجوهها لقلة معرفتهم
وآخرين يتعمدون الكذب علينا ليجروا ( 3 ) من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى
نار جهنم .
* ( هامش ) * ( 1 ) " بالتوقير " ب . " بالتوفر " س ، ص . " بالترفرف " الاحتجاج ، البحار : 2 والبرهان .
وهى كناية عن اللطف .
2 ) حمل العلم : نقله ورواه . 3 ) " ليحرزوا " ب ، ط . ( * )
ـ301ـ
ومنهم قوم نصاب لايقدرون على القدح فينا ، يتعلمون بعض علومنا الصحيحة
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 301 سطر 1 الى ص 310 سطر 25
ومنهم قوم نصاب لايقدرون على القدح فينا ، يتعلمون بعض علومنا الصحيحة
فيتوجهون به عند شيعتنا ، وينتقصون ـ بنا ـ عند نصابنا ( 1 ) ثم يضيفون إليه أضعافه
وأضعاف أضعافه من الاكاذيب علينا التي نحن براء منها ، فيتقبله ـ المسلمون ـ المستسلمون
من شيعتنا على أنه من علومنا فضلوا وأضلوهم ( 2 ) .
وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه
فانهم يسلبونهم الارواح والاموال ، وللمسلوبين عند الله أفضل الاحوال لما لحقهم
من أعدائهم .
وهؤلاء علماء السوء الناصبون المشبهون بأنهم لنا موالون ، ولاعدائنا معادون
يدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا ، فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد
الحق المصيب .
ـ لا جرم ـ أن من علم الله من قلبه - من هؤلاء العوام - أنه لا يريد إلا صيانة دينه
وتعظيم وليه ، لم يتركه في يد هذا الملبس الكافر .
ولكنه يقيض له مؤمنا يقف به على الصواب ، ثم يوفقه الله تعالى للقبول منه فيجمع
له بذلك خير الدنيا والآخرة ، ويجمع على من أضله لعن الدنيا وعذاب الآخرة .
ثم قال : ـ قال ـ رسول الله صلى الله عليه وآله : شرار علماء أمتنا المضلون عنا ، القاطعون للطرق
إلينا ، المسمون أضدادنا بأسمائنا ، الملقبون أضدادنا ( 3 ) بألقابنا ، يصلون عليهم وهم
للعن مستحقون ، ويلعنوننا ونحن بكرامات الله مغمورون ، وبصلوات الله وصلوات
ملائكته المقربين علينا - عن صلواتهم علينا - مستغنون . ( 4 )
* ( هامش ) * ( 1 ) " أنصارنا " خ ل ، ط . 2 ) " وأضلوا " ط ، والبحار ، والبرهان .
3 ) " أندادنا " الاحتجاج والبحار : 2 ، ق ، د .
4 ) عنه البحار : 9 / 318 ضمن ح 12 ( قطعة ) ، ج 70 / 168 ضمن ح 18 ( قطعة ) والبرهان :
1 / 117 ضمن ح 1 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 286 ح 8 ، وعنه الوسائل : 18 / 94 ح 20 < ( * )
ـ302ـ
144 - ثم ـ قال : ـ قيل لامير المؤمنين عليه السلام : من خير خلق الله بعد أئمة الهدى
ومصابيح الدجى ؟ قال : العلماء إذا صلحوا .
قيل : فمن شر خلق الله بعد إبليس وفرعون ونمرود ، وبعد المتسمين ( 1 ) بأسمائكم
والمتلقبين ( 2 ) بألقابكم ، والآخذين لامكنتكم ، والمتأمرين في ممالككم ؟
قال : العلماء إذا فسدوا ، هم المظهرون للاباطيل ، الكاتمون للحقائق ، وفيهم
قال الله عزوجل : ( اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا ) الآية . ( 3 )
ثم قال الله عزوجل : " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون
هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا " الآية .
145 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل ـ هذا ـ لقوم من هؤلاء اليهود كتبوا صفة
زعموا أنها صفة النبي ( 4 ) صلى الله عليه وآله وهو خلاف صفته ، وقالوا للمستضعفين ـ منهم ـ : هذه
صفة النبي المبعوث في آخر الزمان : إنه طويل ، عظيم البدن والبطن ، أصهب ( 5 )
الشعر ، ومحمد صلى الله عليه وآله بخلافه ، وهو يجئ بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة .
وإنما أرادوا بذلك لتبقى لهم على ضعفائهم رياستهم ، وتدوم لهم منهم إصابتهم ( 6 )
* ( هامش ) * > والبحار : 2 / 86 ضمن ح 12 وعن الاحتجاج : 2 / 262 ( وفيه تقدم تفسير الاية التالية
" فويل للذين يكتبون . . . " قبل حديث الامام الصادق عليه السلام ، فلاحظ ) .
1 ) " المسمين " أ ، ص . 2 ) " الملقبين " أ .
3 ) عنه البرهان : 1 / 118 ضمن ح 1 ، وص 171 ح 6 ، وعنه البحار : 2 / 89 ذ ح 12 ، وعن
الاحتجاج : 2 / 264 . والاية الاخيرة : 159 - 160 من سورة البقرة .
4 ) " محمد صلى الله عليه وآله " ب ، ط ، الاحتجاج ، والبحار .
5 ) الصهبة : احمرار الشعر .
6 ) أصاب من الشئ : أخذ وتناول . ( * )
ـ303ـ
ويكفوا أنفسهم مؤنة خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله ـ وخدمة علي عليه السلام ـ وأهل خاصته .
فقال الله تعالى : ( فويل لهم مما كتبت أيديهم ) من هذه الصفات المحرفات
المخالفات لصفة ( 1 ) محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ، الشدة لهم من العذاب في أسوأ بقاع
جهنم ( وويل لهم ) الشدة ( لهم من ) ( 2 ) العذاب ثانية مضافة إلى الاولى ( مما يكسبون )
من الاموال التي يأخذونها إذا أثبتوا ( 3 ) عوامهم على الكفر بمحمد رسول الله ، والجحد
لوصيه : أخيه علي ولي الله عليهما السلام . ( 4 )
قوله عزوجل : " وقالوا لن تمسنا النار الا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله
عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون بلى من كسب
سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النارهم فيها خالدون والذين
آمنوا وعملوا الصالحات اولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " : 80 - 82 .
146 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل : ( وقالوا ) يعني اليهود ـ المصرون ـ ( 5 )
المظهرون للايمان ، المسرون للنفاق ، المدبرون على رسول الله صلى الله عليه وآله وذويه بما يظنون
أن فيه عطبهم ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) وذلك أنه كان لهم أصهار ( 6 )
وإخوه رضاع من المسلمين يسرون ( 7 ) كفرهم عن محمد ( 8 ) صلى الله عليه وآله وصحبه ، وإن كانوا
به عارفين ، صيانة لهم لارحامهم وأصهارهم .
قال لهم هؤلاء : لم تفعلون هذا النفاق الذي تعلمون أنكم به عند الله مسخوط
* ( هامش ) * ( 1 ) " لصفات " أ ، ص . 2 ) " في " أ . 3 ) ثبت وأثبت : جعله ثابتا .
4 ) عنه البحار : 9 / 318 ضمن ح 12 ، وج 70 / 168 ضمن ح 18 ، والبرهان : 1 / 119 ضمن
ح 1 ، وعنه في البحار : 2 / 87 ضمن ح 1 وعن الاحتجاج : 2 / 262 .
5 ) " المقرون " أ . 6 ) الصهر : القرابة ، زوج الاخت أو الابنة .
7 ) " يسترون " س ، د ، والبرهان . 8 ) " بمحمد " أ ، والبحار : 8 . ( * )
ـ304ـ
عليكم معذبون ؟ أجابهم هؤلاء اليهود : بأن مدة ذلك العذاب ( 1 ) الذي نعذب به لهذه
الذنوب ( أياما معدودة ) تنقضي ، ثم نصير بعد في النعمة في الجنان ، فلا نتعجل
المكروه في الدنيا للعذاب الذي ـ هو ـ بقدر أيام ذنوبنا ، فانها تفنى وتنقضي ، ونكون قد
حصلنا لذات الحرية من الخدمة ولذات نعمة الدنيا ، ثم لا نبالي بما يصيبنا بعد
فانه إذا لم يكن دائما فكأنه قد فنى .
فقال الله عزوجل : ( قل - يا محمد - أتخذتم عند الله عهدا ) أن عذابكم على
كفركم بمحمد ودفعكم لآياته في نفسه ، وفي علي وسائر خلفائه وأوليائه منقطع غير
دائم ؟ بل ما هو إلا عذاب دائم لا نفاد له ، فلا تجتروا على الآثام والقبائح من الكفر بالله
وبرسوله وبوليه المنصوب بعده على امته ، ليسوسهم ويرعاهم سياسة الوالد الشفيق
الرحيم ـ الكريم ـ لولده ، ورعاية الحدب ( 2 ) المشفق على خاصته ( فلن يخلف الله
عهده ) فكذلك أنتم بما تدعون من فناء عذاب ذنوبكم هذه في حرز ( أم تقولون
على الله مالا تعلمون ) اتخذتم عهدا ؟ أم تقولون ؟ ( 3 ) بل أنتم في أيهما ادعيتم كاذبون . ( 4 )
ثم قال الله عزوجل ردا عليهم : ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته
فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) : 81
147 - قال الامام عليه السلام : السيئة المحيطة به هي التي تخرجه عن جملة ( 5 ) دين الله
وتنزعه عن ولاية الله وترميه في ( 6 ) سخط الله ـ و ـ هي الشرك بالله ، والكفر به ، والكفر
بنبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ، والكفر بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ( 7 ) كل واحد
* ( هامش ) * ( 1 ) " العقاب " أ 2 ) أى العطوف . وفى " أ " : الجد .
3 ) " تقولون جهلا " البحار : 8 .
4 ) عنه البحار : 8 / 300 ضمن ح 55 ، وج 9 / 319 ضمن ح 12 ، وج 70 / 169 ضمن
ح 18 ، والبرهان : 1 / 119 ضمن ج 1 .
5 ) " حمله " س . 6 ) " لا تؤمنه " ص ، ق ، د .
7 ) زاد في البحار : 8 " وخلفائه " . ( * )
ـ305ـ
من هذه سيئة تحيط به ، أي تحيط بأعماله فتبطلها وتمحقها ( فاولئك ) عاملوا هذه
السيئة المحيطة ( أصحاب النارهم فيها خالدون ) . ( 1 )
ـ في أن ولاية على عليه السلام حسنة لا يضر معها سيئة : ـ
148 - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن ولاية علي حسنة لا يضر معها شئ ( 2 ) من
السيئات وإن جلت إلا ما يصيب أهلها من التطهير منها بمحن الدنيا ، وببعض العذاب
في الآخرة إلى أن ينجو منها بشفاعة مواليه الطيبين الطاهرين .
وإن ولاية أضداد علي ومخالفة علي عليه السلام سيئة لا ينفع معها شئ إلا ما ينفعهم
بطاعاتهم في الدنيا بالنعم والصحة والسعة ، فيردون الآخرة ولا يكون لهم إلا
دائم العذاب .
ثم قال : إن من جحد ولاية علي لا يرى الجنة بعينه أبدا إلا ما يراه بما يعرف به
أنه لو كان يواليه لكان ذلك محله ومأواه ـ ومنزله ـ ، فيزداد حسرات وندامات .
وإن من تولى عليا ، وبرئ من أعدائه ، وسلم لاوليائه لا يرى النار بعينه أبدا إلا
ما يراه ، فيقال له : لو كنت على غير هذا لكان ذلك مأواك ، إلا ما يباشره منها إن كان
مسرفا على نفسه - بما دون الكفر - إلى أن ينظف بجهنم ( 3 ) كما ينظف القذر من ( 4 )
بدنه بالحمام ـ الحامي ـ ثم ينتقل منها بشفاعة مواليه ( 5 ) .
149 - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : اتقوا الله معاشر الشيعة ، فان الجنة لن تفوتكم
* ( هامش ) * ( 1 ) عنه البحار : 8 / 300 ضمن ح 55 ، وص 358 ح 19 ، والبرهان : 1 / 119 ضمن ح 1
وج 4 / 20 صدر ح 4 .
2 ) " سيئة " خ ل . 3 ) " بحبهم " خ ل .
4 ) كذا استظهرها في " أ " ، وفى " ب ، س ، ط ، ق ، د " قذر ، وليس في " ص " .
5 ) عنه البحار : 8 / 301 ذ ح 55 ( قطعة ) والبرهان : 1 / 119 ذ ح 1 ، وج 4 / 20 ضمن ح 4 . ( * )
ـ306ـ
وإن أبطأت بكم عنها قبائح أعمالكم ، فتنافسوا في درجاتها .
قيل : فهل يدخل جهنم ـ أحد ـ من محبيك ، ومحبي علي عليه السلام ؟ قال : من قذر
نفسه بمخالفة وعلي ، وواقع المحرمات ، وظلم المؤمنين والمؤمنات ، وخالف
ما رسما له ( 1 ) من الشرعيات ( 2 ) جاء يوم القيامة قذرا طفسا ( 3 ) ، يقول له محمد وعلي : يا
فلان أنت قذر طفس ، لا تصلح لمرافقة مواليك الاخيار ، ولا لمعانقة الحور الحسان ، ولا
لملائكة الله المقربين ، ولا تصل إلى ما هناك إلا بأن يطهر عنك ما هيهنا - يعني ما عليه
من الذنوب - فيدخل إلى الطبق الاعلى من جهنم ، فيعذب ببعض ذنوبه .
ومنهم من تصيبه الشدائد في المحشر ببعض ذنوبه ، ثم يلقطه ( 4 ) من هنا ومن هنا
من يبعثهم إليه مواليه من خيار شيعتهم ، كما يلقظ ( 5 ) الطير الحب .
ومنهم من تكون ذنوبه أقل وأخف فيطهر منها بالشدائد والنوائب من
السلاطين وغيرهم ، ومن الآفات في الابدان في الدنيا ليدلى في قبره وهو طاهر
من ـ ذنوبه ـ ( 6 ) .
ومنهم من يقرب موته ، وقد بقيت عليه ( 7 ) فيشتد نزعه ، ويكفر به عنه ، فان بقي
شئ وقويت عليه يكون له بطن ( 8 ) أو أضطراب في يوم موته ، فيقل من يحضره فيلحقه
به الذل ، فيكفر عنه ، فان بقي شئ اتي به ولما يلحد ويوضع ، فيتفرقون عنه ، فيطهر .
فان كانت ذنوبه أعظم وأكثر طهر منها بشدائد عرصات ـ يوم ـ القيامة ، فان كانت
* ( هامش ) * ( 1 ) رسم له كذا : أمره به .
2 ) " الشريعات " س ، ص ، ط ، ق ، د . الشرعى : ما وافق الاصل وانطبق عليه .
3 ) الطفس - بالتحريك - : الوسخ والدرن . 4 ) " يلتقطه " خ ل .
5 ) " يلتقط " خ ل . 6 ) من البرهان . وفى " أ " من ذنوبهم .
7 ) أى الذنوب . وزاد عليها في البحار : سيئة .
8 ) بالتحريك : داء البطن . وفى البحار : البطر وبطر الشئ : كرهه من غير أن يستحق الكراهة . ( * )
ـ307ـ
أكثر وأعظم طهر منها في الطبق الاعلى من جهنم ، وهؤلاء أشد محبينا عذابا
وأعظمهم ذنوبا .
ليس هؤلاء يسمون بشيعتنا ، ولكنهم يسمون بمحبينا والموالين لاوليائنا
والمعادين لاعدائنا ، إن شيعتنا من شيعنا ، واتبع أثارنا ، واقتدى بأعمالنا . ( 1 )
ـ بيان معنى الشيعة : ـ
150 - وقال الامام عليه السلام : قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله : ـ يا رسول الله ـ فلان ينظر إلى
حرم جاره ( 2 ) فان أمكنه مواقعة حرام لم ينزع ( 3 ) عنه ! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال :
ائتوني به . فقال رجل آخر : يا رسول الله إنه من شيعتكم ممن يعتقد موالاتك وموالاة
علي ، ويتبرأ من أعدائكما .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تقل إنه من شيعتنا فانه كذب ، إن شيعتنا من شيعنا وتبعنا
في أعمالنا ، وليس هذا الذي ذكرته في هذا الرجل من أعمالنا . ( 4 )
151 - وقيل لامير المؤمنين ـ وإمام المتقين ، ويعسوب الدين ، وقائد الغر
المحجلين ، ووصي رسول رب العالمين : إن ـ ( 5 ) فلان مسرف على نفسه بالذنوب
الموبقات ، وهو مع ذلك من شيعتكم .
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : قد كتبت عليك كذبة أو كذبتان ، إن كان مسرفا بالذنوب
على نفسه ، يحبنا ويبغض أعداءنا ، فهو كذبة واحدة ، هو ( 6 ) من محبينا لا من شيعتنا .
* ( هامش ) * ( 1 ) عنه البحار : 68 / 154 صدر ح 11 ، والبرهان : 4 / 21 ضمن ح 4 .
2 ) " فلان " ب ، س ، ط .
3 ) " يرع " س ، ص ، ق ، د . تنبيه الخواطر ، والبحار . نزع عن كذا : كف وانتهى عنه . ورعا
يرعو رعوا : رجع عن جهله .
4 ) اضافة للبحار والبرهان المتقدمين : عنه تنبيه الخواطر : 2 / 105
5 ) من البحار . 6 ) " لانه " البحار . ( * )
ـ308ـ
وإن كان يوالي أولياءنا ويعادي أعداءنا ، وليس ـ هو ـ بمسرف على نفسه ـ في
الذنوب ـ كما ذكرت فهو منك كذبة ، لانه لا يسرف في الذنوب .
وإن كان ـ لا ـ ( 1 ) يسرف في الذنوب ولا يوالينا ولا يعادي أعداءنا ، فهو
منك ـ كذبتان ـ . ( 2 )
152 - ـ قال عليه السلام : ـ قال رجل لامرأته : اذهبي إلى فاطمة عليها السلام بنت رسول
الله صلى الله عليه وآله فسليها عني ، أنا من شيعتكم ، أو لست من شيعتكم ؟
فسألتها ، فقالت عليها السلام : قولي له : إن كنت تعمل بما أمرناك ، وتنتهي عما زجرناك
عنه فأنت من شيعتنا ، وإلا فلا .
فرجعت ، فأخبرته ، فقال : يا ويلي ومن ينفك من الذنوب والخطايا ، فأنا إذن خالد
في النار ، فان من ليس من شيعتهم فهو خالد في النار .
فرجعت المرأة فقالت لفاطمة عليها السلام ما قال لها زوجها .
فقالت فاطمة عليها السلام : قولي له : ليس هكذا ـ فان ـ شيعتنا من خيار أهل الجنة ، وكل
محبينا وموالي أوليائنا ، ومعادي أعدائنا ، والمسلم بقلبه ولسانه لنا ليسوا من شيعتنا
إذا خالفوا أوامرنا ونواهينا في سائر الموبقات ، وهم مع ذلك في الجنة ، ولكن بعد
ما يطهرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا ، أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها ، أو
في الطبق الاعلى من جهنم بعذابها إلى أن نستنقذهم - بحبنا - منها ، وننقلهم
إلى حضرتنا ( 3 ) .
153 - وقال رجل للحسن بن على عليهما السلام : يابن رسول الله أنا من شيعتكم .
فقال الحسن بن علي عليهما السلام يا عبدالله إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعا فقد
* ( هامش ) * ( 1 ) استظهرها في " ص " وهو الصحيح .
2 و 3 ) عنه البحار والبرهان المتقدمين . ( * )
ـ309ـ
صدقت ، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها
لاتقل : أنا من شيعتكم ، ولكن قل : أنا من مواليكم ومحبيكم ، ومعادي أعدائكم ، وأنت
في خير ، وإلى خير . ( 1 )
154 - وقال رجل للحسين بن على عليهما السلام : يابن رسول الله أنا من شيعتكم .
قال عليه السلام : اتق الله ولا تدعين شيئا يقول الله تعالى لك : كذبت وفجرت في دعواك .
إن شيعتنا من سلمت قلوبهم من كل غش وغل ودغل ( 2 ) ولكن قل : أنا من
مواليكم و ـ من ـ محبيكم . ( 3 )
155 - وقال رجل لعلى بن الحسين عليهما السلام : يابن رسول الله أنا من شيعتكم
الخلص فقال له : يا عبدالله فاذن أنت كابراهيم الخليل عليه السلام الذي قال الله فيه : ( وإن
من شيعته لابراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ) ( 4 ) فان كان قلبك كقلبه فأنت من شيعتنا
وإن لم يكن قلبك كقلبه ، وهو طاهر من الغش والغل ـ فأنت من محبينا ـ وإلا فانك
إن عرفت أنك بقولك كاذب فيه ، إنك لمبتلى بفالج لا يفارقك إلى الموت أو جذام
ليكون كفارة لكذبك هذا . ( 5 )
156 - وقال الباقر عليه السلام لرجل فخر على آخر ـ قال ـ : ( 6 ) أتفاخرني وأنا من شيعة
آل محمد الطيبين ؟ ! فقال له الباقر عليه السلام :
ما فخرت عليه ورب الكعبة ، وغبن ( 7 ) منك على الكذب يا عبدالله ، أمالك معك تنفقه
على نفسك أحب إليك أم تنفقه على إخوانك المؤمنين ؟ قال : بل أنفقه على نفسي .
قال : فلست من شيعتنا ، فانا نحن ما ننفق على المنتحلين من إخواننا أحب إلينا
* ( هامش ) * ( 1 و 3 ) اضافة للبحار والبرهان المتقدمين ، عنه تنبيه الخواطر : 2 / 106 .
2 " دخل " ، . وهى - بالتحريك - ما داخل الانسان من فساد في العقل أو الجسم .
4 ) الصافات : 83 - 84 . 5 ) عنه البحار والبرهان المذكورين .
6 ) استظهرها في " أ " . 7 ) " الغش " خ ل .
ـ310ـ
ـ من أن ننفق ( 1 ) على أنفسنا ـ ولكن قل : أنا من محبيكم ومن الراجين للنجاة بمحبتكم . ( 2 )
ـ في معنى الرافضى ، وأن أول من سمى به سحرة موسى : ـ
157 - وقيل للصادق عليه السلام : إن عمارا الدهني ( 3 ) شهد اليوم عند ـ ابن ـ أبي ليلى ( 4 )
قاضي الكوفة بشهادة ، فقال له القاضي :
قم يا عمار فقد عرفناك . لا تقبل شهادتك ، لانك رافضي .
فقام عمار وقد ارتعدت فرائصه ، واستفرغه ( 5 ) البكاء .
* ( هامش ) * ( 1 ) " تنفق " أ . 2 ) عنه البحار : والبرهان المذكورين .
3 ) قال النجاشى في رجاله : 411 ضمن ترجمة ولده معاوية : " كان أبوه ثقة في العامة وجيها " .
وقال الشيخ المامقانى ره في رجاله : 2 / 317 : بالدال المهملة المضمومة والهاء الساكنة
والنون والياء ، نسبة إلى بنى دهن حى من بجيلة ، وهم بنو دهن بن معاوية بن أسلم بن أحمص
بن الغوث . . واشتهار الرجل بالتشيع كاشتهار الشمس في رابعة النهار . وقال - بعد
نقله كلام النجاشى المتقدم - : ومثله بعينه في الخلاصة .
وغرضهما من التقييد بقولهما " في العامة " ليس هو الحكم بكونه عاميا . . . بل غرضهما
بذلك أن العامة أيضا كانوا يثقون به ويعظمونه . وكان له فيهم أيضا وجاهة لروايته عن عظمائهم
والا فالرجل شيعى ثقة . . . . " انتهى .
أقول : وعلى كل لم يرد نص على أنه من العامة - كما يستظهر البعض - .
وقد وثقه الذهبى في ميزان الاعتدال : 3 / 172 فقال : قال على بن المدينى : قال سفيان
ابن عيينة : قطع بشر بن مروان بن الحكم عرقوبيه . قلت : في أى شئ ؟ قال : في التشيع . انتهى
وسفيان هو أحد الرواة عنه .
وقال ابن حجر العسقلانى في تقريب التهذيب : 2 / 48 : صدوق ، يتشيع .
4 ) قال عنه الذهبى في سير النبلاء : 6 / 310 : محمد بن عبدالرحمن بن أبى ليلى مفتى
الكوفة وقاضيها .
5 ) كذا في الاصل وتنبيه الخواطر والبحار ، واستظهرها في رجال المامقانى : " استغرقه " يقال :
استفرغ فلان مجهوده : اذا لم يبق من جهده وطاقته شيئا . واستغرق في البكاء : بالغ فيه . ( * )
ـ311ـ
فقال له ابن أبي ليلى : أنت رجل من أهل العلم والحديث ، إن كان يسوءك أن يقال
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 311 سطر 1 الى ص 320 سطر 23
فقال له ابن أبي ليلى : أنت رجل من أهل العلم والحديث ، إن كان يسوءك أن يقال
لك " رافضي " فتبرأ من الرفض ، فأنت من إخواننا .
فقال له عمار : ياهذا ما ذهبت والله حيث ذهبت ، ولكني بكيت عليك وعلي :
أما بكائي على نفسي فانك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها ، زعمت أني
رافضي ، ويحك لقد حدثني الصادق عليه السلام " أن أول من سمي الرافضة ( 1 ) السحرة
الذين لما شاهدوا آية موسى عليه السلام في عصاه آمنوا به ـ ورضوا به ـ واتبعوه ورفضوا
أمر فرعون ، واستسلموا لكل ما نزل بهم ، فسماهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه " .
