ـ 1 ـ

التفسيرالمنسوب إلىالامام ابي محمد الحسن بن علي العسكري عليهم السلام

تحقيق ونشر

مدرسة الامام المهدي

قم المقدسة

الكتاب : التفسير المنسوب إلى

الامام أبى محمد الحسن بن على العسكرى عليه السلام

التحقيق والنشر في مدرسة الامام المهدى عجل الله فرجه الشريف - قم المقدسة

برعاية : الحاج السيد محمد باقر نجل المرتضى الموحد الابطحي دامت بركاته

الطبعة الاولى المحققة .

تاريخ الطبع : شهر ربيع الاول - سنة 1409 ه .

المطبعة : مهر - قم المقدسة .

 

حقوق الطبع محفوظة لمؤسسة الامام المهدى عجل الله فرجه الشريف - قم المقدسة .

............................................................................

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 261 سطر 1 الى ص 270 سطر 22

( رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ) يخرجون عن أمر الله وطاعته .

قال : والرجز الذي أصابهم أنه مات منهم بالطاعون في بعض يوم مائة وعشرون

ألفا ، وهم من علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون ولا يتوبون ، ولم ينزل هذا الرجز

على من علم أنه يتوب ، أو يخرج من صلبه ذرية طيبة توحد الله ، وتؤمن بمحمد

وتعرف موالاة علي ( 1 ) وصيه وأخيه . ( 2 )

129 - ثم قال الله عزوجل : ( وإذ استسقى موسى لقومه ) قال :

واذكروا يا بني إسرائيل إذ استسقى موسى لقومه ، طلب لهم السقيا ، لما لحقهم

العطش في التيه ، وضجوا بالبكاء إلى موسى ، وقالوا : أهلكنا العطش .

فقال موسى : اللهم بحق محمد سيد الانبياء ، وبحق علي سيد الاوصياء

وبحق فاطمة سيدة النساء ، وبحق الحسن سيد الاولياء ، وبحق الحسين سيد الشهداء

وبحق عترتهم وخلفائهم سادة الازكياء لما سقيت عبادك هؤلاء .

فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى " اضرب بعصاك الحجر " .

فضربه بها ( فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس - كل قبيلة من بني

أب من أولاد يعقوب - مشربهم ) فلا يزاحم الآخرين في مشربهم .

قال الله عزوجل : ( كلوا واشربوا من رزق الله ) الذي آتاكموه

( ولا تعثوا في الارض مفسدين ) ولا تسعوا ( 3 ) فيها وأنتم مفسدون عاصون .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من ـ أ ـ قام على موالاتنا أهل البيت سقاه الله تعالى من محبته

كأسا لا يبغون به بدلا ، ولا يريدون سواه كافيا ولا كاليا ( 4 ) ولا ناصرا .

* ( هامش ) * 1 ) " وتعرق الولاية لعلى " أ .

2 ) عنه تأويل الايات : 1 / 63 ح 40 ، والبحار : 13 / 183 ضمن ح 19 ، والبرهان : 1 / 103 ضمن ح 1

3 ) " تعثوا " أ ، س ، قال الراغب في المفردات : 324 : العيث والعثى يتقاربان نحو جذب

وجيذ ، الا أن العيث أكثر ما يقال في الفساد الذى يدرك حسا ، والعثى فيما يدرك حكما .

4 ) أى حافظا . ( * )

ـ262ـ

ومن وطن نفسه على احتمال المكاره في موالاتنا جعله الله يوم القيامة في عرصاتها

بحيث يقصر كل من تضمنته تلك العرصات أبصارهم عما يشاهدون من درجاتهم ( 1 )

وإن كل واحد منهم ليحيط بماله من درجاته ، كاحاطته في الدنيا ( لما يلقاه ) ( 2 )

بين يديه ، ثم يقال له : وطنت نفسك على احتمال المكاره في موالاة محمد وآله

الطيبين فقد جعل الله إليك ومكنك من تخليص كل من تحب تخليصه من أهل

الشدائد في هذه العرصات .

فيمد بصره ، فيحيط بهم ، ثم ينتقد من أحسن إليه أوبره في الدنيا بقول أو

فعل أورد غيبة أو حسن محضر ( 3 ) أو إرفاق ، فينتقده ( 4 ) من بينهم كما ينتقد الدرهم

الصحيح من المكسور .

ثم يقال له : اجعل هؤلاء في الجنة حيث شئت . فينزلهم جنان ربنا .

ثم يقال له : وقد جعلنا لك ، ومكناك من إلقاء من تريد في نار جهنم .

فيراهم فيحيط بهم ، وينتقدهم من بينهم كما ينتقد الدينار من القراضة .

ثم يقال له : صيرهم من النيران إلى حيث شئت . فيصيرهم حيث يشاء من

مضائق النار .

فقال الله تعالى لبني إسرائيل الموجودين في عصر محمد صلى الله عليه وآله : فاذا كان أسلافكم

إنما دعوا إلى موالاة محمد وآله فأنتم ـ الآن ـ لما شاهدتموهم فقد وصلتم إلى الغرض

والمطلب الافضل إلى موالاة محمد وآله ، فتقربوا إلى الله عزوجل بالتقرب إلينا

* ( هامش ) * 1 ) " درجاته " ب ، ط .

2 ) " بما يلقاه من " أ . " بما يتلقاه " التأويل ، والبرهان . " بثقله " ب ، س ، ط .

3 ) " أحسن محضرا " أ .

4 ) نقدت الدراهم وانتقدتها : اذا أخرجت منها الزيف . ( لسان العرب : 3 / 425 ) . ( * )

ـ263ـ

ولا تتقربوا من سخطه ، ولا تتباعدوا ( 1 ) من رحمته بالازورار ( 2 ) عنا . ( 3 )

130 - ثم قال الله عزوجل : ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد )

واذكروا إذ قال أسلافكم : لن نصبر على طعام واحد : المن والسلوى ، ولابد لنا

من خلط معه .

( فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها

وبصلها . قال موسى - أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ) يريد : أتستدعون

الادنى ليكون لكم بدلا من الافضل ؟

ثم قال : ( اهبطوا مصرا ) ـ من الامصار ـ من هذا التيه " فان لكم ماسألتم " في المصر .

ثم قال الله عزوجل : ( وضربت عليهم الذلة ) الجزية اخزوا بها عند ربهم

وعند مؤمني عباده ، " والمسكنة " هي الفقر والذلة " وباءوا بغضب من الله " احتملوا

الغضب واللعنة من الله " ذلك بأنهم كانوا " بذلك الذي لحقهم من الذلة والمسكنة

واحتملوه من غضب الله ، ذلك بأنهم كانوا " يكفرون بآيات الله " قبل أن تضرب عليهم

هذه الذلة والمسكنة ( ويقتلون النبيين بغير الحق ) وكانوا يقتلونهم بغير حق

بلا جرم كان منهم إليهم ولا إلى غيرهم " ذلك بما عصوا " ذلك الخذلان الذي استولى

عليهم حتى فعلوا الآثام التي من أجلها ضربت عليهم الذلة والمسكنة ، وباؤا بغضب

من الله ـ بما عصوا ـ ( 4 ) " وكانوا يعتدون " ( أي ) يتجاوزون أمر الله إلى أمر إبليس . ( 5 )

131 - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ألا فلا تفعلوا كما فعلت بنو إسرائيل ، ولا تسخطوا

* ( هامش ) * ( 1 ) " فتتباعدوا " ب ، ص ، ط . 2 ) أى بالاعراض والانحراف .

3 ) عنه تأويل الايات : 1 / 64 ح 42 ، والبحار : 94 / 8 ح 10 ، والبرهان : 1 / 103

ضمن ح 1 ، ومستدرك الوسائل : 1 / 372 ح 12 ( قطعة ) واثبات الهداة : 1 / 392 ح 126

وج 3 / 67 ح 749 ( قطعة ) . 4 ) من البحار .

5 ) عنه البحار : 13 / 184 ضمن ح 19 ، والبرهان : 1 / 103 ضمن ح 1 . ( * )

ـ264ـ

نعم الله ، ولا تقترحوا على الله تعالى ، وإذا ابتلي أحدكم في رزقه أو معيشته بما

لا يحب ، فلا يحدس ( 1 ) شيئا يسأله لعل في ذلك حتفه وهلاكه ، ولكن ليقل .

" اللهم بجاه محمد وآله الطيبين إن كان ما كرهته من أمري هذا خيرا لي ، وأفضل

في دينى ، فصبرني عليه ، وقوني على احتماله ، ونشطني للنهوض بثقل أعبائه

وإن كان خلاف ذلك خيرا ـ لي ـ ( 2 ) فجد علي بن ، ورضني بقضائك على كل حال

فلك الحمد " .

فانك إذا قلت ذلك قدر الله ـ لك ـ ويسر لك ماهو خير . ( 3 )

132 - ثم قال صلى الله عليه وآله : يا عباد الله فاحذروا الانهماك في المعاصي والتهاون بها

فان المعاصي يستولي بها الخذلان على صاحبها حتى يوقعه فيما هو أعظم منها ، فلا

يزال يعصي ويتهاون ويخذل ويوقع فيما هو أعظم مما جنى حتى يوقعه في رد ولاية

وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ودفع نبوة نبي الله ، ولا يزال أيضا بذلك ( 4 ) حتى يوقعه في دفع

توحيد الله ، والالحاد في دين الله . ( 5 )

133 - ثم قال الله تعالى : " إن الذين آمنوا " بالله وبما فرض عليهم الايمان به من

الولاية لعلي ( 6 ) بن أبي طالب والطيبين من آله .

" والذين هادوا " يعني اليهود " والنصارى " الذين زعموا أنهم في دين الله متناصرون

* ( هامش ) * ( 1 ) " يجرين " ب ، ط . " يجذين " خ ل . " ينجذن " البحار . يحدثن " تنبيه الخواطر . " يجزين "

س ، ص ، البرهان . حدس في الامر : ظن ، توهم . ونجذه : جربه .

2 ) من تنبيه الخواهر ، وفى " أ " على .

3 ) عنه تنبيه الخواطر : 2 / 102 ، والبحار : 71 / 149 ح 46 ، والبرهان : 1 / 104 ضمن ح 1 .

4 ) " كذلك " أ .

5 ) عنه تنبيه الخواطر : 2 / 102 ( قطعة ) ، ومستدرك الوسائل : 2 / 313 ح 6 .

6 ) " نبوة نبى الله وولاية على " البحار . ( * )

ـ265ـ

" والصابئين " الذين زعموا أنهم صبوا ( 1 ) إلى دين ( الله ، وهم بقولهم ) ( 2 ) كاذبون .

( من آمن بالله ) من هؤلاء الكفار ، ونزع عن كفره ، ومن آمن من هؤلاء المؤمنين

في مستقبل أعمارهم ، وأخلص وفي بالعهد والميثاق المأخوذين عليه لمحمد

وعلي وخلفائهما الطاهرين ( وعمل صالحا ) ـ ومن عمل صالحا ـ من هؤلاء المؤمنين .

( فلهم أجرهم ) ثوابهم ( عند ربهم ) في الآخرة ( ولا خوف عليهم ) هناك حين

يخاف الفاسقون ( ولا هم يحزنون ) إذا حزن المخالفون ، لانهم لا يعملوا من مخالفة

الله ( 3 ) ما يخاف من فعله ، ولا يحزن له .

ونظر أمير المؤمنين ـ علي ـ عليه السلام إلى رجل ـ فرأى ـ أثر الخوف عليه ، فقال :

ما بالك ؟ قال : إني أخاف الله .

قال : يا عبدالله خف ذنوبك ، وخف عدل الله عليك في مظالم عباده ، وأطعه

فيما كلفك ، ولا تعصه فيما يصلحك ، ثم لا تخف الله بعد ذلك ، فانه لا يظلم أحدا

ولا يعذبه فوق استحقاقه أبدا ، إلا أن تخاف سوء العاقبة بأن تغير أو تبدل .

فان أردت أن يؤمنك الله سوء العاقبة ، فاعلم أن ما تأتيه من خير فبفضل الله وتوفيقه

وما تأتيه من شر ( 4 ) فبامهال الله ، وإنظاره إياك ، وحلمه عند . ( 5 )

قوله عزوجل : " واذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم

بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون . ثم توليتم من بعد ذلك فلو لا فضل

الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين . ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم

* ( هامش ) * ( 1 ) صبا إلى الشئ يصبو : اذا مال ، وقيل : هو مهموز من صبأ اذا خرج من دين إلى دين .

( النهاية : 3 / 10 )

2 ) " محمد وهم بقوله " أ . 3 ) " رسول الله صلى الله عليه وآله " أ .

4 ) " سوء نهاك الله تعالى عنه " أ . " سوء " البحار ، البرهان .

5 ) عنه البحار : 70 / 391 ح 60 ، والبرهان : 1 / 104 ضمن ح 1 . ( * )

ـ266ـ

في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين . فجعلناها نكالا لما بين يديها وما

خلفها وموعظة للمتقين " : 63 - 66 .

134 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل لهم : و ـ اذكروا ـ إذ ( أخذنا ميثاقكم )

وعهودكم أن تعملوا بما في التوراة ، وما في الفرقان الذي أعطيته موسى مع الكتاب

المخصوص بذكر محمد وعلي والطيبين من آلهما ، بأنهم سادة الخلق ، والقوامون بالحق

واذ أخذنا ميثاقكم أن تقروا به ، وأن تؤدوه إلى أخلافكم ، وتأمروهم أن

يؤدوه إلى أخلافهم إلى آخر مقدراتي في الدنيا ، ليؤمنن بمحمد نبي الله ، ويسلمن

له ما يأمرهم ـ به ـ في علي ولي الله عن الله ، وما يخبرهم به ـ عنه ـ من أحوال خلفائه

بعده القوامين بحق الله ، فأبيتم قبول ذلك واستكبرتموه .

( ورفعنا فوقكم الطور ) الجبل ، أمرنا جبرئيل أن يقطع من " جبل فلسطين " قطعة

على قدر معسكر أسلافكم فرسخا في فرسخ ، فقطعها ، وجاء بها ، فرفعها فوق رؤوسهم .

فقال موسى عليه السلام لهم : إما أن تأخذوا بما امرتم به فيه ، وإما أن القي عليكم هذا الجبل .

فالجئوا إلى قبوله كارهين إلا من عصمه الله من العناد ، فانه قبله طائعا مختارا .

ثم لما قبلوه ، سجدوا وعفروا ، وكثير منهم عفر خديه لا لارادة الخضوع

لله ، ولكن نظر إلى الجبل هل يقع أم لا ، وآخرون سجدوا طائعين مختارين .

ـ ثم قال عليه السلام ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :

احمدوا الله معاشر شيعتنا على توفيقه إياكم ، فانكم تعفرون في سجودكم لا كما

عفره كفرة بني إسرائيل ، ولكن كما عفره خيارهم .

قال الله عزوجل : ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) من هذه الاوامر والنواهي من هذا

الامر الجليل من ذكر محمد وعلي وآلهما الطيبين .

( واذكروا مافيه ) فيما آتيناكم ، اذكروا جزيل ثوابنا على قيامكم به ، وشديد

عقابنا على إبائكم له .

ـ267ـ

( لعلكم تتقون ) لتتقوا المخالفة الموجبة للعقاب ، فتستحقوا بذلك ( 1 )

جزيل الثواب . ( 2 )

135 - قال الله عزوجل ـ لهم ـ : ( ثم توليتم ) يعني تولى أسلافكم ( من بعد ذلك )

عن القيام به ، والوفاء بما عوهدوا عليه .

( فلو لا فضل الله عليكم ورحمته ) يعني على أسلافكم ، لولا فضل الله عليكم

بامهاله إياهم للتوبة ، وإنظارهم لمحو الخطيئة بالانابة ( لكنتم من الخاسرين )

المغبونين ، قد خسرتم الآخرة والدنيا ، لان الآخرة ـ قد ـ فسدت عليكم بكفركم ، والدنيا

كان لا يحصل لكم نعيمها لاخترامنا ( 3 ) لكم ، وتبقى عليكم حسرات نفوسكم وأمانيكم

التي قد اقتطعتم دونها .

ولكنا أمهلناكم للتوبة ، وأنظرناكم للانابة ، أي فعلنا ذلك بأسلافكم فتاب من تاب

منهم ، فسعد ، وخرج من صلبه من قدر أن يخرج منه الذرية الطيبة التي تطيب في

الدنيا ـ بالله تعالى ـ معيشتها ، وتشرف في الآخرة - بطاعة الله - مرتبتها .

وقال الحسين بن على ( 4 ) عليهما السلام : أما إنهم لو كانوا دعوا الله بمحمد وآله الطيبين

بصدق من نياتهم ، وصحة اعتقادهم من قلوبهم أن يعصمهم حتى لا يعاندوه بعد مشاهدة

تلك المعجزات الباهرات ، لفعل ذلك بجوده وكرمه .

ولكنهم قصروا ، وآثروا الهوى بنا ( 5 ) ومضوا مع الهوى في طلب لذاتهم . ( 6 )

* ( هامش ) * 1 ) " لذلك " أ .

2 ) عنه تأويل الايات : 1 / 65 ح 43 ، والبحار : 13 / 237 ح 47 . ( قطعة ) ، وج 26 / 288

ضمن ح 48 ، والبرهان : 1 / 106 صدر ح 9 .

3 ) " لاخترامها " أ . اخترمهم الدهر وتخرمهم : استأصلهم . ( لسان العرب : مادة خرم )

4 ) " الحسن بن على " ب ، ط . " على بن الحسين بن على " أ ، س ، ص .

5 ) " فآثروا اللهو بنا " أ . " فآثروا الهوينا " ص ، والبحار .

6 ) عنه البحار : 26 / 289 ضمن ح 48 ، والبرهان : 1 / 106 ضمن ح 9 . ( * )

ـ268ـ

136 - ثم قال الله عزوجل : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ) لما

اصطادوا السموك ( 1 ) فيه ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) مبعدين عن كل خير

( فجعلناها ) ـ أي ـ جعلنا تلك المسخة التي أخزيناهم ولعناهم بها ( نكالا ) عقابا

وردعا ( لما بين يديها ) بين يدي المسخة من ذنوبهم الموبقات التي استحقوا بها

العقوبات ( رما خلفها ) للقوم الذين شاهدوهم بعد مسخهم يرتدعون عن مثل أفعالهم

لما شاهدوا ماحل بهم من عقابنا ( وموعظة للمتقين ) يتعظون بها ، فيفارقون

المخزيات ( 2 ) ويعظون ـ بها ـ الناس ، ويحذرونهم المرديات .

ـ قصة أصحاب السبت : ـ

وقال على بن الحسين عليهما السلام : كان هؤلاء قوما يسكنون على شاطئ بحر ، نهاهم

الله وأنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت .

فتوصلوا إلى حيلة ليحلوا بها لانفسهم ما حرم الله ، فخذوا أخاديد ، وعملوا طرقا

تؤدي إلى حياض ، يتهيأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق ، ولا يتهيأ لها الخروج

إذا همت بالرجوع ـ منها إلى اللجج ـ .

فجاءت الحيتان يوم السبت جارية على أمان الله ـ لها ـ ( 3 ) فدخلت الاخاديد

وحصلت ( 4 ) في الحياض والغدران .

فلما كانت عشية اليوم همت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن صائدها ، فرامت

الرجوع فلم تقدر ، وابقيت ليلتها في مكان يتهيأ أخذها ـ يوم الاحد ـ بلا اصطياد

لاسترسالها ( 5 ) فيه ، وعجزها عن الامتناع لمنع المكان لها .

* ( هامش ) * ( 1 ) سماك وسموك جمع سمك ، واحدتها سمكة .

2 ) " المحرمات " ب ، ص ، والبرهان . 3 ) من البحار والبرهان .

4 ) تحصل الشئ : اجتمع وثبت . 5 ) أى استئناسها واطمئنانها . ( * )

ـ269ـ

فكانوا يأخذونها يوم الاحد ، ويقولون : ما اصطدنا يوم السبت ، إنما اصطدنا في

الاحد ، وكذب أعداء الله بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم التي عملوها يوم السبت

حتى كثر من ذلك مالهم وثراؤهم ، وتنعموا بالنساء وغيرهن لاتساع ( 1 ) أيديهم به .

وكانوا في المدينة نيفا وثمانين ألفا ، فعل هذا منهم سبعون ألفا ، وأنكر عليهم

الباقون ، كما قص الله تعالى ( وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) ( 2 ) الآية .

وذلك أن طائفة منهم وعظوهم وزجروهم ، ومن عذاب الله خوفوهم ، ومن انتقامه

وشديد ( 3 ) بأسه حذروهم ، فأجابوهم عن وعظهم ( لم تعظون قوما الله مهلكهم )

بذنوبهم هلاك الاصطلام ( أو معذبهم عذابا شديدا ) .

فأجابوا القائلين لهم هذا : ( معذرة إلى ربكم ) ـ هذا القول منا لهم معذرة

إلى ربكم ـ إذ كلفنا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فنحن ننهى عن المنكر ليعلم

ربنا مخالفتنا لهم ، وكراهتنا لفعلهم .

قالوا : ( ولعلهم يتقون ) ونعظهم أيضا لعلهم تنجع ( 4 ) فيهم المواعظ ، فيتقوا

هذه الموبقة ، ويحذروا عقوبتها .

قال الله عزوجل : ( فلما عتوا ) حادوا وأعرضوا وتكبروا عن قبولهم الزجر

( عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) ( 5 ) مبعدين عن الخير ، مقصين ( 6 ) .

قال فلما نظر العشرة الآلاف والنيف أن السبعين ألفا لا يقبلون مواعظهم ، ولا

يحفلون ( 7 ) بتخويفهم إياهم وتحذيرهم لهم ، اعتزلوهم إلى قرية اخرى قريبة من قريتهم

* ( هامش ) * ( 1 ) اتسع الرجل : صار ذا سعة وغنى . 2 ) الاعراف : 163 .

3 ) " شدائد " الاصل . والشدائد : - جمع شدة - : ما يحل بالانسان من مكاره الدهر .

4 ) نجع فيه الخطاب والوعظ : عمل فيه وأثر . 5 ) الاعراف : 164 - 166 .

6 ) " مغضبين " أ . " مقصرين " البرهان : 1 . أقصى فلانا عن الشئ : أبعده .

7 ) أى لا يبالون . " يخافون " أ ، والبرهان : 2 . ( * )

ـ270ـ

وقالوا : نكره أن ينزل بهم عذاب الله ونحن في خلالهم .

فأمسوا ليلة ، فمسخهم الله تعالى كلهم قردة ـ خاسئين ـ ، وبقي باب المدينة مغلقا

لا يخرج منه أحد ـ ولا يدخله أحد ـ .

وتسامع بذلك أهل القرى فقصدوهم ، وتسنموا ( 1 ) حيطان البلد ، فاطلعوا عليهم

فاذا هم كلهم رجالهم ونساؤهم قردة يموج بعضهم في بعض يعرف هؤلاء الناظرون

معارفهم وقراباتهم وخلطاءهم ، يقول المطلع لبعضهم : أنت فلان ؟ أنت فلانة ؟

فتدمع عينه ، ويؤمي برأسه ( بلا ، أو نعم ) .

فما زالوا كذلك ثلاثة أيام ، ثم بعث الله عزوجل ـ عليهم ـ مطرا وريحا فجرفهم ( 2 )

إلى البحر ، وما بقي مسخ بعد ثلاثة أيام ، وإنما الذين ترون من هذه المصورات

بصورها فانما هي أشباهها ، لا هي بأعيانها ولا من نسلها . ( 3 )

137 - ثم قال على بن الحسين عليهما السلام : إن الله تعالى مسخ هؤلاء لاصطياد السمك

فكيف ترى عند الله عزوجل ـ يكون ـ حال من قتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وهتك حريمه ؟ !

إن الله تعالى وإن لم يمسخهم في الدنيا ، فان المعد لهم من عذاب ـ الله في ـ الآخرة

ـ أضعاف ـ أضعاف عذاب المسخ .

فقيل له : يا بن رسول الله فانا قد سمعنا منك هذا الحديث فقال لنا بعض النصاب :

فان كان قتل الحسين عليه السلام باطلا ، فهو أعظم من صيد السمك في السبت ، أفما كان يغضب

الله على قاتليه كما غضب على صيادي السمك ؟

قال على بن الحسين عليهما السلام : قل لهؤلاء النصاب : فان كان إبليس معاصيه أعظم من

* ( هامش ) * ( 1 ) كل شئ علا شيئا فقد تسنمه . وفى " أ " تسموا .

2 ) جرف - بالفتح - الشئ : ذهب به كله أو معظمه . وفى " س " فجرتهم .

3 ) عنه البحار : 14 / 56 ح 13 ، والبرهان : 1 / 106 ضمن ح 9 ، وج 2 / 42 ح 3 . ( * )

ـ271ـ

معاصي من كفر باغوائه ، فأهلك الله تعالى من شاء منهم كقوم نوح وفرعون ، ولم ( 1 )

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 271 سطر 1 الى ص 280 سطر 23

معاصي من كفر باغوائه ، فأهلك الله تعالى من شاء منهم كقوم نوح وفرعون ، ولم ( 1 )

يهلك إبليس وهو أولى بالهلاك ، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن إبليس في

عمل الموبقات ، وأمهل إبليس مع إيثاره لكشف المخزيات ؟ ( 2 )

ألا ( 3 ) كان ربنا عزوجل حكيما بتدبيره وحكمه فيمن أهلك ، وفيمن استبقى .

فكذلك هولاء الصائدون ـ للسمك ـ في السبت ، وهؤلاء القاتلون للحسين عليه السلام

يفعل في الفريقين ما يعلم أنه أولى بالصواب والحكمة ، لا يسأل عما يفعل

وهم ( 4 ) يسألون . ( 5 )

138 - ثم قال على بن الحسين عليهما السلام : أما إن هؤلاء الذين اعتدوا في السبت لو

كانوا حين هموا بقبيح أفعالهم سألوا ربهم بجاه محمد وآله الطيبين أن يعصمهم

من ذلك لعصمهم ، وكذلك الناهون لهم لو سألوا الله عزوجل أن يعصمهم بجاه محمد

وآله الطيبين لعصمهم ، ولكن الله تعالى لم يلهمهم ذلك ، ولم يوفقهم له فجرت

معلومات الله تعالى فيهم على ماكان سطره في اللوح المحفوظ . ( 6 )

139 - وقال الباقر عليه السلام : فلما حدث علي بن الحسين عليهما السلام بهذا الحديث ، قال

له بعض من في مجلسه :

يا ابن رسول الله كيف يعاقب ( 7 ) الله ويوبخ هؤلاء الاخلاف على قبائح أتى بها ( 8 )

* ( هامش ) * ( 1 ) " فلم لم " أ ، ب ، ط . 2 ) " المحرمات " خ ل .

3 ) ألا : حرف يستفتح به الكلام ، ويدل على تحقق ما بعده . " أما كان " الاحتجاج . " والا فان "

ب ، س ، ط . " أولا فأن " أ .

4 ) " عباده " ب ، س ، ص ، ط ، الاحتجاج ، والبحار . وهو اقتباس من سورة الانبياء : 23 .

5 ) عنه البحار : 14 / 58 ضمن ح 13 قطعة ، والبرهان : 1 / 107 ضمن ح 9 ، وعنه البحار :

45 / 295 ح ، وعوالم الامام الحسين : 611 ح 4 وعن الاحتجاج : 2 / 40 .

6 ) عنه البحار : 14 / 59 ذ ح 13 ، والبرهان : 1 / 107 ضمن ح 9 .

7 ) " يجانب " أ ، " يعاتب " ص ، الاحتجاج ، البحار ، والعوالم .

8 ) " ما أتاه " أ ، ب ، س ، ط . ( * )

ـ272ـ

أسلافهم ؟ وهو يقول عزوجل : ( ولا تزر وازرة وزر اخرى ) ( 1 )

فقال زين العابدين عليه السلام : إن القرآن ـ نزل ـ ( 2 ) بلغة العرب ، فهو يخاطب فيه أهل

ـ هذا ـ اللسان بلغتهم ، يقول الرجل التميمي ( 3 ) - قد أغار قومه على بلد وقتلوا من فيه - :

أغرتم على بلد كذا ـ وكذا ـ وقتلتم ( 4 ) كذا ، ويقول العربي أيضا : نحن فعلنا ببني فلان ،

ونحن سبينا آل فلان ونحن خربنا بلد كذا ، لا يريد أنهم باشروا ذلك ، ولكن يريد

هؤلاء بالعذل ( 5 ) وأولئك بالافتخار ( 6 ) أن قومهم فعلوا كذا .

وقول الله تعالى في هذه الآيات إنما هو توبيخ لاسلافهم ، وتوبيخ العذل على هؤلاء

الموجودين ، لان ذلك هو اللغة التي بها أنزل القرآن ، فلان هؤلاء الاخلاف أيضا

راضون بما فعل أسلافهم ، مصوبون ذلك لهم ، فجاز أن يقال ـ لهم ـ ( 7 ) : أنتم فعلتم ، أي

إذ رضيتم بقبيح فعلهم . ( 8 )

قوله عزوجل : " واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا

أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . قالوا ادع لنا ربك

يبين لنا ما هى قال انه يقول انها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك

فافعلوا ما تؤمرون . قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال انه يقول

انها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين . قال ادع لنا ربك يبين لنا ما

* ( هامش ) * ( 1 ) الانعام : 164 .

2 ) من الاحتجاج . 3 ) " يقال للرجل التيمى " أ .

4 ) " فعلتم " أ ، ص ، الاحتجاج ، البحار ، والعوالم والبرهان . 5 ) أى اللوم .

6 ) " بالامتحان " الاصل . وما في المتن من الاحتجاج والبحار والعوالم والبرهان .

7 ) من البحار والعوالم .

8 ) عنه البرهان : 1 / 107 ضمن ح 9 ، وعنه البحار : 45 / 296 ضمن ح 2 ، وعوالم الامام

الحسين : 612 ضمن ح 4 وعن الاحتجاج : 2 / 41 . ( * )

ـ273ـ

هى ان البقر تشابه علينا وانا ان شاء الله لمهتدون . قال انه يقول انها بقرة لا ذلول

تثير الارض ولا تسقى الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الان جئت بالحق فذبحوها

وما كادوا يفعلون . واذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون

فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون "

67 - 73

ـ قصة ذبح بقرة بنى اسرائيل وسببها : ـ

140 - قال الامام : قال الله عزوجل ليهود المدينة : واذكروا ( إذ قال موسى

لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) تضربون ببعضها هذا المقتول بين أظهركم

ليقوم حيا سويا باذن الله عزوجل ، ويخبركم بقاتله .

وذلك حين القي القتيل بين أظهرهم ، فألزم موسى عليه السلام أهل القبيلة بأمر الله تعالى

أن يحلف خمسون من أماثلهم بالله القوي الشديد إليه ـ موسى و ـ بنى إسرائيل ، مفضل

محمد وآله الطيبين على البرايا أجمعين ـ إنا ـ ما قتلناه ، ولا علمنا له قاتلا ، فان حلفوا

بذلك غرموا دية المقتول ، وإن نكلوا نصوا على القاتل أو أقر القاتل فيقاد ( 1 ) منه

فان لم يفعلوا حبسوا في محبس ضنك إلى أن يحلفوا أو يقروا أو يشهدوا على القاتل .

فقالوا : يا نبي الله أما وقت ( 2 ) أيماننا أموالنا و ـ لا ـ أموالنا أيماننا ؟

قال : لا ، هكذا حكم الله .

وكان السبب : أن إمرأة حسناء ذات جمال وخلق كامل ، وفضل بارع ، ونسب شريف

وستر ثخين كثر خطابها ( 3 ) ، وكان لها بنو أعمام ثلاثة ، فرضيت بأفضلهم علما وأثخنهم

* ( هامش ) * ( 1 ) القود : القصاص وقتل القاتل بدل القتيل .

2 ) " وفت " أ . يقال : هذا الشئ لا يفى بذاك : أى يقصر عنه ولا يوازيه . قال المجلسى ( ره ) :

استبعاد منهم للحكم عليهم بالدية بعد حلفهم ، أى ليس أيماننا وقاية لاموالنا وبالعكس

حتى جمعت بينهما . 3 ) خطب الفتاة : دعاها أو طلبها إلى التزوج . ( * )

ـ274ـ

سترا ، وأرادت التزويج به ، فاشتد حسد ابني عمه الآخرين له ـ غيضا ـ ، وغبطاه عليها

لايثارها إياه ( 1 ) فعمدا إلى ابن عمهما المرضي ، فأخذاه إلى دعوتهما ، ثم قتلاه وحملاه

إلى محلة تشتمل على أكثر قبيلة في بني إسرائيل ، فألقياه بين أظهرهم ليلا .

فلما أصبحوا وجدوا القتيل هناك ، فعرف حاله ، فجاء ابنا عمه القاتلان له ، فمزقا

ـ ثيابهما ـ ( 2 ) على أنفسهما ، وحثيا التراب على رؤوسهما ، واستعديا عليهم ، فأحضرهم

موسى عليه السلام وسألهم ، فأنكروا أن يكونوا قتلوه ، أو علموا قاتله .

فقال : فحكم الله عزوجل على من فعل هذه الحادثه ما عرفتموه ، فالتزموه .

فقالوا : يا موسى أي نفع في أيماننا ـ لنا ـ ( 3 ) إذا لم تدرأ عنا الغرامة الثقيلة ؟ أم

أي نفع في غرامتنا لنا إذا لم تدرأ عنا الايمان ؟

فقال موسى عليه السلام : كل النفع في طاعة الله والايتمار لامره ، والانتهاء عما نهى عنه .

فقالوا : يا نبي الله غرم ثقيل ولا جناية لنا ، وأيمان غليظة ولا حق في رقابنا ـ لو ـ أن

الله عرفنا قاتله بعينه ، وكفانا مؤنته ، فادع لنا ربك يبين لنا هذا القاتل لتنزل به

ما يستحقه من العقاب ، وينكشف أمره لذوي الالباب .

فقال موسى عليه السلام : إن الله عزوجل قد بين ما أحكم به في هذا ، فليس لي أن أقترح

عليه غير ما حكم ، ولا أعترض عليه فيما أمر .

ألا ترون أنه لما حرم ( 4 ) العمل في يوم السبت ، وحرم لحم الجمل لم يكن لنا

* ( هامش ) * ( 1 ) " من اثرتها اياه " أ ، س ، ص ، ق . " من آثرته " ب ، ط ، د . وما في المتن كما في البحار .

2 ) من البرهان . 3 ) من البحار ، ق .

4 ) لقد أشبعنا موضوع تحريم العمل يوم السبت ، وتحريم لحم الجمل ، دراسة وبحثا وتحليلا

في كتابنا " المدخل إلى التفسير الموضوعى للقرآن الكريم حسب التسلسل الطبيعى

للموضوع " ج 1 / 36 وج 2 / 164 - 172 فراجع .

ففيه تجد ابطال ما قالته اليهود - كما عن التوراة المحرفة - من أنه تعالى أصابه اعياء

ولغوب ، فراح يستريح من عمله يوم السبت . تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وانما جعل < ( * )

ـ275ـ

أن نقترح عليه أن يغير ماحكم به علينا من ذلك ، بل علينا أن نسلم له حكمه ، ونلتزم

ما ألزمنا ، وهم بأن يحكم عليهم بالذي كان يحكم به على غيرهم في مثل حادثهم

فأوحى الله عزوجل إليه :

يا موسى أجبهم إلى ما اقترحوا ، وسلني أن ابين لهم القاتل ليقتل ، ويسلم غيره

من التهمة والغرامة ، فاني إنما اريد باجابتهم إلى ما اقترحوا توسعة الرزق على رجل

من خيار امتك ، دينه الصلاة على محمد وآله الطيبين ، والتفضيل لمحمد صلى الله عليه وآله

وعلي بعده على سائر البرايا ، اغنية في الدنيا في هذه القضية ، ليكون بعض ثوابه

عن تعظيمه لمحمد وآله .

فقال موسى : يا رب بين لنا قاتله .

فأوحى الله تعالى إليه : قل لبني إسرائيل إن الله يبين لكم ذلك بأن يأمركم أن

تذبحوا بقرة ، فتضربوا ببعضها المقتول فيحيى فتسلمون لرب العالمين ذلك ، وإلا

فكفوا عن المسألة ; والتزموا ظاهر حكمي .

فذلك ما حكى الله عزوجل :

( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم - أي سيأمركم - أن تذبحوا بقرة ) إن

أردتم الوقوف على القاتل ، وتضربوا المقتول ببعضها ليحيى ويخبر بالقاتل ( قالوا

- يا موسى - أتتخذنا هزوا ) ـ و ـ سخرية ؟ تزعم أن الله يأمرنا أن نذبح بقرة ، ونأخذ

قطعة من ميت ، ونضرب بها ميتا ، فيحيى أحد الميتين بملاقات بعض الميت الآخر

* ( هامش ) * > التحريم من الله على الذين اختلفوا فيه - وقال لا تعدوا في السبت - لبغيهم على الله

وافترائهم بالتحريم على أنفسهم ابتداء ، فأجابهم الله ابتلاء - ثم أخذهم بما اعتدوا في

السبت - وهكذا في تحريم الطيبات .

والحاصل أن كليهما كان حلالا من الله ، فحرموه على أنفسهم بغيا ، ثم حرمه الله عليهم لبغيهم

وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . فراجع البحث بطوله . ( * )

ـ276ـ

ـ له ـ ، فكيف يكون هذا ؟

( قال - موسى - أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) أنسب إلى الله تعالى مالم يقل

لي ، وأن أكون من الجاهلين ، اعارض أمر الله بقياسي على ما شاهدت ، دافعا لقول الله

عزوجل وأمره .

ثم قال موسى عليه السلام : أو ليس ماء الرجل نطفة ميتة ( 1 ) ، وماء المرأة كذلك ، ميتان

يلتقيان فيحدث الله تعالى من التقاء الميتين بشرا حيا سويا ؟ أو ليس بذوركم ( 2 ) التي

تزرعونها في أرضيكم تتفسخ وتتعفن وهي ميتة ، ثم يخرج الله منها هذه السنابل الحسنة

البهيجة وهذه الاشجار الباسقة المونقة ؟ فلما بهرهم موسى عليه السلام قالوا له : يا موسى ( ادع لنا ربك يبين لنا ما هي )

ـ أي ـ ما صفتها لنقف عليها .

فسأل موسى ربه عزوجل ، فقال : ( إنها بقرة لا فارض ) كبيرة ( ولا بكر ) صغيرة

ـ لم تغبط ـ ( 3 ) ( عوان ) وسط ( بين ذلك ) بين الفارض والبكر ( فافعلوا ما تؤمرون )

إذا امرتم به .

( قالوا - يا موسى - ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ) أي لون هذه البقرة التي

تريد أن تأمرنا بذبحها .

* ( هامش ) * ( 1 ) أى الظاهر في عصرهم ، والا ففي الحقيقة وعصر العلم هى ذرات حية كشف عنها العلم

الحاضر ويمكن مشاهدتها بالمجهر ، وقد أشار اليها عزوجل في قوله : " خلق الانسان

من نطفة " النحل : 4 . 2 ) " زروعكم " أ .

3 ) ليس في البحار . وفي ب ، وخ ل البرهان " تفرض " بدل تغبط . يقال : غبط الشاة اذا

لمس منها الموضع الذى يعرف به سمنها من هزالها ( النهاية : 3 / 341 ) .

والظاهر أنه كناية عن حداثة سنها وعدم انتقالها من شخص لاخر خلال عمليات بيع وشراء .

وفرضت البقرة : طعنت في السن . ( * )

ـ277ـ

قال ـ موسى ـ - عن الله بعد السؤال والجواب - ( إنها بقرة صفراء فاقع ) حسن

الصفرة ( 1 ) ليس بناقص يضرب إلى البياض ، ولا بمشبع يضرب إلى السواد ( لونها )

هكذا فاقع ( تسر - البقرة - الناظرين ) إليها لبهجتها وحسنها وبريقها .

( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ) ما صفتها ؟ ـ يزيد في صفتها ـ .

( قال - عن الله تعالى - إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ) لم تذلل لاثارة

الارض ( 2 ) ولم ترض ( 3 ) بها ( ولا تسقي الحرث ) ولا هي مما تجر الدلاء ، ولا تدير

النواعير قد أعفيت من ذلك أجمع ( مسلمة ) من العيوب كلها ، لا عيب فيها ( لاشية

فيها ) لا لون فيها من غيرها .

فلما سمعوا هذه الصفات قالوا : يا موسى ـ أ ـ ( 4 ) فقد أمرنا ربنا بذبح بقرة هذه

صفتها ؟ قال : بلى .

ولم يقل موسى في الابتداء ( إن الله قد أمركم ) لانه لو قال : إن الله أمركم ( 5 )

لكانوا إذا قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ماهي وما لونها ـ وما هي ـ كان لا يحتاج

أن يسأله - ذلك - عزوجل ، ولكن كان يجيبهم هو بأن يقول : أمركم ببقرة ، فأي شئ

وقع عليه اسم بقرة فقد خرجتم من أمره إذا ذبحتموها .

* ( هامش ) * ( 1 ) " حسنة لون الصفراء " أ .

2 ) أثاروا الارض : أى قلبوها للزراعة وعمروها بالفلاحة .

3 ) " تربص " خ ل . ابل رضارض : راتعة ، كانها ترض العشب . والرض : دق الشئ .

وتربص بالمكان : لبث . 4 ) من البحار ، ق ، د .

5 ) " يأمركم " البحار . قال المجلسى ( ره ) : حاصله أنه عليه السلام حمل قوله تعالى " ان الله

يأمركم " على حقيقة الاستقبال ، ولذا فسره بقوله سيأمركم ، فوعدهم أولا بالامر ، ثم بعد

سؤالهم وتعيين البقرة أمرهم ، ولو قال موسى أولا بصيغة الماضى " أمركم أن تذبحوا

لتعلق الامر بالحقيقة ، وكان يكفى أى بقرة كانت . .

أقول : للشريف المرتضى مجلس في تأويل هذه الاية . راجع أماليه : 2 / 36 . ( * )

ـ278ـ

قال : فلما استقر ( 1 ) الامر عليهم ، طلبوا هذه البقرة فلم يجدوها إلا عند شاب من بني

إسرائيل أراه الله عزوجل في منامه محمدا وعليا وطيبي ذريتهما ، فقالا له :

إنك كنت لنا ـ وليا ـ محبا ومفضلا ، ونحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك

في الدنيا ، فاذا راموا شراء بقرتك فلا تبعها إلا بأمر امك ، فان الله عزوجل يلقنها

ما يغنيك به وعقبك .

ففرح الغلام ، وجاءه القوم يطلبون بقرته ، فقالوا : بكم تبيع بقرتك هذه ؟

قال : بدينارين ، والخيار لامي . قالوا : قد رضينا ـ بدينار ـ . فسألها ، فقالت : بأربعة .