فالرافضي من رفض كلما كرهه الله ، تعالى وفعل كل ما أمره الله ، فأين في الزمان
مثل هذا ؟
فانما بكيت على نفسي خشية أن ( يطلع الله تعالى ) ( 2 ) على قلبي ، وقد تقبلت ( 3 )
هذا الاسم الشريف على نفسي ، فيعاتبني ( 4 ) ربي عزوجل ويقول : يا عمار أكنت
رافضا للاباطيل ، عاملا للطاعات كما قال لك ؟ فيكون ذلك تقصيرا بي في الدرجات
إن سامحني ، وموجبا لشديد العقاب علي إن ناقشني ، إلا أن يتداركني موالي بشفاعتهم .
وأما بكائي عليك ، فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي ، وشفقتي الشديدة عليك
من عذاب الله تعالى أن صرفت أشرف الاسماء إلى أن جعلته من أرذلها ( 5 ) كيف
يصبر بذلك على عذاب ـ الله ، وعذاب ـ كلمتك هذه ؟ !
فقال الصادق عليه السلام : لو أن على عمار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات
والارضين لمحيت عنه بهذه الكلمات : وإنها لتزيد في حسناته عند ربه عزوجل
* ( هامش ) * ( 1 ) " الرافضية " أ . " الرفضة " البحار .
2 ) " يطبع " رجال المامقانى . يقال : طبع الله على قلبه : أى ختم وغطى فلا يعى ولا يوفق .
3 ) " تلقبت " س ، ق ، د ، والبحار . 4 ) " فيعاقبنى " ب ، س ، ص ، ط ، د .
5 ) " أراذلها " أ . والارذل : الردئ . ( * )
ـ312ـ
حتى يجعل كل خردلة منها أعظم من الدنيا ألف ( 1 ) مرة ( 2 ) .
158 - قال عليه السلام : وقيل لموسى بن جعفر عليهما السلام : مررنا برجل في السوق وهو
ينادي : أنا من شيعة محمد وآل محمد الخلص ، وهو ينادي على ثياب يبيعها :
على من يزيد ( 3 ) . فقال موسى عليه السلام :
ماجهل ولا ضاع امرؤ عرف قدر نفسه ، أتدرون ما مثل هذا ؟ ـ ما مثل ـ ( 4 )
هذا كمن قال : " أنا مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار " وهو مع ذلك يباخس ( 5 )
في بيعة ، ويدلس ( 6 ) عيوب المبيع على مشتريه ، ويشتري الشئ بثمن فيزايد الغريب
يطلبه فيوجب له ، ثم إذا غاب المشتري قال : لا أريده إلا بكذا بدون ماكان يطلبه
ـ منه ـ ، أيكون هذا كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار ؟ حاش لله أن يكون هذا كهم
ولكن لا نمنعه ( 7 ) من أن يقول : " أنا من محبي محمد وآله محمد ، ومن موالي
أوليائهم ومعادي أعدائهم " . ( 8 )
159 - قال عليه السلام : ولما جعل ( 9 ) إلى علي بن موسى الرضا عليهما السلام ولاية العهد دخل
عليه آذنه فقال : إن قوما بالباب يستأذنون عليك ، يقولون : نحن من شيعة علي عليه السلام .
فقال عليه : أنا مشغول فاصرفهم . فصرفهم .
* ( هامش ) * ( 1 ) " ألف مائة الف " أ .
2 ) اضافة للبحار والبرهان المتقدمين ، عنه الخواطر : 2 / 106 ، وتنقيح المقال : 2 / 318 .
3 " يريد " ق . 4 ) من ق ود .
5 ) " يناجش " ب ، س ، ص ، ط ، ق ، د . والبخس من الظلم ، أن تبخس أخاك حقه فتنقصه كما
يبخس الكيال مكياله ، فينقصه . ( لسان العرب : 6 / 24 ) . وتناجش القوم في البيع : تزايدوا .
6 ) التدليس في البيع : كتمان عيب السلعة عن المشترى .
7 ) " مايمنعه " البحار . 8 ) عنه البحار والبرهان المتقدمين .
9 ) على بناء المجهول ، وفى البحار : جعل المأمون . ( * )
ـ313ـ
فلما كان في اليوم الثاني جاؤا وقالوا كذلك ، فقال مثلها ، فصرفهم إلى أن جاؤه
هكذا يقولون ويصرفهم شهرين ، ثم أيسوا من الوصول وقالوا للحاجب : قل لمولانا :
إنا شيعة أبيك علي بن أبي طالب عليه السلام وقد شمت بنا أعداؤنا في حجابك لنا ، ونحن
ننصرف هئذه الكرة ، نهرب من بلدنا خجلا وأنفة مما لحقنا ، وعجزا عن احتمال
مضض ما يلحقنا بشماتة أعدائنا .
فقال على بن موسى ـ الرضا ـ عليهما السلام : ائذن لهم ليدخلوا . فدخلوا عليه ، فسلموا
عليه ، فلم يرد عليهم ، ولم يأذن ( 1 ) لهم بالجلوس ، فبقوا قياما ، فقالوا :
يابن رسول الله ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد هذا الحجاب الصعب ؟
أي باقية تبقي منا بعد هذا ؟
فقال الرضا عليه السلام : اقرؤا ( 2 ) ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا
عن كثير ) ( 3 ) . ما اقتديت إلا بربي عزوجل فيكم ، وبرسول الله صلى الله عليه وآله وبأمير المؤمنين
عليه السلام ومن بعده من آبائي الطاهرين عليهم السلام عتبوا عليكم ، فاقتديت بهم .
قالوا : لماذا يابن رسول الله ؟
قال ـ لهم ـ : لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .
ويحكم إنما شيعته الحسن والحسين عليهما السلام وسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار
ومحمد بن أبي بكر ، الذين لم يخالفوا شيئا من أوامره ، ولم يرتكبوا شيئا من ـ فنون ؟ ؟ ؟ ـ زواجره .
فأما أنتم إذا قلتم أنكم شيعته ، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون ، مقصرون
في كثير من الفرائض ـ و ـ متهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله ، وتتقون حيث
لا تجب التقية ، وتتركون التقية ـ حيث لا بد من التقية ـ .
لو قلتم أنكم موالوه ومحبوه ، والموالون لاوليائه ، والمعادون لاعدائه ، لم
انكره من قولكم ، ولكن هذه مرتبة شريفة ادعيتموها ، إن لم تصدقوها قولكم بفعلكم
* ( هامش ) * ( 1 ) " يؤذن " ب ، ط . 2 ) " أفتروا " أ . 3 ) الشورى : 30 . ( * )
ـ314ـ
هلكتم إلا أن تتدارككم رحمة ـ من ـ ربكم .
قالوا : يابن رسول الله ، فانا نستغفر الله ونتوب إليه من قولنا ، بل نقول - كما علمنا
مولانا - نحن محبوكم ، ومحبوا أوليائكم ، ومعادوا أعدائكم .
قال الرضا عليه السلام : فمرحبا بكم يا إخواني وأهل ودي ، ارتفعوا ، ارتفعوا ( 1 )
فما زال يرفعهم حتى ألصقهم بنفسه ، ثم قال لحاجبه : كم مرة حجبتهم ؟ قال : ستين مرة .
فقال لحاجبه : فاختلف إليهم ستين مرة متوالية ، فسلم عليهم واقرأهم سلامي
فقد محوا ما كان من ذنوبهم باستغفارهم وتوبتهم ، واستحقوا الكرامة لمحبتهم لنا
وموالاتهم . وتفقد أمورهم وامور عيالاتهم ، فأوسعهم بنفقات ومبرات وصلات
ودفع معرات ( 2 ) . ( 3 )
160 - قال عليه السلام : ودخل رجل على محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام وهو
مسرور ، فقال : ما لي أراك مسرورا ؟
قال : يا بن رسول الله ، سمعت أباك يقول : أحق يوم بأن يسر العبد فيه يوم يرزقه
الله صدقات ومبرات وسد خلات من إخوان له مؤمنين ، وإنه قصدني اليوم عشرة
من إخواني ـ المؤمنين ـ الفقراء لهم عيالات ، قصدوني من بلد كذا وكذا ، فأعطيت
كل واحد منهم ( 4 ) فلهذا سروري .
فقال محمد بن علي عليهما السلام : لعمري إنك حقيق بأن تسر إن لم تكن أحبطته
أو لم تحبطه فيما بعد .
* ( هامش ) * ( 1 ) كررها في البحار ، ق ، د ، ثلاثا .
2 ) " مضرات " أ ، والمعرة : المساءة والاذى والغرم والشدة .
3 ) اضافة للبحار والبرهان المذكورين ، رواه في الاحتجاج : 2 / 236 باسناده عن الامام
العسكرى عليه السلام ، عنه الوسائل : 11 / 470 ح 9 ( قطعة ) والبحار : 22 / 330 ح 39 ( قطعة ) .
4 ) " منهم ( بكذا ) كذا " ب ، س ، ص ، ق ، د . ( * )
ـ315ـ
فقال الرجل : وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلص ؟
قال : هاه ( 1 ) قد أبطلت برك باخوانك وصدقاتك .
قال : وكيف ذاك يا بن رسول الله ؟
قال له محمد بن علي عليهما السلام : اقرأ قول الله عزوجل : ( يا أيها الذين آمنوا
لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى ) ( 2 ) .
قال الرجل : يا بن رسول الله ما مننت على القوم الذين تصدقت عليهم ولا آذيتهم !
قال له محمد بن علي عليهما السلام : إن الله عزوجل إنما قال : ( لا تبطلوا صدقاتكم
بالمن والاذى ) ولمن يقل لا تبطلوا بالمن على من تتصدقون عليه ، ـ وبالاذى لمن
تتصدقون عليه ـ وهو كل أذى ، أفترى أذاك للقوم الذين تصدقت عليهم أعظم ، أم
أذاك لحفظتك وملائكة الله المقربين حواليك ، أم أذاك لنا ؟
فقال الرجل : بل هذا يا بن رسول الله .
فقال : فقد آذيتني وآذيتهم وأبطلت صدقتك . قال : لماذا ؟
قال : لقولك " وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلص " ويحك ، أتدري من
شيعتنا الخلص ؟ ـ قال : لا .
قال : شيعتنا الخلص ـ حزقيل ( 3 ) المؤمن ، مؤمن آل فرعون ، وصاحب يس الذي قال الله
تعالى ـ فيه ـ : ( وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى ) ( 4 ) وسلمان وأبوذر والمقداد
وعمار ، أسويت نفسك بهؤلاء ؟ أما آذيت بهذا الملائكة ، وآذيتنا .
فقال الرجل : أستغفر الله وأتوب إليه ، فكيف أقول ؟
* ( هامش ) * ( 1 ) هه : كلمة تذكر ، وتكون بمعنى التحذير أيضا ، فاذا مددتها وقلت : هاه كانت وعيدا في
حال ، وحكاية لضحك الضاحك في حال . ( لسان العرب : 13 / 551 ) .
2 ) سورة البقرة : 264 . 3 ) " حزبيل " س ، ص .
4 ) سورة يس : 20 . ( * )
ـ316ـ
قال : قل : أنا من مواليكم ومحبيكم ، ومعادي أعدائكم ، وموالي أوليائكم .
فقال : كذلك أقول ، وكذلك أنا يابن رسول الله ، وقد تبت من القول الذي
أنكرته ، وأنكرته الملائكة ، فما أنكرتم ذلك إلا لانكار الله عزوجل .
فقال محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام : الآن قد عادت إليك مثوبات صدقاتك
وزال عنها الاحباط . ( 1 )
161 - قال أبويعقوب يوسف بن زياد وعلي بن سيار ( رض ) : حضرنا ليلة
على غرفة الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام وقد كان ملك الزمان له معظما ، وحاشيته
له مبجلين ، إذ مر علينا والي البلد - والي الجسرين - ومعه رجل مكتوف ، والحسن
ابن علي عليهما السلام مشرف من روزنته ( 2 ) .
فلما رآه الوالي ترجل عن دابته إجلالا له . فقال الحسن بن علي عليهما السلام : عد
إلى موضعك . فعاد ، وهو معظم له ، وقال : يابن رسول الله ، أخذت هذا ، في هذه
الليلة ، على باب حانوت صيرفي ، فاتهمته بأنه يريد نقبه ( 3 ) والسرقة منه .
فقبضت عليه ، فلما هممت أن أضربه خمسمائة ـ سوط ـ - وهذا سبيلي فيمن أتهمه
ممن آخذه - ( 4 ) ليكون قد شقى ( 5 ) ببعض ذنوبه قبل أن يأتيني ـ ويسألني فيه ـ من لا
أطيق مدافعته .
فقال لي : اتق الله ولا تتعرض لسخط الله ، فاني من شيعة أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب عليه السلام وشيعة هذا الامام ـ أبي ـ القائم بأمر الله ( 6 ) عليه السلام .
* ( هامش ) * ( 1 ) عنه البحار والبرهان المتقدمين .
2 ) هى الكوة النافذة . معربة . 3 ) " أن ينقبه " أ ، نقب الحائط : خرقه .
4 ) زاد في البحار : " لئلا يسألنى فيه من لا أطيق مدافعته " .
5 ) كذا في خ ل والبحار والبرهان ، وفى " أ " ينقى ، وفى الاخرى وق ، د : سعى .
6 ) " الامة " ب ، س ، ط ، ق ، د . ( * )
ـ317ـ
فكففت عنه ، وقلت : أنا مار بك عليه ، فان عرفك بالتشيع أطلقت عنك ، وإلا
قطعت يدك ورجلك ، بعد أن أجلدك ألف سوط . وقد جئتك ـ به ـ يا بن رسول الله
فهل هو من شيعة على عليه السلام كما ادعى ؟
فقال الحسن بن علي عليهما السلام : معاذ الله ، ما هذا من شيعة علي عليه السلام ، وإنما ابتلاه
الله في يدك ، لاعتقاده في نفسه أنه من شيعة علي عليه السلام
فقال الوالي : الآن كفيتني مؤونته ، الآن ( 1 ) أضربه خمسمائة ـ ضربة ـ لا حرج علي فيها .
فلما نحاه بعيدا ، قال : ابطحوه ، فبطحوه وأقام عليه جلادين ، واحدا عن يمينه ،
وآخر عن شماله ، وقال : أوجعاه . فأهويا إليه بعصيهما ( 2 ) فكانا لا يصيبان إسته شيئا
إنما يصيبان الارض . فضجر من ذلك ، وقال : ويلكما تضربان الارض ؟ اضربا إسته .
ـ فذهبا يضربان إسته ـ فعدلت أيديهما ( 3 ) فجعلا يضرب بعضهما بعضا ويصيح ويتأوه .
فقال : ويحكما ، أمجنونان أنتما يضرب بعضكما بعضا ؟ ! اضربا الرجل .
فقالا : ما نضرب إلا الرجل ، وما نقصد سواه ، ولكن تعدل أيدينا حتى يضرب
بعضنا بعضا .
قال : فقال : يا فلان ويا فلان حتى دعا أربعة وصاروا مع الاولين ستة ، وقال : أحيطوا
به ، فأحاطوا به ، فكان يعدل بأيديهم ، وترفع عصيهم إلى فوق ، فكانت لا تقع إلا
بالوالي فسقط عن دابته ، وقال : قتلتموني ، قتلكم الله ، ما هذا ؟ !
فقالوا : ما ضربنا إلا إياه !
ثم قال لغيرهم : تعالوا فاضربوا هذا . فجاؤا ، فضربوه بعد
فقال : ويلكم إياي تضربون ؟ !
فقالوا : لا والله ، ما ( 4 ) نضرب إلا الرجل !
* ( هامش ) * ( 1 ) " أن " ب ، ط . 2 ) " بقضيبهما " أ .
3 ) " أيديهم " أ ، والبرهان ، وكذا . 4 ) " لا " أ ، ب ، ط . ( * )
ـ318ـ
قال الوالي : فمن أين لي هذه الشجات ( 1 ) برأسي ووجهي وبدني ، إن لم تكونوا
تضربوني ؟ ! فقالوا : شلت أيماننا إن كنا ـ قد ـ قصدناك بضرب .
فقال الرجل للوالي : يا عبدالله أما تعتبر بهذه الالطاف التي بها يصرف عني هذا
الضرب ، ويلك ردني إلى الامام ، وامتثل في أمره .
قال : فرده الوالي بعد ـ إلى ـ بين يدي الحسن بن علي عليهما السلام . فقال : يابن
رسول الله ، عجبنا ( 2 ) لهذا ، أنكرت أن يكون من شيعتكم ومن لم يكن من شيعتكم ،
فهو من شيعة إبليس ، وهو في النار ، وقد رأيت له من المعجزات ما لا يكون إلا للانبياء .
فقال الحسن بن علي عليهما السلام : قل : أو للاوصياء . ـ فقال : أو للاوصياء ـ .
فقال الحسن بن على عليهما السلام للوالي : يا عبدالله إنه كذب في دعواه - أنه من
شيعتنا - كذبة لو عرفها ثم تعمدها لابتلى بجميع عذابك له ، ولبقي في المطبق
ثلاثين سنة ، ولكن الله تعالى رحمه لاطلاق كلمة على ما عنى ( 3 ) لا على تعمد كذب
وأنت يا عبدالله ، فاعلم أن الله عزوجل قد خلصه من يديك ، خل عنه فانه من
موالينا ومحبينا ، وليس من شيعتنا .
فقال الوالي : ماكان هذا كله عندنا إلا سواء ، فما الفرق ؟
قال له الامام عليه السلام : الفرق أن شيعتنا هم الذين يتبعون آثارنا ، ويطيعونا في
جميع أوامرنا ونواهينا ، فاولئك ـ من ـ شيعتنا .
فأما من خالفنا في كثير مما فرضه الله عليه فليسوا من شيعتنا .
قال الامام عليه السلام للوالي : وأنت قد ( 4 ) كذبت كذبة لو تعمدتها وكذبتها لابتلاك
الله عزوجل بضرب ألف سوط ، وسجن ثلاثين سنة في المطبق .
قال : وما هي يابن رسول الله ؟
* ( هامش ) * ( 1 ) أى الجراحات . وهى في الرأس خاصة . 2 ) " عجبا " أ ، والبرهان .
3 ) " كلمته على عنى أ . عنى بما قاله كذا : أراده وقصده . 4 ) " تب فقد " أ . ( * )
ـ319ـ
قال : بزعمك ( 1 ) أنك رأيت له معجزات ، إن المعجزات ليست له إنما هي لنا
أظهرها الله تعالى فيه أبانة لحجتنا ( 2 ) وإيضاحا لجلالتنا وشرفنا ، ولو قلت : شاهدت
فيه معجزات ، لم أنكره عليك ، أليس إحياء عيسى عليه السلام الميت معجزة ؟ أهي للميت
أم لعيسى ؟ أو ليس خلق من الطين كهيئة الطير فصار طيرا باذن الله ـ معجزة ـ أهي
للطائر أو لعيسى ؟ أو ليس الذين جعلوا قردة خاسئين معجزة ، أهي ( 3 ) للقردة ؟ أو
لنبي ذلك الزمان ؟
فقال الوالي : أستغفر الله ـ ربي ـ وأتوب إليه .
ثم قال الحسن بن على عليهما السلام للرجل الذي قال إنه من شيعة علي عليه السلام يا عبدالله
لست من شيعة علي عليه السلام ، إنما أنت من محبيه ، وإنما شيعة علي عليه السلام الذين قال
عزوجل فيهم :
( والذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) .
هم الذين آمنوا بالله ووصفوه بصفاته ، ونزهوه عن خلاف صفاته ، وصدقوا
محمدا في أقواله ، وصوبوه في كل أفعاله ، ورأوا عليا بعده سيدا إماما ، وقرما ( 4 )
هماما لا يعدله من امة محمد أحد ، ولا كلهم إذا اجتمعوا في كفة يوزنون بوزنه ، بل
يرجح عليهم كما ترجح السماء والارض على الذرة .
وشيعة علي عليه السلام هم الذين لا يبالون في سبيل الله أوقع الموت عليهم ، أو وقعوا
على الموت .
وشيعة علي عليه السلام هم الذين يؤثرون إخوانهم على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة
وهم الذين لا يراهم الله حيث نهاهم ، ولا يفقدهم من حيث أمرهم .
وشيعة علي عليه السلام هم الذين يقتدون بعلي في إكرام إخوانهم المؤمنين .
* ( هامش ) * ( 1 ) " زعمت " البرهان . 2 ) " لحجبنا " س ، ص ، ق ، د ، والبرهان .
3 ) " أفهى معجزة " ص ، ط ، ق ، د . 4 ) القرم : العظيم ، السيد . ( * )
ـ320ـ
ما عن قولي أقول لك هذا ، بل أقوله عن قول محمد صلى الله عليه وآله ، فذلك قوله تعالى :
( وعملوا الصالحات ) قضوا الفرائض كلها ، بعد التوحيد واعتقاد النبوة والامامة
وأعظمها ـ فرضا ـ ( 1 ) : قضاء حقوق الاخوان في الله ، واستعمال التقية من أعداء الله عزوجل ( 2 )
ـ في وجوب الاهتمام بالتقية وقضاء حقوق المؤمنين : ـ
162 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : مثل مؤمن لا تقية له كمثل جسد لا رأس له ، ومثل
مؤمن لا يرعى حقوق إخوانه المؤمنين ، كمثل من حواسه كلها صحيحة فهو لا يتأمل
بعقله ، ولا يبصر بعينه ، ولا يسمع باذنه ، ولا يعبر بلسانه عن حاجته ، ولا يدفع المكاره
عن نفسه بالادلاء بحججه ( 3 ) ولا يبطش لشئ بيديه ، ولا ينهض إلي شئ برجليه ،
فذلك قطعة لحم قد فاتته المنافع ، وصار غرضا لكل المكاره ، فكذلك المؤمن إذا
جهل حقوق إخوانه ، فاته ثواب ( 4 ) حقوقهم ، فكان كالعطشان بحضرة الماء البارد
فلم يشرب حتى طفى ( 5 ) وبمنزلة ذي الحواس لم يستعمل شيئا منها لدفاع مكروه ،
ولا لانتفاع محبوب ، فاذا هو سليب كل نعمة ، مبتلى بكل آفة . ( 6 )
163 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام : التقية من أفضل أعمال المؤمن ، يصون
بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين .
* ( هامش ) * ( 1 ) " فرضان " الوسائل ، والبرهان .
2 ) اضافة للبحار والبرهان المذكورين ، عنه الوسائل : 11 \ 483 ح 1 ( قطعة ) .
3 ) " باداء الحجة " أ .
4 ) " فانه يفوت " س ، ص ، ط ، ق ، د . " فانه يفوت ثواب " الوسائل .
5 ) " طفئ عطشه " أ . طفى : مات .
6 ) عنه الوسائل : 11 / 473 ح 2 ، والبحار : 75 / 414 صدر ح 68 ، ومستدرك الوسائل :
2 / 94 باب 105 ح 19 ، وأورده في جامع الاخبار : 110 فصل 53 مرسلا عن رسول الله
صلى الله عليه وآله ، عنه البحار : 74 / 229 صدر ح 25 . ( * )
ـ321ـ
وقضاء حقوق الاخوان أشرف أعمال المتقين ، يستجلب مودة الملائكة المقربين
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 321 سطر 1 الى ص 330 سطر 23
وقضاء حقوق الاخوان أشرف أعمال المتقين ، يستجلب مودة الملائكة المقربين
وشوق الحور العين . ( 1 )
164 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : إن التقية يصلح الله بها امة ، لصاحبها مثل
ثواب أعمالهم ، وإن تركها ربما أهلك امة ، وتاركها شريك من أهلكهم .
وإن معرفة حقوق الاخوان تحبب إلى الرحمن ، وتعظم الزلفى لدى الملك
الديان ، وإن ترك قضاءها يمقت إلى الرحمن ، ويصغر الرتبة عند الكريم المنان . ( 2 )
165 - وقال الحسين على عليهما السلام : لو لا التقية ما عرف ولينا من عدونا
ولولا معرفة حقوق الاخوان ما عرف من السيئات شئ إلا عوقب على جميعها ، لكن
الله عزوجل يقول :
( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) . ( 3 )
166 - وقال على بن الحسين زين العابدين عليهما السلام : يغفر الله للمؤمن كل ذنب
ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين :
ترك التقية ، وتضييع حقوق الاخوان . ( 4 )
167 - وقال محمد بن على عليهما السلام : أشرف أخلاق الائمة والفاضلين من شيعتنا
استعمال التقية ، وأخذ النفس بحقوق ( 5 ) الاخوان . ( 6 )
* ( هامش ) * ( 1 ) عنه الوسائل : 11 / 473 ح 2 ، والبحار : 75 / 414 ضمن ح 68 ، اضافة لجامع
الاخبار المتقدم .
2 ) عنه الوسائل : 11 / 473 ح 4 ، اضافة لما تقدم .
3 ) عنه الوسائل : 11 / 473 ح 5 ، والبحار : 75 / 415 ضمن ح 68 ، اضافة لجامع الاخبار
المتقدم . والاية : 30 من سورة الشورى .
4 و 6 ) عنه السوائل : 11 / 474 ح 6 وح 7 ، اضافة لما تقدم .
5 ) " لحقوق " أ . ( * )
ـ322ـ
168 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : استعمال التقية لصيانة الاخوان ( 1 ) ، فان كان
هو يحمي الخائف ( 2 ) فهو من أشرف ( خصال الكرم ) ( 3 ) .
والمعرفة بحقوق الاخوان من أفضل الصدقات والصلوات والزكاة والحج
والمجاهدات . ( 4 )
169 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : - وقد حضره فقير مؤمن يسأله سد فاقته
فضحك في وجهه ، وقال :
أسألك مسألة ، فان أصبتها أعطيتك عشرة أضعاف ماطلبت ، وإن لم تصبها أعطيتك
ما طلبت - وقد كان طلب منه مائة درهم يجعلها في بضاعة يتعيش بها -
فقال الرجل : سل .
فقال موسى عليه السلام : لو جعل إليك التمني لنفسك في الدنيا ماذا كنت تتمنى ؟
قال : كنت أتمنى أن ارزق التقية في ديني ، وقضاء حقوق إخواني .
قال : فما بالك لم تسأل الولاية لنا أهل البيت ؟ قال : ذاك قد اعطيته ، وهذا لم
اعطه ، فأنا أشكر على ما اعطيت ، وأسأل ربي عزوجل مامنعت .
فقال : أحسنت ، أعطوه ألفي درهم ( 5 ) ، وقال : اصرفها في كذا - يعني العفص - ( 6 )
فانه متاع يابسن وسيقبل ( 7 ) ـ بعد ـ ما أدبر ، فانتظر به سنة ، وأختلف إلى دارنا وخذ
الاجراء في كل يوم . ففعل ، فلما تمت له سنة ، فاذا ( 8 ) قد زاد في ثمن العفص للواحد
* ( هامش ) * ( 1 ) " الدين والاخوان " البحار . 2 ) " الجانب " البحار .
3 ) " الكرام " ب ، وجامع الاخبار . 4 ) عنه الوسائل : 11 / 474 ح 8 ، اضافة لما تقدم .
5 ) وهذا يدلل على مدى كرمهم عليهم السلام ومساعدتهم للمحتاجين ، وأيضا على اعجابه بالجواب .
6 ) هو حمل شجرة البلوط ، وهو دواء قابض مجفف ، يديغ به ويتخذ منه الحبر .
وهو مولد ليس من كلام أهل البادية ، يقال له بالفارسية : مازو .
7 ) " بائر ويستقبل " س ، ص ، ط . بارت السلعة : كسدت . ويابس كناية على أنه غير
سريع التلف . 8 ) " اذ " ب ، س ، ص ، ط ، والبحار . ( * )
ـ323ـ
خمسة عشر ، فباع ما كان اشترى بألفي درهم بثلاثين ألف درهم ( 1 ) .
170 - وكان على بن موسى عليهما السلام بين يديه فرس صعب ، وهناك راضة ( 2 ) لا يجسر
أحد منهم أن يركبه ، وإن ركبه لم يجسر أن يسيره مخافة أن يشب ( 3 ) به ، فيرميه
ويدوسه بحافره ، وكان هناك صبي ابن سبع سنين ، فقال :
يا بن رسول الله أتأذن لي أن أركبه واسيره واذلله ؟ قال : أنت ؟ ! قال : نعم . قال :
لماذا ؟ قال : لاني قد استوثقت منه قبل أن أركبه بأن صليت على محمد وآله
الطيبين الطاهرين مائة ـ مرة ـ ، وجددت على نفسي الولاية لكم أهل البيت .
قال : اركبه ، فركبه ، فقال : سيره . فسيره .
وما زال يسيره ويعديه حتى أتعبه وكده ، فنادى الفرس : يا بن رسول الله قد
آلمني منذ اليوم ، فاعفني منه ، وإلا فصبرني تحته .
ـ ف ـ قال الصبي : سل ما هو خير لك " أن يصبرك تحت مؤمن " .
قال الرضا عليه السلام : صدق ـ فقال : ـ اللهم صبره . فلان الفرس وسار ، فلما نزل
الصبي قال : سل من دواب داري وعبيدها وجواربها ومن أموال خزائني ما شئت
فانك مؤمن قد شهرك الله تعالى بالايمان في الدنيا .
قال الصبي : يابن رسول الله ـ صلى الله عليك وآلك ـ وأسأل ما أقترح ؟
قال : يافتى اقترح ، فان الله تعالى يوفقك لاقتراح الصواب .
فقال : سل لي ربك التقية الحسنة ، والمعرفة بحقوق الاخوان ، والعمل بما
أعرف من ذلك .
* ( هامش ) * ( 1 ) عنه الوسائل : 11 / 474 ح 9 ( قطعة ) وج 12 / 312 ح 3 باختصار ، والبحار : 75 / 415
ضمن ح 68 ، وحلية الابرار : 2 / 259 ، ومدينة المعاجز : 470 ح 129 .
2 ) راض المهر : ذلله وطوعه وعلمه السير ، فهو رائض ، وجمعه راضة ، ورواض ، وروض ، ورائضون .
3 ) شب الفرس : رفع يديه . ( * )
ـ324ـ
قال الرضا عليه السلام : قد أعطاك الله ذلك ، لقد سألت أفضل شعار الصالحين ودثارهم ( 1 )
171 - وقيل لمحمد بن على عليهما السلام : إن فلانا نقب في جواره على قوم ، فأخذوه
بالتهمة ، وضربوه خمسمائة ( 2 ) سوط .
قال محمد بن علي عليهما السلام : ذلك أسهل من مائة ألف ألف سوط في النار ، ـ نبه ـ
على التوبة حتى يكفر ذلك .
قيل : وكيف ذلك يابن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آلك ـ ؟
قال : إنه في غداة يومه الذي أصابه ما أصابه ضيع حق أخ مؤمن ، وجهر بشتم
أبي الفصيل ( 3 ) وأبي الدواهي وأبي الشرور وأبي الملاهي ، وترك التقية ، ولم يستر
على إخوانه ومخالطيه ، فاتهمهم عند المخالفين ، وعرضهم للعنهم وسبهم ومكروههم
وتعرض هو أيضا ، فهم الذين سووا ( 4 ) عليه البلية ، وقذفوه بهذه التهمة .
فوجهوا إليه وعرفوه ذنبه ليتوب ، ويتلافى ما فرط منه ، فان لم يفعل ، فليوطن
نفسه على ضرب خمسمائة سوط ـ وحبس ـ في مطبق لا يفرق ـ فيه ـ بين الليل والنهار .
فوجه إليه ، فتاب وقضى حق الاخ الذي كان قد قصر فيه ، فما فرغ من ذلك
حتى عثر باللص ، واخذ منه المال ، وخلى عنه ، وجاءه الوشاة يعتذرون إليه . ( 5 )
172 - وقيل لعلى بن محمد عليهما السلام : من أكمل الناس ـ في ـ خصال الخير ؟
قال : أعملهم بالتقية ، وأقضاهم لحقوق إخوانه . ( 6 )
* ( هامش ) * ( 1 ) عنه الوسائل : 11 / 474 ح 10 ( قطعة ) والبحار : 75 / 416 ضمن ح 68 ، ومدينة المعاجز :
487 ح 79 . 2 ) " مائة " س ، ط ، ق ، د ، والوسائل .
3 ) " الفضيل " بعض النسخ . تقدم بيانه ص 178 .
4 ) " بهتوا " أ ، ، ب ، ط . البهت والبهتان : الكذب والافتراء .
5 ) عنه الوسائل : 11 / 474 ح 11 ( قطعة ) والبحار : 75 / 416 ضمن ح 68 .
6 ) عنه الوسائل : 11 / 475 ح 12 ( وفيه : من أكمل الناس ؟ ) والبحار : 75 / 416 ذ ح 68 . ( * )
ـ325ـ
ـ التواضع ، وفضل خدمة الضيف ـ
173 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : أعرف الناس بحقوق إخوانه ، وأشدهم
قضاء لها ، أعظمهم عند الله شأنا ، ومن تواضع في الدنيا لاخوانه فهو عند الله من
الصديقين ، ومن شيعة على بن أبي طالب عليه السلام حقا .
ولقد ورد على أمير المؤمنين عليه السلام أخوان له مؤمنان : أب وابن ، فقام إليهما
وأكرمهما ، وأجلسهما في صدر مجلسه ، وجلس بين أيديهما ، ثم أمر بطعام ، فاحضر
فأكلا منه ، ثم جاء قنبر بطست ، وإبريق ـ من ـ خشب ، ومنديل لليبس ، وجاء ليصب
على يد الرجل ماءا .
فوثب أمير المؤمنين عليه السلام ، فأخذ الابريق ليصب على يد الرجل ، فتمرغ الرجل
في التراب وقال : يا أمير المؤمنين الله يراني ( 1 ) وأنت تصب الماء على يدي ؟
قال : اقعد ، واغسل يديك فان الله عزوجل يراك وأخاك ( 2 ) الذي لا يتميز منك
ولا يتفضل عنك ويزيد بذلك في خدمه في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا
وعلى حسب ذلك في ممالكه ( 3 ) فيها . فقعد الرجل .
فقال له علي عليه السلام : أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته وبجلته ، وتواضعك
لله حتى جازاك عنه بأن ندبني لما شرفك به ( 4 ) من خدمتي لك لما غسلت مطمئنا كما
كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبرا . ففعل الرجل ـ ذلك ـ .
فلما فرغ ، ناول الابريق محمد بن الحنفية وقال : يا بني لو كان هذا الابن
حضرني دون أبيه لصببت ـ الماء ـ على يده ، ولكن الله عزوجل يأبي أن يسوى بين
ابن وأبيه إذا جمعهما مكان ، لكن قد صب الاب على الاب ، فليصب الابن على
* ( هامش ) * ( 1 ) " لا يرانى الله " أ . 2 ) " يرانى أخاك " المناقب والحلية .
3 ) " مماليكه " البحار . 4 ) " بما أشرفك " أ . ( * )
ـ326ـ
الابن . فصب محمد بن الحنفية على الابن .
قال الحسن بن على عليهما السلام : فمن أتبع عليا عليه السلام على ذلك فهو الشيعي حقا . ( 1 )
قوله عزوجل : " واذ أخذنا ميثاق بنى اسرائيل لا تعبدون الا الله و
بالوالدين احسانا وذى القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا
وأقيموا الصلاة وآتوا الزكوة ثم توليتم الا قليلا منكم وأنتم معرضون " : 83 .
174 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل لبني إسرائيل : واذكروا ( إذ أخذنا
ميثاق بني إسرائيل ) عهدهم المؤكد عليهم ( لا تعبدون إلا الله ) :
أي ( 2 ) لا يشبهوه ( 3 ) بخلقه ، ولا يجوروه ( 4 ) في حكمه ، ولا يعملوا ما يراد به
ـ وجهه يريدون به ـ وجه غيره .
( وبالوالدين إحسانا ) وأخذنا ميثاقهم بأن يعملوا بوالديهم إحسانا ، مكافاة
على إنعمامهما عليهم ، وإحسانهما إليهم ، واحتمال المكروه الغليظ فيهم لترفيههم وتوديعهم
( وذي القربى ) قرابات الوالدين بأن يحسنوا إليهم لكرامة الوالدين .
( واليتامى ) أي : وأن يحسنوا إلى اليتامى الذين فقدوا آباءهم الكافلين ( 5 ) لهم
أمورهم ، السايقين إليهم غذاءهم وقوتهم ، المصلحين لهم معاشهم .
* ( هامش ) * 1 ) عنه تنبيه الخواطر : 2 / 107 ، وعنه في البحار : 75 / 117 ح 1 وعن الاحتجاج : 2
/ 267 ( باسناده إلى أبى محمد العسكرى عليه السلام ) . وأورده في مناقب آل أبى طالب
لابن شهر اشوب : 2 / 105 ، وحلية الابرار : 1 / 367 مرسلا عن الحسن العسكرى عليه السلام .
2 ) زاد في بعض النسخ : أن لا تعبدوا الا الله ، أى .
3 ) " تشبهوه " ب ، س ، ص ، ط ، والبحار ، والبرهان . وكذا ما بعدها بصيغة المخاطب .
4 ) " يجوزوه " أ . 5 ) " الكافين " أ ، ق ، د . ( * )
ـ327ـ
( وقولوا للناس ) الذين لا مؤونة لهم عليكم ( 1 ) ( حسنا ) عاملوهم بخلق جميل .
( وأقيموا الصلاة ) الخمس ، وأقيموا أيضا الصلاة على محمد وآل محمد
الطيبين عند أحوال غضبكم ورضاكم ، وشدتكم ورخاكم ، وهمومكم المعلقة ( 2 ) لقلوبكم
( ثم توليتم ) أيها اليهود عن الوفاء بما قد نقل إليكم من العهد الذي أداه
أسلافكم إليكم ( وأنتم معرضون ) عن ذلك العهد ، تاركين له ، غافلين عنه . ( 3 )
175 - قال الامام عليه السلام : أما قوله تعالى ( لا تعبدون إلا الله ) فان رسول الله
صلى الله عليه وآله قال : من شغلته عبادة الله عن مسألته ، أعطاه الله أفضل ما يعطي السائلين . ( 4 )
176 - وقال على عليه السلام : قال الله عزوجل من فوق عرشه : " يا عبادي اعبدوني
فيما أمرتكم به ولا تعلموني ما يصلحكم ، فاني أعلم به ، ولا أبخل عليكم بمصالحكم " ( 5 )
177 - وقالت فاطمة صلوات الله عليها : من أصعد إلى الله خالص عبادته ، أهبط
الله ـ إليه ـ أفضل مصلحته . ( 6 )
178 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : من عبدالله عبدالله له كل شئ . ( 7 )
179 - وقال الحسين بن على عليهما السلام : من عبدالله حق عبادته آتاه الله فوق
أمانيه وكفايته . ( 8 )
* ( هامش ) * 1 ) " لكم عليهم " البحار . 2 ) " المغلقة " ب ، ط . وفى التأويل : بقلوبكم بدل
" لقلوبكم " .
3 ) عنه البحار : 71 / 183 صدر ح 44 ، والبرهان : 1 / 120 ح 1 ، وتأويل الايات :
1 / 75 ح 51 ( قطعة ) .
4 ) عنه البحار : 71 / 184 ضمن ح 44 ، والبرهان : 1 / 121 ح 12 ، ومستدرك الوسائل :
1 / 384 ح 3 . 5 ) عنه البحار والبرهان المتقدمين .
6 ) عنه البحار : 71 / 184 ضمن ح 44 ، وأورده في تنبيه الخواطر : 2 / 108 مرسلا ، وفى
عدة الداعى : 218 ، عنه البحار : 70 / 249 ضمن ح 26 .
7 و 8 ) عنه البحار : 71 / 184 ذ ح 44 . ( * )
ـ328ـ
180 - وقال على بن الحسين بن علي عليه السلام : إنى أكره أن أعبدالله لا غرض لي
إلا ثوابه ، فأكون كالعبد الطمع المطيع ( 1 ) ، إن طمع عمل وإلا لم يعمل .
وأكره أن أعبده ـ لا غرض لي ـ إلا لخوف عقابه ، فأكون كالعبد السوء إن لم
يخف لم يعمل . قيل له : فلم تعبده ؟ قال : لما هو أهله بأياديه علي وإنعامه . ( 2 )
181 - وقال محمد بن على الباقر عليهما السلام : لا يكون العبد عابدا لله حق عبادته حتى
ينقطع عن الخلق كلهم إليه ، فحينئذ يقول : هذا خالص لي . فيقبله بكرمه . ( 3 )
182 - وقال جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام : ما أنعم الله عزوجل على عبد
أجل من أن لا يكون في قلبه مع الله تعالى غيره . ( 4 )
183 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : أشرف الاعمال التقرب بعبادة الله تعالى ـ إليه ـ . ( 5 )
184 - وقال على بن موسى الرضا عليهما السلام ـ في هذه الآية ـ ( إليه يصعد الكلم
الطيب ) : ـ فول ـ لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وعلي ولي الله ، وخليفة محمد
رسول الله حقا ، وخلفاؤه خلفاء الله ، و ( العمل الصالح يرفعه ) علمه في قلبه بأن هذا
ـ الكلام ـ صحيح كما قلته بلساني . ( 6 )
* ( هامش ) * 1 ) " المطمع " البحار والمستدرك . " الطامع " بدل " الطمع " ق ، د .
2 ) عنه البحار : 70 / 198 وص 210 ح 33 ، ومستدرك الوسائل : 1 / 10 ح 2
3 ) عنه البحار : 70 / 198 وص 211 ضمن ح 32 ، ومستدرك الوسائل : 1 / 10 ح 8
وأورده في تنبيه الخواطر : 2 / 108 مرسلا ، وفى عدة الداعى : 219 ، عنه البحار :
70 / 111 ضمن ح 14 .
4 ) نفس التخريجة السابقة : الا أنه أخرجه في البحار : 70 / 429 ضمن ح 26 عن عدة الداعي .
5 ) التخريجة السابقة باستثناء عدة الداعى .
6 ) عنه البحار : 70 / 198 وص 211 ضمن ح 33 . وأورده في تنبيه الخواطر : 2 / 108
وتأويل الايات : 2 / 479 ح 4 وفيه : والعمل الصالح يرفعه اليه ، فهو دليله وعمله
واعتقاده الذى في قلبه . والبحار : 24 / 358 ح 76 ، والبرهان : 3 / 358 ح 2 - < ( * )
ـ329ـ
185 - وقال أيضا عليه السلام : ملء ( 1 ) الارض من العباد المرائين لا يعدلون عند الله شيخا
ضئيلا زمنا ( 2 ) يخلص عبادته .
186 - وقال محمد بن على عليهما السلام : أفضل العبادة الاخلاص . ( 3 )
187 - وقال على بن محمد عليهما السلام : لو سلك الناس واديا وشعبا ( 4 ) لسلكت وادي
رجل عبدالله وحده خالصا مخلصا . ( 5 )
188 - وقال الحسن بن على ( 6 ) عليهما السلام : لوجعلت الدنيا كلها لقمة واحدة لقمتها من
يعبدالله خالصا لرأيت أني مقصر في حقه ، ولو منعت الكافر منها حتى يموت جوعا
وعطشا ، ثم أذقته شربة من الماء ( 7 ) لرأيت أني قد أسرفت . ( 8 )
ـ في أن الوالدين محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام : ـ
وقال : ـ قال ـ الله عزوجل : ( وبالوالدين إحسانا ) .
* ( هامش ) * 1 ) > - مرسلا عنه عليه السلام . وروى القمى في تفسيره : 544 عن الصادق عليه السلام مثله ، وفيه
العمل الصالح الاعتقاد بالقلب ان هذا هو الحق من عند الله تعالى ، لا شك فيه من رب العالمين .
1 ) " مافى " ق ، د . 2 ) تقدم بيانه ، وهو من أصابته العاهة .
3 ) عنه البحار : 70 / 245 صدر ح 20 ، وأورده في تنبيه الخواطر : 2 / 109 مرسلا
وفى عدة الداعى : 219 ، عنه البحار : 70 / 249 ضمن ح 36 .
4 ) " وسيعا " عدة الداعى .
5 ) نفس التخريجة السابقة ، الا أنه أخرجه في البحار : 70 / 112 ذ ح 14 عن عدة الداعى .
6 ) لا ريب أن هذا القول من الامام عليه السلام ، والا فالمملى عليه يقول قال الامام
وانما صرح بالاسم لوحدة السياق مع ما قبلها . وسيأتى مثل ذلك .
7 ) " الدنيا " أ ، ب ، س ، ط ، ق ، د .
8 ) اضافة للتخريجة السابقة ، عنه مستدرك الوسائل : 3 / 85 ح 5 ذيله ، وص 88 ح 6 صدره
وأخرجه في البحار : 70 / 250 ضمن ح 26 عن عدة الداعى . ( * )
ـ330ـ
189 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أفضل والديكم وأحقهما لشكركم محمد وعلي . ( 1 )
190 - وقال على بن أبي طالب عليه السلام : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول :
أنا وعلي أبوا هذه الامة ، ولحقنا عليهم أعظم من حق أبوي ولادتهم ، فانا
ننقذهم - إن أطاعونا - من النار إلى دار القرار ، ونلحقهم من العبودية بخيار الاحرار ( 2 ) . ( 3 )
191 - وقالت فاطمة عليها السلام : أبوا هذه ، الامة محمد وعلي ، يقيمان أودهم ( 4 )
وينقذانهم من العذاب الدائم إن أطاعوهما ، ويبيحانهم النعيم الدائم إن وافقوهما . ( 5 )
192 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : محمد وعلي أبوا هذه الامة ، فطوبى لمن
كان بحقهما عارفا ، ولهما في كل أحواله مطيعا ، يجعله الله من أفضل سكان جنانه
ويسعده بكراماته ورضوانه . ( 6 )
193 - وقال الحسين بن على عليهما السلام : من عرف حق أبويه الافضلين ( 7 ) : محمد
وعلي عليهما السلام ، وأطاعهما حق الطاعة قيل له : تبحبح في أي الجنان شئت . ( 8 )
194 - وقال على بن الحسين عليهما السلام : إن كان الابوان إنما عظم حقهما على
أولادهما لا حسانهما إليهم ، فاحسان محمد وعلي عليهما السلام إلى هذه الامة أجل وأعظم
فهما بأن يكونا أبويهم أحق . ( 9 )
195 - وقال محمد بن على الباقر عليهما السلام : من أراد أن يعرف ( 10 ) كيف قدره عند
* ( هامش ) * 1 و 3 ) عنه تأويل الايات : 1 / 74 صدر ح 47 ، والبحار : 23 / 259 صدر ح 8 ، وج 36 / 8
صدر ح 11 ، والبرهان : 1 / 121 صدر ح 13 ، وج 3 / 245 صدر ح 3 .
2 ) " الاخيار " س ، ص . 4 ) الاود : العوج .
5 ) عنه البحار : 23 / 259 ) ضمن ح 8 ، وج 36 / 9 ضمن ح 11 ، والبرهان : 3 / 245 ضمن ح 3 .
6 ) التخريجة السابقة . 7 ) " الافضل " نسخ الاصل : والبرهان . وكذا ما يأتى .
8 و 9 ) التخريجة السابقة .
10 ) " يعلم " أ ، س ، والبرهان . كل معرفة علم وليس كل علم معرفة . ( * )
ـ331ـ
الله ، فلينظر كيف تدر أبويه الافضل عنده محمد وعلي عليهما السلام . ( 1 )
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 331 سطر 1 الى ص 340 سطر 23
الله ، فلينظر كيف تدر أبويه الافضل عنده محمد وعلي عليهما السلام . ( 1 )
196 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : من رعى حق أبويه الافضلين : محمد وعلي
عليهما السلام : لم يضره ما أضاع من حق أبوي نفسه وسائر عباد الله ، فانها صلوات الله عليهما
يرضيانهم بسعيهما . ( 2 )
197 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : لعظم ( 3 ) ثواب الصلاة على قدر تعظيم
المصلي أبويه الافضلين : محمد وعلي عليهما السلام . ( 4 )
198 - وقال على بن موسى الرضا عليهما السلام : أما يكره أحدكم أن ينفى عن أبيه
وأمه الذين ولداه ؟ قالوا : بلى والله .
قال : فليجتهد ( 5 ) أن لا ينفى عن أبيه وأمه ( 6 ) الذين هما أبواه ( 7 ) أفضل من أبوي نفسه ( 8 )
* ( هامش ) * 1 و 2 ) التخريجة السابقة . 3 ) " يعظم " س ، ق ، د ، البحار ، والبرهان .
4 ) التخريجة السابقة . 5 ) " فليجهد " أ .
6 ) لا ريب أن الاب والام سببان للولادة ، ويطلق عليهما " الابوان والوالدان " ولكن مما
يؤسف له أن بعض من يدعى البراعة في الادب أو التحقيق تحدد والتزم بمعناهما الضيق
الفج ، ولا ندرى أتغافل أم غفل عما ينطويان عليه من معنى واسع ليؤول ويفسر هذا الحديث
بما تشتهى نفسه ! أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله . . ! !
قال الراغب الاصفهانى في المفردات : 7 : الاب : الوالد ، ويسمى كل من كان سببا في
ايجاد شئ أو اصلاحه أو ظهوره أبا ، ولذلك سمى النبى صلى الله عليه وآله أبا
المؤمنين قال الله تعالى : " النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم " الاحزاب : 6 .
وروى أنه صلى الله عليه وآله قال لعلى عليه السلام : " أنا وأنت أبوا هذه الامة " .
وقيل : أبوالاضياف لتفقد اياهم ، وأبوالحرب : لمهيجها ، وسمى العم مع الاب : أبوين
وكذلك الام مع الاب ، وكذلك الجد مع الاب ، وسمى معلم الانسان : أباه . .
وقال في ص 22 : يقال للرئيس : ام الجيش ، وقيل لمكة " ام القرى " وذلك لما روى
أن الارض دحيت من تحتها ، وقيل لفاتحة الكتاب " ام الكتاب " لكونها مبدأ الكتاب .
أقول : من المتواتر عند الفريقين أنه صلى الله عليه وآله قال : " أنا وعلى أبوا هذه الامة " فمضافا - < ( * )
ـ332ـ
199 - وقال محمد بن على ـ بن موسى ـ عليهم السلام حتى قال رجل بحضرته : إني
لاحب محمدا وعليا حتى لو قطعت إربا إربا ، أو قرضت لم أزل عنه . قال محمد
ابن علي عليهما السلام :
لاجرم إن محمدا وعليا يعطيانك ( 1 ) من أنفسهما ما تعطيهما ـ أنت ـ من نفسك
إنهما ليستدعيان لك في يوم فصل القضاء ما لا يفي ما بذلته لهما بجزء من مائة ألف
ألفت جزء من ذلك . ( 2 )
200 - وقال على بن محمد عليهما السلام : من لم يكن والدا دينه محمد وعلي عليهما السلام
أكرم عليه من ولدي نسبه ( 3 ) ، فليس من الله في حل ولا حرام ، ولا كثير ولا قليل . ( 4 )
* ( هامش ) * 1 ) > - إلى أنهما الاخوان مؤاخاة دينية خاصة كما صرحا بذلك صلوات الله عليهما في أكثر من
حديث متواتر ، هما السببان الوحيدان في احياء الامة وهدايتها ، فكانا بحق سببان لولادة
عصر جديد صدح بالحق وعبق بالطيب .
فكما أن النبى صلى الله عليه وآله تلقى الكتاب والايمان من لدنه تعالى وكان رسولا
إلى الامة جمعيا ، فكذلك على عليه السلام امام من الله إلى الامة ، وخليفة لرسول الله صلى
الله عليه وآله ، واورث الكتاب لتهوى اليه أفئدة من الناس في منافعهم ومعارفهم .
فهو مخزن علم رسول الله صلى الله عليه وآله وينبوعه ، وباب مدينة حكمته ، وكلمته الباقية .
قال على عليه السلام : حدثنى رسول الله صلى الله عليه وآله ألف حديث ـ باب ـ كل حديث
ـ باب ـ يفتح ألف باب ( انظر بصائر الدرجات : 314 ح 2 و 5 ) .