فأخبرهم فقالوا : نعطيك دينارين . فأخبر امه ، فقالت : بثمانية . ( 2 )

فما زالوا يطلبون على النصف ، مما تقول امه ، ويرجع إلى امه ، فتضعف الثمن

حتى بلغ ثمنها ملء مسك ( 3 ) ثور أكبر ما يكون ملؤه ( 4 ) دنانير ، فأوجب لهم البيع .

ثم ذبحوها ، وأخذوا قطعة وهي عجز ( 5 ) الذنب الذي منه خلق ابن آدم ، وعليه

يركب إذا اعيد خلقا جديدا ، فضربوه بها ، وقالوا : اللهم بجاه محمد وآله الطيبين

لما أحييت هذا الميت ، وأنطقته ليخبرنا عن قاتله .

فقام سالما سويا وقال : ـ يا نبي الله ـ قتلني هذان ابنا عمي ، حسداني على بنت

عمي فقتلاني ، وألقياني في محلة هؤلاء ليأخذا ديتي ـ منهم ـ .

فأخذ موسى عليه السلام الرجلين فقتلهما ، وكان قبل أن يقوم الميت ضرب بقطعة من

البقرة فلم يحي ، فقالوا : يا نبي الله أين ما وعدتنا عن الله عزوجل ؟

فقال موسى عليه السلام : ـ قد ـ صدقت ، وذلك إلى الله عزوجل .

* ( هامش ) * ( 1 ) أى : ثبت عليهم .

2 ) " بمائة " س ، ق ، د والبحار . 3 ) أى جلد .

4 ) كذا في البحار . وفى الاصل : ملاء . وليس في التأويل .

5 ) " عجب " البحار . وهو أصل الذنب عند رأس العصعص . ( * )

ـ279ـ

فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى إني لا اخلف وعدي ، ولكن ليقدموا للفتى ثمن

بقرته ملء مسكها دنانير ثم احيي هذا .

فجمعوا أموالهم ، فوسع الله جلد الثور حتى وزن ما ملئ به جلده فبلغ خمسة

آلاف ألف دينار .

فقال بعض بني إسرائيل لموسى عليه السلام - وذلك بحضرة ( 1 ) المقتول المنشور

المضروب ببعض البقرة - : لا ندري أيهما أعجب : إحياء الله هذا وإنطاقه بما نطق ( 2 )

أو اغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم !

فأوحى الله إليه : يا موسى قل لبني إسرائيل : من أحب منكم أن اطيب في الدنيا ( 3 )

عيشه ، واعظم في جناني محله ، وأجعل لمحمد وآله الطيبين فيها منادمته ، فليفعل كما

فعل هذا الفتى ، إنه كان قد سمع من موسى بن عمران عليه السلام ذكر محمد صلى الله عليه وآله وعلي

وآلهما الطيبين ، فكان عليهم مصليا ، ولهم على جميع الخلائق من الجن والانس

والملائكة مفضلا ، فلذلك صرفت إليه هذا المال العظيم ليتنعم ( 4 ) بالطيبات

ويتكرم بالهبات والصلاة ، ويتحبب بمعروفه إلى ذوي المودات ، ويكبت ( 5 ) بنفقاته

ذوي العداوات .

قال الفتى : يا نبي الله كيف أحفظ هذه الاموال ؟ أم كيف أحذر من عداوة من

يعاديني فيها ، وحسد من يحسدني لاجلها ؟ قال : قل عليها من الصلاة على محمد وآله

الطيبين ما كنت تقوله قبل أن تنالها ، فان الذي رزقكها بذلك القول مع صحة الاعتقاد

يحفظها عليك أيضا ( بهذا القول مع صحة الاعتقاد ) ( 6 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) " بمحضر " أ . المحضر : المشهد . 2 ) " قال لبني اسرائيل " أ .

3 ) " دنياه " أ ، والبرهان . 4 ) " لينتفع " ب ، ط ، د .

5 ) " يكب " ب ، ط . كبته كبتا : أذله ، أهانه . وكب الرجل : صرعه .

6 ) " ويدفع عنك " البرهان . ( * )

ـ280ـ

فقالها الفتى فما رامها حاسد ـ له ـ ليفسدها ، أو لص ليسرقها ، أو غاصب

ليغصبها ، إلا دفعه الله عزوجل عنها بلطف من ألطافه ( 1 ) حتى يمتنع من ظلمه اختيارا

أو منعه منه بآفة أو داهية حتى يكفه عنه ، فيكف أضطرارا .

ـ قال عليه السلام : ـ فلما قال موسى عليه السلام للفتى ذلك وصار الله عزوجل له

- لمقالته - حافظا ، قال هذا المنشور : اللهم إني أسألك بما سألك به هذا الفتى من

الصلاة على محمد وآله الطيبين والتوسل بهم أن تبقيني في الدنيا متمتعا بابنة

عمي وتجزي ( 2 ) عني أعدائي وحسادي ، وترزقني فيها ـ خيرا ـ ( 3 ) كثيرا طيبا .

فأوحى الله إليه : يا موسى إنه كان لهذا الفتى المنشور بعد القتل ستون سنة ، وقد

وهبت له بمسألته وتوسله بمحمد وآله الطيبين سبعين سنة تمام مائة وثلاثين سنة

صحيحة حواسه ، ثابت فيها جنانه ( 4 ) ، قوية فيها شهواته ، يتمتع بحلال هذه الدنيا

ويعيش ولا يفارقها ولا تفارقه ، فاذا حان ( 5 ) حينه ـ حان حينها ـ وماتا جميعا ـ معا ـ فصارا

إلى جناني ، وكانا زوجين فيها ناعمين .

ولو سألني - يا موسى - هذا الشقي القاتل بمثل ما توسل به هذا الفتى على صحة

اعتقاده أن أعصمه من الحسد ، وأقنعه بما رزقته - وذلك هو الملك العظيم - لفعلت .

ولو سألني بذلك مع التوبة من صنعه أن لا أفضحه لما فضحته ، ولصرفت هؤلاء

عن اقتراح إبانة القاتل ، ولاغنيت هذا الفتى من غير ـ هذا الوجه بقدر ـ هذا

المال أوجده ( 6 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) " بلطيفة من لطائفه " أ ، ب ، س ، ط .

2 ) " تخزى " البحار : 13 . 3 ) من البحار ، وفى التأويل بلفظ : منها أولادا .

4 ) الجنان - بفتح الجيم - : القلب .

5 ) " جاء " أ . الحين : الموت والهلاك . وحان : قرب وقته .

6 ) أوجد الله فلانا : أغناه وقواه . وفى " أ " : الذى أوجده . ( * )

ـ281ـ

ولو سألني بعد ما افتضح ، وتاب إلى ، وتوسل بمثل وسيلة هذا الفتى أن انسى

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 281 سطر 1 الى ص 290 سطر 24

ولو سألني بعد ما افتضح ، وتاب إلى ، وتوسل بمثل وسيلة هذا الفتى أن انسى

الناس فعله - بعدما ألطف لاوليائه فيعفونه عن القصاص - لفعلت ، فكان لا يعيره بفعله أحد

ولا يذكره فيهم ذاكر ، ولكن ذلك فضل ( 1 ) اوتيه من أشاء ، وأنا ذو الفضل العظيم

وأعدل بالمنع على من أشاء ، وأنا العزيز الحكيم .

فلما ذبحوها قال الله تعالى : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) فأرادوا أن لايفعلوا

ذلك من عظم ثمن البقرة ، ولكن اللجاج ( 2 ) حملهم على ذلك ، واتهامهم لموسى

عليه السلام حدأهم ( 3 ) عليه .

ـ قال : ـ فضجوا إلى موسى عليه السلام وقالوا : فتقرت القبيلة ودفعت إلى التكفف

وانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا ( 4 ) فادع الله لنا بسعة الرزق .

فقال موسى عليه السلام : ويحكم ما أعمى قلوبكم ؟ أما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة

وما أورثه الله تعالى من الغنى ؟ أو ما سمعتم دعاء ـ الفتى ـ المقتول المنشور ، وما أثمر

له من العمر الطويل والسعادة والتنعم والتمتع بحواسه وسائر بدنه وعقله ؟ لم لا تدعون

الله تعالى بمثل دعائهما ، وتتوسلون إلى الله بمثل توسلهما ( 5 ) ليسد فاقتكم ، ويجبر

كسركم ، ويسد خلتكم ؟

فقالوا : اللهم إليك التجأنا ، وعلى فضلك اعتمدنا ، فأزل فقرنا وسد خلتنا

بجاه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم .

فأوحى الله إليه : ياموسى قل لهم : ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بني فلان ، ويكشفوا

في موضع كذا - لموضع عينه - وجه أرضها قليلا ، ثم يستخرجوا ماهناك ، فانه

عشرة آلاف ألف دينار ، ليردوا على كل من دفع في ثمن هذه البقرة ما دفع ، لتعود

* ( هامش ) * ( 1 ) أى التوسل بمحمد صلى الله عليه وآله الطيبين . وفى " ب ، س ، ط ، ق ، د ، والبرهان " فضلى .

2 ) أى الالحاح . 3 ) " جرهم " ب ، ط ، حدأ : لجأ .

4 ) كناية عن الافلاس الذى أصابهم . 5 ) " وسيلتهما " أ ، س ، ص ، ق ، د . ( * )

ـ282ـ

أحوالهم إلى ما كانت ـ عليه ـ ثم ليتقاسموا بعد ذلك مايفضل وهو خمسة آلاف ألف

دينار على قدر ما دفع كل واحد منهم في هذه المحنة ( 1 ) لتتضاعف أموالهم جزاء على

توسلهم بمحمد وآله الطيبين ، واعتقادهم لتفضيلهم .

فذلك ما قال الله عزوجل : ( وإذ قتلتم نفسا فادارءتم فيها ) اختلفتم فيها

وتدارأتم ، ألقى بعضكم الذنب في قتل المقتول على بعض ، ودرأه عن نفسه وذويه ( والله

مخرج ) مظهر ( ما كنتم تكتمون ) ما كان من خبر القاتل ، وماكنتم تكتمون من إرادة

تكذيب موسى عليه السلام باقتراحكم عليه ما قدرتم أن ربه لا يجيبه إليه .

( فقلنا اضربوه ببعضها ) ببعض البقرة ( كذلك يحيي الله الموتى ) في الدنيا

والاخرة كما أحيى الميت بملاقاة ميت آخر له .

أما في الدنيا فيلاقي ماء الرجل ماء المرأة فيحيي الله الذي كان في الاصلاب

والارحام حيا .

وأما في الاخرة فان الله تعالى ينزل بين نفختي الصور - بعد ما ينفخ النفخة الاولى

من دوين ( 2 ) السماء الدنيا - من البحر المسجور الذي قال الله تعالى ـ فيه ـ ( والبحر

المسجور ) ( 3 ) وهي ( 4 ) مني كمني الرجال ، فيمطر ذلك على الارض فيلقى الماء المني

مع الاموات البالية فينبتون من الارض ويحيون .

ثم قال الله عزوجل : ( ويريكم آياته ) سائر آياته سوى هذه الدلالات على توحيده

ونبوة موسى عليه السلام نبيه ، وفضل محمد صلى الله عليه وآله على الخلائق سيد إمائه وعبيده ، وتبيينه ( 5 )

فضله وفضل آله الطيبين على سائر خلق الله أجمعين .

( لعلكم تعقلون ) ـ تعتبرون و ـ تتفكرون أن الذي يفعل هذه العجائب لا يأمر

* ( هامش ) * ( 1 ) " الخمسه " أ . 2 ) " دون " ب ، ط . 3 ) الطور : 6 .

4 ) " هو " ب ، ط ، ق ، د . " وهى من " البحار . 5 ) " وتثبت " التأويل والبرهان . ( * )

ـ283ـ

الخلق إلا بالحكمة ، ولا يختار محمدا وآله إلا لانهم أفضل ذوي الالباب . ( 1 )

قوله عزوجل : " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة

وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار وان منها لما يشقق فيخرج منه

الماء وان منها لما يهبط من خشية الله وماالله بغافل عما تعملون : " 74

141 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل : ( ثم قست قلوبكم ) عست ( 2 ) وجفت

ويبست من الخير والرحمة ـ قلوبكم ـ معاشر اليهود ( من بعد ذلك ) من بعد ما بينت

من الآيات الباهرات في زمان موسى عليه السلام ، ومن الآيات المعجزات التي شاهدتموها

من محمد .

( فهي كالحجارة ) اليابسة لا ترشح برطوبة ، ولا ينتفض ( 3 ) منها ما ينتفع به ، أي

أنكم لا حق الله تعالى تؤدون ، ولا ـ من ـ أموالكم ولا من مواشيها تتصدقون ، ولا

بالمعروف تتكرمون وتجودون ، ولا الضيف تقرؤن ، ولا مكروبا تغيثون ، ولا بشئ

من الانسانية تعاشرون وتعاملون .

( أو أشد قسوة ) إنما هي في قساوة الاحجار ( أو أشد قسوة ) أبهم على السامعين

ولم يبين لهم ، كما يقول القائل : أكلت خبزا أو لحما ، وهو لا يريد به أني لا أدري

ما أكلت ، بل يريد ـ به ـ أن يبهم على السامع حتى لا يعلم ماذا أكل ، وإن كان يعلم أنه

قد أكل .

وليس معناه : بل أشد قسوة ، لان هذا استدراك غلط ، وهو عزوجل يرتفع ـ عن ـ

* ( هامش ) * ( 1 ) عنه تأويل الايات : 1 / 67 ح 44 باختصار ، والبحار : 6 / 329 ح 13 ( قطعة ) ، وج 7 / 43

ح 19 ( قطعة ) ، وج 13 / 266 ح 7 ، وج 60 / 358 ح 46 ( قطعة ) ، والبرهان : 1 / 108 ح 1 .

2 ) " عبست " أ ، " عصت " ص . " عنت " ط . " غشت " البرهان . عسى النبات عساء وعسوا :

غلظ ويبس . 3 ) نفض الكرم : تفتحت عناقيده . ( * )

ـ284ـ

أن يغلط في خبر ثم يستدرك على نفسه الغلط ، لانه العالم بما كان وبما يكون وبما

لا يكون أن لو كان كيف كان يكون ، وإنما يستدرك الغلط على نفسه المخلوق المنقوص .

ولا يريد به أيضا : فهي كالحجارة أو أشد أي وأشد قسوة ، لان هذا تكذيب الاول

بالثاني ، لانه قال : ( فهي كالحجارة ) في الشدة لا أشد منها ولا ألين ، فاذا قال بعد

ذلك : ( أو أشد ) فقد رجع عن قوله الاول : أنها ليست بأشد ، وهذا مثل أن يقول :

لا يجئ من قلوبكم خير لا قليل ولا كثير .

فأبهم عزوجل في الاول حيث قال : ( أو أشد ) .

وبين في الثاني أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة لا بقوله : ( أو أشد قسوة )

ولكن بقوله تعالى : ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار ) أي فهي في القساوة

بحيث لا يجئ منها الخير ـ يا يهود ـ وفي الحجارة ما يتفجر منه الانهار فيجئ بالخير

والغياث لبني آدم .

( وإن منها ) من الحجارة ( لما يشقق فيخرج منه الماء ) وهو ما يقطر منه الماء

فهو خير منها دون الانهار التي يتفجر من بعضها ، وقلوبهم لا يتفجر منها الخيرات

ولا يشقق فيخرج ـ منها ـ قليل من الخيرات ، وإن لم يكن كثيرا .

ثم قال الله تعالى : ( وإن منها ) يعني من الحجارة ( لما يهبط من خشية الله ) إذا

أقسم عليها باسم الله وبأسامي أوليائه : محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين

من آلهم صلى الله عليهم ، وليس في قلوبكم شئ من هذه الخيرات .

( وما الله بغافل عما تعملون ) بل عالم به ، يجازيكم عنه بما هو به عادل عليكم

وليس بظالم لكم ، يشدد حسابكم ، ويؤلم عقابكم .

وهذا الذى ـ قد ـ وصف الله تعالى به قلوبهم ههنا نحو ما قال في سورة النساء :

( أم لهم نصيب من الملك فاذا لا يؤتون الناس نفيرا ) ( 1 ) .

* ( هامش ) * ( 1 ) النساء : 53 . ( * )

ـ285ـ

وما وصف به الاحجار ههنا نحو ما وصف ( 1 ) في قوله تعالى : ( لو أنزلنا هذا

القران على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) . ( 2 )

وهذا التقريع من الله تعالى لليهود والنواصب ، واليهود جمعوا الامرين واقترفوا

الخطيئتين ( 3 ) فغلظ على اليهود ما وبخهم به رسول الله صلى الله عليه وآله .

فقال جماعة من رؤسائهم ، وذوي الالسن والبيان منهم : يا محمد إنك تهجونا

وتدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها خلافه ، إن فيها خيرا كثيرا : نصوم ونتصدق

ونواسي الفقراء .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنما الخير ما اريد به وجه الله تعالى ، وعمل على ما

أمر الله تعالى ـ به ـ .

فأما ما اريد به الرياء والسمعة أو معاندة رسول الله ، وإظهار الغنى ( 4 ) له والتمالك

والتشرف عليه فليس بخير ، بل هو الشر الخالص ، ووبال على صاحبه ، يعذبه الله

به أشد العذاب .

فقالوا له : يا محمد أنت تقول هذا ، ونحن نقول : بل ما ننفقه إلا لابطال أمرك

ودفع رياستك ( 5 ) ولتفريق أصحابك عنك وهو الجهاد الاعظم ، نؤمل به من الله الثواب

الاجل الاجسم ، وأقل أحوالنا أنا تساوينا في الدعاوى ، فأي فضل لك علينا ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا إخوة اليهود إن الدعاوي يتساوى فيها المحقون والمبطلون

ولكن حجج الله ودلائله تفرق بينهم ، فتكشف عن تمويه المبطلين ، وتبين عن حقائق

المحقين ، ورسول الله محمد لا يغتنم جهلكم ولا يكلفكم التسليم له بغير حجة

ولكن يقيم عليكم حجة الله تعالى التي لا يمكنكم دفاعها ، ولا تطيقون الامتناع من

* ( هامش ) * ( 1 ) " وصف الله به " أ .

2 ) الحشر : 21 . 3 ) " الخطيرين " أ . " الخطيئتين الخطرين " ب ، ط .

4 ) " العناد " البحار . 5 ) " ورفع رسالتك " أ ، والبرهان . ( * )

ـ286ـ

موجبها ولو ذهب محمد يريكم آية من عنده لشككتم ، وقلتم : إنه متكلف

مصنوع محتال فيه ، معمول أو متواطأ عليه ، فاذا اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون لم

يكن لكم أن تقولوا معمول أو متواطأ عليه أو متأتي بحيلة ومقدمات ، فما الذي تقترحون ؟

فهذا رب العالمين قد وعدني أن يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذير الكافرين

منكم ، ويزيد في بصائر المؤمنين منكم .

قالوا : قد أنصفتنا يا محمد ، فان وفيت بما وعدت من نفسك من الانصاف ، وإلا

فأنت أول راجع من دعواك للنبوة ، وداخل في غمار ( 1 ) الامة ، ومسلم لحكم التوراة

لعجزك عما نقترحه عليك ، وظهور الباطل في دعواك فيما ترومه من جهتك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الصدق ينبئ عنكم ( 2 ) لا الوعيد ، اقترحوا ما تقترحون

ليقطع معاذيركم فيما تسألون .

ـ معجزة عظيمة من معجزات النبى صلى الله عليه وآله باقتراح اليهود : ـ

فقالوا : يا محمد زعمت أنه ما في قلوبنا شئ من مواساة الفقراء ، ومعاونة الضعفاء

والنفقة في إبطال الباطل ، وإحقاق الحق ، وأن الاحجار ألين من قلوبنا ، وأطوع لله

منا ، وهذه الجبال بحضرتنا ، فهلم بنا إلى بعضها ، فاستشهده على تصديقك وتكذيبنا

فان نطق بتصديقك فأنت المحق ، يلزمنا اتباعك ، وإن نطق بتكذيبك أو صمت فلم

يرد جوابك ، فاعلم بانك المبطل في دعواك ، المعاند لهواك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : نعم هلموا بنا إلى أيها شئتم أستشهده ، ليشهد لي عليكم

فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه ، فقالوا : يا محمد هذا الجبل فاستشهده .

* ( هامش ) * ( 1 ) أى جماعة الناس ولفيفهم .

2 ) " بينى وبينكم " البحار : 9 . قال الميدانى في مجمع الامثال : 398 رقم 2111 " الصدق

ينبئ عنك لا الوعيد " يقول : انما ينبئ عدوك عنك أن تصدقه في المحاربة وغيرها لا أن

توعده ولا تنفذ لما توعد به . ( * )

ـ287ـ

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للجبل : إني أسألك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بذكر

أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على

تحريكه وهم خلق كثير لا يعرف عددهم غير الله عزوجل .

وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله على آدم ، وغفر خطيئته

وأعاده إلى مرتبته .

وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم وسؤال الله بهم رفع إدريس

في الجنة ـ مكانا ـ عليا ، لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على هؤلاء اليهود

في ذكر قساوة قلوبهم ، وتكذيبهم وجحدهم لقول محمد رسول الله صلى الله عليه وآله .

فتحرك الجبل وتزلزل ، وفاض منه الماء ونادى :

يا محمد أشهد أنك رسول ـ الله ـ رب العالمين ، وسيد الخلائق أجمعين .

وأشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة ، لا يخرج منها خير

كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا أو تفجيرا .