بل هو الامام وأبوالائمة ، من صلبه خرجت الانوار حتى استكملت اثنا عشر اماما بعدد
نقباء بنى اسرائيل ، بهم وجد الخلق ، وبهم يبقى ، ولو لا هم لساخت الارض بأهلها .
وهو الامام ( من الام - بالهمزة المفتوحة والميم المشددة - : القصد ) الذى تقصده
القلوب لتقتدى بقوله وفعله وتأتم به ، وتهوى اليه الافئدة كما قال تعالى : " فاجعل أفئدة من
الناس تهوى اليهم " ابراهيم : 37
7 ) " محمد وعلى " أ . 8 ) التخريجة السابقة .
1 ) " معطياك " ق ود . 2 و 4 ) التخريجة السابقة . 3 ) " نفسه " أ ، ب ، س ، ط . ( * )
ـ333ـ
201 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : من آثر طاعة أبوي دينه : محمد وعلي عليهما السلام
على طاعة أبوي نسبه ( 1 ) . قال الله عزوجل له : لاؤثرنك كما آثرتني ( 2 ) ولا شرفنك
بحضرة أبوي دينك ، كما شرفت نفسك بايثار حبهما على حب أبوي نسبك ( 3 ) . ( 4 )
وأما قوله عزوجل ( 5 ) : ( وذي القربى )
فهم من قراباتك من أبيك وأمك ، قيل لك ( 6 ) : اعرف حقهم كما أخذ العهد
به على بني إسرائيل ، وأخذ عليكم معاشر أمة محمد صلى الله عليه وآله بمعرفة حق قرابات
محمد صلى الله عليه وآله الذين هم الائمة بعده ، ومن يليهم بعد ( 7 ) من خيار أهل دينهم . ( 8 )
ـ الحث على رعاية حق قرابات أبوى الدين : ـ
202 - قال الامام عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من رعى حق قرابات أبويه أعطي
في الجنة ألف ( 9 ) درجة ، بعد ما بين كل درجتين حضر ( 10 ) الفرس الجواد المحضير ( 11 )
* ( هامش ) * 1 ) " نفسه " أ . 2 ) " آثرتهما " ط .
3 ) " نفسك " أ . 4 ) التخريجة السابقة .
5 ) زاد قبلها في " ط " قال على عليه السلام ، وفى التأويل بلفظ : وقال عليه السلام في قوله
تعالى . وهو أظهر .
6 ) " لكم " ب ، ط ، " لهم " ص ، وفيها : اعرفوا . 7 ) " بعدهم " ب ، ط .
8 ) عنه تأويل الايات : 1 / 74 ضمن ح 47 ، والبحار : 23 / 261 ضمن ح 8 ، وج 36 / 10
ذ ح 11 ، وج 74 / 90 صدر ح 8 ، والبرهان : 1 / 121 ضمن ح 13 ، ومستدرك الوسائل :
2 / 641 صدر ح 34 ( قطعة ) .
9 ) " ألف ألف " التأويل والبحار : 74 .
10 ) بالضم : العدو . وأحضر الفرس : عدا شديدا .
11 ) " المضمر " ب ، ط ، س ، ص ، ق ، د ، والبحار : 23 . المحضير : الشديد الركض .
وتضمير الخيل : هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف الا قوتا . ( * )
ـ334ـ
مائة ( 1 ) سنة ، إحدى الدرجات من فضة ، والاخرى من ذهب ، والاخرى من لؤلؤ
والاخرى من زمرد ، والاخرى من زبرجد ، والاخرى من مسك ، والاخرى من عنبر
والاخرى من كافور ، فتلك الدرجات من هذه الاصناف .
ومن رعى حق قربى محمد وعلي عليهما السلام أوتي من فضائل الدرجات وزيادة
المثوبات على قدر زيادة فضل محمد وعلي عليهما السلام على أبوي نفسه ( 2 ) . ( 3 )
203 - وقالت فاطمة عليها السلام لبعض النساء : أرضي أبوي دينك محمدا وعليا
بسخط أبوي نسبك ( 4 ) ولا ترضي أبوي نسبك بسخط أبوي دينك . فان أبوي نسبك
إن سخطا أرضاهما محمد وعلي عليهما السلام بثواب جزء من ألف ألف جزء من ساعة
من طاعاتهما .
وإن أبوي دينك ـ محمدا وعليا ـ إن سخطا لم يقدر أبوا نسبك أن يرضياهما
لان ثواب طاعات أهل الدنيا كلهم لا يفي بسخطهما . ( 5 )
204 - وقال الحسن ( 6 ) بن على عليهما السلام : عليك بالاحسان إلى قرابات أبوي
دينك : محمد وعلي ، وإن أضعت قرابات أبوي نسبك ، وإياك وإضاعة قرابات
أبوي دينك : ( 7 ) بتلافى قرابات أبوي نسبك ، فان شكر هؤلاء إلى أبوي دينك :
محمد وعلي عليهما السلام أثمر لك من شكر هؤلاء إلى أبوي نسبك ، إن قرابات أبوي
دينك إذا شكروك عندهما - بأقل قليل نظرهما لك - يحط عنك ذنوبك ولو كانت
* ( هامش ) * 1 ) " مائة ألف " أ ، ب ، ط . 2 ) " نسبه " ص ، ق ، د ، البحار ، والمستدرك .
3 ) عنه تأويل الايات : 1 / 74 ذ ح 47 ، والبحار : 8 / 179 صدر ح 137 ، ج 23 / 261
ضن ح 8 ، وج 74 / 90 ذ ح 8 ، والبرهان : 1 / 121 ذ ح 13 ، ومستدرك الوسائل :
2 / 401 ح 10 ، وص 641 ذ ح 34 .
4 ) " نفسك " أ ، وكذا بعدها . 5 ) عنه البحار : 23 / 261 ضمن ح 8 .
6 ) " الحسين " خ ل المستدرك .
7 ) " محمد وعلى فانه " أ . ( * )
ـ335ـ
ملء مابين الثرى إلى العرش .
وإن قرابات أبوي نسبك إن شكروك عندهما ، وقد ضيعت قرابات أبوي دينك
لم يغنيا عنك فتيلا ( 1 ) .
205 - وقال على بن الحسين عليهما السلام : حق قرابات أبوي دينتا : محمد وعلي
وأوليائهما أحق من قرابات أبوي نسبنا ، إن أبوي ديننا يرضيان عنا أبوي نسبنا
وأبوي نسبنا لا يقدران أن يرضيا عنا أبوي ديننا : محمد وعلي عليهما السلام .
206 - وقال محمد بن على عليهما السلام : من كان أبوا دينه : محمد وعلي عليهما السلام آثر
لديه ، وقراباتهما أكرم ـ عليه ـ من أبوي نسبه ( 2 ) وقراباتهما قال الله تعالى ـ له ـ :
فضلت الافضل ، لاجعلنك الافضل ، وأثرت الاولى بالايثار ، لاجعلنك بدار
قراري ، ومنادمة ( 3 ) أوليائي أولى .
207 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : من ضاق عن قضاء حق قرابة أبوي دينه
وأبوي نسبه ، وقدح كل واحد منهما في الآخر ، فقدم قرابة أبوي دينه على قرابة
أبوي نسبه . قال الله عزوجل يوم القيامة :
كما قدم قرابة أبوي دينه فقدموه إلى جناني ، فيزداد فوق ماكان أعد له من
الدرجات ألف ألف ضعفها .
208 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام وقد قيل له : إن فلانا كان له ألف درهم
عرضت عليه بضاعتان يشتريهما ( 4 ) لاتتسع بضاعته لهما ، فقال : أيهما أربح ـ لي ـ ؟
فقيل له : هذا يفضل ربحه على هذا بألف ضعف .
* ( هامش ) * 1 ) الفتيل : ما يكون في شق النواة ( النهاية 3 / 409 ) .
2 ) " نفسه " أ ، ب ، ط .
3 ) " مناديه " أ . ندا ( يندو ندوا ) القوم : اجتمعوا وحضروا النادى . والنديم : الرفيق والصاحب .
4 ) " يشتهيهما " س ، ص ، ق ، د ، البحار ، والمستدرك . ( * )
ـ336ـ
قال عليه السلام : أليس يلزمه في عقله أن يؤثر الافضل ؟ قالوا : بلى .
قال : فهكذا إيثار قرابة أبوي دينه ( 1 ) : محمد وعلي عليهما السلام ، أفضل ثوابا بأكثر ( 2 ) من
ذلك ، لان فضله على قدر فضل محمد وعلي على أبوي نسبه .
209 - وقيل للرضا عليه السلام : ألا نخبرك بالخاسر المتخلف ؟ قال : من هو ؟
قالوا : فلان باع دنانيره بدراهم أخذها ، فرد ماله من عشرة آلاف دينار ، إلى عشرة
آلاف درهم .
قال عليه السلام : بدرة ( 3 ) باعها بألف درهم ، ألم يكن أعظم تخلفا وحسرة ؟ قالوا : بلى .
قال : ألا أنبئكم بأعظم من هذا تخلفا وحسرة ؟ قالوا : بلى .
قال : أرأيتم لو كان له ألف جبل من ذهب باعها بألف حبة من زيف ، ألم يكن
أعظم تخلفا وأعظم من هذا حسرة ؟ قالوا : بلى .
قال : أفلا أنبئكم بمن هو أشد من هذا تخلفا ، وأعظم من هذا حسرة ؟ قالوا : بلى .
قال : من آثر في البر والمعروف ـ قرابة أبوي نسبه ـ على قرابة أبوي دينه :
محمد وعلي عليهما السلام لان فضل قرابات محمد وعلي أبوي دينه على قرابات ـ أبوي ـ
نسبه أفضل من فضل ألف جبل ـ من ـ ذهب على ألف حبة زائف .
210 - وقال محمد بن على الرضا عليهما السلام : من اختار قرابات أبوي دينه : محمد
وعلي عليهما السلام على قرابات أبوي نسبه اختاره الله تعالى على رؤوس الاشهاد يوم التناد ( 4 )
وشهره بخلع كراماته ، وشرفه بها على العباد إلا من ساواه في فضائله أو فضله ( 5 ) .
211 - وقال على بن محمد عليهما السلام : إن من إعظام جلال الله إيثار قرابة أبوي دينك :
محمد وعلي عليهما السلام على قرابة ( 6 ) أبوي نسبك ، وإن من التهاون بجلال الله إيثار قرابة
* ( هامش ) * 1 ) " دينك " أكثر النسخ ، والبحار والمستدرك . 2 ) " بافضل " أ .
3 ) البدرة : عشرة ألاف درهم . 4 ) " القيامة " ص .
5 ) " وافضاله " خ ل ، ط . 6 ) " قرابات " خ ل ، والمستدرك . ( * )
ـ337ـ
أبوي نسبك على قرابة أبوي دينك : محمد وعلي عليهما السلام .
212 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : إن رجلا جاع عياله ، فخرج يبغي لهم ما
يأكلون ، فكسب درهما ، فاشترى به خبزا وإداما ( 1 ) ، فمر برجل وامرأة من قرابات
محمد وعلي عليهما السلام فوجدهما جائعين .
فقال : هؤلاء أحق من قراباتي . فأعطاهما إياه ، ولم يدر بماذا يحتج في منزله
فعل يمشي رويدا يتفكر فيما يعتل ( 2 ) به عندهم ويقول لهم ما فعل بالدرهم ، إذ لم
يجئهم بشئ .
فبينا هو متحير في طريقه إذا بفيج يطلبه ( 3 ) ، فدل عليه ، فأوصل إليه كتابا من
مصر ، وخمسمائة دينار في صرة ، وقال : هذه بقية ـ مالك ـ حملته إليك من مال ابن
عمك ، مات بمصر ، وخلف مائة ألف دينار على تجار مكة والمدينة ، وعقارا
كثيرا ، ومالا بمصر بأضعاف ذلك .
فأخذ الخمسمائة دينار ووسع على عياله ، ونام ليلته . فرأى رسول الله صلى الله عليه وآله
وعليا عليه السلام ، فقالا له : كيف ترى إغناءنا لك لما آثرت قرابتنا على قرابتك ؟
ـ ثم ـ لم يبق بالمدينة ولا بمكة ممن عليه شئ من المائة ألف دينار إلا أتاه محمد
وعلي في منامه وقالا له : إما بكرت بالغداة على فلان بحقه من ميرات ابن عمه
وإلا بكرنا عليك بهلاكك واصطلامك : وإزالة نعمك ، وإبانتك من حشمك ( 4 ) .
فأصبحوا كلهم وحملوا إلى الرجل ما عليهم حتى حصل عنده مائة ألف دينار
وما ترك أحد بمصر ممن له عنده مال إلا وأتاه محمد وعلي عليهما السلام في منامه ، وأمراه
هامش . . . 1 ) " أدما " أ . الادام - بالكسر - والادم : ما يؤكل مع الخبز .
2 " يتعذر " ب ، ط .
3 ) " بنعيج ويطلبه " أ نعجت الناقة : أسرعت . وتقدم معنى الفيج .
4 ) الحشم : خدم الرجل . قال ابن السكيت : هى كلمة بمعنى الجمع . ( * )
ـ338ـ
أمر تهدد بتعجيل مال الرجل أسرع ما يقدر عليه .
وأتى محمد وعلي عليهما السلام هذا المؤثر لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه فقالا له :
كيف رأيت صنع الله لك ؟ قد أمرنا من في مصر أن يعجل إليك مالك ، أفنأمر
حاكمها بأن يبيع عقارك وأملاكك ويسفتج ( 1 ) إليك بأثمانها لتشترى بدلها من المدينة ؟
قال : بلى .
فأتى محمد وعلي عليهما السلام حاكم مصر في منامه فأمراه أن يبيع عقاره ، والسفتجة ( 2 )
بثمنه إليه ، فحمل إليه من تلك الاثمان ثلاثمائة ألف دينار ، فصار أغنى من بالمدينة .
ثم أتاه رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : يا عبدالله هذا جزاؤك في الدنيا على إيثار قرابتي
على قرابتك ، ولا عطينك في الآخرة بدل كل حبة من هذا المال في الجنة ألف
قصر أصغرها أكبر من الدنيا ، مغرز إبرة منها خير من الدنيا ومافيها . ( 3 )
213 - وقال الامام عليه السلام : وأما قوله عزوجل : ( واليتامى ) فان رسول الله صلى الله عليه وآله
قال : حث الله عزوجل على بر اليتامى لانقطاعهم عن آبائهم .
فمن صانهم صانه الله ، ومن أكرمهم أكرمه الله ، ومن مسح يده برأس يتيم رفقا
به جعل الله له في الجنة بكل شعرة مرت تحت يده قصرا أوسع من الدنيا بما فيها
وفيها ما تشتهي الانفس وتلذ الاعين ، وهم فيها خالدون . ( 4 )
* ( هامش ) * 1 ) " يستفتح " أ ، س ، ص ، ق ، د . " يستفتج " ب . سفتجه : عامله بالسفتجة ، وهى أن تعطى
مالا لرجل ، فيعطيك خطا يمكنك من استرداد ذلك المال من عميل له في مكان آخر .
2 ) " استفتحه " أ .
3 ) الاحايث من ( 210 - 218 ) عنها البحار : 23 / 262 - 265 ضمن ح 8 ، ومستدرك
الوسائل : 2 / 401 ح 11 - 19 .
4 ) عنه منية المريد : 31 ، والمحجة البيضاء : 1 / 29 ، والبحار : 8 / 179 ضمن ح 137 ، وج
75 / 12 ح 44 ، والبرهان : 1 / 122 ح 14 . ( * )
ـ339ـ
ـ في أن اليتيم الحقيقى هو المنقطع عن الامام عليه السلام : ـ
214 - وقال الامام عليه السلام : وأشد من يتم هذا اليتيم ، يتيم ـ ينقطع ـ عن إمامه
لا يقدر على الوصول إليه ، ولا يدرى كيف حكمه فيما يبتلي به من شرايع دينه .
ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا ، وهذا ( 1 ) الجاهل بشريعتنا المنقطع عن
مشاهدتنا يتيم ( 1 ) في حجره ، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الاعلى .
حدثني بذلك أبي ، عن آبائه ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله . ( 3 )
215 - وقال على بن أبي طالب عليه السلام : من كان من شعيتنا عالما بشريعتنا ، وأخرج
ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه ـ به ـ جاء يوم القيامة وعلى
رأسه تاج من نور يضئ لاهل جميع تلك العرصات ، و ـ عليه ـ حلة لا يقوم لاقل
سلك منها الدنيا بحذافيرها .
ثم ينادي مناد ـ من عند الله ـ : يا عباد الله هذا عالم من بعض تلامذة آل محمد
ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فيلتشبث بنوره ، ليخرجه من حيرة ظلمة
هذه العرصات إلى نزه الجنان .
فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيرا ، أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا ، أو
أوضح له عن شبهة . ( 4 )
* ( هامش ) * 1 ) " فهدى " منية المريد . 2 ) " كان كمن أخذ يتيما " منية المريد .
3 ) عنه تأويل الايات : 1 / 74 ح 48 ، ومنية المريد : 31 ، والمحجة البيضاء : 1 / 29 والبرهان .
1 / 122 ح 15 ، وعنه في البحار : 2 / 2 ح 1 وعن الاحتجاج 1 / 5 باسناده عن الحسن
ابن على العسكرى ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله
وأخرجه في عوالى اللئالى : 1 / 16 ح 1 عن الاحتجاج .
4 ) عنه منية المريد : 31 ، والمحجة البيضاء : 1 / 29 ، عنه في البحار : 2 / 2 ح 2 وعن الاحتجاج :
1 / 7 باسناده عن الحسن العسكرى عليه السلام ، عنه عليه السلام
وأخرجه في عوال اللئالى : 1 / 17 ح 2 عن الاحتجاج . ( * )
ـ340ـ
216 - قال عليه السلام : وحضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت :
إن لي والدة ضعيفة ، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شئ ، وقد بعثتنى إليك أسألك .
فأجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك ، ثم ثنت ( 1 ) ، فأجابت ، ثم ثلثت ـ فأجابت ـ
إلى أن عشرت فأجابت ، ثم خجلت من الكثرة ، فقالت : لا أشق عليك يا بنت رسول الله .
قالت فاطمة عليها السلام : هاتي وسلي عما بدا لك ، أرأيت من أكترى يوما يصعد إلى
سطح بحمل ثقيل ، وكراؤه مائة ألف دينار ، أيثقل عليه ؟ فقالت : لا .
فقالت : أكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤا
فأحرى أن لا يثقل علي ، سمعت أبي ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله يقول :
إن علماء شيعتنا يحشرون ، فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة
علومهم ، وجدهم في إرشاد عباد الله ، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف
خلعة ( 2 ) من نور .
ثم ينادي منادي ربنا عزوجل : أيها الكافلون لايتام آل محمد ، الناعشون ( 3 )
لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم ، هؤلاء تلامذتكم والايتام الذين
كفلتموهم ونعشتموهم فاخلعوا عليهم ـ كما خلعتموهم ـ ( 4 ) خلع العلوم في الدنيا .
فيخلعون على كل واحد من أولئك الايتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم
حتى أن فيهم - يعني في الايتام - لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة ( 5 ) وكذلك يخلع
هولاء الايتام على من تعلم منهم .
ثم إن الله تعالى يقول : أعيدوا على هولاء العلماء الكافلين للايتام حتى تتموا
* ( هامش ) * 1 ) أى سألتها ثانية .
2 ) " حلة " ب ، س ، ط ، د . الخلعة : الثوب الذى يعطى منحة .
3 ) نعشه : رفعه وأقامه ، تداركه بعد هلكة . 4 ) من البحار : 7 .
5 ) " حلة " أ . ( * )
ـ341ـ
لهم خلعهم ، وتضعفوها .
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 341 سطر 1 الى ص 350 سطر 23
لهم خلعهم ، وتضعفوها .
فيتم لهم ماكان لهم قبل أن يخلعوا عليهم ، ويضاعف لهم ، وكذلك من بمرتبتهم ( 1 )
ممن يخلع عليه على مرتبتهم .
وقالت فاطمة عليها السلام : يا أمة الله إن سلكا من تلك الخلع لافضل مما طلعت عليه
الشمس ( 1 ) ألف ألف مرة ، وما فضل ( 3 ) فانه مشوب بالتنغيص ( 4 ) والكدر . ( 5 )
217 - قال الحسن بن على عليهما السلام : فضل كافل يتيم آل محمد ، المنقطع عن مواليه
الناشب في تيه ( 6 ) الجهل - يخرجه من جهله ، ويوضح له ما اشتبه عليه - على ـ فضل ـ
كافل يتيم يطعمه ويسقيه كفضل الشمس على السهى ( 7 ) . ( 8 )
218 - وقال الحسين بن على عليهما السلام : من كفل لنا يتيما قطعته عنا محنتنا ( 9 ) باستتارنا
فواساه من علومنا التى سقطت إليه حتى أرشده وهداه ، قال الله عزوجل له :
يا أيها العبد الكريم المواسي إني أولى بالكرم ( 10 ) اجعلوا له ياملائكتي في الجنان
* ( هامش ) * 1 ) " يليهم " البحار : 2 . وكذا التى تأتى . 2 ) أى الدنيا .
3 ) " أفضل " ب ، س ، ط . وأضاف في المحجة والمنية : ما طلعت عليه الشمس .
4 ) " بالتنقيص " أ . " بالتنقص " ب ، ص ، ط . " بالتنغيض " منية المريد .
تنغص العيش : تكدر . وتنغض الشئ : اهتز واضطرب ، تنقص الشئ : أخذ منه قليلا .
5 ) عنه منية المريد : 32 ، والمحجة البيضاء : 1 / 30 ، والبحار : 2 / 3 ح 3 ، وج 7 / 224
ضمن ح 143 .
6 ) أى الواقع فيما لا مخلص منه . وفى " أ " التائية بدل " الناشب " .
7 ) كوكب خفى من بنات نعش الصغرى .
8 ) عنه منية المريد : 33 ، والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، وعنه في البحار : 2 / 3 ح 4 ، وعن
الاحتجاج : 1 / 7 .
9 ) " محبتنا " خ ل ، ط ، والبحار : 2 . " صحبتنا " أ . " غيبتنا و " البحار : 8 .
قال المجلسى ( ره ) : أى كان سبب قطعه عنا أنا أحببنا الاستتار عنه لحكمة ، وفى بعض النسخ
" محنتنا " بالنون وهو أظهر . 10 ) " بهذا الكرم " أ ، س ، البحار : 8 . ( * )
ـ342ـ
بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر ، وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعم . ( 1 )
219 - وقال على بن الحسين عليهما السلام : أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام حببني إلى
خلقي ، وحبب خلقي إلي . قال : يا رب كيف أفعل ؟
قال : ذكرهم آلائي ونعمائي ليحبوني ، فلئن ترد آبقا عن بابي ، أوضالا عن
فنائي ، أفضل لك من عبادة مائة ( 2 ) سنة بصيام نهارها وقيام ليلها .
قال موسى عليه السلام : ومن هذا العبد الآبق منك ؟
قال : العاصي المتمرد . قال : فمن الضال عن فنائك ؟
قال : الجاهل بامام زمانه تعرفه ، والغائب عنه بعدما عرفه ، الجاهل بشريعة دينه
تعرفه شريعته ، وما يعبد به ربه ، ويتوصل ( 2 ) ـ به ـ إلى مرضاته .
قال على عليه السلام : فابشروا معاشر علماء شيعتنا بالثواب الاعظم ، والجزاء ( 4 ) الاوفر . ( 5 )
220 - وقال محمد بن على عليهما السلام : العالم كمن معه شمعة تضئ للناس ، فكل من
أبصر بشمعته دعا له بخير ، كذلك العالم معه شمعة تزيل ظلمة الجهل والحيرة .
فكل من أضاءت له فخرج بها من حيرة أونجى بها من جهل ، فهو من عتقائه من
النار ، والله يعوضه عن ذلك بكل شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل ـ له ـ من الصدقة بمائة
ألف قنطار على غير الوجه الذي أمر الله عزوجل به ، بل تلك الصدقة وبال على
صاحبها ، لكن يعطيه الله ماهو أفضل من مائة ألف ركعة بين يدي الكعبة . ( 6 )
* ( هامش ) * 1 ) عنه منية المريد : 33 ، والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، والبحار : 8 / 180 ضمن ح 137 .
وعنه في البحار : 2 / 4 ح 5 وعن الاحتجاج : 1 8 .
2 ) " ألف " أ . " مائة ألف " ط . 3 ) " يتوسل " س ، ط ، ق ، د .
4 ) " الثراء " ب ، س ، ط .
5 ) عنه منية المريد : 33 ، والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، والبحار : 2 / 4 ح 6 .
6 ) عنه منية المريد : 33 ، والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، وعنه في البحار : 2 / 4 ح 7 وعن
الاحتجاج : 1 / 8 . ( * )
ـ343ـ
221 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : ـ علماء ـ شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي
إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا ، وعن أن يتسلط عليهم
إبليس وشيعته النواصب .
ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ( 1 )
ألف ألف مرة ، لانه يدفع عن أديان محبينا ، وذلك يدفع عن أبدانهم . ( 2 )
222 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين
عنا وعن ( 3 ) مشاهدتنا بتعليم ماهو محتاج إليه ، أشد على إبليس من ألف عابد .
لان العابد همه ذات نفسه فقط ، وهذا همه مع ذات نفسه ذات عباد الله وإمائه
لينقذهم من يد إبليس ومردته . ولذلك هو أفضل عند الله من ( 4 ) ألف ألف عابد . ( 5 )
* ( هامش ) * > - قال المجلسى ( ره ) : لعله عليه السلام فضل تعليم العلم أولا على الصدقة بهذا المقدار
الكثير في غير مصرفه لدفع ما يتوهمه عامة الناس من فضل الظلمة الذين يعطون بالاموال
المحرمة العطايا الجزيلة على العلماء الباذلين للعلوم الحقة من يستحقه ، ثم استدرك
عليه السلام بأن تلك الصدقة وبال على صاحبها لكونها من الحرام ، فلا فضل لها حتى
يفضل عليها شئ ، ثم ذكر عليه السلام فضله في عمل له فضل جزيل ليظهر مقدار فضله
ورفعة قدره .
1 ) الخزر : جيل خزر العيون . وفى حديث حذيفة " كأنى بهم خنس الانوف ، خزر العيون "
والخزرة : انقلاب الحدقة نحو اللحاظ . لسان العرب : 4 / 236 لزيادة الاطلاع عليها
راجع معجم البلدان : 2 / 367 ففيه تفصيل ذلك .
2 ) عنه منية المريد : 34 ، والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، وعنه في البحار : 2 / 5 ح 8 وعن
الاحتجاج : 1 / 8 . 3 ) " من " أ .
4 ) " من ألف عابد و " س ، ص ، ق ، ومنية المريد .
وفى المحجة والاحتجاج بلفظ : من ألف ألف عابد وألف ألف عابدة .
5 ) عنه منية المريد : 34 . والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، وعنه في البحار : 2 / 5 ح 9
وعن الاحتجاج : 1 / 8 . ( * )
ـ344ـ
223 - وقال على بن موسى الرضا عليهما السلام : يقال للعابد يوم القيامة : نعم الرجل كنت
همتك ذات نفسك ، وكفيت الناس مؤنتك ، فادخل الجنة .
ألا إن الفقيه من أفاض على الناس خيره ، وأنقذهم من أعدائهم ، ووفر عليهم
نعم جنان الله ، وحصل لهم رضوان الله تعالى .
ويقال للفقيه : يا أيها الكافل لايتام آل محمد ، الهادي لضعفاء محبيه ومواليه
قف حتى تشفع لكل من أخذ عنك أو تعلم منك .
فيقف ، فيدخل الجنة ومعه فئاما وفئاما ( 1 ) - حتى قال عشرا - وهم الذين أخذوا
عنه علومه ، وأخذوا عمن أخذ عنه إلى يوم القيامة ، فانظروا كم فرق ( 2 ) ما بين المنزلتين ؟ ! ( 3 )
224 - وقال محمد بن على عليهما السلام : إن من تكفل بأيتام آل محمد المنقطعين
عن إمامهم ، المتحيرين في جهلهم ، الاسراء في أيدي شياطينهم ، وفى أيدي النواصب
من أعدائنا ، فاستنقذهم منهم ، وأخرجهم من حيرتهم ، وقهر الشياطين برد وساوسهم
وقهر الناصبين بحجج ربهم ، ودليل أئمتهم ،
ليفضلون عند الله تعالى على العابد بأفضل المواقع بأكثر من فضل السماء على
الارض ، والعرش والكرسي والحجب ـ على السماء ـ وفضلهم على هذا العابد ( 4 ) كفضل
القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء . ( 5 )
225 - وقال على بن محمد عليهما السلام : لو لا من يبقى بعد غيبة قائمكم ( 6 ) عليه الصلاة
* ( هامش ) * 1 ) الفئام - بكسر الفاء - : الجماعة من الناس . وفسر في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في
يوم الغدير بمائة ألف . 2 ) " صرف " أ ، ص ، ق والاحتجاج . الصرف : الفضل .
3 ) عنه منية لمريد : 34 ، والمحجة البيضاء : 1 / 32 ، وعوالى اللئالى : 1 / 91 . والبحار :
7 / 225 ضن ح 143 ، وعنه في البحار : 2 / 5 ح 10 وعن الاحتجاج : 1 / 9 .
4 ) " العباد " الاحتجاج .
5 ) عنه منية المريد : 34 ، والمحجة البيضاء : 1 / 32 ، وعنه في البحار : 2 / 6 ح 11 وعن
الاحتجاج : 1 / 9 . 6 ) " قائمنا " المحجة . ( * )
ـ345ـ
والسلام من العلماء الداعين إليه ، والدالين عليه ، والذابين عن دينه بحجج الله ، والمنقذين
لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ، ومن فخاخ النواصب
لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله ، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء
الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها أولئك هم الافضلون عند الله عزوجل . ( 1 )
226 - وقال الحسن بن على ( 2 ) عليهما السلام : يأتي علماء شيعتنا ، القوامون لضعفاء محبينا
وأهل ولايتنا يوم القيامة ، والانوار تسطع من تيجانهم ، على رأس كل واحد منهم
تاج بهاء ، قد انبثت تلك الانوار في عرصات القيامة ودورها مسيرة ثلاثمائة ألف سنة .
فشعاع تيجانهم ينبث فيها كلها ، فلا يبقى هناك يتيم قد كفلوه ، ومن ظلمة الجهل
أنقذوه ( 3 ) ومن حيرة التيه أخرجوه ، إلا تعلق بشعبة من أنوارهم ، فرفعتهم إلى العلو
حتى يحاذي بهم فوق الجنان .
ثم تنزلهم ( 4 ) على منازلهم السعدة في جوار أستاديهم ومعلميهم ، وبحضرة أئمتهم
الذين كانوا يدعون إليهم .
ولا يبقى ناصب من النواصب يصيبه من شعاع تلك التيجان إلا عميت عيناه
وصمت أذناه ، وأخرس لسانه ، ويحول عليه أشد من لهب النيران ، فيحملهم حتى
يدفعهم إلى الزبانية ، فيدعوهم ( 5 ) إلى سواء الجحيم . ( 6 )
وأما قوله عزوجل : ( والمساكين ) فهو من سكن الضر والفقر حركته .
ألا فمن واساهم بحواشي ماله ، وسمع الله عليه جنانه ، وأناله غفرانه ورضوانه .
* ( هامش ) * 1 ) عنه منية المريد : 35 ، والمحجة البيضاء : 1 / 32 ، وعنه في البحار : 2 / 6 ح 12 وعن
الاحتجاج : 1 / 9 . 2 ) زاد في البحار " عن أبيه عليهما السلام " .
3 ) " قد علموه " أ ، ب ، ط . " علموه " س ، ق ، د .
4 ) " ينزلونهم " ص ، منية المريد ، المحجة . 5 ) أى فعوهم يدفعا عنيفا وبجفوة .
6 ) عنه منية المريد : 35 ، والمحجة البيضاء : 1 / 32 ، والبحار : 7 / 225 ضمن ح 143
وعنه في البحار : 2 / 6 ح 13 وعن الاحتجاج : 1 / 10 . ( * )
ـ346ـ
ـ في أن المسكين الحقيقى مساكين الشيعة الضعفاء في مقابلة أعدائهم : ـ
227 - قال الامام عليه السلام : وإن من محبي محمد ـ وعلي ـ ( 1 ) مساكين ، مواساتهم
أفضل من مواساة مساكين الفقراء ، وهم الذين سكنت ( 2 ) جوارحهم ، وضعفت قواهم
عن مقاتلة ( 3 ) أعداء الله الذين يعيرونهم بدينهم ، ويسفهون أحلامهم ، ألا فمن قواهم
بفقهه وعلمه ( 4 ) حتى أزال مسكنتهم ، ثم سلطهم على الاعداء الظاهرين : النواصب
وعلى الاعداء الباطنين : إبليس ومردته ، حتى يهزموهم عن دين الله ويذودوهم عن
أولياء آل رسول الله صلى الله عليه وآله . حول الله تعالى تلك المسكنة إلى شياطينهم ، فأعجزهم
عن إضلالهم .
قضى الله تعالى بذلك قضاء حقا على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله . ( 5 )
228 - وقال على بن أبي طالب عليه السلام : من قوى مسكينا في دينه ، ضعيفا في معرفته
على ناصب مخالف ، فأفحمه ( 6 ) لقنه الله تعالى يوم يدلى في قبره أن يقول :
الله ربي ، ومحمد نبيي ، وعلي وليي ، والكعبة قبلتي ، والقرآن بهجتي وعدتي
والمؤمنون إخواني . فيقول الله : أدليت بالحجة ، فوجبت لك أعالي درجات الجنة .
فعند ذلك يتحول عليه قبره أنزه رياض الجنة . ( 7 )
229 - وقالت فاطمة عليها السلام وقد اختصم إليها امرأتان ، فتنازعتا في شئ من أمر
* ( هامش ) * 1 ) " وآل محمد " البحار .
2 ) " تنكست " أ . نكس الرجل : ضعف وعجز .
3 ) " مقابلة " ب ، س ، ص ، ط ، ق ، د . 4 ) " وعلمهم " أ ، والبرهان .
5 ) عنه تأويل الايات : 1 / 75 ح 49 ، والبرهان : 1 / 122 صدر ح 17 ، وعنه في البحار :
2 / 7 ضمن ح 13 وعن الاحتجاج : 1 / 10 . 6 ) أى أسكته بالحجة .
7 ) عنه البحار : 6 / 228 ح 31 ، والبرهان : 1 / 122 ذ ح 17 .
وعنه في البحار : 2 / 7 ح 14 وعن الاحتجاج : 1 / 10 . ( * )
ـ347ـ
الدين : إحديهما معاندة ، والاخرى مؤمنة ، ففتحت على المؤمنة حجتها ، فاستظهرت
على المعاندة ، ففرحت فرحا شديدا .
فقالت فاطمة عليها السلام : إن فرح الملائكة باستظهارك عليها أشد من فرحك ، وإن حزن
الشيطان ومردته بحزنها عنك أشد من حزنها .
وإن الله عزوجل قال للملائكة : أوجبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة
الاسيرة من الجنان ألف ألف ضعف ماكنت أعددت لها
واجعلوا هذه سنة في كل من يفتح على أسير مسكين ، فيغلب معاندا مثل ألف
ألف ( 1 ) ماكان له معدا من الجنان . ( 2 )
230 - وقال الحسن بن على ـ بن أبي طالب ـ عليهما السلام - وقد حمل إليه رجل هدية -
فقال له : أيما أحب إليك ؟ أن أرد عليك بدلها عشرين ضعفا ، عشرين ألف درهم ، أو
أفتح لك بها بابا من العلم تقهر فلان الناصبي في قريتك ، تنقذ به ضعفاء أهل قريتك ؟
إن أحسنت الاختيار جمعت لك الامرين ، وإن أسأت الاختيار خيرتك لتأخذ أيهما شئت
قال يابن رسول الله فثوابي في قهري لذلك الناصب ، واستنقاذي لاولئك الضعفاء
من يده ، قدره عشرون ألف درهم ؟
قال عليه السلام : بل أكثر من الدنيا عشرين ألف ألف مرة ! فقال :
يابن رسول الله فكيف أختار الادون ! بل أختار الافضل : الكلمة التي أقهر بها عدو
الله ، وأذوده عن أولياء الله .
فقال الحسن بن على عليهما السلام : قد أحسنت الاختيار . وعلمه الكلمة ( 3 ) ، وأعطاه
عشرين ألف درهم . فذهب ، فأفحم الرجل ، فاتصل خبره به عليه السلام ، فقال له إذ حضره :
* ( هامش ) * 1 ) " ضعف " خ ل .
2 ) عنه البحار : 8 / 180 ضمن ح 137 ، وعنه البحار : 2 / 8 ح 15 وعن الاحتجاج : 1 / 11 .
3 ) " الحكمة " ط . ( * )
ـ348ـ
ياعبدالله ما ربح أحد مثل ربحك ، ولا اكتسب أحد من الاوداء ( 1 ) ما اكتسبت :
اكتسبت : مودة الله أولا ، ومودة محمد صلى الله عليه وآله وعلى عليه السلام ثانيا ، ومودة الطيبين
من آلهما ثالثا ، ومودة ملائكة الله ـ المقربين ـ رابعا ، ومودة إخوانك المؤمنين خامسا
واكتسبت بعدد كل مؤمن وكافر ما هو أفضل من الدنيا ـ وما فيها ألف ـ ألف مرة
فهنيئا ـ لك ـ هنيئا . ( 2 )
231 - وقال الحسين بن على عليهما السلام لرجل : أيهما أحب إليك ؟ رجل يروم
قتل مسكين قد ضعف ، تنقذه من يده ؟ أو ناصب يريد إضلال مسكين ـ مؤمن ـ من ضعفاء
شيعتنا تفتح عليه ما يمتنع ـ المسكين ـ به منه ويفحمه ويكسره بحجج الله تعالى ؟
قال : بل إنقاذ هذا المسكين المؤمن من يد هذا الناصب . إن الله تعالى يقول :
( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) ( 3 ) ـ أي ـ ومن أحياها وأرشدها من
كفر إلى إيمان ، فكأنما أحيا الناس جميعا من قبل ( 4 ) أن يقتلهم بسيوف الحديد . ( 5 )
232 - وقال على بن الحسين عليها السلام لرجل : أيما أحب إليك : صديق كلما رآك أعطاك
بدرة دنانير ، أو صديق كلما رآك بصرك بمصيدة من مصائد الشياطين ، وعرفك ما تبطل
به كيدهم ، وتخرق ـ به ـ شبكتهم ، وتقطع حبائلهم ؟
قال : بل صديق كلما رآني علمني كيف أخزي الشيطان عن نفسي وأدفع عني بلاءه . ( 6 )
قال عليه السلام : فأيهما أحب إليك : استنقاذك أسيرا مسكينا من أيدي الكافرين ، أو
استنقاذك أسيرا مسكينا من أيدي الناصبين ؟ قال : يابن رسول الله ، سل الله أن يوفقني
* ( هامش ) * 1 ) " الاوتاد " أ ، الاوداء : جمع : وديد وهو المحب .
2 ) عنه البحار : 2 / 8 ح 16 ، عن الاحتجاج : 1 / 11 . 3 ) المائدة : 32 .
4 ) بكسر القاف وفتح الباء : أى من جهة قتلهم بالسيوف ، ويحتمل فتح القاف وسكون الباء .
قاله المجلسى ( ره ) . 5 ) عنه البحار : 2 / 9 ح 17 .
6 ) " بلابله " أ . بلبلة الصدر : وساوسه . ( * )
ـ349ـ
للصواب في الجواب . قال عليه السلام : اللهم وفقه .
قال : بل استنقاذي المسكين الاسير من يد الناصب ، فانه توفير الجنة عليه ، وإنقاذه
من النار ، وذلك توفير الروح عليه في الدنيا ، ودفع الظلم عنه فيها ، والله يعوض هذا
المظلوم بأضعاف مالحقه من الظلم ، وينتقم من الظالم بما هو عادل بحكمه .
قال عليه السلام : وفقت لله أبوك ! أخذته من جوف صدري لم تجزم ( 1 ) مما قاله رسول
الله صلى الله عليه وآله حرفا واحدا . ( 2 )
233 - وسئل الباقر محمد بن على عليهما السلام : إنقاذ الاسير المؤمن من محبينا من
يد الناصب يريد أن يضله بفضل لسانه وبيانه أفضل ، أم إنقاذ الاسير من أيدي
ـ أهل ـ الروم ؟
قال الباقر عليه السلام للرجل : أخبرني أنت عمن رأى رجلا من خيار المؤمنين يغرق
وعصفورة تغرق لا يقدر على تخليصهما بأيهما اشتغل فاته الآخر ؟ أيهما أفضل
أن يخلصه ؟ قال : الرجل من خيار المؤمنين .
قال عليه السلام : فبعد ما سألت في الفضل أكثر من بعد ما بين هذين ، إن ذاك يوفر عليه
دينه وجنان ربه ، وينقذه من النيران ، وهذا المظلوم إلى الجنان يصير . ( 3 )
234 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : من كان همه في كسر النواصب عن المساكين
الموالين لنا أهل البيت يكسرهم عنهم ، ويكشف عن مخازيهم ( 4 ) ويبين عوراتهم ( 5 )
ويفخم أمر محمد وآله صلى الله عليه وآله ،
جعل الله همة ( 6 ) أملاك الجنان في بناء قصوره ودوره ، يستعمل بكل حرف من
* ( هامش ) * 1 ) " تخرم " ص ، والبحار . وكلاهما بمعنى ، أى لم تقطع ، أو تنقص .
2 ) عنه البحار : 2 / 9 ح 18 .
3 ) عنه البحار المتقدم . 4 ) " مجاريهم " أ .
5 ) " عوارهم " ب ، ط ، ق ، د ، والاحتجاج . العورة : كل مكمن للسر ، والعوار : العيوب .
6 ) " جمة " أ . الجمة - بفتح الجيم وضمها وتشديد الميم - معظم الشئ أو الكثير منه . ( * )
ـ350ـ
حروف حججه على أعداء الله أكثر من ـ عدد ـ أهل الدنيا أملاكا ، قوة كل واحد تفضل
عن حمل السماوات والارضين ، فكم من بناء ، وكم من ـ نعمة ، وكم من ـ قصور لا يعرف
قدرها إلا رب العالمين ؟ ( 1 )
235 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : من أعان محبا لنا على عدولنا ، فقواه
وشجعه حتى يخرج الحق الدال على فضلنا بأحسن صورته ، ويخرج الباطل - الذي
يروم به أعداؤنا دفع حقنا - في أقبح صورة ، حتى يتنبه الغافلون ، ويستبصر المتعلمون
ويزداد في بصائرهم العاملون ( 2 ) بعثه الله تعالى يوم القيامة في أعلى منازل الجنان ، ويقول :
يا عبدي الكاسر لاعدائي ، الناصر لاوليائي ، المصرح بتفضيل محمد خير أنبيائي
وبتشريف علي أفضل أوليائي ، وتناوي ( 3 ) إلى من ناواهما ، وتسمى بأسمائهما
وأسماء خلفائهما وتلقب بألقابهما ، فيقول ذلك ، ويبلغ الله جميع أهل العرصات .
فلا يبقى ملك ولاجبار ولا شيطان إلا صلى على هذا الكاسر لاعداء محمد صلى الله عليه وآله
ولعن الذين كانوا يناصبونه في الدنيا من النواصب لمحمد وعلي عليهما السلام . ( 4 )
236 - وقال على بن موسى الرضا عليهما السلام : أفضل ما يقدمه العالم من محبينا
وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته ، وذله ومسكنته ، أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا
من يد ناصب عدو لله ولرسوله ، يقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره
إلى موضع محله من جنان الله فيحملونه على أجنحتهم ، يقولون :
مرحبا طوباك طوباك يا دافع الكلاب عن الابرار ، ويا أيها المتعصب للائمة الاخيار . ( 5 )
* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 8 / 180 ضمن ح 137 ، وعنه في البحار : 2 / 10 ح 19 ، وعن الاحتجاج : 1 / 12 .
2 ) " العالمون " خ ل ، والبحار .
3 ) " ينادى " أ ، والبحار : 2 ، وكذا بعدها أى بصيغة المفرد الغائب . وناواه : عاداه .
4 ) عنه البحار : 2 / 10 ح 20 ، وج 7 / 226 ضمن ح 143 .
5 ) عنه البحار : 7 / 226 ضمن ح 143 ، وعنه في البحار : 2 / 11 ح 21 ، وعن الاحتجاج : 1 / 12 . ( * )
ـ351ـ
237 - وقال محمد بن على عليهما السلام : إن حجج الله على دينه أعظم سلطانا يسلط الله
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 351 سطر 1 الى ص 360 سطر 25
237 - وقال محمد بن على عليهما السلام : إن حجج الله على دينه أعظم سلطانا يسلط الله
بها على عباده ، فمن وفر منها حظه فلا يرين أن من منعه ذلك ـ قد فضله عليه ، ولو
جعله في الذروة العليا من الشرف والمال والجمال ، فانه إن رأى ذلك ـ كان قد
حقر عظيم نعم الله لديه .
وإن عدوا من أعدائنا ( 1 ) النواصب يدفعه بما تعلمه ( 2 ) من علومنا أهل البيت
لافضل له من كل مال لمن فضل عليه ، ولو تصدق بألف ضعفه . ( 3 )
238 - واتصل بأبى الحسن على بن محمد العسكرى عليهما السلام ( 4 ) أن رجلا من فقهاء
شيعته كلم بعض النصاب فأفحمه بحجته حتى أبان عن فضيحته ، فدخل على علي بن
محمد عليهما السلام وفي صدر مجلسه دست ( 5 ) عظيم منصوب ، وهو قاعد خارج الدست ،
وبحضرته خلق ـ كثير ـ من العلويين وبني هاشم ، فما زال يرفعه حتى أجلسه في
ذلك الدست ، وأقبل عليه فاشتد ذلك على أولئك الاشراف :
فأما العلوية فأجلوه عن العتاب ، وأما الهاشميون فقال له شيخهم : يابن رسول
الله هكذا تؤثر عاميا على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين ؟
فقال عليه السلام : إياكم وأن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم : ( ألم تر إلى الذين
اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم
معرضون ) ( 6 ) أترضون بكتاب الله عزوجل حكما ؟ قالوا : بلى .
قال : أليس الله تعالى يقول : ( يا أيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا في
المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين ءامنوا
* ( هامش ) * 1 ) " أعداء الله " أ . 2 ) " يعلمه " أ . 3 ) عنه البحار : 2 / 11 ح 22 .
4 ) " وقال على بن محمد عليهما السلام واتصل به " الاصل ، وما في المتن من ق ، د ، والاحتجاج .
5 ) وهى كلمة فارسية بمعنى : ما يستند عليه الملك . 6 ) آل عمران : 23 . ( * )
ـ352ـ
منكم والذين اوتوا العلم درجات ) ( 1 ) ، فلم يرض للعالم المؤمن إلا أن يرفع على
المؤمن غير العالم ، كما لم يرض للمؤمن إلا أن يرفع على من ليس بمؤمن ، أخبروني
عنه ؟ أقال : يرفع الله الذي اوتوا العلم درجات ؟
أو قال : يرفع الله الذين اوتوا شرف النسب درجات ؟
أو ليس قال الله : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ( 2 ) فكيف
تنكرون رفعي لهذا لما ( 3 ) رفعه الله ؟ إن كسر هذا لفلان الناصب بحجج الله التي
علمه إياها لافضل له من كل شرف في النسب .
فقال العباسي : يا بن رسول الله قد شرفت علينا من هو ذو نسب يقصر بنا ، ومن
ليس له نسب كنسبنا ، ومازال منذ أول الاسلام يقدم الافضل في الشرف على من دونه .
فقال عليه السلام : سبحان الله أليس العباس بايع لابى بكر وهو تيمي والعباس هاشمي ؟
أو ليس عبدالله بن العباس كان يخدم عمر بن الخطاب ، وهو هاشمي وأبوالخلفاء
وعمر عدوي ؟
وما بال عمر أدخل البعداء من قريش في الشورى ولم يدخل العباس ؟ فان كان
رفعنا لمن ليس بهاشمي على هاشمي منكرا فأنكروا على العباس بيعته ( 4 ) لابي بكر
وعلى عبدالله بن العباس خدمته لعمر بعد بيعته له ، فان ( 5 ) كان ذلك جائزا فهذا جائز .
فكأنما القم هذا الهاشمي حجرا . ( 6 )
239 - واجتمع قوم من الموالين والمحبين لآل رسول الله صلى الله عليه وآله بحضرة
الحسن بن علي عليهما السلام ، فقالوا : يابن رسول الله إن لنا جارا من النصاب يؤذينا
* ( هامش ) * 1 ) المجادلة : 11 . 2 ) الزمر : 9 .
3 ) " كما " ب ، ط . 4 ) " بيعته مع قرابته " س .
5 ) في قوله : " فان " اشارة إلى جداله مع العباسى بالاحسن ، فلا يخفى لطفه .
6 ) عنه البحار : 2 / 13 ح 25 ، وعن الاحتجاج : 2 / 259 . وأخرجه في البرهان : 4 / 305
ح 1 وفى حلية الابرار : 2 / 454 عن الاحتجاج . ( * )
ـ353ـ
ويحتج علينا في تفضيل الاول والثاني والثالث على أمير المؤمنين عليه السلام ، ويورد علينا
حججا لا ندري كيف الجواب عنها والخروج منها ؟
فقال الحسن عليه السلام : أنا أبعث إليكم من يفحمه عنكم ، ويصغر شأنه لديكم .
فدعا برجل من تلامذته وقال : مر بهؤلاء إذا كانوا مجتمعين يتكلمون فتسمع
إليهم ، فيستدعون منك الكلام فتكلم ، وأفحم صاحبهم ، واكسر عزته ( 1 ) وفل ( 2 ) حده
ولا تبق له باقية .
فذهب الرجل ، وحضر الموضع وحضروا ، وكلم الرجل فأفحمه ، وصيره لا يدري
في السماء هو ، أو في الارض ؟
ـ قالوا : ـ ووقع علينا من الفرح والسرور مالا يعلمه إلا الله تعالى ، وعلى الرجل
والمتعصبين له من الحزن والغم مثل ما لحقنا من السرور .
فلما رجعنا إلى الامام قال لنا : إن الذي في السماوات من الفرح والطرب بكسر
هذا العدو لله كان أكثر مما كان بحضرتكم ، والذي كان بحضرة إبليس وعتاة مردته
- من الشياطين - من الحزن والغم أشد مما كان بحضرتهم .
ولقد صلى على هذا ـ العبد ـ الكاسر له ملائكة السماء والحجب والكرسي ، وقابلها
الله بالاجابة ، فأكرم إيابه ، وعظم ثوابه .
ولقد لعنت تلك الاملاك عدو الله المكسور ، وقابلها الله بالاجابة فشدد حسابه
وأطال عذابه . ( 2 )
قوله عزوجل : " وقولوا للناس حسنا " .
240 - قال الصادق ( 4 ) عليه السلام : ( وقولوا للناس ) كلهم ( حسنا ) مؤمنهم ومخالفهم :
* ( هامش ) * 1 ) " غربه " س ، ص ، ق ، د ، والاحتجاج . " غرته " البحار . الغرب : الحدة والمراد :
كسر شوكته وبأسه . 2 ) أى كسر .
3 ) عنه البحار : 2 / 11 ح 23 ، وعن الاحتجاج : 1 / 12 . 4 ) " الامام " البحار : 71 . ( * )
ـ354ـ
أما المؤمنون فيبسط لهم وجهه وبشره .
وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم ( 1 ) إلى الايمان ، فان ييأس ( 2 ) من
ذلك يكف شرورهم عن نفسه ، وعن إخوانه المؤمنين . ( 3 )
ـ في مداراة النواصب : ـ
241 - قال الامام عليه السلام : إن مداراة أعداء الله من أفضل صدقة المرء على نفسه وإخوانه .
كان رسول الله صلى الله عليه وآله في منزله إذ أستأذن عليه عبدالله بن ابي بن سلول ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وآله : بئس أخو العشيرة ، ائذنوا له . فأذنوا له .
فلما دخل أجلسه وبشر في وجهه ، فلما خرج قالت له عايشة : يا رسول الله قلت
فيه ما قلت ، وفعلت به من البشر ما فعلت !
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عويش يا حميراء ، إن شر الناس عند الله يوم القيامة من
يكرم اتقاء شره . ( 4 )
242 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام : إنا لنبشر ( 5 ) في وجوه قوم ، وإن قلوبنا
لتقليهم ( 6 ) أولئك أعداء الله نتقيهم على إخواننا ، لا على أنفسنا . ( 7 )
243 - وقالت فاطمة عليها السلام : البشر في وجه المؤمن يوجب لصاحبه الجنة ، والبشر
في وجه المعاند المعادي يقي صاحبه عذاب النار . ( 8 )
* ( هامش ) * 1 ) " لاحتدائهم " أ . حدئ عليه واليه حدأ : حدب عليه ، وعطف عليه .
2 ) " استتر " أ ، والبرهان . واستظهرها في " أ " يئس . " بأيسر " البحار : 75 .
3 ) عنه البحار : 71 / 309 وج 75 / 401 صدر ح 42 ، والبرهان : 1 / 122 ح 18 ، ومستدرك
الوسائل : 2 / 375 ح 1 . 4 ) عنه البحار : 75 / 401 ضمن ح 42 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 375 ح 2 .
5 ) " لنشكر " ب ، ط . " لتكشر " ق ، د . 6 ) أى لتبغضهم . " لتلعنهم " خ ل ، والمستدرك .
7 و 8 ) عنه البحار : المتقدم ومستدرك الوسائل المذكور ح 3 . ( * )
ـ355ـ
244 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الانبياء إنما فضلهم
الله تعالى على خلقه أجمعين لشدة مداراتهم لاعداء دين الله ، وحسن تقيتهم لاجل
إخوانهم في الله . ( 1 )
245 - قال الزهرى : كان على بن الحسين عليهما السلام : ما عرفت له صديقا في السر
ولا عدوا في العلانية ، لانه لا أحد يعرفه بفضائله الباهرة إلا ولا يجد بدا من تعظيمه
من شدة مداراته وحسن معاشرته إياه ، وأخذه من التقية بأحسنها وأجملها .
ولا أحد - وإن كان يريه المودة في الظاهر - إلا وهو يحسده في الباطن لتضاعف
فضائله على فضائل الخلق . ( 2 )
246 - وقال محمد بن على الباقر عليهما السلام : من أطاب الكلام مع موافقيه ليؤنسهم
وبسط وجهه لمخالفيه ليأمنهم على نفسه وإخوانه ، فقد حوى من الخير والدرجات
العاليه عند الله مالا يقادر قدره غيره . ( 3 )
247 - وقال بعض المخالفين ( 4 ) بحضرة الصادق عليه السلام لرجل من الشيعة :
ما تقول في العشرة من الصحابة ؟ قال : أقول فيهم الخير الجميل ( 5 ) الذي يحط الله به
سيئاتي ويرفع به درجاتي . قال السائل :
الحمد لله على ما ( 6 ) أنقذني من بغضك كنت أظنك رافضيا تبغض الصحابة .
فقال الرجل : ألا من أبغض واحدا من الصحابة ، فعليه لعنة الله .
قال : لعلك تتأول ما تقول ؟ ( قل : فمن ) ( 7 ) أبغض العشرة من الصحابة .
* ( هامش ) * 1 و 2 و 3 ) عنه البحار المتقدم ، ومستدرك الوسائل : 2 / 375 ح 3 ، 4 ، 5 .
4 ) " المنافقين " أ .
5 ) " الحسن " خ ل .
6 ) " الذى " أ .
7 ) " فيمن " ب ، س ، والبحار . ( * )
ـ356ـ
فقال : من أبغض العشرة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .
فوثب الرجل فقبل رأسه ، وقال : اجعلني في حل مما قذفتك ( 1 ) به من الرفض
قبل اليوم . قال : ـ اليوم ـ أنت في حل وأنت أخي . ثم انصرف السائل .
فقال له الصادق عليه السلام : جودت ! لله درك ( 2 ) ، لقد عجبت الملائكة في السماوات
من حسن توريتك ، وتلطف ( 3 ) بما خلصك ، ولم تثلم دينك ، وزاد الله في مخالفينا
غما إلى غم ، وحجب عنهم مراد منتحلي مودتنا في تقيتهم .
فقال بعض أصحاب الصادق عليه السلام : يابن رسول الله ما عقلنا من كلام هذا إلا
موافقة صاحبنا لهذا المتعنت الناصب ؟
فقال الصادق عليه السلام : لئن كنتم لم تفهموا ( 4 ) ما عنى فقد فهمناه نحن ، وقد شكر الله له .
إن ولينا الموالي لاوليائنا المعادي لاعدائنا إذا ابتلاه الله بمن يمتحنه من مخالفيه
وفقه لجواب يسلم معه دينه وعرضه ، ويعظم الله بالتقية ثوابه ( 5 )
إن صاحبكم هذا قال : من عاب ( 6 ) واحدا منهم فعليه لعنة الله ، أي من عاب واحدا
منهم هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .
وقال في الثانية : من عابهم أو شتمهم ( 7 ) فعليه لعنة الله . وقد صدق لان من عابهم
فقد عاب عليه السلام ، لانه أحدهم ، فاذا لم يعب عليا عليه السلام ولم يذمه فلم يعبهم ، وإنما ( 8 )
عاب بعضهم .
ـ ولقد كان لحزقيل ( 9 ) المؤمن مع قوم فرعون الذين وشوا به إلى فرعون مثل هذه
* ( هامش ) * 1 ) " قدمتك " أ ، ب . " قرفتك " ط . قذف الرجل : رماه واتهمه بريبة ، وقرف فلانا بكذا : اتهمه به .
2 ) أى لله ما خرج منك من خير . وفى " أ " لله ودك .
3 ) " تلفظك " البحار : 71 ، والبرهان . 4 ) " تفقهوا " أ .
5 ) " ويعصمه الله بالتقية " البرهان . 6 ) " أبغض " ط . وكذا بعدها .
7 ) " سبهم " ب ، س ، ط . 8 ) " واذا عاب " أ ، والمستدرك .
9 ) " لخربيل " س ، ص ، والبحار : 75 وقصص الراوندى وكذا ما يأتى . ( * )
ـ357ـ
التورية ، كان حزقيل يدعوهم إلى توحيد الله ونبوة موسى وتفضيل محمد رسول الله
صلى الله عليه وآله على جميع رسل الله وخلقه ، وتفضيل علي بن أبي طالب عليه السلام والخيار من الائمة
على سائر أوصياء النبيين وإلى البراءة من ربوبية فرعون .
فوشى بن الواشون إلى فرعون ، وقالوا : إن حزقيل يدعو إلى مخالفتك ، ويعين
أعداءك على مضادتك .
فقال لهم فرعون : إنه ابن عمي وخليفتي على ملكي ( 1 ) وولي عهدي ، إن فعل
ما قلتم ، فقد استحق أشد العذاب على كفره لنعمتي ، وإن كنتم عليه كاذبين ، فقد استحققتم
أشد العذاب ( 2 ) لايثاركم الدخول في مساءته ( 3 ) .
فجاء بحزقيل ، وجاء بهم ، فكاشفوه ، وقالوا : أنت تجحد ( 4 ) ربوبية فرعون الملك
وتكفر نعماءه ؟ فقال حزقيل : أيها الملك هل جربت علي كذبا قط ؟ قال : لا . قال :
فسلهم من ربهم ؟ قالوا : فرعون ـ هذا ـ . قال لهم : ومن خالقكم ؟ قالوا : فرعون هذا .
قال لهم : ومن رازقكم ، الكافل لمعايشكم ، والدافع عنكم مكارهكم ؟ قالوا : فرعون هذا .
قال حزقيل : أيها الملك فاشهدك ، و ـ كل ـ من حضرك : أن ربهم هو ربي
وخالقهم هو خالقي ، ورازقهم هو رازقي ، ومصلح معايشهم هو مصلح معايشي ، لا رب
لي ولا خالق ولا رازق غير ربهم وخالقهم ورازقهم .
واشهدك ومن حضرك أن كل رب وخالق ورازق سوى ربهم وخالقهم ورازقهم
فأنا برئ منه ومن ربوبيته ، وكافر بالهيته .
يقول حزقيل هذا ، وهو يعني إن ربهم هو الله ربي "
وهو لم يقل : إن الذي قالوا : هو ( 5 ) أنه ربهم هو ربي وخفي هذا المعنى على
فرعون ومن حضره وتوهموا أنه يقول : فرعون ربي وخالقي ورازقي .
* ( هامش ) * 1 ) " مملكتى " البرهان . 2 ) " العقاب " ب ، س ، والبحار .
3 ) " مكانه " البحار : 13 . 4 ) " تكفر " البحار : 75 . 5 ) " هم " أ ، ق ، د . ( * )
ـ358ـ
فقال لهم : يا رجال السوء ويا طلاب الفساد في ملكي ، ومريدي الفتنة بيني وبين
ابن عمي ، وهو عضدي ، أنتم المستحقون لعذابي لارادتكم فساد أمري وهلاك ابن
عمي ، والفت ( 1 ) في عضدي .
ثم أمر بالاوتاد ، فجعل في ساق كل واحد منهم وتد ، وفي صدره وتد ، وأمر
أصحاب أمشاط الحديد ، فشقوا بها لحومهم من أبدانهم .
فذلك ما قال الله تعالى : ( فوقيه الله ) يعني حزقيل ( 2 ) ( سيئات ما مكروا ) ـ به
* ( هامش ) * 1 ) فت في عضده : أى كسر قوته ، وفرق عنه أعوانه .
2 ) روى الراوندى قى قصص الانبياء ( مخطوط ) ، عنه البحار : 13 / 162 ح 6 ، قال : حزبيل
هو مؤمن آل فرعون أرسل فرعون رجلين في طلبه فانطلقا في طلبه . . فلما رآهما
أوجس في نفسه خيفة وقال . . أسألك يا الهى ان كان هذان الرجلان يريدان بى سوءا
فسلط عليهما فرعون ، وعجل ذلك ، وان هما أرادانى بخير فاهدهما .
فلما دخل حزبيل ، قال فرعون ، للرجلين : من ربكما ؟ قالا : أنت .
فقال لحزبيل : ومن ربك ؟ قال : ربى ربهما . . فظن فرعون أنه يعنيه ، فوقاه الله
سيئات ما مكروا ، وحاق بآل فرعون سوء العذاب ، وسر فرعون .
أقول : يجوز عند الجمع بين هذه الرواية وغيرها ( انظر تخريجات الحديث ) القول بأنه
لم يقتل في هذه المرحلة - أى في بدء الوشاية - بل كان يحاجهم ويقول كما قال تعالى
" يا قوم مالى أدعوكم إلى النجاة وتدعوننى إلى النار ، تدعوننى لاكفر بالله واشرك به
ماليس لى به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار - إلى أن قال تعالى - انا لننصر
رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد " غافر : 41 - 51 .
فالقتل أولا كان من نصيب اولئك الساعين به ، وانما قتل في مرحلة اخرى عند ما حان
أجله ، فقد روى الكلينى في الكافى : 2 / 215 ح 1 عن الصادق عليه السلام أنه قال في
قوله تعالى " فوقاه الله . " والله لقد سطوا عليه وقتلوه ، ولكن أتدرون ما وقاه ؟ وقاه
أن يفتنوه في دينه .
وروى القمى في تفسيره : 586 عنه عليه السلام أنه قال " والله لقد قطعوه اربا ، ولكن
وقاه الله أن يفتنوه في دينه " . < ( * )
ـ359ـ
لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه ـ ( وحاق بآل فرعون ) ـ حل بهم ـ ( سوء
العذاب ) ( 1 ) وهم الذين وشوا بحزقيل إليه لما أوتد فيهم الاوتاد ومشط عن
أبدانهم لحومها بالامشاط . ( 2 )
248 - وقال رجل لموسى بن جعفر عليها السلام من خواص الشيعة - وهو يرتعد
بعد ما خلا به - : يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله ما أخوفني أن يكون فلان بن فلان ينافقك في
إظهاره اعتقاد وصيتك وإمامتك ؟ !
فقال موسى عليه السلام : وكيف ذاك ؟ قال : لاني حضرت معه اليوم في مجلس فلان -
رجل من كبار أهل بغداد - فقال له صاحب المجلس :
أنت تزعم أن موسى بن جعفر عليه السلام إمام دون هذا الخليفة القاعد على سريره ؟
فقال له صاحبك هذا : ما أقول هذا ، بل أزعم أن موسى بن جعفر عليه السلام غير إمام
وإن لم أكن أعتقد أنه غير إمام ، فعلي وعلى من لم يعتقد ذلك لعنة الله ، والملائكة
والناس أجمعين .
فقال له صاحب المجلس : جزاك الله خيرا ، ولعن ـ الله ـ من وشى بك .
قال له موسى بن جعفر عليه السلام : ليس كما ظننت ، ولكن صاحبك أفقه منك ، إنما
قال : إن موسى غير إمام ، أي إن الذي هو غير ( 3 ) إمام فموسى غيره ، فهو إذا إمام
فانما أثبت بقوله هذا إمامتي ، ونفى إمامة غيري .
* ( هامش ) *
> فمن المحتمل أنه قد وشى به أكثر من مرة ، للتأثير عليه حتى يشرك ويكفر بالله ، لكنه
في كل مرة كان ينجو بدينه ونفسه - بوقاية الله ونصرته - حتى حان حينه ، فقطعوه اربا
دون أن يفتنوه عن دينه .
1 ) غافر : 45
2 ) عنه البحار : 75 / 402 ضمن ح 42 ، والبرهان : 4 / 98 ح 3 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 375
ح 6 ، وعنه في البحار : 13 / 160 ح 1 ، وعن الاحتجاج : 2 / 131 باسناده عن العسكرى
عليه السلام ، وأخرجه في البحار : 71 / 11 ح 22 عن الاحتجاج .
3 ) " عندك " البحار : 75 ، والمستدرك . ( * )
ـ360ـ
يا عبدالله متى يزول عنك هذا الذي ظننته بأخيك هذا من النفاق : تب إلى الله .
ففهم الرجل ما قاله ، واغتم وقال :
يابن رسول الله مالي مال فارضيه به ، ولكن قد وهبت له شطر عملي كله من
تعبدي ، ومن صلاتي عليكم أهل البيت ، ومن لعنتي لاعدائكم .
قال موسى بن جعفر عليه السلام : الآن خرجت من النار . ( 1 )
249 - وقال ( 2 )
* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 75 / 403 ضن ح 42 ، والمستدرك : 2 / 376 ح 7 ، وأخرجه في البحار :
71 / 14 ح 28 عن الاحتجاج : 2 / 169 باسناده عن العسكرى عليه السلام .
2 ) أقول : انظر من أول البحث إلى آخره حول مداراة النواصب ، تجد :
أ - قال الامام عليه السلام : كان رسول الله صلى الله عليه وآله . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله .
ب - وقال أمير المؤمنين عليه السلام . . ج - وقالت فاطمة عليها السلام . .
د - وقال الحسن بن على عليهما السلام . . ه - قال الزهرى : كان على بن الحسين . .
و - وقال بعض المخالفين بحضرة الصادق عليه السلام . . فقال الصادق عليه السلام . .
ز - وقال رجل لموسى بن جعفر عليهما السلام . . قال له موسى بن جعفر عليهما السلام . .
ح - وقال ( . . . ) عند الرضا عليه السلام . . فقال الرضا عليه السلام .
ط - قال : وقال رجل لمحمد بن على عليهما السلام . فقال محمد بن على عليهما السلام . . .
ى - قال أبويعقوب وعلى - راويا هذا الكتاب بألفاظه أو مضمونه - :
حضرنا عند الحسن بن على أبى القائم عليهم السلام . فقال له بعض أصحابه . .
فقال له الحسن بن على عليهما السلام . .
ثم أنه عليه السلام بعد ماذكر أحاديث النبى والائمة عليهم السلام ختم الكلام حول
الموضوع بحديث من نفسه .
فالظاهر أن الراوى للكتاب يقول : قال عليه السلام - بهذا المضمون - :
كان جماعة من الناس عند الرضا عليه السلام ، فدخل اليه رجل ، فقال له . .
ويدل على ذلك قوله بعد ذلك : " قال " : وقال رجل لمحمد بن على عليهما السلام . . ( * )
ـ361ـ
( . . . ) ( 1 ) عند الرضا عليه السلام ، فدخل اليه رجل فقال : يابن رسول الله لقد رأيت
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 361 سطر 1 الى ص 370 سطر 24
( . . . ) ( 1 ) عند الرضا عليه السلام ، فدخل اليه رجل فقال : يابن رسول الله لقد رأيت
اليوم شيئا ـ عجيبا ـ عجبت منه :
رجل كان معنا يظهر لنا أنه من الموالين لآل محمد صلى الله عليه وآله المتبرئين من أعدائهم .
ورأيته اليوم ، وعليه ثياب قد خلعت عليه وهو ذا يطاف به ببغداد وينادي المنادون
بين يديه ، معاشر الناس اسمعوا توبة هذا الرافضي . ثم يقولون له : قل .
فيقول : خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله " أبا بكر " ( 2 ) .
فاذا قال ( 3 ) ذلك ضجوا ، وقالوا : قد تاب ، وفضل أبا بكر على علي بن أبي طالب
ابن عم رسول الله .
فقال الرضا عليه السلام : إذا خلوت فأعد علي هذا الحديث .
فلما أن خلا أعاد عليه فلقال له : إنما لم افسر لك معنى كلام ـ هذا ـ الرجل بحضرة
هذا الخلق المنكوس ، كراهة أن ينقل إليهم ، فيعرفوه ويؤذوه .
* ( هامش ) * 1 ) في الاصل : " كنا " .
أقول : فيه تصحيف ما مضمونه " كان الناس " وذلك للتصريح في أول الكلام بأن مجلس الرضا
عليه السلام هذا كان بحضرة الاعداء ، بقرينة ما قاله الرضا عليه السلام - كما سيأتى - " اذا
خلوت فأعد على هذا الحديث . . انما لم افسر بحضرة هذا الخلق المنكوس كراهة أن ينقل . "
وعلى هذا فكيف يقول الراوى للحديث - عن مجلس الرضا عليه السلام ، وبحضور هؤلاء
الخلق المنكوس من أعداء آل محمد - : " كنا " ؟ !
أضف إلى ذلك أن الراوى كان أعرف منا وأدرى بأنه ما كان الامام عليه السلام بحضرة الرضا
أو معهم . فلاحظ تعليقتنا السابقة .
وأما في الاحتجاج : 2 / 235 وعنه البحار فأخذه باليقين ، قال : وبالاسناد الذى تكرر
عن أبى الحسن العسكرى عليه السلام قال : دخل على أبى الحسن الرضا عليه السلام رجل . .
2 ) نصب باعتباره نداءا لابى بكر ، وليس خبرا " لخير الناس " وهذا ما فسره الامام عليه السلام فلاحظ .
3 ) " فعل " ب ، س ، ص ، ط ، والبحار : 75 . ( * )
ـ362ـ
لم يقل الرجل : خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله " أبوبكر " فيكون قد فضل أبابكر
على علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولكن قال : خير الناس بعد رسول الله " أبابكر "
فجعله نداءا لابي بكر ، ليرضى به من يمشي بين يديه من بعض هؤلاء الجهلة ليتوارى
من شرورهم ، إن الله تعالى جعل هذا التورية مما رحم به شيعتنا ومحبينا . ( 1 )
250 - قال : وقال رجل لمحمد بن على عليهما السلام : يابن رسول الله صلى الله عليه وآله مررت
اليوم بالكرخ فقالوا : هذا نديم محمد بن علي إمام الرافضة ، فاسألوه من خير الناس
بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فان قال : علي . فاقتلوه ، وإن قال : أبوبكر . فدعوه فانثال علي منهم
خلق عظيم وقالوا لى : من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقلت مجيبا لهم : خير ( 2 )
الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أبوبكر وعمر وعثمان وسكت ولم أذكر عليا . فقال بعضهم :
قد زاد علينا ، نحن نقول ههنا : وعلي ! فقلت لهم : في هذا نظر ، لا أقول هذا .
فقالوا بينهم : إن هذا أشد تعصبا للسنة منا ، قد غلطنا عليه .
ونجوت هذا منهم فهل علي يابن رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا حرج ؟ وإنما أردت
أخير ـ الناس ـ ؟ أي أهو خير ؟ - إستفهاما لا إخبارا - .
فقال محمد بن على عليهما السلام : قد شكر الله لك بجوابك هذا ، وكتب لك أجره
وأثبته لك في الكتاب الحكيم ، وأوجب لك بكل حرف من حروف ألفاظك بجوابك
هذا لم ما يعجز عنه أماني المتمنين ولا يبلغه آمال الآملين . ( 3 )
251 - قال : وجاء رجل إلى على بن محمد عليهما السلام وقال : يابن رسول الله صلى الله عليه وآله
بليت اليوم بقوم من عوام البلد أخذوني فقالوا : أنت لا تقول بامامة أبي بكر بن أبي
* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 75 / 404 ضمن ح 42 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 376 ح 8 ، ورواه في
الاحتجاج : 2 / 235 باسناده عن العسكرى عليه السلام ، عنه البحار : 71 / 15 ح 29 .
2 ) " أخير " البحار : 75 .
3 ) عنه البحار : 75 / 405 ضمن ح 42 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 276 ضمن ح 9 . ( * )
ـ363ـ
قحافة ؟ فخفتهم يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله ! وأردت أن أقول : ـ لا ، قلت : ـ بلى ، أقولها للتقية .
فقال لي بعضهم - ووضع يده على فمي - وقال : أنت لا تتكلم إلا بمخرقة ( 1 ) أجب
عما القنك . قلت : قل . فقال لي : أتقول أن أبابكر بن أبي قحافة هو الامام بعد رسول
الله صلى الله عليه وآله إمام حق عدل ، ولم يكن لعلي في الامامة حق البتة ؟
قلت : نعم ، وأنا اريد نعما من الانعام : الابل والبقر والغنم .
فقال : ـ لا ـ أقنع بهذا حتى تحلف ، قل : والله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب
( العدل ) المدرك المهلك العالم من السر ما يعلم من العلانية . فقلت : نعم واريد نعما من الانعام .
فقال : لا أقنع منك إلا بأن تقول : أبوبكر بن أبي قحافة هو الامام والله الذي
لا إله إلا هو . وساق اليمين ، فقلت : أبوبكر بن أبي قحافة إمام - أي هو إمام من
ائتم به واتخذه إماما - والله الذي لا إله إلا هو ، ومضيت في صفات الله .
فقنعوا بهذا مني وجزوني خيرا ونجوت منهم ، فكيف حالي عند الله ؟
قال : خير حال ، قد أوجب الله لك مرافقتنا في أعلى عليين لحسن تقيتك . ( 2 )
252 - قال أبويعقوب وعلى ( 3 ) : حضرنا عند الحسن بن علي أبي القائم عليهم السلام
فقال له بعض أصحابه : جاءني رجل من إخواننا الشيعة قد امتحن بجهال العامة
يمتحنونه في الامامة ، ويحلفونه ( وقال : كيف ) ( 4 ) نصنع حتى نتخلص منهم ؟
فقلت له : كيف يقولون ؟ قال : يقولون لي أتقول : إن فلانا هو الامام بعد رسول
الله صلى الله عليه وآله ؟ فلا بد لي من أن أقول : نعم . وإلا أثخنوني ضربا ، فاذا قلت : نعم . قالوا
لي : ـ قل : ـ والله .
فقلت له : قل : نعم . وتريد به نعما من الابل والبقر والغنم . فاذا ( 5 ) قالوا : ـ قل ـ والله
* ( هامش ) * 1 ) " بمخوفة " أ ، والمستدرك . المخرقة : الكذب والاختلاق .
2 ) عنه البحار : والمستدركين السابقين . 3 ) وهما راويا هذا التفسير .
4 ) " فكيف " أ ، والمستدرك . 5 ) " ( و ) قلت فاذا " ب ، ط ، والبحار : 71 . ( * )
ـ364ـ
فقل : ولى ( 1 ) أي ولى - تريد - عن أمر كذا ، فانهم لا يميزون ، وقد سلمت .
فقال لي : فان حققوا علي وقالوا : قل : والله ، وبين الهاء ؟
فقلت : قل : والله - برفع الهاء - فانه لايكون يمينا إذا لم يخفض الهاء .
فذهب ثم رجع إلي فقال : عرضوا علي وحلفوني ، وقلت كما لقنتني .
فقال له الحسن عليه السلام : أنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " الدال على الخير كفاعله "
لقد كتب الله لصاحبك بتقيته بعدد كل من استعمل التقية من شيعتنا وموالينا ومحبينا
حسنه ، وبعدد كل من ترك التقية منهم حسنة ، أدناها حسنة لو قوبل بها ذنوب مائة سنة
لغفرت ، ولك بارشادك إياه مثل ماله . ( 2 )
253 - وأما قوله عزوجل : ( أقيموا الصلوة ) فهو أقيموا الصلاة بتمام ركوعها
وسجودها و ـ حفظ ـ ( 3 ) مواقيتها ، وأداء حقوقها التي إذا لم تؤد لم يتقبلها رب الخلائق
أتدرون ما تلك الحقوق ؟
فهي إتباعها بالصلاة على محمد وعلي وآلهما عليهم السلام منطويا على الاعتقاد بأنهم
أفضل خيرة الله ، والقوام بحقوق الله ، والنصار لدين الله . ( 4 )
254 - " وآتوا الزكاة " من المال والجاه وقوة البدن : فمن المال مواساة إخوانكم
المؤمنين ، ومن الجاه إيصالهم إلى ما يتقاعسون عنه لضعفهم عن حوائجهم المترددة ( 5 )
في صدورهم .