وأشهد أن هولاء كاذبون عليك فيما به يقرفونك ( 1 ) من الفرية على رب العالمين

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأسألك أيها الجبل ، أمرك الله بطاعتي فيما ألتمسه ( 2 )

منك بجاه محمد وآله الطيبين ؟ الذين بهم نجى الله تعالى نوحا عليه السلام من الكرب

العظيم ، وبرد الله النار على إبراهيم عليه السلام وجعلها عليه سلاما ( 3 ) ومكنه في جوف النار

على سرير وفراش وثير ، لم ير ذلك الطاغية مثله لاحد من ملوك الارض أجمعين

وأنبت حواليه من الاشجار الخضرة النضرة النزهة ، وغمر ما حوله من أنواع المنثور ( 4 )

بما لا يوجد إلا في فصول أربعة من جميع السنة .

* ( هامش ) * ( 1 ) " يعرفونك " ب ، ط . " يقذفونك " التأويل والبحار . قرف على القوم : بغى عليهم وكذب .

2 ) " التمسته " أ ، والبرهان . 3 ) " بردا وسلاما " أ ، ص ، والبرهان .

4 ) " النور " البحار : 12 . وج 17 . " الميثور " أ . تصحيف ظ . والمنثور : نبات ذو زهر ذكى الرائحة . ( * )

ـ288ـ

قال الجبل : بلى ، أشهد لك يا محمد بذلك ، وأشهد أنك لو اقترحت على ربك

أن يجعل رجال الدنيا قردة وخنازير لفعل ، أو يجعلهم ملائكة لفعل ، وأن يقلب النيران

جليدا ، والجليد نيرانا لفعل ، أو يهبط السماء إلى الارض ، أو يرفع الارض إلى السماء

لفعل ، أو يصير أطراف المشارق والمغارب والوهاد كلها صرة كصرة الكيس لفعل

وأنه قد جعل الارض والسماء طوعك ، والجبال والبحار تنصرف بأمرك ، وسائر ما

خلق الله من الرياح والصواعق وجوارح الانسان وأعضاء الحيوان لك مطيعة ، وما

أمرتها ـ به ـ من شئ ائتمرت .

فقال اليهود : يا محمد أعلينا تلبس وتشبه ؟ ! قد أجلست مردة من أصحابك

خلف صخور هذا الجبل ، فهم ينطقون بهذا الكلام ، ونحن لا ندري ( 1 ) أنسمع من الرجال

أم من الجبل ! ؟ لا يغتر بمثل هذا إلا ضعفاؤك الذين تبحبح ( 2 ) في عقولهم ، فان كنت صادقا

فتنح عن موضعك هذا إلى ذلك القرار ، وامر هذا الجبل أن ينقلع من أصله ، فيسير

إليك إلى هناك ، فاذا حضرك - ونحن نشاهده - .

فأمره أن ينقطع نصفين من ارتفاع سمكه ، ثم ترتفع السفلى من قطعتيه فوق العليا

وتنخفض العليا تحت السفلى ، فاذا أصل الجبل قلته وقلته أصله ، لنعلم أنه من الله

لا يتفق بمواطأة ، ولا بمعاونة مموهين متمردين .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - وأشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال - : يا أيها الحجر

تدحرج . فتدحرج ، ثم قال لمخاطبه : خذه وقربه من اذنك ، فسيعيد عليك ما سمعت

فان هذا جزء من ذلك الجبل .

فأخذه الرجل ، فأدناه إلى اذنه ، فنطق به الحجر بمثل ما نطق به الجبل أولا من

* ( هامش ) * ( 1 ) " ولا تعرف أنحن " ط .

2 ) " قال المجلسى ( ره ) : أى تتمكن وتستقر في عقولهم ، من قولهم : بحبح في المكان أى

تمكن فيه ، وفى بعض النسخ بالنونين والجيمين من قولهم : تنجنج : اذا تحرك وتجبره ( * )

ـ289ـ

تصديق رسول الله صلى الله عليه وآله فيما ذكره عن قلوب اليهود ، وفيما أخبر به من أن نفقاتهم في

دفع أمر محمد صلى الله عليه وآله باطل ، ووبال عليهم .

فقال ـ له ـ رسول الله صلى الله عليه وآله : أسمعت هذا ؟ أخلف هذا الحجر أحد يكلمك

ـ ويوهمك أنه يكلمك ؟ ـ قال : لا ، فاتني بما اقترحت في الجبل .

فتباعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى فضاء واسع ، ثم نادى الجبل : يا أيها الجبل بحق محمد

وآله الطيبين الذين بجاههم ( ومسألة عباد الله ) ( 1 ) بهم أرسل الله على قوم عاد ريحا

صرصرا عاتية ، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل خاوية ، وأمر جبرئيل أن يصيح صيحة

ـ هائلة ـ في قوم صالح عليه السلام حتى صاروا كهشيم المحتظر ، لما انقلعت من مكانك باذن

الله ، وجئت إلى حضرتي هذه - ووضع يده على الارض بين يديه .

ـ قال : ـ فتزلزل الجبل وسار كالقارح ( 2 ) الهملاج حتى ـ صار بين يديه ، و ـ دنا من

إصبعه أصله فلزق ( 3 ) بها ، ووقف ونادى : ـ ها ـ أنا سامع لك مطيع يا رسول ( رب

العالمين ) ( 4 ) وإن رغمت انوف هؤلاء المعاندين مرني بأمرك يا رسول الله .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن هؤلاء ـ المعاندين ـ اقترحوا علي أن آمرك أن تنقلع

من أصلك ، فتصير نصفين ، ثم ينحط أعلاك ، ويرتفع أسفلك ، فتصير ذروتك أصلك

وأصلك ذروتك .

فقال الجبل : أفتأمرني بذلك يا رسول الله رب العالمين ؟ قال : بلى .

فانقطع ـ الجبل ـ نصفين وانحط أعلاه إلى الارض ، وارتفع أسلفه ( 5 ) فوق أعلاه

* ( هامش ) * ( 1 ) " عاذ عباد الله ، وبهم الوسيلة إلى الله ، و " أ . 2 ) " فصار كالفرس " أ . القارح : ذو الحافر من الدواب الذى انتهى به السن . ودابة هملاج :

حسنة السير في سرعة وتبختر .

3 ) " فلصق " أ . وكلاهما بمعنى واحد . 4 ) " الله " أ .

5 ) " أصله " ب ، ط ، والبرهان . ( * )

ـ290ـ

فصار فرعه أصله ، وأصله فرعه .

ثم نادى الجبل : معاشر اليهود هذا الذي ترون دون معجزات موسى الذي تزعمون

أنكم به مؤمنون ! ؟

فنظر اليهود بعضهم إلى بعض فقال بعضهم : ما عن هذا محيص .

وقال آخرون منهم : هذا رجل مبخوت ( 1 ) يؤتى له ، والمبخوت يتأتى له العجائب

فلا يغرنكم ما تشاهدون ـ منه ـ .

فناداهم الجبل : يا أعداء الله قد أبطلتم بما تقولون نبوة موسى عليه السلام هلا قلتم

لموسى : إن قلب العصا ثعبانا ، وانفلاق البحر طرقا ، ووقوف الجبل كالظلة ( 2 ) فوقكم

إنك يؤتى لك ( 3 ) يأتيك جدك ( 4 ) بالعجائب ، فلا يغرنا ما نشاهده منك .

فألقمتهم الجبال - بمقالتها - الصخور ، ولزمتهم ( 5 ) حجة رب العالمين . ( 6 )

قوله عزوجل : " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون

كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ، واذا لقوا الذين

آمنوا قالوا آمنا واذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله

* ( هامش ) * ( 1 ) البخت : كلمة فارسية ، وهى الحظ ، والمبخوت الذى يؤاتيه حظه بما يريد .

2 ) " كأنه المظلة " أ .

3 ) " انما تأتى لك لانك مؤاتى لك " ب ، س ، ص ، ط . قال العلامة المجلسى ( ره ) :

المؤاتى بالهمز وقد يقلب واوا من المؤاتات وهى حسن المطاوعة والموافقة .

4 ) بالجيم المفتوحة : حظك .

5 ) " فالتقمتهم الجبل بمقالتها ( و / ظ ) الصخور وألزمتهم " أ . " فالتقمهم الجبل بمقالتهم الزور

ولزمتهم " التأويل .

6 ) عنه مناقب آل أبى طالب : 92 ( قطعة ) ، وتأويل الايات : 1 / 70 ح 45 باختصار ، والبحار :

9 / 312 ح 11 ، وج 12 / 40 ح 28 ( قطعة ) ، وج 17 / 335 ضمن ح 16 ، وج 70 / 161

ح 18 صدره والبرهان : 1 / 112 ح 1 . وأورده في الخرائج والجرائح : 265 ( مخطوط ) باختصار ( * )

ـ291ـ

عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون . أولا يعلمون أن الله يعلم ما

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 291 سطر 1 الى ص 300 سطر 23

عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون . أولا يعلمون أن الله يعلم ما

يسرون وما يعلنون " : 75 - 77

142 - قال الامام عليه السلام : فلما بهر رسول الله صلى الله عليه وآله هؤلاء اليهود بمعجزته ، وقطع

معاذيرهم بواضح دلالته ، لم يمكنهم مراجعته ( 1 ) في حجته ، ولا إدخال التلبيس عليه

في معجزته فقالوا :

يا محمد قد آمنا بأنك الرسول الهادي المهدي ، وأن عليا أخاك هو

الوصي والولي .

وكانوا إذا خلوا باليهود الآخرين يقولون ـ لهم : ـ إن إظهارنا له الايمان به أمكن

لنا من ( 2 ) مكروهه ، وأعون لنا على اصطلامه ( 3 ) واصطلام أصحابه ، لانهم عند اعتقادهم

أننا معهم يقفوننا على أسرارهم ، ولا يكتموننا شيئا ، فنطلع عليهم أعداءهم ، فيقصدون

أذاهم بمعاونتنا ومظاهرتنا في أوقات اشتغالهم واضطرابهم ، وفي أحوال تعذر المدافعة

والامتناع من الاعداء عليهم .

وكانوا مع ذلك ينكرون على سائر اليهود إخبار الناس عما كانوا يشاهدونه

من آياته ، ويعاينونه من معجزاته ، فأظهر الله تعالى محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله على سوء

اعتقادهم ، وقبح ـ أخلاقهم و ـ دخلاتهم ( 4 ) وعلى إنكارهم على من اعترف بما شاهده

من آيات محمد وواضح بيناته ، وباهر معجزاته .

فقال عزوجل : يا محمد ( أفتطمعون ) أنت وأصحابك من علي وآله الطيبين

( أن يؤمنوا لكم ) هؤلاء اليهود الذين هم بحجج الله قد بهرتموهم ، وبآيات الله

ودلائله الواضحة قد قهرتموهم ، أن يؤمنوا لكم ، ويصدقوكم بقلوبهم ، ويبدوا في

* ( هامش ) * ( 1 ) أى رده . 2 ) " على دفع " ب ، س ، ط ، ق ، د ، والبرهان . 3 ) أى استئصاله .

4 ) دخلة الرجل ودخلته ودخيلته ودخيله : نيته ومذهبه وخلده وبطانته ، لان ذلك كله يداخله .

( لسان العرب : 11 / 240 ) ( * )

ـ292ـ

الخلوات لشياطينهم شريف أحوالكم .

( وقد كان فريق منهم ) يعني من هؤلاء اليهود من بني إسرائيل ( يسمعون كلام

الله ) في أصل جبل طور سيناء ، وأوامره ونواهيه ( ثم يحرفونه ) عما سمعوه إذا

أدوه إلى من وراءهم من سائر بني إسرائيل ( من بعد ما عقلوه ) وعلموا أنهم فيما

يقولونه كاذبون ( وهم يعلمون ) أنهم في قيلهم كاذبون .

وذلك أنهم لما صاروا مع موسى إلى الجبل ، فسمعوا كلام الله ، ووقفوا على

أوامره ، ونواهيه ، رجعوا فأدوه إلى من بعدهم فشق عليهم ، فأما المؤمنون منهم فثبتوا

على إيمانهم وصدقوا في نياتهم .

وأما أسلاف هؤلاء اليهود الذين نافقوا رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه القضية فانهم

قالوا لبني إسرائيل : إن الله تعالى قال لنا هذا ، وأمرنا بما ذكرناه لكم ونهانا ، وأتبع

ذلك بأنكم إن صعب عليكم ما أمرتكم به فلا عليكم أن ـ لا تفعلوه ، وإن صعب عليكم

ما عنه نهيتكم فلا عليكم أن ـ ترتكبوه وتواقعوه .

ـ هذا ـ وهم يعلمون أنهم بقولهم هذا كاذبون .

ثم أظهر الله تعالى ( على نفاقهم الآخر ) ( 1 ) مع جهلهم . فقال عزوجل : ( وإذا لقوا

الذين آمنوا قالوا آمنا ) كانوا إذا لقوا سلمان والمقداد وأباذر وعمارا قالوا آمنا

كايمانكم ، إيمانا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ، مقرونا ـ بالايمان ـ بامامة أخيه علي بن أبي طالب

عليه السلام ، وبأنه أخوه الهادي ، ووزيره ـ الموالي ـ ( 2 ) وخليفته على امته ومنجز عدته ، والوافي

بذمته ( 3 ) والناهض بأعباء سياسته ، وقيم الخلق ، والذائد لهم عن سخط الرحمن الموجب

لهم - إن أطاعوه - رضى الرحمن .

وأن خلفاءه من بعده هم النجوم الزاهرة ، والاقمار المنيرة ، والشموس المضيئة

* ( هامش ) * ( 1 ) " نفاقهم على الاخرين " البحار : 17 .

( 2 ) " المؤاتى " البحار : 9 ، وج 70 ، ق ، د . " الموافى " البحار : 17 . ( 3 ) " بدينه " خ ل . ( * )

ـ293ـ

الباهرة ، وأن أولياهم أولياء الله ، وأن أعداءهم أعداء الله .

ويقول بعضهم : نشهد أن محمدا صاحب المعجزات ، ومقيم الدلالات الواضحات .

هو الذى لما تواطأت قريش على قتله ، وطلبوه فقدا ( 1 ) لروحه أيبس الله تعالى

أيديهم فلم تعمل ، وأرجلهم فلم تنهض ، حتى رجعوا عنه خائبين ( 2 ) مغلوبين ، ولو شاء

محمد وحده قتلهم أجمعين .

وهو الذى لما جاءته قريش ، وأشخصته إلى هبل ليحكم عليه بصدقهم وكذبه

خر هبل لوجهه ، وشهد له بنبوته ، وشهد لاخيه علي بامامته ، ولاوليائه من بعده بوراثته

والقيام بسياسته وإمامته .

وهو الذى لما ألجأته قريش إلى الشعب ووكلو ببابه من يمنع من إيصال

قوت ( 3 ) ومن خروج أحد عنه ، خوفا أن يطلب لهم قوتا ، غذى هناك كافرهم ومؤمنهم

أفضل من المن والسلوى ، وكل ما اشتهى كل واحد منهم من أنواع الاطعمات

الطيبات ، ومن أصناف الحلاوات ، وكساهم أحسن الكسوات ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله

بين أظهرهم إذا رآهم وقد ضاق لضيق فجهم ( 4 ) صدورهم . قال بيده ( 5 ) هكذا بيمناه

إلى الجبال ، وهكذا بيسراه إلى الجبال ، وقال لها : اندقعي . فتندفع ، وتتأخر حتى

يصيروا بذلك في صحراء لا يرى طرفاها ، ثم يقول بيده هكذا ، ويقول : أطلعي يا أيتها

المودعات لمحمد وأنصاره ( 6 ) ما أودعكموها الله من الاشجار والثمار ـ والانهار ـ وأنواع

الزهر والنبات ، فتطلع من الاشجار الباسقة ، والرياحين المونقة ، والخضروات النزهة

ما تتمتع به القلوب والابصار وتنجلي به الهموم والغموم والافكار ، ويعلمون أنه ليس

* ( هامش ) * ( 1 ) " قصدا " ب ، س ، ط ، ق ، د . فقدته فقدا : عدمته فهو مفقود .

2 ) " خاسئين " أ . أى مدحورين . 3 ) " قوت الله " ب ، ط .

4 ) الفج : الطريق الواسع بين جبلين . والمراد الشعب الذى كانوا فيه .

5 ) قال بيده : أهوى بها . 6 ) " أصحابه " ط . ( * )

ـ294ـ

لاحد من ملوك الارض مثل صحرائهم على ما تشتمل عليهم من عجائب أشجارها ، وتهدل

أثمارها ، واطراد أنهارها ، وغضارة رياحينها ، وحسن نباتها .

ـ رسالة أبى جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والجواب عنها : ـ

ومحمد هو الذي لما جاءه رسول أبى جهل يتهدده ويقول : يا محمد إن الخبوط ( 1 )

التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة ، ورمت بك إلى يثرب ، وإنها لا تزال بك

ـ حتى ـ تنفرك وتحثك على ما يفسدك ويتلفك ( 2 ) إلى أن تفسدها على أهلها ، وتصليهم حر نار

تعديك طورك ، وما أرى ذلك إلا وسيؤول إلى أن تثور عليك قريش ثورة رجل واحد

لقصد آثارك ، ودفع ضررك وبلائك ، فتلقاهم بسفهائك المغترين بك ، ويساعدك على ذلك

من هو كافر بك مبغض لك ، فيلجئه إلى مساعدتك ومظافرتك ( 3 ) خوفه لان يهلك

بهلاكك ، و ـ تعطب ـ عياله بعطبك ( 4 ) ، ويفتقر هو ومن يليه بفقرك ، وبفقر متبعيك ( 5 ) ، إذ

يعتقدون أن أعداءك إذا قهروك ودخلوا ديارهم عنوة لم يفرقوا بين من والاك وعاداك

واصطلموهم باصطلامهم لك ، وأتوا على عيالاتهم وأموالهم بالسبي والنهب ، كما يأتون

على أموالك وعيالك ، وقد أعذر من أنذر ( 6 ) وبالغ من أوضح .

* ( هامش ) * ( 1 ) كذا في أكثر النسخ ، وفى " ب ، ط ، ق ، د ، الاحتجاج ، والبحار " خيوط . ، ولم أجد ( لها أصلا

في كتب اللغة ، اللهم الا اذا كانت كناية عن الجنون كما هو متعارف باللهجة العامية .

والخبطه - بفتح الخاء - من تخبطه الشيطان اذا مسه بخيل أو جنون . ج خبط - بكسر

الخاء وفتح الباء - وخبط - بضم الخاء وفتح الباء - .

والخباط : داء كالجنون وليس به ، ولعل ما في المتن تصحيف لهذا .

2 ) " يبلغك " أ ، س ، ط ، ق ، د . أى يجهدك .

3 ) " مظاهرتك " ب ، ط . وكلاهما بمعنى واحد .

4 ) العطب : الهلاك . 5 ) " شيعتك " أ ، والاحتجاج .

6 ) أى من حذرك ما يحل بك فقد أعذر اليك ، أصار معذروا عندك . ( * )

ـ295ـ

اديت هذه الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وآله وهو بظاهر المدينة بحضرة كافة ( 1 ) أصحابه

وعامة الكفار به من يهود بني إسرائيل ، وهكذا أمر الرسول ، ليجنبوا ( 2 ) المؤمنين

ويغروا بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للرسول : قد أطريت ( 3 ) مقالتك ؟ واستكملت رسالتك ؟

قال : بلى .

قال صلى الله عليه وآله فاسمع الجواب : إن أبا جهل بالمكاره والعطب يهددني ، ورب

العالمين بالنصر والظفر يعدني ، وخبر الله أصدق ، والقبول من الله أحق ، لن يضر محمدا

من خذله ، أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله عزوجل ، ويتفضل بجوده وكرمه عليه .

قل له : يا أباجهل إنك راسلتني بما ألقاه في خلدك ( 4 ) الشيطان ، وأنا اجيبك بما

ألقاه في خاطري ( 5 ) الرحمن :

إن الحرب بيننا وبينك كائنة إلى تسعة وعشرين ـ يوما ـ وإن الله سيقتلك فيها

بأضعف أصحابي ، وستلقى أنت وعتبة وشيبة والوليد ، وفلان وفلان - وذكر عددا من

قريش - في " قليب بدر " مقتلين أقتل منكم سبعين ، وآسر منكم سبعين ، أحملهم

على الفداء ـ العظيم ـ الثقيل .

ثم نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين واليهود ـ والنصارى ـ وسائر الاخلاط ( 6 ) :

ألا تحبون أن اريكم مصرع كل واحد من هؤلاء ؟ ـ قالوا : بلى . قال : ـ ( 7 )

هلموا إلى بدر فان هناك الملتقى والمحشر ، وهناك البلاء الاكبر ، لاضع قدمي

على مواضع مصارعهم ، ثم ستجدونها لاتزيد ولاتنقص ، ولا تتغير ولاتتقدم ، ولا

* ( هامش ) * ( 1 ) " أكابر " خ ل ، ط . 2 ) " ليجبن " الاحتجاج ، والبحار . جنبه الشئ :

أبعده عنه . 3 ) " أطويت " أ . 4 ) بالتحريك : البال والقلب .

5 ) " خلدى " أ . والخاطر : ما يخطر بالقلب من أمر أو تدبير .

6 ) " الاخلاء " أ ، والبرهان . 7 ) من الاحتجاج والبحار . ( * )

ـ296ـ

تتأخر لحظة ، ولا قليلا ولا كثيرا .

فلم يخف ذلك على أحد منهم ، ولم يحبه إلا علي بن أبي طالب وحده ، وقال :

نعم ، بسم الله . فقال الباقون : نحن نحتاج إلى مركوب وآلات ونفقات ، فلا يمكننا

الخروج إلى هناك وهو مسيرة أيام .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسائر اليهود : فأنتم ماذا تقولون ؟ قالوا : نحن نريد أن نستقر

في بيوتنا ، ولا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في أدعائه محيل .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا نصب عليكم في المسير إلى هناك ، اخطوا خطوة واحدة

فان الله يطوى الارض لكم ويوصلكم في الخطوة الثانية إلى هناك .