* ( هامش ) * 1 ) " والله " البحار . أى بالهاء الساكنة المضمرة ، فكأنك تقول : ولى .
2 ) عنه البحار : 75 / 406 ضمن ح 42 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 376 ح 10 ، وأخرجه
في البحار : 71 / 16 ح 30 عن الاحتجاج : 2 / 266 . 3 ) من التأويل .
4 ) عنه تأويل الايات : 1 / 75 ح 50 ، والوسائل : 6 / 154 ضمن ح 13 ، والبحار : 85 /
285 صدر ح 12 ، والبرهان : 1 / 123 ح 18 ومستدرك الوسائل : 1 / 334 صدر ح 3 .
5 ) " المقررة " البحار . ( * )
ـ365ـ
وبالقوة معونة أخ لك قد سقط حماره أو جمله في صحراء أو طريق ، وهو يستغيث
فلا يغاث تعينه حتى حمل عليه متاعه ، وتركبه ـ عليه ـ وتنهضه حتى تلحقه القافلة ، وأنت
في ذلك كله معتقد لموالاة محمد وآله الطيبين .
فان الله يزكي أعمالك ويضاعفها بموالاتك لهم ، وبراءتك من أعدائهم . ( 1 )
255 - قال الله تعالى : ( ثم توليتم إلا قليلا منكم ) يا معاشر اليهود المأخوذ
عليكم ( 2 ) من هذه العهود كما أخذ على أسلافكم ( وأنتم معرضون ) عن أمر الله
عزوجل الذي فرضه . ( 3 )
256 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن العبد إذا أصبح ، أو الامة إذا أصبحت ، أقبل
الله تعالى عليه وملائكته - ليستقبل ربه عزوجل بصلاته - فيوجه إليه رحمته ويفيض
عليه كرامته ، فان وفى بما أخذ عليه ، فأدى الصلاة على ما فرضت ، قال الله تعالى
للملائكة خزان جنانه وحملة عرشه : قد وفى عبدي هذا ، ففوا له .
وإن لم يف ، قال الله تعالى : لم يف عبدي هذا ، وأنا الحليم ( 4 ) الكريم ، فان تاب
تبت عليه ، وإن أقبل على طاعتي أقبلت عليه برضواني ورحمتي .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ـ قال الله تعالى : ـ وإن كسل عما اريد ، قصرت في
قصوره حسنا وبهاءا وجلالا ، وشهرت في الجنان بأن صاحبها مقصر .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وذلك أن الله عزوجل أمر جبرئيل ليلة المعراج فعرض
علي قصور الجنان ، فرأيتها من الذهب والفضة ، ملاطها المسك والعنبر ، غير أني
رأيت لبعضها شرفا عالية ، ولم أر لبعضها .
فقلت : يا حبيبي جبرئيل ما بال هذه بلا شرف كما لسائر تلك القصور ؟
* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 74 / 228 ح 23 ، وج 96 / 9 ح 5 ، والبرهان : 1 / 122 ح 20 ، ومستدرك
الوسائل : 1 / 512 ح 1 . 2 ) كذا استظهرناها ، وفى الاصل والبرهان : عليهم .
3 ) عنه البرهان : 1 / 123 ح 21 . 4 ) " الحكيم " ق ، د . ( * )
ـ366ـ
فقال : يا محمد هذه قصور المصلين فرائضهم ، الذين يكسلون عن الصلاة عليك
وعلى آلك بعدها .
فان بعث مادة لبناء الشرف من الصلاة على محمد وآله الطيبين ـ بنيت له الشرف ـ
وإلا بقيت هكذا ، حتى ( 1 ) يعرف سكان الجنان أن القصر الذي لا شرف له هو الذي
كسل صاحبه بعد صلاته عن الصلاة على محمد وآله الطيبين .
ورأيت فيها قصورا منيفة ( 2 ) مشرقة ( 3 ) عجيبة الحسن ، ليس لها أمامها دهليز
ولا بين أيديها ( 4 ) بستان ، ولا خلفها ، فقلت : مابال هذه القصور لا دهيلز بين أيديها ؟
ولا بستان خلف قصرها ؟
فقال : يا محمد هذه قصور المصلين ـ الصلوات ـ الخمس ، الذين يبذلون بعض وسعهم
في قضاء حقوق إخوانهم المؤمنين دون جميعها ، فلذلك قصورهم مسترة ( 5 ) بغير دهيلز
أمامها ، وغير بستان خلفها .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ألا فلا تتكلوا على الولاية وحدها ، وأدوا ما بعدها من
فرائض الله ، وقضاء حقوق الاخوان ، واستعمال التقية ، فانهما اللذان يتممان الاعمال
ويقصران بها . ( 6 )
* ( هامش ) * 1 ) " فيقال حين " ب ، س ، ط ، والبحار : 86 . فيقال حتى " ص ، البحار : 8 ، 85 ، والمستدرك .
2 " منيعه " أ ، ب ، ط ، البحار ، والمستدرك . جبل منيف : مرتفع مشرف . وحصن منيع :
يتعذر الوصول اليه . 3 ) " مشرفة " ق ، د .
4 ) " يديها " أكثر النسخ والبحار والمستدرك وكذا التى بعدها . واليد : الطريق .
5 ) " مستعمرة " ط . " مستترة " المستدرك . وليس في البحار : 8 . استعمره في المكان : جعله يعمره .
6 ) عنه البحار : 8 / 180 ضمن ح 137 ، وج 74 / 228 ح 23 ، وج 85 / 285 ضمن ح 12
وج 86 / 57 ح 61 ، ومستدرك الوسائل : 1 / 334 ضمن ح 3 ، ص 342 ح 3 . ( * )
ـ367ـ
قوله عزوجل : " واذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولاتخرجون أنفسكم
من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون * ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم و
تخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وان
يأتوكم اسارى تفادهم وهو محرم عليكم اخراجهم أفتؤمنون ببعض
الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزى في الحيوة
الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون *
اولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالاخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا
هم ينصرون " : 84 - 86
257 - قال الامام عليه السلام : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) واذكروا يا بني إسرائيل حين
أخذنا ميثاقكم ـ أي أخذنا ميثاقكم ـ على أسلافكم ، وعلى كل من يصل إليه الخبر بذلك
من أخلافهم الذين أنتم منهم ( لا تسفكون دماءكم ) لا يسفك بعضكم دماء بعض
( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) ولا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم
( ثم أقررتم ) بذلك الميثاق كما أقر به أسلافكم ، والتزمتموه كما التزموه
( وأنتم تشهدون ) بذلك على أسلافكم وأنفسكم .
( ثم أنتم ) معاشر اليهود ( تقتلون أنفسكم ) يقتل بعضكم بعضا ـ على إخراج
من يخرجونه من ديارهم ـ ( وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ) غصبا وقهرا
( تظاهرون عليهم ) تظاهر بعضكم بعضا على إخراج من تخرجونه من ديارهم ، وقتل
من تقتلونه منهم بغير حق ( بالاثم والعدوان ) بالتعدي تتعاونون وتتظاهرون ( 1 ) .
( وإن يأتوكم ) يعني هؤلاء الذين تخرجونهم - أن تروموا إخراجهم وقتلهم
ظلما - إن يأتوكم ( أسارى ) قدأسرهم أعداؤكم وأعداؤهم ( تفادوهم ) من
* ( هامش ) * 1 ) " تتظافرون " أ ، ق ، د ، وكلاهما بمعنى واحد . ( * )
ـ368ـ
الاعداء بأموالكم ( وهو محرم عليكم إخراجهم ) أعاد قوله عزوجل ( إخراجهم )
ولم يقتصر على أن يقول : " وهو محرم عليكم " لانه لو قال ذلك لرأى أن المحرم
إنما هو مفاداتهم ( 1 ) .
ثم قال عزوجل : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب ) وهو الذي أوجب عليكم المفادات
( وتكفرون ببعض ) وهو الذي حرم قتلهم وإخراجهم ، فقال : فاذا كان قد حرم
الكتاب قتل النفوس والاخراج من الديار كما فرض فداء الاسراء ، فما بالكم تطيعون
في بعض ، وتعصون في بعض ؟ كأنكم ببعض كافرون ، وببعض مؤمنون .
ثم قال عزوجل : ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم ) يا معاشر اليهود ( إلا خزي )
ذل ( في الحيوة الدنيا ) جزية تضرب عليه ، يذل بها ( ويوم القيامة يردون إلى أشد
العذاب ) إلى جنس أشد العذاب ، يتفاوت ذلك على قدر تفاوت معاصيهم ( وما الله
بغافل عما تعملون ) يعمل ( 2 ) هؤلاء اليهود .
ثم وصفهم فقال عزوجل : ( أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالآخرة ) رضوا
بالدنيا وحطامها بدلا من نعيم الجنان المستحق بطاعات الله ( فلا يخفف عنهم
العذاب ولا هم ينصرون ) لا ينصرهم أحد يرفع ( 3 ) عنهم العذاب . ( 4 )
258 - فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - لما نزلت هذه الآية في اليهود ، هؤلاء اليهود
ـ الذين ـ ( 5 ) نقضوا عهد الله ، وكذبوا رسل الله ، وقتلوا أولياء ( 6 ) الله - : أفلا أنبئكم
* ( هامش ) * 1 ) قيل " وهو محرم " الضمير للشأن أو مبهم يفسره " اخراجهم " أو لمصدر يخرجون ، واخراجهم
تأكيد ( أو بدل ، أو بيان ) . انظر تفسير البيضاوى : 1 / 168 ، تفسير الرازى : 3 / 173
تفسير شبر : 52 ، وغيرهم . 2 ) " أى بعمل " أ .
3 ) " يدفع " بعض النسخ والبحار .
4 ) عنه البحار : 9 / 180 ح 8 ، وج 75 / 316 ح 40 ، والبرهان : 1 / 123 صدر ح 1 .
5 ) من البحار . 6 ) " أنبياء " ب ، ط . ( * )
ـ369ـ
بمن يضاهيهم من يهود هذه الامة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله .
قال : قوم من أمتي ينتحلون بأنهم من أهل ملتي ، يقتلون أفاضل ذريتي وأطائب
أرومتي ، ويبدلون شريعتي وسنتي ، ويقتلون ولدي الحسن والحسين كما قتل
أسلاف هؤلاء اليهود زكريا ويحيى .
ألا وإن الله يلعنهم كما لعنهم ، ويبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هاديا
مهديا من ولد الحسين المظلوم ، يحرفهم ( 1 ) ـ بسيوف أوليائه ـ إلى نار جهنم .
ـ ثواب الحزن والبكاء على الحسين عليه السلام ـ
ألا ولعن الله قتلة الحسين ومحبيهم وناصريهم ، والساكتين عن لعنهم من غير
تقية تسكتهم .
ألا وصلى الله على الباكين على الحسين بن علي عليهما السلام رحمة وشفقة ، واللاعنبن
لاعدائهم والمتلئين عليهم غيظا وحنقا
ألا وإن الراضين بقتل الحسين عليه السلام شركاء قتلته .
ألا وإن قتلته وأعوانهم وأشياعهم والمقتدين بهم براء من دين الله .
ـ ألا ـ إن الله ليأمر الملائكة المقربين أن يتلقوا دموعهم المصبوبة لقتل الحسين
عليه السلام إلى الخزان في الجنان ، فيمزجونها بماء الحيوان ، فيزيد في عذوبتها وطيبها
ألف ضعفها .
وإن الملائكة ليتلقون دموع الفرحين الضاحكين ( 2 ) لقتل الحسين عليه السلام ويلقونها
* ( هامش ) * 1 ) " يحرقهم " أ ، ص ، والبحار : 44 . " يجرفهم " ب ، والبرهان . يحرفهم : يميلهم ، ويجعلهم
على حرف ( أى جانب ) . والجرف : أخذك الشئ عن وجه الارض بالمجرفة .
2 ) كما هو معروف فان البكاء والضحك ان هو الا سلسلة عمليات زفيرية يعقبها شهيق طويل
تحت تأثير انفعالات نفسية معينة ، ولكل من البكاء والضحك تأثير على الغدد الخاصة - < ( * )
ـ370ـ
في الهاوية ، ويمزجونها بحميمها وصديدها وغساقها وغسلينها ، فتزيد في شدة حرارتها
وعظيم عذابها ألف ضعفها ، يشدد بها على المنقولين ( 1 ) إليها من أعداء آل محمد عذابهم ( 2 )
259 - فقام ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله : فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله متى
قيام الساعة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ماذا أعددت لها إذ تسأل عنها ؟
فقال ثوبان : يا رسول الله ما أعددت لها كثير عمل إلا أني أحب الله ورسوله .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وإلى ماذا بلغ حبك لرسول الله ؟ قال : والذي بعثك
بالحق نبيا إن في قلبي من محبتك مالو قطعت بالسيوف ، ونشرت بالمناشير ، وقرضت
بالمقاريض ، واحرقت بالنيران ، وطحنت بأرحاء ( 3 ) الحجارة كان أحب إلي وأسهل
علي من أن أجد لك في قلبي غشا أو دغلا ( 4 ) أو بغضا أو لاحد من أهل بيتك وأصحابك ( 5 ) .
وأحب الخلق إلي بعدك أحبهم لك ، وأبغضهم إلي من لا يحبك ـ ويبغضك
ويبغض أحدا ممن تحبه ( 6 ) . يا رسول الله هذا ما عندي من حبك وحب من يحبك ـ
وبغض من يبغضك أو يبغض أحدا ممن تحبه ، فان قبل هذا مني فقد سعدت ، وإن
أريد مني عمل غيره ، فما أعلم لي عملا أعتمده وأعتد به غير هذا ، وأحبكم جميعا
* ( هامش ) * > - بافراز الدمع ، فأصبح علامة للفرح والحزن حتى أن العرب زعمت أن دمع الباكلى من
شدة السرور باردة ، ودمع الباكى من الحزن حارة ( مجمع البحرين : 3 / 455 ) .
والعلم أثبت أن الملوحة تكون أكثر تركيزا في دموع البكاء منها في دموع الضحك .
أقول : فليس ان هملت العين في الفرح والحزن عجبا ، لكن العجب لمن أنكر ذلك .
1 ) " المقبولين " أ ، س ، ص . " المقتولين " ب ، ط . وما في المتن من البحار .
2 ) عنه البحار : 8 / 311 ح 79 ( قطعة ) ، وج 44 / 304 ح 17 ، والبرهان : 1 / 123 ذ ح 1 .
3 ) الرحا : التى يطحن بها .
4 ) " دخلا " أ . الدخل - بالخاء الساكنة - الريبة . أدغل الشئ : أدخل فيه ما يخالفه ويفسده .
5 ) " أصحابك ومن أهل بيتك ومن غيرهم " الاصل . وما في المتن من البحار .
6 ) " من أصحابك " س ، ص ، ق ، د ، والبحار . ( * )
ـ371ـ
أنت وأصحابك ، وإن كنت لا اطيقهم في أعمالهم .
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 371 سطر 1 الى ص 380 سطر 22
أنت وأصحابك ، وإن كنت لا اطيقهم في أعمالهم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أبشر فان المرء يحشر يوم القيامة مع من أحب .
يا ثوبان لو أن عليك من الذنوب ملء ما بين الثرى إلى العرش لا نحسرت وزالت
عنك يهذا الموالاة أسرع من انحدار الظل ( 1 ) عن الصخرة الملساء المستوية إذا طلعت
عليها ( 2 ) الشمس ، ومن انحسار الشمس ( 3 ) إذا غابت عنها الشمس . ( 4 )
قوله عزوجل : " ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا
عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى
أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون " 87
260 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل - وهو يخاطب هؤلاء اليهود الذين أظهر
محمد صلى الله عليه وآله المعجزات لهم عند تلك الجبال ويوبخهم - :
( ولقد آتينا موسى الكتاب ) التوراة المشتمل على أحكامنا ، وعلى ذكر فضل
محمد وعلي وآلهما الطيبين ، وإمامة علي بن أبي طالب عليه السلام وخلفائه بعده ، وشرف
أحوال المسلمين له ، وسوء أحوال المخالفين عليه .
( وقفينا من بعده بالرسل ) جعلنا رسولا في أثر رسول .
( وآتينا ) أعطينا ( عيسى ابن مريم البينات ) الايات الواضحات ـ مثل ـ :
إحياء الموتى ، وإبراء الاكمه والابرص ، والانباء بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم
( وأيدناه بروح القدس ) وهو جبرئيل عليه السلام ، وذلك حين رفعه من روزنة بيته
* ( هامش ) * 1 ) " انحسار " س ، ط ، ق ، د وهذا التشبيه الرائع يفسر ظاهرة فيزيائية تناولتها قوانين الضوء
وسرعته بالتفصيل ومنها عكس الاجسام الصقيلة الضوء أسرع من غيرها ، علما أن سرعة
الضوء هى ( 300000 ) كم / ثانية . 2 ) " عليه " البحار .
3 ) أى ذهب شعاعها . 4 ) عنه البحار : 27 / 100 ح 61 . ( * )
ـ372ـ
إلى السماء ، وألقى شبهه على من رام ( 1 ) قتله ( 2 ) فقتل بدلا منه ، وقيل : هو المسيح . ( 3 )
* ( هامش ) * 1 ) " انظر إلى شبه عيسى وقتيله الذى رام أن يقتل دونه "
" رام " اما من " روم ، يروم الشئ " طلبه . واما من " رأم ، يرأم " اذا أحب شيئا وألفه
فقد رئمه . ورام شيئا : أراد شيئا ، عطف عليه ، كما ترأم الام ولدها ، والناقة حوارها
فتشمه وتترشفه . واما من " ريم ، يريم " اذا برح وزال من مكانه .
أقول : محصل ما يستفاد من الروايات في الاية : شبه لهم " النساء : 157 أن عيسى
وحواريه اجتمعوا في بيت ، فاحاط بهم بعيث يهودا رأس اليهود ليقتلوا عيسى عليه السلام
فاستنصرهم وطلب منهم فداء ، وقال عليه السلام : أيكم يشرى نفسه يلقى عليه شبحى فيقتل
ويصلب ، بثمن الجنة ، ويكون معى في درجتى ؟
فقال شاب منهم : أنا يا روح الله - أى أنا أشرى نفسى فداءا لك ، ليلقى على شبحك
واقتل واصلب - . فقال عليه السلام : فانت هوذا - أى المجزى بالعهد - .
فرام ، وبرح من مكانه ، كما ترأم الام ولدها فتشمه وتترشفه ، وخرج اليهم .
فالقى عليه شبح عيسى ، فشبه لهم ، فأخذوه ، وقتلوه ، وصلبوه .
فقتل بدلا منه ، وقيل : " هو المسيح "
روى القمى في تفسيره : 93 عن أبيه ، عن ابن أبى عمير ، عن جميل بن صالح ، عن
حمران بن أعين ، عن أبى جعفر عليه السلام قال : " ان عيسى وعد أصحابه ليلة رفعه الله اليه
فاجتمعوا اليه عند المساء ، وهم اثنا عشر رجلا ، فأدخلهم بيتا ، ثم خرج اليهم من عين
في زاوية البيت ، وهو ينفض رأسه من الماء فقال :
ان الله أوحى إلى أنه رافعى اليه الساعة ، ومطهرى من اليهود ، فأيكم يلقى عليه شبحى
فيقتل ويصلب ، ويكون معى في درجتى ؟
فقال شاب منهم : أنا يا روح الله . قال : فأنت هو ذا . . "
وفى تفسير الطبرى : 6 / 12 عن وهب بن منبه : " فقال عيسى عليه السلام لاصحابه : من
يشرى نفسه منكم اليوم بالجنة ؟ فقال رجل منهم اسمه " سرجس " : أنا . فخرج اليهم
فقال : أنا عيسى ، فأخذوه ، وقتلوه ، وصلبوه " .
راجع حديث ابن عباس في الدر المنثور : 2 / 238 وتفسير الطبرى ، والبحار : 14 /
335 - 345 باب رفع عيسى عليه السلام إلى السماء و . . 2 و 3 ) < ( * )
ـ373ـ
ـ ذكر المقايسة بين آيات عيسى عليه السلام ومعجزات نبينا صلى الله عليه وآله : ـ
قال الامام عليه السلام : ما أظهر الله عزوجل لنبى تقدم آيه إلا وقد جعل لمحمد
صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام مثلها وأعظم منها .
قيل : يابن رسول الله صلى الله عليه وآله فأي شئ جعل لمحمد وعلي عليهما السلام ما يعدل آيات
عيسى : من إحياء الموتى ، وإبراء الاكمه والابرص ، والانباء بما يأكلون وما يدخرون ؟
قال عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يمشي بمكة وأخوه علي عليه السلام يمشي معه
وعمه أبولهب خلفه - يرمي عقبه بالاحجار وقد أدماه - ينادي معاشر قريش : هذا
ساحر كذاب فافقدوه ( 1 ) واهجروه ( 2 ) واجتنبوه . وحرش عليه أوباش ( 3 ) قريش ، فتبعوهما
ويرمونهما ( بالاحجار فما منها ) ( 4 ) حجر أصابه إلا وأصاب عليا عليه السلام .
فقال بعضهم : يا علي ألست المتعصب لمحمد صلى الله عليه وآله ، والمقاتل عنه ، والشجاع
الذي لا نظير لك مع حداثة سنك ، وأنك لم تشاهد الحروب ، ما بالك لا تنصر محمدا
* ( هامش ) * 2 ) قال تعالى : " ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد " البقرة : 207
أقول : انظر روايات الفريقين في أنها نزلت في على عليه السلام - وهو نفس رسول
الله صلى الله عليه وآله في آية المباهلة - شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ، آثر رسول الله
صلى الله عليه وآله بالحياة على نفسه ليلة ذهابه إلى الغار ، ولبس ثوب رسول الله وبات
على فراشه ، وكان المشركون قد أحاطوا بداره أرادوا قتله ، ورموه بالحجارة ، وهم
يتوهمون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله .
3 ) عنه البحار : 9 / 320 ح 13 ، وج : 14 / 338 ح 10 ( قطعة ) ، وج 70 / 170 ح 19 ، والبرهان :
1 / 124 ح 1 .
1 ) يريد فاقتلوه . قال ابن منظور في لسان العرب : 3 / 337 : وفى حديث الحسن " اغيلمة
حيارى تفاقدوا " يدعو عليهم بالموت ، وأن يفقد بعضهم بعضا . وفى البحار : فاقذفوه .
2 ) " واحجروه " أ ، الحجر : المنع مطلقا . 3 ) الاوباش : سفلة الناس وأخلاطهم .
4 ) " بهامتهما وما " أ . ( * )
ـ374ـ
ولا تدفع عنه ؟
فناداهم على عليه السلام " معاشر أوباش قريش لا أطيع محمدا بمعصيتي له ، لو أمرني
لرأيتم العجب " . وما زالوا يتبعونه حتى خرج من مكة فأقبلت الاحجار على حالها
تتدحرج ، فقالوا : الان تشدخ ( 1 ) هذه الاحجار محمدا وعليا ونتخلص منهما .
وتنحت قريش عنه خوفا على أنفسهم من تلك الاحجار ، فرأوا تلك الاحجار قد
أقبلت على محمد وعلي عليهما السلام ، كل حجر منها ينادي :
السلام عليك يا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف .
السلام عليك يا علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف .
السلام عليك يا رسول رب العالمين . وخير الخلق أجمعين .
السلام عليك يا سيد الوصيين ويا خليفة رسول رب العالمين .
وسمعها جماعات قريش فوجموا ( 2 ) فقال عشرة من مردتهم وعناتهم : ما هذه الاحجار
تكلمهما ، ولكنهم رجال في حفرة بحضرة الاحجار ، قد خبأهم محمد تحت الارض
فهي تكلمهما لغيرنا ويختدعنا .
فأقبلت عند ذلك أحجار عشرة من تلك الصخور ، وتحلقت وارتفعت فوق العشرة
المتكلمين بهذا الكلام ، فما زالت تقع بهاماتهم وترتفع وترضضها حتى ما بقي
من العشرة أحد إلا سال دماغه ودماؤه من منخريه ، وتخلخل رأسه وهامته ويافوخه ( 3 )
فجاء أهلوهم وعشائرهم يبكون ويضجون ، يقولون : أشد من مصابنا بهؤلاء
تبجح محمد وتبذخه ( 4 ) بأنهم قتلوا بهذه الاحجار ـ فصار ذلك ـ آية له ودلالة ومعجزة .
* ( هامش ) * 1 ) الشدخ : الكسر .
2 ) وجم : سكت عجز عن التكلم من شدة الغيظ أو الخوف .
3 ) اليافوخ : ملتقى عظم مقدم الرأس ومؤخره .
4 ) التبجح : اظهار الفرح . والتبذح : اظهار التكبر والعلو . ( * )
ـ375ـ
فأنطق الله عزوجل جنائزهم ـ فقالت ـ ( 1 ) : صدق محمد وما كذب ، وكذبتم
وما صدقتم . واضطربت الجنائز ، ورمت من عليها ، وسقطوا على الارض ونادت :
ما كنا لننقاد ليحمل علينا أعداء الله إلى عذاب الله .