فقال المؤمنون : صدق رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلنتشرف بهذه الآية .

وقال الكافرون والمنافقون : سوف نمتحن هذا الكذب لينقطع عذر محمد ، وتصير

دعواه حجة عليه ، وفاضحة له في كذبه .

قال : فخطا القوم خطوة ، ثم الثانية ، فاذاهم عند بئر بدر فعجبوا ، فجاء رسول الله

صلى الله عليه وآله فقال : اجعلوا البئر العلامة ، واذرعوا من عندها كذا ذرعا .

فذرعوا ، فلما انتهوا إلى آخرها قال : هذا مصرع أبي حهل ، يجرحه فلان

الانصاري ويجهز عليه عبدالله بن مسعود أضعف أصحابي .

ثم قال : اذرعوا من البئر من جانب آخر ـ ثم جانب آخر ، ثم جانب آخر ـ كذا

وكذا ذراعا وذراعا ، وذكر أعداد الاذرع مختلفة .

فلما انتهى كل عدد إلى آخره قال رسول الله صلى الله عليه وآله ( 1 ) : هذا مصرع عتبة ، وذلك

مصرع شيبة ، وذاك مصرع الوليد ، وسيقتل فلان وفلان - إلى أن ( سمى تمام ) ( 2 )

سبعين منهم بأسمائهم - وسيؤسر فلان وفلان إلى أن ذكر سبعين منهم بأسمائهم

وأسماء آبائهم وصفاتهم ، ونسب المنسوبين إلى الآباء منهم ، ونسب الموالي منهم

* ( هامش ) * ( 1 ) " محمد صلى الله عليه وآله " أ ، ب ، ط . 2 ) " ذكر " أ . ( * )

ـ297ـ

إلى مواليهم .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أوقفتم على ما أخبرتكم به ؟ قالوا : بلى . قال

( إن ذلك لحق ) ( 1 ) كائن بعد ثمانية وعشرين يوما ـ من اليوم ـ ( 2 ) في اليوم التاسع

والعشرين وعدا من الله مفعولا ، وقضاء حتما لازما .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا معشر المسلمين واليهود اكتبوا بما سمعتم .

فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وآله قد سمعنا ، ووعينا ولا ننسى .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الكتابة ـ أفضل و ـ أذكر لكم .

فقالوا يارسول الله صلى الله عليه وآله وأين الدواة والكتف ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك للملائكة ، ثم قال : ياملائكة ربي اكتبوا ما سمعتم

من هذه القصة في أكتاف ، واجعلوا في كم ( 3 ) كل واحد منهم كتفا من ذلك .

ثم قال : معاشر المسلمين تأملوا أكمامكم وما فيها وأخرجوه واقرؤوه .

فتأملوها فاذا في كم كل واحد منهم صحيفة ، قرأها ، وإذا فيها ذكر ما قال رسول الله

صلى الله عليه وآله في ذلك سواء ، لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر .

فقال : أعيدوها في أكمامكم ، تكن حجة عليكم ، وشرفا للمؤمنين منكم ، وحجة

على الكافرين ( 4 ) . فكانت معهم .

فلما كان يوم بدر جرت الامور كلها ـ ببدر ، ووجدوها ـ كما قال صلى الله عليه وآله ، لا يزيد

ولا ينقص ( 5 ) قابلوا بها ما في كتبهم فوجدوها كما كتبته الملائكة لا تزيد ولا تنقص

ولا تتقدم ولا تتأخر ، فقبل المسلمون ظاهرهم ، ووكلوا باطنهم إلى خالقهم .

فلما أفضى بعض هؤلاء اليهود إلى بعض قالوا : أي شئ صنعتم ؟ أخبرتموهم بما

* ( هامش ) * ( 1 ) " وذاك " أ . 2 ) من البحار . 3 ) أى مدخل اليد ومخرجها من الثواب .

4 ) " أعدائكم " أكثر النسخ والاحتجاج والبحار .

5 ) " لا تزيد ولا تنقص ولا تتقدم ولا تتأخر " ب ، ط ، والبرهان . ( * )

ـ298ـ

فتح الله عليكم من الدلالات على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله ، وإمامة أخيه علي عليه السلام

( ليحاجوكم به عند ربكم ) بأنكم كنتم قد علمتم هذا وشاهدتموه فلم تؤمنوا به

ولم تطيعوه .

وقدروا بجهلهم أنهم إن لم يخبروهم بتلك الآيات لم يكن له ( 1 ) عليهم حجة في غيرها

ثم قال عزوجل : ( أفلا تعقلون ) أن ـ هذا ـ الذي تخبرونهم ( 2 ) ـ به ـ مما فتح

الله عليكم من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وآله حجة عليكم عند ربكم ؟ !

قال الله عزوجل : ( أولا يعلمون ) ؟ يعني أولا يعلم هؤلاء القائلون لاخوانهم :

" أتحدثونهم بما فتح الله عليكم " :

( أن الله يعلم ما يسرون ) من عداوة محمد صلى الله عليه وآله ( 3 ) ويضمرونه من أن إظهارهم

الايمان به أمكن لهم من اصطلامه وإبارة ( 4 ) أصحابه ( وما يعلنون ) من الايمان ظاهرا

ليؤنسوهم ، ويقفوا به على أسرارهم فيذيعوها بحضرة من يضرهم .

وأن الله لما علم ذلك دبر لمحمد تمام أمره ، وبلوغ غاية ما أراده الله ببعثه

وأنه يتم أمره ، وأن نفاقهم وكيادهم لا يضره . ( 5 )

قوله عزوجل : " ومنهم اميون لايعلمون الكتاب الا أمانى وان هم الا

يظنون فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله

ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " : 78 - 79

* ( هامش ) * ( 1 ) " لهم " أ ، البحار 17 ، والبرهان . 2 ) " يخبرونهم " أ ، والبحار : 9 ، وج . 7 .

3 ) " عداوته " أ . 4 ) " ابادة " البحار : 9 وج 70 والبرهان . وكلاهما بمعنى " الاهلاك "

5 ) عنه البحار : 9 / 316 ح 12 باختصار ، وج 17 / 339 ضمن ح 16 ، وج 70 / 166

ضمن ح 18 باختصار ، واثبات الهداة : 2 / 15 ح 209 ( قطعة ) والبرهان : 1 / 115 ح 1

وعنه في البحار : 19 / 265 ح 6 وعن الاحتجاج : 1 / 40 ( قطعة ) . ( * )

ـ299ـ

143 - قال الامام عليه السلام : ـ ثم ـ قال الله عزوجل : يا محمد ومن هؤلاء اليهود

( اميون ) لا يقرؤون ـ الكتاب ـ ولا يكتبون ، كالامي منسوب إلى امه ( 1 ) أي هو

كما خرج من بطن امه لايقرأ ولا يكتب ( لا يعلمون الكتاب ) المنزل من السماء

ولا المكذب ( 2 ) به ، ولا يميزون بينهما ( إلا أماني ) أي إلا أن يقرأ عليهم ويقال لهم :

ـ إن ـ هذا كتاب الله وكلامه ، لايعرفون إن قرئ من الكتاب خلاف مافيه

( وإن هم إلا يظنون ) ، أي ( 3 ) مايقول لهم رؤساؤهم من تكذيب محمد صلى الله عليه وآله في

نبوته ، وإمامة علي عليه السلام سيد عترته ، وهم يقلدونهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم .

قال : فقال رجل للصادق عليه السلام : فاذا كان هؤلاء العوام من اليهود لا يعرفون الكتاب

إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره ، فكيف ذمهم بتقليدهم والقبول

من علمائهم ؟ وهل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علماءهم ؟ فان لم يجز لاولئك

القبول من علمائهم ، لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم .

فقال عليه السلام : بين عوامنا وعلمائنا وبين عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة

وتسوية من جهة ، أما من حيث أنهم استووا ، فان الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم

كما ـ قد ـ ذم عوامهم .

وأما من حيث أنهم افترقوا فلا . قال : بين لي ذلك يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله !

قال عليه السلام : إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح ، وبأكل

الحرام وبالرشاء ، وبتغيير الاحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات .

وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم ، وأنهم إذا تعصبوا أزالوا

حقوق من تعصبوا عليه ، وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم

وظلموهم من أجلهم .

وعرفوهم بأنهم يقارفون المحرمات ، واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل

* ( هامش ) * ( 1 ) " الام " البحار : 9 وج 70 ، 2 ) " المتكذب " البحار . 3 ) " الا " أ والبرهان . ( * )

ـ300ـ

ما يفعلونه فهو فاسق ، لا يجوز أن يصدق على الله ، ولا على الوسائط بين الخلق

وبين الله ، فلذلك ذمهم ـ الله ـ لما قلدوا من قد عرفوا ، ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول

خبره ، ولا تصديقه في حكايته ، ولا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه ، ووجب

عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى ، وأشهر

من أن لاتظهر لهم .

وكذلك عوام امتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر ، والعصبية الشديدة

والتكالب على حطام الدنيا وحرامها ، وإهلاك من يتعصبون عليه إن كان لاصلاح

أمره مستحقا ، وبالترفق ( 1 ) بالبر والاحسان على من تعصبوا له ، وإن كان للاذلال

والاهانة مستحقا .

فمن قلد من عوامنا ـ من ـ مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى

بالتقليد لفسقة فقهائهم .

فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه ، حافظا لدينه ، مخالفا لهواه ، مطيعا لامر مولاه

فللعوام أن يقلدوه .

وذلك لايكون إلا ـ في ـ بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم ، فان من ركب من القبائح

والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ، ولا كرامة لهم ، وإنما

كثر التخليط فيما يتحمل ( 2 ) عنا أهل البيت لذلك ، لان الفسقة يتحملون عنا ، فهم

يحرفونه بأسره لجهلهم ، ويضعون الاشياء على غير ـ مواضعها و ـ وجوهها لقلة معرفتهم

وآخرين يتعمدون الكذب علينا ليجروا ( 3 ) من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى

نار جهنم .

* ( هامش ) * ( 1 ) " بالتوقير " ب . " بالتوفر " س ، ص . " بالترفرف " الاحتجاج ، البحار : 2 والبرهان .

وهى كناية عن اللطف .

2 ) حمل العلم : نقله ورواه . 3 ) " ليحرزوا " ب ، ط . ( * )

ـ301ـ

ومنهم قوم نصاب لايقدرون على القدح فينا ، يتعلمون بعض علومنا الصحيحة

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 301 سطر 1 الى ص 310 سطر 25

ومنهم قوم نصاب لايقدرون على القدح فينا ، يتعلمون بعض علومنا الصحيحة

فيتوجهون به عند شيعتنا ، وينتقصون ـ بنا ـ عند نصابنا ( 1 ) ثم يضيفون إليه أضعافه

وأضعاف أضعافه من الاكاذيب علينا التي نحن براء منها ، فيتقبله ـ المسلمون ـ المستسلمون

من شيعتنا على أنه من علومنا فضلوا وأضلوهم ( 2 ) .

وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليهما السلام وأصحابه

فانهم يسلبونهم الارواح والاموال ، وللمسلوبين عند الله أفضل الاحوال لما لحقهم

من أعدائهم .

وهؤلاء علماء السوء الناصبون المشبهون بأنهم لنا موالون ، ولاعدائنا معادون

يدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا ، فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد

الحق المصيب .

ـ لا جرم ـ أن من علم الله من قلبه - من هؤلاء العوام - أنه لا يريد إلا صيانة دينه

وتعظيم وليه ، لم يتركه في يد هذا الملبس الكافر .

ولكنه يقيض له مؤمنا يقف به على الصواب ، ثم يوفقه الله تعالى للقبول منه فيجمع

له بذلك خير الدنيا والآخرة ، ويجمع على من أضله لعن الدنيا وعذاب الآخرة .

ثم قال : ـ قال ـ رسول الله صلى الله عليه وآله : شرار علماء أمتنا المضلون عنا ، القاطعون للطرق

إلينا ، المسمون أضدادنا بأسمائنا ، الملقبون أضدادنا ( 3 ) بألقابنا ، يصلون عليهم وهم

للعن مستحقون ، ويلعنوننا ونحن بكرامات الله مغمورون ، وبصلوات الله وصلوات

ملائكته المقربين علينا - عن صلواتهم علينا - مستغنون . ( 4 )

* ( هامش ) * ( 1 ) " أنصارنا " خ ل ، ط . 2 ) " وأضلوا " ط ، والبحار ، والبرهان .

3 ) " أندادنا " الاحتجاج والبحار : 2 ، ق ، د .

4 ) عنه البحار : 9 / 318 ضمن ح 12 ( قطعة ) ، ج 70 / 168 ضمن ح 18 ( قطعة ) والبرهان :

1 / 117 ضمن ح 1 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 286 ح 8 ، وعنه الوسائل : 18 / 94 ح 20 < ( * )

ـ302ـ

144 - ثم ـ قال : ـ قيل لامير المؤمنين عليه السلام : من خير خلق الله بعد أئمة الهدى

ومصابيح الدجى ؟ قال : العلماء إذا صلحوا .

قيل : فمن شر خلق الله بعد إبليس وفرعون ونمرود ، وبعد المتسمين ( 1 ) بأسمائكم

والمتلقبين ( 2 ) بألقابكم ، والآخذين لامكنتكم ، والمتأمرين في ممالككم ؟

قال : العلماء إذا فسدوا ، هم المظهرون للاباطيل ، الكاتمون للحقائق ، وفيهم

قال الله عزوجل : ( اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا ) الآية . ( 3 )

ثم قال الله عزوجل : " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون

هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا " الآية .

145 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل ـ هذا ـ لقوم من هؤلاء اليهود كتبوا صفة

زعموا أنها صفة النبي ( 4 ) صلى الله عليه وآله وهو خلاف صفته ، وقالوا للمستضعفين ـ منهم ـ : هذه

صفة النبي المبعوث في آخر الزمان : إنه طويل ، عظيم البدن والبطن ، أصهب ( 5 )

الشعر ، ومحمد صلى الله عليه وآله بخلافه ، وهو يجئ بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة .

وإنما أرادوا بذلك لتبقى لهم على ضعفائهم رياستهم ، وتدوم لهم منهم إصابتهم ( 6 )

* ( هامش ) * > والبحار : 2 / 86 ضمن ح 12 وعن الاحتجاج : 2 / 262 ( وفيه تقدم تفسير الاية التالية

" فويل للذين يكتبون . . . " قبل حديث الامام الصادق عليه السلام ، فلاحظ ) .

1 ) " المسمين " أ ، ص . 2 ) " الملقبين " أ .

3 ) عنه البرهان : 1 / 118 ضمن ح 1 ، وص 171 ح 6 ، وعنه البحار : 2 / 89 ذ ح 12 ، وعن

الاحتجاج : 2 / 264 . والاية الاخيرة : 159 - 160 من سورة البقرة .

4 ) " محمد صلى الله عليه وآله " ب ، ط ، الاحتجاج ، والبحار .

5 ) الصهبة : احمرار الشعر .

6 ) أصاب من الشئ : أخذ وتناول . ( * )

ـ303ـ

ويكفوا أنفسهم مؤنة خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله ـ وخدمة علي عليه السلام ـ وأهل خاصته .

فقال الله تعالى : ( فويل لهم مما كتبت أيديهم ) من هذه الصفات المحرفات

المخالفات لصفة ( 1 ) محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ، الشدة لهم من العذاب في أسوأ بقاع

جهنم ( وويل لهم ) الشدة ( لهم من ) ( 2 ) العذاب ثانية مضافة إلى الاولى ( مما يكسبون )

من الاموال التي يأخذونها إذا أثبتوا ( 3 ) عوامهم على الكفر بمحمد رسول الله ، والجحد

لوصيه : أخيه علي ولي الله عليهما السلام . ( 4 )

قوله عزوجل : " وقالوا لن تمسنا النار الا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله

عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون بلى من كسب

سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النارهم فيها خالدون والذين

آمنوا وعملوا الصالحات اولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " : 80 - 82 .

146 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل : ( وقالوا ) يعني اليهود ـ المصرون ـ ( 5 )

المظهرون للايمان ، المسرون للنفاق ، المدبرون على رسول الله صلى الله عليه وآله وذويه بما يظنون

أن فيه عطبهم ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) وذلك أنه كان لهم أصهار ( 6 )

وإخوه رضاع من المسلمين يسرون ( 7 ) كفرهم عن محمد ( 8 ) صلى الله عليه وآله وصحبه ، وإن كانوا

به عارفين ، صيانة لهم لارحامهم وأصهارهم .

قال لهم هؤلاء : لم تفعلون هذا النفاق الذي تعلمون أنكم به عند الله مسخوط

* ( هامش ) * ( 1 ) " لصفات " أ ، ص . 2 ) " في " أ . 3 ) ثبت وأثبت : جعله ثابتا .

4 ) عنه البحار : 9 / 318 ضمن ح 12 ، وج 70 / 168 ضمن ح 18 ، والبرهان : 1 / 119 ضمن

ح 1 ، وعنه في البحار : 2 / 87 ضمن ح 1 وعن الاحتجاج : 2 / 262 .

5 ) " المقرون " أ . 6 ) الصهر : القرابة ، زوج الاخت أو الابنة .

7 ) " يسترون " س ، د ، والبرهان . 8 ) " بمحمد " أ ، والبحار : 8 . ( * )

ـ304ـ

عليكم معذبون ؟ أجابهم هؤلاء اليهود : بأن مدة ذلك العذاب ( 1 ) الذي نعذب به لهذه

الذنوب ( أياما معدودة ) تنقضي ، ثم نصير بعد في النعمة في الجنان ، فلا نتعجل

المكروه في الدنيا للعذاب الذي ـ هو ـ بقدر أيام ذنوبنا ، فانها تفنى وتنقضي ، ونكون قد

حصلنا لذات الحرية من الخدمة ولذات نعمة الدنيا ، ثم لا نبالي بما يصيبنا بعد

فانه إذا لم يكن دائما فكأنه قد فنى .

فقال الله عزوجل : ( قل - يا محمد - أتخذتم عند الله عهدا ) أن عذابكم على

كفركم بمحمد ودفعكم لآياته في نفسه ، وفي علي وسائر خلفائه وأوليائه منقطع غير

دائم ؟ بل ما هو إلا عذاب دائم لا نفاد له ، فلا تجتروا على الآثام والقبائح من الكفر بالله

وبرسوله وبوليه المنصوب بعده على امته ، ليسوسهم ويرعاهم سياسة الوالد الشفيق

الرحيم ـ الكريم ـ لولده ، ورعاية الحدب ( 2 ) المشفق على خاصته ( فلن يخلف الله

عهده ) فكذلك أنتم بما تدعون من فناء عذاب ذنوبكم هذه في حرز ( أم تقولون

على الله مالا تعلمون ) اتخذتم عهدا ؟ أم تقولون ؟ ( 3 ) بل أنتم في أيهما ادعيتم كاذبون . ( 4 )

ثم قال الله عزوجل ردا عليهم : ( بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته

فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) : 81

147 - قال الامام عليه السلام : السيئة المحيطة به هي التي تخرجه عن جملة ( 5 ) دين الله

وتنزعه عن ولاية الله وترميه في ( 6 ) سخط الله ـ و ـ هي الشرك بالله ، والكفر به ، والكفر

بنبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله ، والكفر بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام ( 7 ) كل واحد

* ( هامش ) * ( 1 ) " العقاب " أ 2 ) أى العطوف . وفى " أ " : الجد .

3 ) " تقولون جهلا " البحار : 8 .

4 ) عنه البحار : 8 / 300 ضمن ح 55 ، وج 9 / 319 ضمن ح 12 ، وج 70 / 169 ضمن

ح 18 ، والبرهان : 1 / 119 ضمن ج 1 .

5 ) " حمله " س . 6 ) " لا تؤمنه " ص ، ق ، د .

7 ) زاد في البحار : 8 " وخلفائه " . ( * )

ـ305ـ

من هذه سيئة تحيط به ، أي تحيط بأعماله فتبطلها وتمحقها ( فاولئك ) عاملوا هذه

السيئة المحيطة ( أصحاب النارهم فيها خالدون ) . ( 1 )

ـ في أن ولاية على عليه السلام حسنة لا يضر معها سيئة : ـ

148 - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن ولاية علي حسنة لا يضر معها شئ ( 2 ) من

السيئات وإن جلت إلا ما يصيب أهلها من التطهير منها بمحن الدنيا ، وببعض العذاب

في الآخرة إلى أن ينجو منها بشفاعة مواليه الطيبين الطاهرين .

وإن ولاية أضداد علي ومخالفة علي عليه السلام سيئة لا ينفع معها شئ إلا ما ينفعهم

بطاعاتهم في الدنيا بالنعم والصحة والسعة ، فيردون الآخرة ولا يكون لهم إلا

دائم العذاب .

ثم قال : إن من جحد ولاية علي لا يرى الجنة بعينه أبدا إلا ما يراه بما يعرف به

أنه لو كان يواليه لكان ذلك محله ومأواه ـ ومنزله ـ ، فيزداد حسرات وندامات .

وإن من تولى عليا ، وبرئ من أعدائه ، وسلم لاوليائه لا يرى النار بعينه أبدا إلا

ما يراه ، فيقال له : لو كنت على غير هذا لكان ذلك مأواك ، إلا ما يباشره منها إن كان

مسرفا على نفسه - بما دون الكفر - إلى أن ينظف بجهنم ( 3 ) كما ينظف القذر من ( 4 )

بدنه بالحمام ـ الحامي ـ ثم ينتقل منها بشفاعة مواليه ( 5 ) .

149 - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : اتقوا الله معاشر الشيعة ، فان الجنة لن تفوتكم

* ( هامش ) * ( 1 ) عنه البحار : 8 / 300 ضمن ح 55 ، وص 358 ح 19 ، والبرهان : 1 / 119 ضمن ح 1

وج 4 / 20 صدر ح 4 .

2 ) " سيئة " خ ل . 3 ) " بحبهم " خ ل .

4 ) كذا استظهرها في " أ " ، وفى " ب ، س ، ط ، ق ، د " قذر ، وليس في " ص " .

5 ) عنه البحار : 8 / 301 ذ ح 55 ( قطعة ) والبرهان : 1 / 119 ذ ح 1 ، وج 4 / 20 ضمن ح 4 . ( * )

ـ306ـ

وإن أبطأت بكم عنها قبائح أعمالكم ، فتنافسوا في درجاتها .

قيل : فهل يدخل جهنم ـ أحد ـ من محبيك ، ومحبي علي عليه السلام ؟ قال : من قذر

نفسه بمخالفة وعلي ، وواقع المحرمات ، وظلم المؤمنين والمؤمنات ، وخالف

ما رسما له ( 1 ) من الشرعيات ( 2 ) جاء يوم القيامة قذرا طفسا ( 3 ) ، يقول له محمد وعلي : يا

فلان أنت قذر طفس ، لا تصلح لمرافقة مواليك الاخيار ، ولا لمعانقة الحور الحسان ، ولا

لملائكة الله المقربين ، ولا تصل إلى ما هناك إلا بأن يطهر عنك ما هيهنا - يعني ما عليه

من الذنوب - فيدخل إلى الطبق الاعلى من جهنم ، فيعذب ببعض ذنوبه .

ومنهم من تصيبه الشدائد في المحشر ببعض ذنوبه ، ثم يلقطه ( 4 ) من هنا ومن هنا

من يبعثهم إليه مواليه من خيار شيعتهم ، كما يلقظ ( 5 ) الطير الحب .

ومنهم من تكون ذنوبه أقل وأخف فيطهر منها بالشدائد والنوائب من

السلاطين وغيرهم ، ومن الآفات في الابدان في الدنيا ليدلى في قبره وهو طاهر

من ـ ذنوبه ـ ( 6 ) .

ومنهم من يقرب موته ، وقد بقيت عليه ( 7 ) فيشتد نزعه ، ويكفر به عنه ، فان بقي

شئ وقويت عليه يكون له بطن ( 8 ) أو أضطراب في يوم موته ، فيقل من يحضره فيلحقه

به الذل ، فيكفر عنه ، فان بقي شئ اتي به ولما يلحد ويوضع ، فيتفرقون عنه ، فيطهر .

فان كانت ذنوبه أعظم وأكثر طهر منها بشدائد عرصات ـ يوم ـ القيامة ، فان كانت

* ( هامش ) * ( 1 ) رسم له كذا : أمره به .

2 ) " الشريعات " س ، ص ، ط ، ق ، د . الشرعى : ما وافق الاصل وانطبق عليه .

3 ) الطفس - بالتحريك - : الوسخ والدرن . 4 ) " يلتقطه " خ ل .

5 ) " يلتقط " خ ل . 6 ) من البرهان . وفى " أ " من ذنوبهم .

7 ) أى الذنوب . وزاد عليها في البحار : سيئة .

8 ) بالتحريك : داء البطن . وفى البحار : البطر وبطر الشئ : كرهه من غير أن يستحق الكراهة . ( * )

ـ307ـ

أكثر وأعظم طهر منها في الطبق الاعلى من جهنم ، وهؤلاء أشد محبينا عذابا

وأعظمهم ذنوبا .

ليس هؤلاء يسمون بشيعتنا ، ولكنهم يسمون بمحبينا والموالين لاوليائنا

والمعادين لاعدائنا ، إن شيعتنا من شيعنا ، واتبع أثارنا ، واقتدى بأعمالنا . ( 1 )

ـ بيان معنى الشيعة : ـ

150 - وقال الامام عليه السلام : قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله : ـ يا رسول الله ـ فلان ينظر إلى

حرم جاره ( 2 ) فان أمكنه مواقعة حرام لم ينزع ( 3 ) عنه ! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال :

ائتوني به . فقال رجل آخر : يا رسول الله إنه من شيعتكم ممن يعتقد موالاتك وموالاة

علي ، ويتبرأ من أعدائكما .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تقل إنه من شيعتنا فانه كذب ، إن شيعتنا من شيعنا وتبعنا

في أعمالنا ، وليس هذا الذي ذكرته في هذا الرجل من أعمالنا . ( 4 )

151 - وقيل لامير المؤمنين ـ وإمام المتقين ، ويعسوب الدين ، وقائد الغر

المحجلين ، ووصي رسول رب العالمين : إن ـ ( 5 ) فلان مسرف على نفسه بالذنوب

الموبقات ، وهو مع ذلك من شيعتكم .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : قد كتبت عليك كذبة أو كذبتان ، إن كان مسرفا بالذنوب

على نفسه ، يحبنا ويبغض أعداءنا ، فهو كذبة واحدة ، هو ( 6 ) من محبينا لا من شيعتنا .

* ( هامش ) * ( 1 ) عنه البحار : 68 / 154 صدر ح 11 ، والبرهان : 4 / 21 ضمن ح 4 .

2 ) " فلان " ب ، س ، ط .

3 ) " يرع " س ، ص ، ق ، د . تنبيه الخواطر ، والبحار . نزع عن كذا : كف وانتهى عنه . ورعا

يرعو رعوا : رجع عن جهله .

4 ) اضافة للبحار والبرهان المتقدمين : عنه تنبيه الخواطر : 2 / 105

5 ) من البحار . 6 ) " لانه " البحار . ( * )

ـ308ـ

وإن كان يوالي أولياءنا ويعادي أعداءنا ، وليس ـ هو ـ بمسرف على نفسه ـ في

الذنوب ـ كما ذكرت فهو منك كذبة ، لانه لا يسرف في الذنوب .

وإن كان ـ لا ـ ( 1 ) يسرف في الذنوب ولا يوالينا ولا يعادي أعداءنا ، فهو

منك ـ كذبتان ـ . ( 2 )

152 - ـ قال عليه السلام : ـ قال رجل لامرأته : اذهبي إلى فاطمة عليها السلام بنت رسول

الله صلى الله عليه وآله فسليها عني ، أنا من شيعتكم ، أو لست من شيعتكم ؟

فسألتها ، فقالت عليها السلام : قولي له : إن كنت تعمل بما أمرناك ، وتنتهي عما زجرناك

عنه فأنت من شيعتنا ، وإلا فلا .

فرجعت ، فأخبرته ، فقال : يا ويلي ومن ينفك من الذنوب والخطايا ، فأنا إذن خالد

في النار ، فان من ليس من شيعتهم فهو خالد في النار .

فرجعت المرأة فقالت لفاطمة عليها السلام ما قال لها زوجها .

فقالت فاطمة عليها السلام : قولي له : ليس هكذا ـ فان ـ شيعتنا من خيار أهل الجنة ، وكل

محبينا وموالي أوليائنا ، ومعادي أعدائنا ، والمسلم بقلبه ولسانه لنا ليسوا من شيعتنا

إذا خالفوا أوامرنا ونواهينا في سائر الموبقات ، وهم مع ذلك في الجنة ، ولكن بعد

ما يطهرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا ، أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها ، أو

في الطبق الاعلى من جهنم بعذابها إلى أن نستنقذهم - بحبنا - منها ، وننقلهم

إلى حضرتنا ( 3 ) .

153 - وقال رجل للحسن بن على عليهما السلام : يابن رسول الله أنا من شيعتكم .

فقال الحسن بن علي عليهما السلام يا عبدالله إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعا فقد

* ( هامش ) * ( 1 ) استظهرها في " ص " وهو الصحيح .

2 و 3 ) عنه البحار والبرهان المتقدمين . ( * )

ـ309ـ

صدقت ، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها

لاتقل : أنا من شيعتكم ، ولكن قل : أنا من مواليكم ومحبيكم ، ومعادي أعدائكم ، وأنت

في خير ، وإلى خير . ( 1 )

154 - وقال رجل للحسين بن على عليهما السلام : يابن رسول الله أنا من شيعتكم .

قال عليه السلام : اتق الله ولا تدعين شيئا يقول الله تعالى لك : كذبت وفجرت في دعواك .

إن شيعتنا من سلمت قلوبهم من كل غش وغل ودغل ( 2 ) ولكن قل : أنا من

مواليكم و ـ من ـ محبيكم . ( 3 )

155 - وقال رجل لعلى بن الحسين عليهما السلام : يابن رسول الله أنا من شيعتكم

الخلص فقال له : يا عبدالله فاذن أنت كابراهيم الخليل عليه السلام الذي قال الله فيه : ( وإن

من شيعته لابراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ) ( 4 ) فان كان قلبك كقلبه فأنت من شيعتنا

وإن لم يكن قلبك كقلبه ، وهو طاهر من الغش والغل ـ فأنت من محبينا ـ وإلا فانك

إن عرفت أنك بقولك كاذب فيه ، إنك لمبتلى بفالج لا يفارقك إلى الموت أو جذام

ليكون كفارة لكذبك هذا . ( 5 )

156 - وقال الباقر عليه السلام لرجل فخر على آخر ـ قال ـ : ( 6 ) أتفاخرني وأنا من شيعة

آل محمد الطيبين ؟ ! فقال له الباقر عليه السلام :

ما فخرت عليه ورب الكعبة ، وغبن ( 7 ) منك على الكذب يا عبدالله ، أمالك معك تنفقه

على نفسك أحب إليك أم تنفقه على إخوانك المؤمنين ؟ قال : بل أنفقه على نفسي .

قال : فلست من شيعتنا ، فانا نحن ما ننفق على المنتحلين من إخواننا أحب إلينا

* ( هامش ) * ( 1 و 3 ) اضافة للبحار والبرهان المتقدمين ، عنه تنبيه الخواطر : 2 / 106 .

2 " دخل " ، . وهى - بالتحريك - ما داخل الانسان من فساد في العقل أو الجسم .

4 ) الصافات : 83 - 84 . 5 ) عنه البحار والبرهان المذكورين .

6 ) استظهرها في " أ " . 7 ) " الغش " خ ل .

ـ310ـ

ـ من أن ننفق ( 1 ) على أنفسنا ـ ولكن قل : أنا من محبيكم ومن الراجين للنجاة بمحبتكم . ( 2 )

ـ في معنى الرافضى ، وأن أول من سمى به سحرة موسى : ـ

157 - وقيل للصادق عليه السلام : إن عمارا الدهني ( 3 ) شهد اليوم عند ـ ابن ـ أبي ليلى ( 4 )

قاضي الكوفة بشهادة ، فقال له القاضي :

قم يا عمار فقد عرفناك . لا تقبل شهادتك ، لانك رافضي .

فقام عمار وقد ارتعدت فرائصه ، واستفرغه ( 5 ) البكاء .

* ( هامش ) * ( 1 ) " تنفق " أ . 2 ) عنه البحار : والبرهان المذكورين .

3 ) قال النجاشى في رجاله : 411 ضمن ترجمة ولده معاوية : " كان أبوه ثقة في العامة وجيها " .

وقال الشيخ المامقانى ره في رجاله : 2 / 317 : بالدال المهملة المضمومة والهاء الساكنة

والنون والياء ، نسبة إلى بنى دهن حى من بجيلة ، وهم بنو دهن بن معاوية بن أسلم بن أحمص

بن الغوث . . واشتهار الرجل بالتشيع كاشتهار الشمس في رابعة النهار . وقال - بعد

نقله كلام النجاشى المتقدم - : ومثله بعينه في الخلاصة .

وغرضهما من التقييد بقولهما " في العامة " ليس هو الحكم بكونه عاميا . . . بل غرضهما

بذلك أن العامة أيضا كانوا يثقون به ويعظمونه . وكان له فيهم أيضا وجاهة لروايته عن عظمائهم

والا فالرجل شيعى ثقة . . . . " انتهى .

أقول : وعلى كل لم يرد نص على أنه من العامة - كما يستظهر البعض - .

وقد وثقه الذهبى في ميزان الاعتدال : 3 / 172 فقال : قال على بن المدينى : قال سفيان

ابن عيينة : قطع بشر بن مروان بن الحكم عرقوبيه . قلت : في أى شئ ؟ قال : في التشيع . انتهى

وسفيان هو أحد الرواة عنه .

وقال ابن حجر العسقلانى في تقريب التهذيب : 2 / 48 : صدوق ، يتشيع .

4 ) قال عنه الذهبى في سير النبلاء : 6 / 310 : محمد بن عبدالرحمن بن أبى ليلى مفتى

الكوفة وقاضيها .

5 ) كذا في الاصل وتنبيه الخواطر والبحار ، واستظهرها في رجال المامقانى : " استغرقه " يقال :

استفرغ فلان مجهوده : اذا لم يبق من جهده وطاقته شيئا . واستغرق في البكاء : بالغ فيه . ( * )

ـ311ـ

فقال له ابن أبي ليلى : أنت رجل من أهل العلم والحديث ، إن كان يسوءك أن يقال

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 311 سطر 1 الى ص 320 سطر 23

فقال له ابن أبي ليلى : أنت رجل من أهل العلم والحديث ، إن كان يسوءك أن يقال

لك " رافضي " فتبرأ من الرفض ، فأنت من إخواننا .

فقال له عمار : ياهذا ما ذهبت والله حيث ذهبت ، ولكني بكيت عليك وعلي :

أما بكائي على نفسي فانك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها ، زعمت أني

رافضي ، ويحك لقد حدثني الصادق عليه السلام " أن أول من سمي الرافضة ( 1 ) السحرة

الذين لما شاهدوا آية موسى عليه السلام في عصاه آمنوا به ـ ورضوا به ـ واتبعوه ورفضوا

أمر فرعون ، واستسلموا لكل ما نزل بهم ، فسماهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه " .

فالرافضي من رفض كلما كرهه الله ، تعالى وفعل كل ما أمره الله ، فأين في الزمان

مثل هذا ؟

فانما بكيت على نفسي خشية أن ( يطلع الله تعالى ) ( 2 ) على قلبي ، وقد تقبلت ( 3 )

هذا الاسم الشريف على نفسي ، فيعاتبني ( 4 ) ربي عزوجل ويقول : يا عمار أكنت

رافضا للاباطيل ، عاملا للطاعات كما قال لك ؟ فيكون ذلك تقصيرا بي في الدرجات

إن سامحني ، وموجبا لشديد العقاب علي إن ناقشني ، إلا أن يتداركني موالي بشفاعتهم .

وأما بكائي عليك ، فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي ، وشفقتي الشديدة عليك

من عذاب الله تعالى أن صرفت أشرف الاسماء إلى أن جعلته من أرذلها ( 5 ) كيف

يصبر بذلك على عذاب ـ الله ، وعذاب ـ كلمتك هذه ؟ !

فقال الصادق عليه السلام : لو أن على عمار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات

والارضين لمحيت عنه بهذه الكلمات : وإنها لتزيد في حسناته عند ربه عزوجل

* ( هامش ) * ( 1 ) " الرافضية " أ . " الرفضة " البحار .

2 ) " يطبع " رجال المامقانى . يقال : طبع الله على قلبه : أى ختم وغطى فلا يعى ولا يوفق .

3 ) " تلقبت " س ، ق ، د ، والبحار . 4 ) " فيعاقبنى " ب ، س ، ص ، ط ، د .

5 ) " أراذلها " أ . والارذل : الردئ . ( * )

ـ312ـ

حتى يجعل كل خردلة منها أعظم من الدنيا ألف ( 1 ) مرة ( 2 ) .

158 - قال عليه السلام : وقيل لموسى بن جعفر عليهما السلام : مررنا برجل في السوق وهو

ينادي : أنا من شيعة محمد وآل محمد الخلص ، وهو ينادي على ثياب يبيعها :

على من يزيد ( 3 ) . فقال موسى عليه السلام :

ماجهل ولا ضاع امرؤ عرف قدر نفسه ، أتدرون ما مثل هذا ؟ ـ ما مثل ـ ( 4 )

هذا كمن قال : " أنا مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار " وهو مع ذلك يباخس ( 5 )

في بيعة ، ويدلس ( 6 ) عيوب المبيع على مشتريه ، ويشتري الشئ بثمن فيزايد الغريب

يطلبه فيوجب له ، ثم إذا غاب المشتري قال : لا أريده إلا بكذا بدون ماكان يطلبه

ـ منه ـ ، أيكون هذا كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار ؟ حاش لله أن يكون هذا كهم

ولكن لا نمنعه ( 7 ) من أن يقول : " أنا من محبي محمد وآله محمد ، ومن موالي

أوليائهم ومعادي أعدائهم " . ( 8 )

159 - قال عليه السلام : ولما جعل ( 9 ) إلى علي بن موسى الرضا عليهما السلام ولاية العهد دخل

عليه آذنه فقال : إن قوما بالباب يستأذنون عليك ، يقولون : نحن من شيعة علي عليه السلام .

فقال عليه : أنا مشغول فاصرفهم . فصرفهم .

* ( هامش ) * ( 1 ) " ألف مائة الف " أ .

2 ) اضافة للبحار والبرهان المتقدمين ، عنه الخواطر : 2 / 106 ، وتنقيح المقال : 2 / 318 .

3 " يريد " ق . 4 ) من ق ود .

5 ) " يناجش " ب ، س ، ص ، ط ، ق ، د . والبخس من الظلم ، أن تبخس أخاك حقه فتنقصه كما

يبخس الكيال مكياله ، فينقصه . ( لسان العرب : 6 / 24 ) . وتناجش القوم في البيع : تزايدوا .

6 ) التدليس في البيع : كتمان عيب السلعة عن المشترى .

7 ) " مايمنعه " البحار . 8 ) عنه البحار والبرهان المتقدمين .

9 ) على بناء المجهول ، وفى البحار : جعل المأمون . ( * )

ـ313ـ

فلما كان في اليوم الثاني جاؤا وقالوا كذلك ، فقال مثلها ، فصرفهم إلى أن جاؤه

هكذا يقولون ويصرفهم شهرين ، ثم أيسوا من الوصول وقالوا للحاجب : قل لمولانا :

إنا شيعة أبيك علي بن أبي طالب عليه السلام وقد شمت بنا أعداؤنا في حجابك لنا ، ونحن

ننصرف هئذه الكرة ، نهرب من بلدنا خجلا وأنفة مما لحقنا ، وعجزا عن احتمال

مضض ما يلحقنا بشماتة أعدائنا .

فقال على بن موسى ـ الرضا ـ عليهما السلام : ائذن لهم ليدخلوا . فدخلوا عليه ، فسلموا

عليه ، فلم يرد عليهم ، ولم يأذن ( 1 ) لهم بالجلوس ، فبقوا قياما ، فقالوا :

يابن رسول الله ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد هذا الحجاب الصعب ؟

أي باقية تبقي منا بعد هذا ؟

فقال الرضا عليه السلام : اقرؤا ( 2 ) ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا

عن كثير ) ( 3 ) . ما اقتديت إلا بربي عزوجل فيكم ، وبرسول الله صلى الله عليه وآله وبأمير المؤمنين

عليه السلام ومن بعده من آبائي الطاهرين عليهم السلام عتبوا عليكم ، فاقتديت بهم .

قالوا : لماذا يابن رسول الله ؟

قال ـ لهم ـ : لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .

ويحكم إنما شيعته الحسن والحسين عليهما السلام وسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار

ومحمد بن أبي بكر ، الذين لم يخالفوا شيئا من أوامره ، ولم يرتكبوا شيئا من ـ فنون ؟ ؟ ؟ ـ زواجره .

فأما أنتم إذا قلتم أنكم شيعته ، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون ، مقصرون

في كثير من الفرائض ـ و ـ متهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله ، وتتقون حيث

لا تجب التقية ، وتتركون التقية ـ حيث لا بد من التقية ـ .

لو قلتم أنكم موالوه ومحبوه ، والموالون لاوليائه ، والمعادون لاعدائه ، لم

انكره من قولكم ، ولكن هذه مرتبة شريفة ادعيتموها ، إن لم تصدقوها قولكم بفعلكم

* ( هامش ) * ( 1 ) " يؤذن " ب ، ط . 2 ) " أفتروا " أ . 3 ) الشورى : 30 . ( * )

ـ314ـ

هلكتم إلا أن تتدارككم رحمة ـ من ـ ربكم .

قالوا : يابن رسول الله ، فانا نستغفر الله ونتوب إليه من قولنا ، بل نقول - كما علمنا

مولانا - نحن محبوكم ، ومحبوا أوليائكم ، ومعادوا أعدائكم .

قال الرضا عليه السلام : فمرحبا بكم يا إخواني وأهل ودي ، ارتفعوا ، ارتفعوا ( 1 )

فما زال يرفعهم حتى ألصقهم بنفسه ، ثم قال لحاجبه : كم مرة حجبتهم ؟ قال : ستين مرة .