فقال أبوجهل ( لعنه الله ) : إنما سحر محمد هذه الجنائز كما سحر تلك الاحجار
والجلاميد والصخور ، حتى وجد منها من النطق ما وجد ، فان كانت - قتل هذه الاحجار
هؤلاء - لمحمد آية له وتصديقا لقوله ، وتثبيتا لامره ، فقالوا له : يسأل من خلقهم
أن يحييهم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا الحسن قد سمعت اقتراح الجاهلين ، وهؤلاء عشرة
قتلى ، كم جرحت بهذه الاحجار التي رمانا بها القوم يا علي ؟
قال على عليه السلام : جرحت ( أربع جراحات ) ( 2 ) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : قد جرحت
أنا ست جراحات ، فليسأل كل واحد منا ربه أن يحيي من العشرة بقدر جراحاته .
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله لستة منهم فنشروا ، ودعا علي عليه السلام لاربعة منهم فنشروا .
ثم نادى المحيون : معاشر المسلمين إن لمحمد وعلي شأنا عظيما في الممالك
التي كنا فيها ، لقد رأينا لمحمد صلى الله عليه وآله مثالا على سرير عند البيت المعمور ، وعند
العرش ، ولعلي عليه السلام مثالا عند البيت المعمور وعند الكرسي وأملاك السماوات والحجب
وأملاك العرش يحفون بهما ويعظمونهما ويصلون عليهما ، ويصدرون عن
أوامرهما ، ويقسمون بهما على الله عزوجل لحوائجهم إذا سألوه بهما .
فآمن منهم سبعة نفر ، وغلب الشقاء على الآخرين . ( 3 )
* ( هامش ) * 1 ) استظهرها في " س " .
2 ) " ثلاث جراحات في كعبى ، قال : يا على جرحت أربعة جراحات " بعض النسخ .
وما في المتن هو الصحيح ، بقرينة أنها عشرة أحجار .
3 ) عنه البحار : 17 / 259 صدر ح 5 ، ومدينة المعاجز : 46 ح 88 ، واثبات الهداة 2 / 159
ح 606 مجملا . ( * )
ـ376ـ
ـ اشارة إلى حديث العباءة : ـ
261 - وأما تأييد الله عزوجل لعيسى عليه السلام بروح القدس ، فان جبرئيل هو الذي
لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو قد اشتمل بعباءته القطوانية ( 1 ) على نفسه وعلى
علي وفاطمة والحسين والحسن عليهم السلام وقال : " اللهم هؤلاء أهلي ، أنا حرب لمن
حاربهم ، وسلم لمن سالمهم ، محب لمن أحبهم ، ومبغض لمن أبغضهم ، فكن لمن
حاربهم حربا ، ولمن سالمهم سلما ، ولمن أحبهم محبا ، ولمن أبغضهم مبغضا " .
فقال الله عزوجل : " قد أجبتك إلى ذلك يا محمد " .
فرفعت ام سلمة جانب العباءة لتدخل ، فجذبه رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : لست هناك
وإن كنت في خير وإلى خير .
وجاء جبرئيل عليه السلام متدبرا ( 2 ) وقال : يا رسول الله اجعلني منكم ! قال : أنت منا .
قال : أفأرفع العباءة وأدخل معكم ؟ قال : بلى . فدخل في العباءة ، ثم خرج وصعد
إلى السماء إلى الملكوت الاعلى ، وقد تضاعف حسنه وبهاؤه .
وقالت الملائكة : قد رجعت بجمال خلاف ما ذهبت به من عندنا ! قال : وكيف
لا أكون كذلك وقد شرفت بأن جعلت من آل محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته ؟ !
قالت الاملاك في ملكوت السماوات والحجب والكرسي والعرش : حق لك
هذا الشرف أن تكون كما قلت .
وكان علي عليه السلام معه جبرئيل عن يمينه في الحروب ، وميكائيل عن يساره
وإسرافيل خلفه ، وملك الموت ( 3 ) أمامه . ( 4 )
* ( هامش ) * 1 ) أى البيضاء القصيرة المخمل ، وقطوان موضع بالكوفة ، منه الاكسية .
2 ) " مدثرا " أغلب النسخ والبحار . تدبر الامر : نظر في عواقبه وتفكر فيه .
3 ) " عزرائيل " ط . 4 ) عنه البحار : 17 / 261 ضمن ح 5 ، ج 26 / 343 ح 15 . ( * )
ـ377ـ
262 - وأما ابراء الاكمه والابرص ، والانباء بما يأكلون وما يدخرون في
بيوتهم ، فان رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان بمكة قالوا : يا محمد إن ربنا هبل ، الذى
يشفي مرضانا ، وينقذ هلكانا ، ويعالج جرحانا .
قال صلى الله عليه وآله : " كذبتم ، ما يفعل هبل من ذلك شيئا ، بل الله تعالى يفعل بكم ما يشاء
من ذلك . قال عليه السلام : فكبر هذا على مردتهم ، فقالوا : يا محمد ما أخوفنا عليك من
هبل أن يضربك باللقوة ( 1 ) والفالج والجذام والعمى ، وضروب العاهات لدعائك إلى خلافه .
قال صلى الله عليه وآله : لن يقدر على شئ مما ذكرتموه إلا الله عزوجل .
قالوا : يا محمد فان كان لك رب تعبده لا رب سواه ، فاسأله أن يضربنا بهذه
الآفات التي ذكرناها لك حتى نسأل نحن هبل أن يبرأنا منها ، لتعلم أن هبل هو شريك
ربك الذي إليه تومي وتشير .
فجاءه جبرئيل عليه السلام فقال : ادع أنت على بعضهم ، وليدع علي على بعض .
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله على عشرين منهم ، ودعا علي صلى الله عليه وآله على عشرة .
فلم يريموا ( 2 ) مواضعهم حتى برصوا وجذموا وفلجوا ولقوا وعموا ، وانفصلت
عنهم الايدي والارجل ، ولم يبق في شئ من أبدانهم عضو صحيح إلا ألسنتهم
وآذانهم ، فلما أصابهم ذلك صيربهم إلى هبل ودعوه ليشفيهم ، وقالوا :
دعا على هولاء محمد وعلي ، ففعل بهم ما ترى فاشفهم .
فناداهم هبل : يا أعداء الله وأي قدرة لي على شئ من الاشياء ؟ والذى بعثه إلى
الخلق أجمعين ، وجعله أفضل النبيين والمرسلين ، لو دعا علي لتهافتت أعضائي
وتفاصلت أجزائي ، واحتملتني الرياح وتذروا إياي حتى لا يرى لشئ مني عين
ولا أثر ، يفعل الله ذلك بي حتى يكون أكبر جزء مني دون عشر عشير خردلة .
* ( هامش ) * 1 ) داء يصيب الوجه ، يعوج منه الشدق إلى احد جانبى العنق .
2 ) " يبرحوا " أ ، وكلاهما بمعنى واحد . ( * )
ـ378ـ
فلما سمعوا ذلك من هبل ضجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا : قد انقطع الرجاء
عمن سواك ، فأغثنا وادع الله لاصحابنا ، فانهم لايعودون إلى أذاك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : شفاؤهم يأتيهم من حيث أتاهم داؤهم ، عشرون علي وعشرة
على علي . فجاءوا بعشرين ، فأقاموهم بين يديه ، وبعشرة أقاموهم بين يدي علي عليه السلام .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للعشرين : غضوا أعينكم ، وقولوا : اللهم بجاه من بجاهه
ابتليتنا ، فعافنا بمحمد وعلي والطيبين من آلهما . وكذلك قال علي عليه السلام للعشرة
الذين بين يديه .
فقالوها ، فقاموا فكأنما انشطوا من عقال ، ما بأحد منهم نكبة ( 1 ) وهو أصح مما كان
قبل أن اصيب بما اصيب .
فآمن الثلاثون وبضع أهليهم ، وغلب الشقاء على ـ أكثر ـ الباقين . ( 2 )
263 - وأما الانباء بما كانوا يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، فان رسول الله
صلى الله عليه وآله - لما برؤا - قال لهم : آمنوا . فقالوا : آمنا . فقال : ألا أزيدكم بصيرة ؟ قالوا : بلى .
قال : أخبركم بما تغذى به هؤلاء وتداووا ؟ ـ فقالوا : قل يا رسول الله . فقال : ـ
تغذى فلان بكذا ، وتداوى فلان بكذا ، وبقي عنده كذا حتى ذكرهم أجمعين ، ثم
قال : ياملائكة ربي احضروني بقايا غذائهم ودوائهم على أطباقهم وسفرهم .
فأحضرت الملائكة ذلك ، وأنزلت من السماء بقايا طعام اولئك ودوائهم .
فقالوا : هذه البقايا من المأكول كذا ، والمداوى به كذا .
ثم قال : يا أيها الطعام أخبرنا ، كم اكل منك ؟
فقال الطعام : اكل مني كذا ، وترك مني كذا ، وهو ما ترون .
* ( هامش ) * 1 ) " نكتة " ب ، ط . والنكتة : الاثر .
2 ) عنه البحار : 17 / 262 ضمن ح 5 ، ومدينه المعاجز : 47 ضمن ح 88 ، واثبات الهداة :
2 / 158 ضمن ح 606 ( قطعة ) . ( * )
ـ379ـ
وقال بعض ذلك الطعام : أكل صاحبي ـ هذا ـ مني كذا وبقي مني كذا ، ( وجاء به ) ( 1 )
الخادم فأكل مني كذا ، وأنا الباقي .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فمن أنا ؟ فقال الطعام والدواء : أنت رسول الله صلى الله عليك
وآلك . قال : فمن هذا ؟ - يشير إلى علي عليه السلام - فقال الطعام والدواء : هذا أخوك سيد
الاولين والآخرين ، ووزيرك أفضل الوزراء ، وخليفتك سيد الخلفاء . ( 2 )
264 - ثم وجه الله العذل ( 3 ) نحو اليهود - المذكورين - في قوله تعالى :
( ثم قست قلوبكم ) ( 4 )
( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ) فأخذ عهودكم ومواثيقكم بما
لا تحبون من بذل الطاعة لاولياء الله الافضلين وعباده المنتجبين محمد وآله الطاهرين
لما قالوا لكم كما أداه إليكم أسلافكم الذين قيل لهم : إن ولاية محمد ـ وآل محمد ـ
هي الغرض الاقصى والمراد الافضل ، ما خلق الله أحدا من خلقه ولا بعث أحدا من رسله
إلا ليدعوهم إلى ولاية محمد وعلي وخلفائه عليهم السلام ويأخذ به عليهم العهد ليقيموا عليه
وليعمل به سائر عوام الامم .
فلهذا ( استكبرتم ) كما استكبر أوائلكم حتى قتلوا زكريا ويحيى ، واستكبرتم
أنتم حتى رمتم قتل محمد وعلي عليهما السلام فخيب الله تعالى سعيكم ورد في نحوركم كيدكم
وأما قوله عزوجل : ( تقتلون ) فمعناه قتلتم ، كما تقول من توبخه ويلك كم ( 5 )
تكذب وكم تمخرق ( 6 ) ؟ ولا تريد ما ـ لم ـ يفعله بعد ، وإنما تريد : كم ( 7 ) فعلت ، وأنت
عليه موطن . ( 8 )
* ( هامش ) * 1 ) " وخانه " أ ، س . 2 ) التخريجة السابقة . 3 ) أى الملامة .
4 ) زاد في الاصل " الاية والقصة " والظاهر أنها من اضافات النساخ .
وقد تقدمت الاية والقصة ص 283 ح 141 الاية : 74 ، فراجع .
5 ) " لم " س ، ص وكذا ما يأتى . 6 ) المخرقة : الكذب والاختلاق .
7 ) " لم " ق ، د .
8 ) عنه البحار : 26 / 290 ح 49 ، وج 73 / 183 ، والبرهان : 1 / 124 ح 1 . ( * )
ـ380ـ
ـ واقعة ليلة العقبة : ـ
265 - قال الامام عليه السلام : ولقد رامت الفجره الكفرة ليلة العقبة قتل رسول الله صلى الله عليه وآله
ـ على العقبة ـ ورام من بقي من مردة المنافقين بالمدينة قتل علي بن أبي طالب عليه السلام
فما قدروا على مغالبة ربهم ، حملهم على ذلك حسدهم لرسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام
لما فخم من أمره ، وعظم من شأنه .
من ذلك : أنه لما خرج من المدينة - وقد كان خلفه عليها ( 1 ) قال له ( 2 ) : إن جبرئيل
أتاني وقال لي : يا محمد إن العلي الاعلى يقرئك ( 3 ) السلام ويقول لك : يا محمد إما
أن تخرج أنت ويقيم علي ، أو يخرج علي وتقيم أنت ، لابد من ذلك ، فان عليا قد
ندبته لاحدى اثنتين ، لا يعلم أحد كنه جلال من أطاعني فيهما ، وعظيم ثوابه غيري .
فلما خلفه ، أكثر المنافقون ـ الطعن ـ فيه ، فقالوا ( 4 ) : مله وسئمه ، وكره صحبته
فتبعه علي عليه السلام حتى لحقه - وقد وجد ( 5 ) مما قالوا فيه -
ـ حديث المنزلة : ـ
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أشخصك عن مركزك ؟
قال : بلغني عن الناس كذا وكذا . فقال له :
" أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " . ( 6 )
* ( هامش ) * 1 ) " عليا " أ . 2 ) " وقال " أ ، الاحتجاج ، البحار ، البرهان ، ومدينة المعاجز .
3 ) " يقرأ عليك " أ ، ص .
4 ) " قال أكثر المنافقين " أ . وفى البحار " الاقوال " بدل " الطعن " .
5 ) أى حزن . وزاد عليها في الاحتجاج : غما شديدا .
6 ) حديث المنزلة هذا ، هو من الاحاديث المتواترة ، روته الخاصة والعامة باسانيد متعددة ،
وقد قمنا باستقصائه عند تحقيقنا لكتاب " مائة منقبة " المنقبة 57 فراجع . ( * )
ـ381ـ
فانصرف علي عليه السلام إلى موضعه ، فدبروا عليه أن يقتلوه ، وتقدموا في أن يحفروا له
............................................................................
- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 381 سطر 1 الى ص 390 سطر 23
فانصرف علي عليه السلام إلى موضعه ، فدبروا عليه أن يقتلوه ، وتقدموا في أن يحفروا له
في طريقه حفيرة طويلة قدر خمسين ذراعا ، ثم غطوها بحصر ( 1 ) رقاق ونثروا فوقها
يسيرا من التراب ، بقدر ما غطوا وجوه الحصر ، وكان ذلك على طريق علي عليه السلام
الذى لابد له من سلوكه ليقع هو ودابته في الحفيرة التي قد عمقوها ، وكان ما حوالي
المحفور أرض ذات حجارة ، ودبروا على أنه إذا وقع مع دابته في ذلك المكان
كبسوه بالاحجار حتى يقتلوه .
فلما بلغ على عليه السلام قرب المكان لوى فرسه عنقه ، وأطاله الله فبلغت جحفلته ( 2 )
اذنه وقال : يا أمير المؤمنين قد حفر ههنا ودبر عليك الحتف - وأنت أعلم - لا تمر فيه .
فقال له علي عليه السلام : " جزاك الله من ناصح خيرا ، كما تدبر بتدبيري ( 3 ) فان الله
عزوجل لا يخليك من صنعه الجميل " .
وسار حتى شارف المكان فتوقف الفرس خوفا من المرور على المكان .
فقال علي عليه السلام : سر باذن الله تعالى سالما سويا ، عجيبا شأنك ، بديعا أمرك .
فتبادرت الدابة ، فاذا الله ( 4 ) عزوجل قد متن الارض وصلبها ولام ( 5 ) حفرها
وجعلها كسائر الارض .
فلما جاوزها علي عليه السلام لوى الفرس عنقه ، ووضع جحفلته على اذنه ، ثم قال :
ما أكرمك على رب العالمين ، جوزك على هذا المكان الخاوي ؟ !
* ( هامش ) * 1 ) " بخص " أ ، س ، ص ، ق ، د . والظاهر أنها اما تصحيف لما في المتن ( حصر : جمع
حصير ) أو لكلمه " خوص " وهو ورق النخل ، مفردها خوصة . " بحصير " ب ، ط .
وما أثبتناه من الاحتجاج والبحار . وكذا التى تأتى .
2 ) " اذنيه " أ ، س ، ص والاحتجاج . والجحفل لذى الحافر كالشفة للانسان .
3 ) التدبير في الامر : التفكر فيه . وفى المطبوع : كما أنذرتنى .
4 ) " ربك " الاصل والبحار . وما في المتن من الاحتجاج . 5 ) أى أصلح . ( * )
ـ382ـ
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : جازاك الله بهذه السلامة عن تلك النصيحة التي نصحتني .
ثم قلب وجه الدابة إلى ما يلي كفلها ( 1 ) والقوم معه بعضهم كان أمامه ، وبعضهم
خلفه ، وقال : اكشفوا عن هذا المكان . فكشفوا ـ عنه ـ فاذا هو خاو ، ولا يسير عليه أحد
إلا وقع في الحفيرة ، فأظهر القوم الفزع ، والتعجبب مما رأوا .
فقال على عليه السلام للقوم : أتدرون من عمل هذا ؟ قالوا : لا ندري .
قال عليه السلام : لكن فرسي هذا يدري .
ـ ثم قال : ـ يا أيها الفرس كيف هذا ؟ ومن دبر هذا ؟
فقال الفرس : يا أمير المؤمنين إذا كان الله عزوجل يبرم ( 2 ) ما يروم جهال الخلق
نقضه أو كان ينقض ما يروم جهال الخلق إبرامه ، فالله هو الغالب والخلق هم المغلوبون
فعل هذا يا أمير المؤمنين فلان وفلان وفلان إلى أن ذكر العشرة بمواطاة من أربعة
وعشرين ، هم مع رسول الله صلى الله عليه وآله في طريقه .
ثم دبروا - هم - على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة والله عزوجل من وراء
حياطة ( 3 ) رسول الله صلى الله عليه وآله ، وولي الله لا يغلبه الكافرون .
فأشار بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بأن يكاتب رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك ويبعث
رسولا مسرعا ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إن رسول الله إلى محمد رسوله الله صلى الله عليه وآله أسرع
وكتابه إليه أسبق ، فلا يهمنكم ( 4 ) هذا .
فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وآله من العقبة التي بازائها فضائح المنافقين والكافرين نزل
دون العقبة ، ثم جمعهم فقال لهم : هذا جبرئيل الوحي الامين يخبرني :
" إن عليا دبر عليه كذا وكذا ، فدفع الله عزوجل عنه بألطافه وعجائب معجزاته
* ( هامش ) * 1 ) الكفل من الدابة : العجز أو الردف . 2 ) برم الامر : أحكمه .
3 ) حاطه حياطة : حفظه وتعهده .
4 ) " يمكنهم " ب ، ص ، ط . " يهتمكم " أ . هتمه بالضرب : ضعفه . ( * )
ـ383ـ
بكذا وكذا ، إنه صلب الارض تحت حافر دابته وأرجل أصحابه ، ثم انقلب على ذلك
الموضع علي عليه السلام وكشف عنه ، فرأيت الحفيرة
ثم إن الله عزوجل لامها كما كانت لكرامته عليه ، وأنه قيل له : كاتب بهذا
وأرسل إلى رسول الله ، فقال علي : رسول الله إلى رسول الله أسرع ، وكتابه إليه أسبق " .
ولم يخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بما قال علي عليه السلام على باب المدينة : إن من مع رسول
الله سيكيدونه ( 1 ) ويدفع الله عزوجل عنه .
فلما سمع الاربعة والعشرون أصحاب العقبة ما قاله صلى الله عليه وآله في أمر علي عليه السلام قال
بعضهم لبعض : ما أمهر محمدا بالمخرقة ، إن فيجا مسرعا أتاه ، أو طيرا من المدينة
من بعض أهله وقع عليه ! ؟ إن عليا قتل بحيلة كذا وكذا وهو الذى واطأنا عليه أصحابنا
فهو الآن لما بلغه كتم الخبر ، وقلبه إلى ضده ، يريد أن يسكن من معه ، لئلا يمدوا
أيديهم على ، وهيهات والله ما لبث عليا بالمدينة إلا حينه ( 2 ) ـ ولا أخرج محمدا إلى
هاهنا إلا حينه ـ وقد هلك علي وهو ههنا هالك لا محالة ، ولكن تعالوا حتى نذهب
إليه ونظهر له السرور بأمر علي ليكون أسكن لقلبه إلينا ، إلى أن نمضي فيه تدبيرنا .
فحضروه وهنؤوه على سلامة علي من الورطة التي رامها أعداؤه .
ـ اشارة إلى أن محبى على عليه السلام أفضل من الملائكة ـ
ثم قالوا له : ـ يا رسول الله ـ أخبرنا عن علي أهو أفضل أم ملائكة الله المقربون ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وهل شرفت الملائكة إلا بحبها لمحمد وعلي وقبولها
لولايتهما ؟ إنه لا أحد من محبي على عليه السلام وقد نظف قلبه من قذر الغش والدغل
والغل ونجاسات الذنوب إلا كان أطهر وأفضل من الملائكة .
* ( هامش ) * 1 ) " منافقين سيكيدونه " ص ، الاحتجاج ، والبحار .
2 ) بفتح أوله . " حتفه " ص ، ط ، ق وكلاهما بمعنى الاجل . وكذا بعدها . ( * )
ـ384ـ
وهل أمر الله الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا قد وضعوه في نفوسهم ؟
إنه لا يصير في الدنيا خلق بعدهم إذا رفعوا عنها إلا وهم - يعنون أنفسهم - أفضل
منه في الدين فضلا ، وأعلم بالله وبنبيه ( 1 ) علما .
فأراد الله أن يعرفهم أنهم قد أخطأوا في ظنونهم واعتقاداتهم ، فخلق آدم وعلمه
الاسماء كلها ، ثم عرضها عليهم ، فعجزوا عن معرفتها ، فأمر آدم أن ينبئهم بها ، وعرفهم
فضله في العلم عليهم . ثم أخرج من صلب آدم ذريته ( 2 ) منهم الانبياء والرسل
والخيار من عباد الله أفضلهم محمد ، ثم آل محمد ، ومن الخيار الفاضلين منهم
أصحاب محمد وخيار امة محمد .
وعرف الملائكة بذلك أنهم أفضل من الملائكة ( إذا احتملوا ) ( 3 ) ما حملوه من
الاثقال وقاسوا ما هم فيه من تعرض ( 4 ) أعوان ( 5 ) الشياطين ومجاهدة النفوس ، واحتمال
أذى ثقل العيال ، والاجتهاد في طلب الحلال ، ومعاناة مخاطرة الخوف من الاعداء -
من لصوص مخوفين ، ومن سلاطين جورة قاهرين - وصعوبة المسالك في المضائق
والمخاوف ، والاجزاع ( 6 ) والجبال والتلال لتحصيل أقوات الانفس والعيال من
الطيب الحلال .
عرفهم الله عزوجل أن خيار المؤمنين يحتملون هذه البلايا ، ويتخلصون منها
ويحاربون الشياطين ويهزمونهم ، ويجاهدون أنفسهم بدفعها عن شهواتها ، ويغلبونها
مع ما ركب فيهم من شهوة الفحولة وحب اللباس والطعام والعز والرئاسة ، والفخر
* ( هامش ) * 1 ) " بدينه " الاحتجاج والبحار . 2 ) " اذ حملوا " أ .
3 ) " ( مما ) يعرض من " أ ، ط . " بعرض من " البحار : 21 . " بعرض يعرض من " الاحتجاج ، ق ، د .
4 ) " اغواء " ط .
5 ) جمع جزع - بالكسر وقد يفتح - وهو منعطف الوادى ووسطه أو مفتتحه ، أو مكان
بالوادى لا شجر فيه ، وربما كان رملا . ( * )
ـ385ـ
والخيلاء ، ومقاساة العناء ( 1 ) والبلاء من إبليس - لعنه الله - وعفاريته ، وخواطرهم
وإغوائهم واستهوائهم ، ودفع ما يكابدونه من ألم الصبر على سماع الطعن من أعداء
الله ، وسماع الملاهي ، والشتم لاولياء الله ، ومع ما يقاسونه في أسفارهم لطلب أقواتهم
والهرب من أعداء دينهم ، والطلب لمن يأملون معاملته من مخالفيهم في دينهم .
قال الله عزوجل : يا ملائكتي وأنتم من جميع ذلك بمعزل : لا شهوات الفحولة
تزعجكم ، ولا شهوة الطعام تحقركم ( 2 ) ولا الخوف من أعداء دينكم ودنياكم ينخب ( 3 )
في قلوبكم : ولا لابليس في ملكوت سماواتي وأرضي شغل ( 4 ) على إغواء ملائكتي
الذين قد عصمتهم منهم .
يا ملائكتي فمن أطاعني منهم وسلم دينه من هذه الآفات والنكبات فقد احتمل
في جنب محبتى ما لم تحتملوه ، واكتسب من القربات ما لم تكتسبوه .
فلما عرف الله ملائكته فضل خيار امة محمد صلى الله عليه وآله وشيعة علي عليه السلام وخلفائه
عليهم ، واحتمالهم في جنب محبة ربهم ما لا تحتمله الملائكة أبان بني آدم الخيار
المتقين بالفضل عليهم .
ثم قال ـ الله ـ فلذلك فاسجدوا لآدم لما كان مشتملا على أنوار هذه الخلائق الافضلين .
ـ ذكر فضل العلم : ـ
ولم يكن سجودهم لآدم ، إنما كان آدم قبلة لهم يسجدون نحوه لله عزوجل ، وكان
* ( هامش ) * 1 ) " الضنى " ب ، س ، ص ، ط ، ق ، د . والضنى : سوء الحال والمرض .
2 ) " تحفزكم " الاحتجاج ، والبحار . الحفز : الدفع من الخلف .
3 ) " يتحنب " أ . " تنحب " ق ، د ، والاحتجاج . " تنحت " ط . حنبه الكبر : نكسه .
قال المجلسى ( ره ) : النخب : النزع ، وفى بعض النسخ بالحاء المهملة وهو السير السريع
4 ) " سبيل " ب . ( * )
ـ386ـ
بذلك معظما مبجلا له ، ولا ينبغي لاحد أن يسجد ( لاحد من دون ) ( 1 ) الله ، و