فقال لحاجبه : فاختلف إليهم ستين مرة متوالية ، فسلم عليهم واقرأهم سلامي

فقد محوا ما كان من ذنوبهم باستغفارهم وتوبتهم ، واستحقوا الكرامة لمحبتهم لنا

وموالاتهم . وتفقد أمورهم وامور عيالاتهم ، فأوسعهم بنفقات ومبرات وصلات

ودفع معرات ( 2 ) . ( 3 )

160 - قال عليه السلام : ودخل رجل على محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام وهو

مسرور ، فقال : ما لي أراك مسرورا ؟

قال : يا بن رسول الله ، سمعت أباك يقول : أحق يوم بأن يسر العبد فيه يوم يرزقه

الله صدقات ومبرات وسد خلات من إخوان له مؤمنين ، وإنه قصدني اليوم عشرة

من إخواني ـ المؤمنين ـ الفقراء لهم عيالات ، قصدوني من بلد كذا وكذا ، فأعطيت

كل واحد منهم ( 4 ) فلهذا سروري .

فقال محمد بن علي عليهما السلام : لعمري إنك حقيق بأن تسر إن لم تكن أحبطته

أو لم تحبطه فيما بعد .

* ( هامش ) * ( 1 ) كررها في البحار ، ق ، د ، ثلاثا .

2 ) " مضرات " أ ، والمعرة : المساءة والاذى والغرم والشدة .

3 ) اضافة للبحار والبرهان المذكورين ، رواه في الاحتجاج : 2 / 236 باسناده عن الامام

العسكرى عليه السلام ، عنه الوسائل : 11 / 470 ح 9 ( قطعة ) والبحار : 22 / 330 ح 39 ( قطعة ) .

4 ) " منهم ( بكذا ) كذا " ب ، س ، ص ، ق ، د . ( * )

ـ315ـ

فقال الرجل : وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلص ؟

قال : هاه ( 1 ) قد أبطلت برك باخوانك وصدقاتك .

قال : وكيف ذاك يا بن رسول الله ؟

قال له محمد بن علي عليهما السلام : اقرأ قول الله عزوجل : ( يا أيها الذين آمنوا

لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى ) ( 2 ) .

قال الرجل : يا بن رسول الله ما مننت على القوم الذين تصدقت عليهم ولا آذيتهم !

قال له محمد بن علي عليهما السلام : إن الله عزوجل إنما قال : ( لا تبطلوا صدقاتكم

بالمن والاذى ) ولمن يقل لا تبطلوا بالمن على من تتصدقون عليه ، ـ وبالاذى لمن

تتصدقون عليه ـ وهو كل أذى ، أفترى أذاك للقوم الذين تصدقت عليهم أعظم ، أم

أذاك لحفظتك وملائكة الله المقربين حواليك ، أم أذاك لنا ؟

فقال الرجل : بل هذا يا بن رسول الله .

فقال : فقد آذيتني وآذيتهم وأبطلت صدقتك . قال : لماذا ؟

قال : لقولك " وكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلص " ويحك ، أتدري من

شيعتنا الخلص ؟ ـ قال : لا .

قال : شيعتنا الخلص ـ حزقيل ( 3 ) المؤمن ، مؤمن آل فرعون ، وصاحب يس الذي قال الله

تعالى ـ فيه ـ : ( وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى ) ( 4 ) وسلمان وأبوذر والمقداد

وعمار ، أسويت نفسك بهؤلاء ؟ أما آذيت بهذا الملائكة ، وآذيتنا .

فقال الرجل : أستغفر الله وأتوب إليه ، فكيف أقول ؟

* ( هامش ) * ( 1 ) هه : كلمة تذكر ، وتكون بمعنى التحذير أيضا ، فاذا مددتها وقلت : هاه كانت وعيدا في

حال ، وحكاية لضحك الضاحك في حال . ( لسان العرب : 13 / 551 ) .

2 ) سورة البقرة : 264 . 3 ) " حزبيل " س ، ص .

4 ) سورة يس : 20 . ( * )

ـ316ـ

قال : قل : أنا من مواليكم ومحبيكم ، ومعادي أعدائكم ، وموالي أوليائكم .

فقال : كذلك أقول ، وكذلك أنا يابن رسول الله ، وقد تبت من القول الذي

أنكرته ، وأنكرته الملائكة ، فما أنكرتم ذلك إلا لانكار الله عزوجل .

فقال محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام : الآن قد عادت إليك مثوبات صدقاتك

وزال عنها الاحباط . ( 1 )

161 - قال أبويعقوب يوسف بن زياد وعلي بن سيار ( رض ) : حضرنا ليلة

على غرفة الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام وقد كان ملك الزمان له معظما ، وحاشيته

له مبجلين ، إذ مر علينا والي البلد - والي الجسرين - ومعه رجل مكتوف ، والحسن

ابن علي عليهما السلام مشرف من روزنته ( 2 ) .

فلما رآه الوالي ترجل عن دابته إجلالا له . فقال الحسن بن علي عليهما السلام : عد

إلى موضعك . فعاد ، وهو معظم له ، وقال : يابن رسول الله ، أخذت هذا ، في هذه

الليلة ، على باب حانوت صيرفي ، فاتهمته بأنه يريد نقبه ( 3 ) والسرقة منه .

فقبضت عليه ، فلما هممت أن أضربه خمسمائة ـ سوط ـ - وهذا سبيلي فيمن أتهمه

ممن آخذه - ( 4 ) ليكون قد شقى ( 5 ) ببعض ذنوبه قبل أن يأتيني ـ ويسألني فيه ـ من لا

أطيق مدافعته .

فقال لي : اتق الله ولا تتعرض لسخط الله ، فاني من شيعة أمير المؤمنين علي بن

أبي طالب عليه السلام وشيعة هذا الامام ـ أبي ـ القائم بأمر الله ( 6 ) عليه السلام .

* ( هامش ) * ( 1 ) عنه البحار والبرهان المتقدمين .

2 ) هى الكوة النافذة . معربة . 3 ) " أن ينقبه " أ ، نقب الحائط : خرقه .

4 ) زاد في البحار : " لئلا يسألنى فيه من لا أطيق مدافعته " .

5 ) كذا في خ ل والبحار والبرهان ، وفى " أ " ينقى ، وفى الاخرى وق ، د : سعى .

6 ) " الامة " ب ، س ، ط ، ق ، د . ( * )

ـ317ـ

فكففت عنه ، وقلت : أنا مار بك عليه ، فان عرفك بالتشيع أطلقت عنك ، وإلا

قطعت يدك ورجلك ، بعد أن أجلدك ألف سوط . وقد جئتك ـ به ـ يا بن رسول الله

فهل هو من شيعة على عليه السلام كما ادعى ؟

فقال الحسن بن علي عليهما السلام : معاذ الله ، ما هذا من شيعة علي عليه السلام ، وإنما ابتلاه

الله في يدك ، لاعتقاده في نفسه أنه من شيعة علي عليه السلام

فقال الوالي : الآن كفيتني مؤونته ، الآن ( 1 ) أضربه خمسمائة ـ ضربة ـ لا حرج علي فيها .

فلما نحاه بعيدا ، قال : ابطحوه ، فبطحوه وأقام عليه جلادين ، واحدا عن يمينه ،

وآخر عن شماله ، وقال : أوجعاه . فأهويا إليه بعصيهما ( 2 ) فكانا لا يصيبان إسته شيئا

إنما يصيبان الارض . فضجر من ذلك ، وقال : ويلكما تضربان الارض ؟ اضربا إسته .

ـ فذهبا يضربان إسته ـ فعدلت أيديهما ( 3 ) فجعلا يضرب بعضهما بعضا ويصيح ويتأوه .

فقال : ويحكما ، أمجنونان أنتما يضرب بعضكما بعضا ؟ ! اضربا الرجل .

فقالا : ما نضرب إلا الرجل ، وما نقصد سواه ، ولكن تعدل أيدينا حتى يضرب

بعضنا بعضا .

قال : فقال : يا فلان ويا فلان حتى دعا أربعة وصاروا مع الاولين ستة ، وقال : أحيطوا

به ، فأحاطوا به ، فكان يعدل بأيديهم ، وترفع عصيهم إلى فوق ، فكانت لا تقع إلا

بالوالي فسقط عن دابته ، وقال : قتلتموني ، قتلكم الله ، ما هذا ؟ !

فقالوا : ما ضربنا إلا إياه !

ثم قال لغيرهم : تعالوا فاضربوا هذا . فجاؤا ، فضربوه بعد

فقال : ويلكم إياي تضربون ؟ !

فقالوا : لا والله ، ما ( 4 ) نضرب إلا الرجل !

* ( هامش ) * ( 1 ) " أن " ب ، ط . 2 ) " بقضيبهما " أ .

3 ) " أيديهم " أ ، والبرهان ، وكذا . 4 ) " لا " أ ، ب ، ط . ( * )

ـ318ـ

قال الوالي : فمن أين لي هذه الشجات ( 1 ) برأسي ووجهي وبدني ، إن لم تكونوا

تضربوني ؟ ! فقالوا : شلت أيماننا إن كنا ـ قد ـ قصدناك بضرب .

فقال الرجل للوالي : يا عبدالله أما تعتبر بهذه الالطاف التي بها يصرف عني هذا

الضرب ، ويلك ردني إلى الامام ، وامتثل في أمره .

قال : فرده الوالي بعد ـ إلى ـ بين يدي الحسن بن علي عليهما السلام . فقال : يابن

رسول الله ، عجبنا ( 2 ) لهذا ، أنكرت أن يكون من شيعتكم ومن لم يكن من شيعتكم ،

فهو من شيعة إبليس ، وهو في النار ، وقد رأيت له من المعجزات ما لا يكون إلا للانبياء .

فقال الحسن بن علي عليهما السلام : قل : أو للاوصياء . ـ فقال : أو للاوصياء ـ .

فقال الحسن بن على عليهما السلام للوالي : يا عبدالله إنه كذب في دعواه - أنه من

شيعتنا - كذبة لو عرفها ثم تعمدها لابتلى بجميع عذابك له ، ولبقي في المطبق

ثلاثين سنة ، ولكن الله تعالى رحمه لاطلاق كلمة على ما عنى ( 3 ) لا على تعمد كذب

وأنت يا عبدالله ، فاعلم أن الله عزوجل قد خلصه من يديك ، خل عنه فانه من

موالينا ومحبينا ، وليس من شيعتنا .

فقال الوالي : ماكان هذا كله عندنا إلا سواء ، فما الفرق ؟

قال له الامام عليه السلام : الفرق أن شيعتنا هم الذين يتبعون آثارنا ، ويطيعونا في

جميع أوامرنا ونواهينا ، فاولئك ـ من ـ شيعتنا .

فأما من خالفنا في كثير مما فرضه الله عليه فليسوا من شيعتنا .

قال الامام عليه السلام للوالي : وأنت قد ( 4 ) كذبت كذبة لو تعمدتها وكذبتها لابتلاك

الله عزوجل بضرب ألف سوط ، وسجن ثلاثين سنة في المطبق .

قال : وما هي يابن رسول الله ؟

* ( هامش ) * ( 1 ) أى الجراحات . وهى في الرأس خاصة . 2 ) " عجبا " أ ، والبرهان .

3 ) " كلمته على عنى أ . عنى بما قاله كذا : أراده وقصده . 4 ) " تب فقد " أ . ( * )

ـ319ـ

قال : بزعمك ( 1 ) أنك رأيت له معجزات ، إن المعجزات ليست له إنما هي لنا

أظهرها الله تعالى فيه أبانة لحجتنا ( 2 ) وإيضاحا لجلالتنا وشرفنا ، ولو قلت : شاهدت

فيه معجزات ، لم أنكره عليك ، أليس إحياء عيسى عليه السلام الميت معجزة ؟ أهي للميت

أم لعيسى ؟ أو ليس خلق من الطين كهيئة الطير فصار طيرا باذن الله ـ معجزة ـ أهي

للطائر أو لعيسى ؟ أو ليس الذين جعلوا قردة خاسئين معجزة ، أهي ( 3 ) للقردة ؟ أو

لنبي ذلك الزمان ؟

فقال الوالي : أستغفر الله ـ ربي ـ وأتوب إليه .

ثم قال الحسن بن على عليهما السلام للرجل الذي قال إنه من شيعة علي عليه السلام يا عبدالله

لست من شيعة علي عليه السلام ، إنما أنت من محبيه ، وإنما شيعة علي عليه السلام الذين قال

عزوجل فيهم :

( والذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) .

هم الذين آمنوا بالله ووصفوه بصفاته ، ونزهوه عن خلاف صفاته ، وصدقوا

محمدا في أقواله ، وصوبوه في كل أفعاله ، ورأوا عليا بعده سيدا إماما ، وقرما ( 4 )

هماما لا يعدله من امة محمد أحد ، ولا كلهم إذا اجتمعوا في كفة يوزنون بوزنه ، بل

يرجح عليهم كما ترجح السماء والارض على الذرة .

وشيعة علي عليه السلام هم الذين لا يبالون في سبيل الله أوقع الموت عليهم ، أو وقعوا

على الموت .

وشيعة علي عليه السلام هم الذين يؤثرون إخوانهم على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة

وهم الذين لا يراهم الله حيث نهاهم ، ولا يفقدهم من حيث أمرهم .

وشيعة علي عليه السلام هم الذين يقتدون بعلي في إكرام إخوانهم المؤمنين .

* ( هامش ) * ( 1 ) " زعمت " البرهان . 2 ) " لحجبنا " س ، ص ، ق ، د ، والبرهان .

3 ) " أفهى معجزة " ص ، ط ، ق ، د . 4 ) القرم : العظيم ، السيد . ( * )

ـ320ـ

ما عن قولي أقول لك هذا ، بل أقوله عن قول محمد صلى الله عليه وآله ، فذلك قوله تعالى :

( وعملوا الصالحات ) قضوا الفرائض كلها ، بعد التوحيد واعتقاد النبوة والامامة

وأعظمها ـ فرضا ـ ( 1 ) : قضاء حقوق الاخوان في الله ، واستعمال التقية من أعداء الله عزوجل ( 2 )

ـ في وجوب الاهتمام بالتقية وقضاء حقوق المؤمنين : ـ

162 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : مثل مؤمن لا تقية له كمثل جسد لا رأس له ، ومثل

مؤمن لا يرعى حقوق إخوانه المؤمنين ، كمثل من حواسه كلها صحيحة فهو لا يتأمل

بعقله ، ولا يبصر بعينه ، ولا يسمع باذنه ، ولا يعبر بلسانه عن حاجته ، ولا يدفع المكاره

عن نفسه بالادلاء بحججه ( 3 ) ولا يبطش لشئ بيديه ، ولا ينهض إلي شئ برجليه ،

فذلك قطعة لحم قد فاتته المنافع ، وصار غرضا لكل المكاره ، فكذلك المؤمن إذا

جهل حقوق إخوانه ، فاته ثواب ( 4 ) حقوقهم ، فكان كالعطشان بحضرة الماء البارد

فلم يشرب حتى طفى ( 5 ) وبمنزلة ذي الحواس لم يستعمل شيئا منها لدفاع مكروه ،

ولا لانتفاع محبوب ، فاذا هو سليب كل نعمة ، مبتلى بكل آفة . ( 6 )

163 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام : التقية من أفضل أعمال المؤمن ، يصون

بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين .

* ( هامش ) * ( 1 ) " فرضان " الوسائل ، والبرهان .

2 ) اضافة للبحار والبرهان المذكورين ، عنه الوسائل : 11 \ 483 ح 1 ( قطعة ) .

3 ) " باداء الحجة " أ .

4 ) " فانه يفوت " س ، ص ، ط ، ق ، د . " فانه يفوت ثواب " الوسائل .

5 ) " طفئ عطشه " أ . طفى : مات .

6 ) عنه الوسائل : 11 / 473 ح 2 ، والبحار : 75 / 414 صدر ح 68 ، ومستدرك الوسائل :

2 / 94 باب 105 ح 19 ، وأورده في جامع الاخبار : 110 فصل 53 مرسلا عن رسول الله

صلى الله عليه وآله ، عنه البحار : 74 / 229 صدر ح 25 . ( * )

ـ321ـ

وقضاء حقوق الاخوان أشرف أعمال المتقين ، يستجلب مودة الملائكة المقربين

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 321 سطر 1 الى ص 330 سطر 23

وقضاء حقوق الاخوان أشرف أعمال المتقين ، يستجلب مودة الملائكة المقربين

وشوق الحور العين . ( 1 )

164 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : إن التقية يصلح الله بها امة ، لصاحبها مثل

ثواب أعمالهم ، وإن تركها ربما أهلك امة ، وتاركها شريك من أهلكهم .

وإن معرفة حقوق الاخوان تحبب إلى الرحمن ، وتعظم الزلفى لدى الملك

الديان ، وإن ترك قضاءها يمقت إلى الرحمن ، ويصغر الرتبة عند الكريم المنان . ( 2 )

165 - وقال الحسين على عليهما السلام : لو لا التقية ما عرف ولينا من عدونا

ولولا معرفة حقوق الاخوان ما عرف من السيئات شئ إلا عوقب على جميعها ، لكن

الله عزوجل يقول :

( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) . ( 3 )

166 - وقال على بن الحسين زين العابدين عليهما السلام : يغفر الله للمؤمن كل ذنب

ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين :

ترك التقية ، وتضييع حقوق الاخوان . ( 4 )

167 - وقال محمد بن على عليهما السلام : أشرف أخلاق الائمة والفاضلين من شيعتنا

استعمال التقية ، وأخذ النفس بحقوق ( 5 ) الاخوان . ( 6 )

* ( هامش ) * ( 1 ) عنه الوسائل : 11 / 473 ح 2 ، والبحار : 75 / 414 ضمن ح 68 ، اضافة لجامع

الاخبار المتقدم .

2 ) عنه الوسائل : 11 / 473 ح 4 ، اضافة لما تقدم .

3 ) عنه الوسائل : 11 / 473 ح 5 ، والبحار : 75 / 415 ضمن ح 68 ، اضافة لجامع الاخبار

المتقدم . والاية : 30 من سورة الشورى .

4 و 6 ) عنه السوائل : 11 / 474 ح 6 وح 7 ، اضافة لما تقدم .

5 ) " لحقوق " أ . ( * )

ـ322ـ

168 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : استعمال التقية لصيانة الاخوان ( 1 ) ، فان كان

هو يحمي الخائف ( 2 ) فهو من أشرف ( خصال الكرم ) ( 3 ) .

والمعرفة بحقوق الاخوان من أفضل الصدقات والصلوات والزكاة والحج

والمجاهدات . ( 4 )

169 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : - وقد حضره فقير مؤمن يسأله سد فاقته

فضحك في وجهه ، وقال :

أسألك مسألة ، فان أصبتها أعطيتك عشرة أضعاف ماطلبت ، وإن لم تصبها أعطيتك

ما طلبت - وقد كان طلب منه مائة درهم يجعلها في بضاعة يتعيش بها -

فقال الرجل : سل .

فقال موسى عليه السلام : لو جعل إليك التمني لنفسك في الدنيا ماذا كنت تتمنى ؟

قال : كنت أتمنى أن ارزق التقية في ديني ، وقضاء حقوق إخواني .

قال : فما بالك لم تسأل الولاية لنا أهل البيت ؟ قال : ذاك قد اعطيته ، وهذا لم

اعطه ، فأنا أشكر على ما اعطيت ، وأسأل ربي عزوجل مامنعت .

فقال : أحسنت ، أعطوه ألفي درهم ( 5 ) ، وقال : اصرفها في كذا - يعني العفص - ( 6 )

فانه متاع يابسن وسيقبل ( 7 ) ـ بعد ـ ما أدبر ، فانتظر به سنة ، وأختلف إلى دارنا وخذ

الاجراء في كل يوم . ففعل ، فلما تمت له سنة ، فاذا ( 8 ) قد زاد في ثمن العفص للواحد

* ( هامش ) * ( 1 ) " الدين والاخوان " البحار . 2 ) " الجانب " البحار .

3 ) " الكرام " ب ، وجامع الاخبار . 4 ) عنه الوسائل : 11 / 474 ح 8 ، اضافة لما تقدم .

5 ) وهذا يدلل على مدى كرمهم عليهم السلام ومساعدتهم للمحتاجين ، وأيضا على اعجابه بالجواب .

6 ) هو حمل شجرة البلوط ، وهو دواء قابض مجفف ، يديغ به ويتخذ منه الحبر .

وهو مولد ليس من كلام أهل البادية ، يقال له بالفارسية : مازو .

7 ) " بائر ويستقبل " س ، ص ، ط . بارت السلعة : كسدت . ويابس كناية على أنه غير

سريع التلف . 8 ) " اذ " ب ، س ، ص ، ط ، والبحار . ( * )

ـ323ـ

خمسة عشر ، فباع ما كان اشترى بألفي درهم بثلاثين ألف درهم ( 1 ) .

170 - وكان على بن موسى عليهما السلام بين يديه فرس صعب ، وهناك راضة ( 2 ) لا يجسر

أحد منهم أن يركبه ، وإن ركبه لم يجسر أن يسيره مخافة أن يشب ( 3 ) به ، فيرميه

ويدوسه بحافره ، وكان هناك صبي ابن سبع سنين ، فقال :

يا بن رسول الله أتأذن لي أن أركبه واسيره واذلله ؟ قال : أنت ؟ ! قال : نعم . قال :

لماذا ؟ قال : لاني قد استوثقت منه قبل أن أركبه بأن صليت على محمد وآله

الطيبين الطاهرين مائة ـ مرة ـ ، وجددت على نفسي الولاية لكم أهل البيت .

قال : اركبه ، فركبه ، فقال : سيره . فسيره .

وما زال يسيره ويعديه حتى أتعبه وكده ، فنادى الفرس : يا بن رسول الله قد

آلمني منذ اليوم ، فاعفني منه ، وإلا فصبرني تحته .

ـ ف ـ قال الصبي : سل ما هو خير لك " أن يصبرك تحت مؤمن " .

قال الرضا عليه السلام : صدق ـ فقال : ـ اللهم صبره . فلان الفرس وسار ، فلما نزل

الصبي قال : سل من دواب داري وعبيدها وجواربها ومن أموال خزائني ما شئت

فانك مؤمن قد شهرك الله تعالى بالايمان في الدنيا .

قال الصبي : يابن رسول الله ـ صلى الله عليك وآلك ـ وأسأل ما أقترح ؟

قال : يافتى اقترح ، فان الله تعالى يوفقك لاقتراح الصواب .

فقال : سل لي ربك التقية الحسنة ، والمعرفة بحقوق الاخوان ، والعمل بما

أعرف من ذلك .

* ( هامش ) * ( 1 ) عنه الوسائل : 11 / 474 ح 9 ( قطعة ) وج 12 / 312 ح 3 باختصار ، والبحار : 75 / 415

ضمن ح 68 ، وحلية الابرار : 2 / 259 ، ومدينة المعاجز : 470 ح 129 .

2 ) راض المهر : ذلله وطوعه وعلمه السير ، فهو رائض ، وجمعه راضة ، ورواض ، وروض ، ورائضون .

3 ) شب الفرس : رفع يديه . ( * )

ـ324ـ

قال الرضا عليه السلام : قد أعطاك الله ذلك ، لقد سألت أفضل شعار الصالحين ودثارهم ( 1 )

171 - وقيل لمحمد بن على عليهما السلام : إن فلانا نقب في جواره على قوم ، فأخذوه

بالتهمة ، وضربوه خمسمائة ( 2 ) سوط .

قال محمد بن علي عليهما السلام : ذلك أسهل من مائة ألف ألف سوط في النار ، ـ نبه ـ

على التوبة حتى يكفر ذلك .

قيل : وكيف ذلك يابن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آلك ـ ؟

قال : إنه في غداة يومه الذي أصابه ما أصابه ضيع حق أخ مؤمن ، وجهر بشتم

أبي الفصيل ( 3 ) وأبي الدواهي وأبي الشرور وأبي الملاهي ، وترك التقية ، ولم يستر

على إخوانه ومخالطيه ، فاتهمهم عند المخالفين ، وعرضهم للعنهم وسبهم ومكروههم

وتعرض هو أيضا ، فهم الذين سووا ( 4 ) عليه البلية ، وقذفوه بهذه التهمة .

فوجهوا إليه وعرفوه ذنبه ليتوب ، ويتلافى ما فرط منه ، فان لم يفعل ، فليوطن

نفسه على ضرب خمسمائة سوط ـ وحبس ـ في مطبق لا يفرق ـ فيه ـ بين الليل والنهار .

فوجه إليه ، فتاب وقضى حق الاخ الذي كان قد قصر فيه ، فما فرغ من ذلك

حتى عثر باللص ، واخذ منه المال ، وخلى عنه ، وجاءه الوشاة يعتذرون إليه . ( 5 )

172 - وقيل لعلى بن محمد عليهما السلام : من أكمل الناس ـ في ـ خصال الخير ؟

قال : أعملهم بالتقية ، وأقضاهم لحقوق إخوانه . ( 6 )

* ( هامش ) * ( 1 ) عنه الوسائل : 11 / 474 ح 10 ( قطعة ) والبحار : 75 / 416 ضمن ح 68 ، ومدينة المعاجز :

487 ح 79 . 2 ) " مائة " س ، ط ، ق ، د ، والوسائل .

3 ) " الفضيل " بعض النسخ . تقدم بيانه ص 178 .

4 ) " بهتوا " أ ، ، ب ، ط . البهت والبهتان : الكذب والافتراء .

5 ) عنه الوسائل : 11 / 474 ح 11 ( قطعة ) والبحار : 75 / 416 ضمن ح 68 .

6 ) عنه الوسائل : 11 / 475 ح 12 ( وفيه : من أكمل الناس ؟ ) والبحار : 75 / 416 ذ ح 68 . ( * )

ـ325ـ

ـ التواضع ، وفضل خدمة الضيف ـ

173 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : أعرف الناس بحقوق إخوانه ، وأشدهم

قضاء لها ، أعظمهم عند الله شأنا ، ومن تواضع في الدنيا لاخوانه فهو عند الله من

الصديقين ، ومن شيعة على بن أبي طالب عليه السلام حقا .

ولقد ورد على أمير المؤمنين عليه السلام أخوان له مؤمنان : أب وابن ، فقام إليهما

وأكرمهما ، وأجلسهما في صدر مجلسه ، وجلس بين أيديهما ، ثم أمر بطعام ، فاحضر

فأكلا منه ، ثم جاء قنبر بطست ، وإبريق ـ من ـ خشب ، ومنديل لليبس ، وجاء ليصب

على يد الرجل ماءا .

فوثب أمير المؤمنين عليه السلام ، فأخذ الابريق ليصب على يد الرجل ، فتمرغ الرجل

في التراب وقال : يا أمير المؤمنين الله يراني ( 1 ) وأنت تصب الماء على يدي ؟

قال : اقعد ، واغسل يديك فان الله عزوجل يراك وأخاك ( 2 ) الذي لا يتميز منك

ولا يتفضل عنك ويزيد بذلك في خدمه في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا

وعلى حسب ذلك في ممالكه ( 3 ) فيها . فقعد الرجل .

فقال له علي عليه السلام : أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته وبجلته ، وتواضعك

لله حتى جازاك عنه بأن ندبني لما شرفك به ( 4 ) من خدمتي لك لما غسلت مطمئنا كما

كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبرا . ففعل الرجل ـ ذلك ـ .

فلما فرغ ، ناول الابريق محمد بن الحنفية وقال : يا بني لو كان هذا الابن

حضرني دون أبيه لصببت ـ الماء ـ على يده ، ولكن الله عزوجل يأبي أن يسوى بين

ابن وأبيه إذا جمعهما مكان ، لكن قد صب الاب على الاب ، فليصب الابن على

* ( هامش ) * ( 1 ) " لا يرانى الله " أ . 2 ) " يرانى أخاك " المناقب والحلية .

3 ) " مماليكه " البحار . 4 ) " بما أشرفك " أ . ( * )

ـ326ـ

الابن . فصب محمد بن الحنفية على الابن .

قال الحسن بن على عليهما السلام : فمن أتبع عليا عليه السلام على ذلك فهو الشيعي حقا . ( 1 )

قوله عزوجل : " واذ أخذنا ميثاق بنى اسرائيل لا تعبدون الا الله و

بالوالدين احسانا وذى القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا

وأقيموا الصلاة وآتوا الزكوة ثم توليتم الا قليلا منكم وأنتم معرضون " : 83 .

174 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل لبني إسرائيل : واذكروا ( إذ أخذنا

ميثاق بني إسرائيل ) عهدهم المؤكد عليهم ( لا تعبدون إلا الله ) :

أي ( 2 ) لا يشبهوه ( 3 ) بخلقه ، ولا يجوروه ( 4 ) في حكمه ، ولا يعملوا ما يراد به

ـ وجهه يريدون به ـ وجه غيره .

( وبالوالدين إحسانا ) وأخذنا ميثاقهم بأن يعملوا بوالديهم إحسانا ، مكافاة

على إنعمامهما عليهم ، وإحسانهما إليهم ، واحتمال المكروه الغليظ فيهم لترفيههم وتوديعهم

( وذي القربى ) قرابات الوالدين بأن يحسنوا إليهم لكرامة الوالدين .

( واليتامى ) أي : وأن يحسنوا إلى اليتامى الذين فقدوا آباءهم الكافلين ( 5 ) لهم

أمورهم ، السايقين إليهم غذاءهم وقوتهم ، المصلحين لهم معاشهم .

* ( هامش ) * 1 ) عنه تنبيه الخواطر : 2 / 107 ، وعنه في البحار : 75 / 117 ح 1 وعن الاحتجاج : 2

/ 267 ( باسناده إلى أبى محمد العسكرى عليه السلام ) . وأورده في مناقب آل أبى طالب

لابن شهر اشوب : 2 / 105 ، وحلية الابرار : 1 / 367 مرسلا عن الحسن العسكرى عليه السلام .

2 ) زاد في بعض النسخ : أن لا تعبدوا الا الله ، أى .

3 ) " تشبهوه " ب ، س ، ص ، ط ، والبحار ، والبرهان . وكذا ما بعدها بصيغة المخاطب .

4 ) " يجوزوه " أ . 5 ) " الكافين " أ ، ق ، د . ( * )

ـ327ـ

( وقولوا للناس ) الذين لا مؤونة لهم عليكم ( 1 ) ( حسنا ) عاملوهم بخلق جميل .

( وأقيموا الصلاة ) الخمس ، وأقيموا أيضا الصلاة على محمد وآل محمد

الطيبين عند أحوال غضبكم ورضاكم ، وشدتكم ورخاكم ، وهمومكم المعلقة ( 2 ) لقلوبكم

( ثم توليتم ) أيها اليهود عن الوفاء بما قد نقل إليكم من العهد الذي أداه

أسلافكم إليكم ( وأنتم معرضون ) عن ذلك العهد ، تاركين له ، غافلين عنه . ( 3 )

175 - قال الامام عليه السلام : أما قوله تعالى ( لا تعبدون إلا الله ) فان رسول الله

صلى الله عليه وآله قال : من شغلته عبادة الله عن مسألته ، أعطاه الله أفضل ما يعطي السائلين . ( 4 )

176 - وقال على عليه السلام : قال الله عزوجل من فوق عرشه : " يا عبادي اعبدوني

فيما أمرتكم به ولا تعلموني ما يصلحكم ، فاني أعلم به ، ولا أبخل عليكم بمصالحكم " ( 5 )

177 - وقالت فاطمة صلوات الله عليها : من أصعد إلى الله خالص عبادته ، أهبط

الله ـ إليه ـ أفضل مصلحته . ( 6 )

178 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : من عبدالله عبدالله له كل شئ . ( 7 )

179 - وقال الحسين بن على عليهما السلام : من عبدالله حق عبادته آتاه الله فوق

أمانيه وكفايته . ( 8 )

* ( هامش ) * 1 ) " لكم عليهم " البحار . 2 ) " المغلقة " ب ، ط . وفى التأويل : بقلوبكم بدل

" لقلوبكم " .

3 ) عنه البحار : 71 / 183 صدر ح 44 ، والبرهان : 1 / 120 ح 1 ، وتأويل الايات :

1 / 75 ح 51 ( قطعة ) .

4 ) عنه البحار : 71 / 184 ضمن ح 44 ، والبرهان : 1 / 121 ح 12 ، ومستدرك الوسائل :

1 / 384 ح 3 . 5 ) عنه البحار والبرهان المتقدمين .

6 ) عنه البحار : 71 / 184 ضمن ح 44 ، وأورده في تنبيه الخواطر : 2 / 108 مرسلا ، وفى

عدة الداعى : 218 ، عنه البحار : 70 / 249 ضمن ح 26 .

7 و 8 ) عنه البحار : 71 / 184 ذ ح 44 . ( * )

ـ328ـ

180 - وقال على بن الحسين بن علي عليه السلام : إنى أكره أن أعبدالله لا غرض لي

إلا ثوابه ، فأكون كالعبد الطمع المطيع ( 1 ) ، إن طمع عمل وإلا لم يعمل .

وأكره أن أعبده ـ لا غرض لي ـ إلا لخوف عقابه ، فأكون كالعبد السوء إن لم

يخف لم يعمل . قيل له : فلم تعبده ؟ قال : لما هو أهله بأياديه علي وإنعامه . ( 2 )

181 - وقال محمد بن على الباقر عليهما السلام : لا يكون العبد عابدا لله حق عبادته حتى

ينقطع عن الخلق كلهم إليه ، فحينئذ يقول : هذا خالص لي . فيقبله بكرمه . ( 3 )

182 - وقال جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام : ما أنعم الله عزوجل على عبد

أجل من أن لا يكون في قلبه مع الله تعالى غيره . ( 4 )

183 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : أشرف الاعمال التقرب بعبادة الله تعالى ـ إليه ـ . ( 5 )

184 - وقال على بن موسى الرضا عليهما السلام ـ في هذه الآية ـ ( إليه يصعد الكلم

الطيب ) : ـ فول ـ لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وعلي ولي الله ، وخليفة محمد

رسول الله حقا ، وخلفاؤه خلفاء الله ، و ( العمل الصالح يرفعه ) علمه في قلبه بأن هذا

ـ الكلام ـ صحيح كما قلته بلساني . ( 6 )

* ( هامش ) * 1 ) " المطمع " البحار والمستدرك . " الطامع " بدل " الطمع " ق ، د .

2 ) عنه البحار : 70 / 198 وص 210 ح 33 ، ومستدرك الوسائل : 1 / 10 ح 2

3 ) عنه البحار : 70 / 198 وص 211 ضمن ح 32 ، ومستدرك الوسائل : 1 / 10 ح 8

وأورده في تنبيه الخواطر : 2 / 108 مرسلا ، وفى عدة الداعى : 219 ، عنه البحار :

70 / 111 ضمن ح 14 .

4 ) نفس التخريجة السابقة : الا أنه أخرجه في البحار : 70 / 429 ضمن ح 26 عن عدة الداعي .

5 ) التخريجة السابقة باستثناء عدة الداعى .

6 ) عنه البحار : 70 / 198 وص 211 ضمن ح 33 . وأورده في تنبيه الخواطر : 2 / 108

وتأويل الايات : 2 / 479 ح 4 وفيه : والعمل الصالح يرفعه اليه ، فهو دليله وعمله

واعتقاده الذى في قلبه . والبحار : 24 / 358 ح 76 ، والبرهان : 3 / 358 ح 2 - < ( * )

ـ329ـ

185 - وقال أيضا عليه السلام : ملء ( 1 ) الارض من العباد المرائين لا يعدلون عند الله شيخا

ضئيلا زمنا ( 2 ) يخلص عبادته .

186 - وقال محمد بن على عليهما السلام : أفضل العبادة الاخلاص . ( 3 )

187 - وقال على بن محمد عليهما السلام : لو سلك الناس واديا وشعبا ( 4 ) لسلكت وادي

رجل عبدالله وحده خالصا مخلصا . ( 5 )

188 - وقال الحسن بن على ( 6 ) عليهما السلام : لوجعلت الدنيا كلها لقمة واحدة لقمتها من

يعبدالله خالصا لرأيت أني مقصر في حقه ، ولو منعت الكافر منها حتى يموت جوعا

وعطشا ، ثم أذقته شربة من الماء ( 7 ) لرأيت أني قد أسرفت . ( 8 )

ـ في أن الوالدين محمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام : ـ

وقال : ـ قال ـ الله عزوجل : ( وبالوالدين إحسانا ) .

* ( هامش ) * 1 ) > - مرسلا عنه عليه السلام . وروى القمى في تفسيره : 544 عن الصادق عليه السلام مثله ، وفيه

العمل الصالح الاعتقاد بالقلب ان هذا هو الحق من عند الله تعالى ، لا شك فيه من رب العالمين .

1 ) " مافى " ق ، د . 2 ) تقدم بيانه ، وهو من أصابته العاهة .

3 ) عنه البحار : 70 / 245 صدر ح 20 ، وأورده في تنبيه الخواطر : 2 / 109 مرسلا

وفى عدة الداعى : 219 ، عنه البحار : 70 / 249 ضمن ح 36 .

4 ) " وسيعا " عدة الداعى .

5 ) نفس التخريجة السابقة ، الا أنه أخرجه في البحار : 70 / 112 ذ ح 14 عن عدة الداعى .

6 ) لا ريب أن هذا القول من الامام عليه السلام ، والا فالمملى عليه يقول قال الامام

وانما صرح بالاسم لوحدة السياق مع ما قبلها . وسيأتى مثل ذلك .

7 ) " الدنيا " أ ، ب ، س ، ط ، ق ، د .

8 ) اضافة للتخريجة السابقة ، عنه مستدرك الوسائل : 3 / 85 ح 5 ذيله ، وص 88 ح 6 صدره

وأخرجه في البحار : 70 / 250 ضمن ح 26 عن عدة الداعى . ( * )

ـ330ـ

189 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أفضل والديكم وأحقهما لشكركم محمد وعلي . ( 1 )

190 - وقال على بن أبي طالب عليه السلام : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول :

أنا وعلي أبوا هذه الامة ، ولحقنا عليهم أعظم من حق أبوي ولادتهم ، فانا

ننقذهم - إن أطاعونا - من النار إلى دار القرار ، ونلحقهم من العبودية بخيار الاحرار ( 2 ) . ( 3 )

191 - وقالت فاطمة عليها السلام : أبوا هذه ، الامة محمد وعلي ، يقيمان أودهم ( 4 )

وينقذانهم من العذاب الدائم إن أطاعوهما ، ويبيحانهم النعيم الدائم إن وافقوهما . ( 5 )

192 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : محمد وعلي أبوا هذه الامة ، فطوبى لمن

كان بحقهما عارفا ، ولهما في كل أحواله مطيعا ، يجعله الله من أفضل سكان جنانه

ويسعده بكراماته ورضوانه . ( 6 )

193 - وقال الحسين بن على عليهما السلام : من عرف حق أبويه الافضلين ( 7 ) : محمد

وعلي عليهما السلام ، وأطاعهما حق الطاعة قيل له : تبحبح في أي الجنان شئت . ( 8 )

194 - وقال على بن الحسين عليهما السلام : إن كان الابوان إنما عظم حقهما على

أولادهما لا حسانهما إليهم ، فاحسان محمد وعلي عليهما السلام إلى هذه الامة أجل وأعظم

فهما بأن يكونا أبويهم أحق . ( 9 )

195 - وقال محمد بن على الباقر عليهما السلام : من أراد أن يعرف ( 10 ) كيف قدره عند

* ( هامش ) * 1 و 3 ) عنه تأويل الايات : 1 / 74 صدر ح 47 ، والبحار : 23 / 259 صدر ح 8 ، وج 36 / 8

صدر ح 11 ، والبرهان : 1 / 121 صدر ح 13 ، وج 3 / 245 صدر ح 3 .

2 ) " الاخيار " س ، ص . 4 ) الاود : العوج .

5 ) عنه البحار : 23 / 259 ) ضمن ح 8 ، وج 36 / 9 ضمن ح 11 ، والبرهان : 3 / 245 ضمن ح 3 .

6 ) التخريجة السابقة . 7 ) " الافضل " نسخ الاصل : والبرهان . وكذا ما يأتى .

8 و 9 ) التخريجة السابقة .

10 ) " يعلم " أ ، س ، والبرهان . كل معرفة علم وليس كل علم معرفة . ( * )

ـ331ـ

الله ، فلينظر كيف تدر أبويه الافضل عنده محمد وعلي عليهما السلام . ( 1 )

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 331 سطر 1 الى ص 340 سطر 23

الله ، فلينظر كيف تدر أبويه الافضل عنده محمد وعلي عليهما السلام . ( 1 )

196 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : من رعى حق أبويه الافضلين : محمد وعلي

عليهما السلام : لم يضره ما أضاع من حق أبوي نفسه وسائر عباد الله ، فانها صلوات الله عليهما

يرضيانهم بسعيهما . ( 2 )

197 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : لعظم ( 3 ) ثواب الصلاة على قدر تعظيم

المصلي أبويه الافضلين : محمد وعلي عليهما السلام . ( 4 )

198 - وقال على بن موسى الرضا عليهما السلام : أما يكره أحدكم أن ينفى عن أبيه

وأمه الذين ولداه ؟ قالوا : بلى والله .

قال : فليجتهد ( 5 ) أن لا ينفى عن أبيه وأمه ( 6 ) الذين هما أبواه ( 7 ) أفضل من أبوي نفسه ( 8 )

* ( هامش ) * 1 و 2 ) التخريجة السابقة . 3 ) " يعظم " س ، ق ، د ، البحار ، والبرهان .

4 ) التخريجة السابقة . 5 ) " فليجهد " أ .

6 ) لا ريب أن الاب والام سببان للولادة ، ويطلق عليهما " الابوان والوالدان " ولكن مما

يؤسف له أن بعض من يدعى البراعة في الادب أو التحقيق تحدد والتزم بمعناهما الضيق

الفج ، ولا ندرى أتغافل أم غفل عما ينطويان عليه من معنى واسع ليؤول ويفسر هذا الحديث

بما تشتهى نفسه ! أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله . . ! !

قال الراغب الاصفهانى في المفردات : 7 : الاب : الوالد ، ويسمى كل من كان سببا في

ايجاد شئ أو اصلاحه أو ظهوره أبا ، ولذلك سمى النبى صلى الله عليه وآله أبا

المؤمنين قال الله تعالى : " النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم " الاحزاب : 6 .

وروى أنه صلى الله عليه وآله قال لعلى عليه السلام : " أنا وأنت أبوا هذه الامة " .

وقيل : أبوالاضياف لتفقد اياهم ، وأبوالحرب : لمهيجها ، وسمى العم مع الاب : أبوين

وكذلك الام مع الاب ، وكذلك الجد مع الاب ، وسمى معلم الانسان : أباه . .

وقال في ص 22 : يقال للرئيس : ام الجيش ، وقيل لمكة " ام القرى " وذلك لما روى

أن الارض دحيت من تحتها ، وقيل لفاتحة الكتاب " ام الكتاب " لكونها مبدأ الكتاب .

أقول : من المتواتر عند الفريقين أنه صلى الله عليه وآله قال : " أنا وعلى أبوا هذه الامة " فمضافا - < ( * )

ـ332ـ

199 - وقال محمد بن على ـ بن موسى ـ عليهم السلام حتى قال رجل بحضرته : إني

لاحب محمدا وعليا حتى لو قطعت إربا إربا ، أو قرضت لم أزل عنه . قال محمد

ابن علي عليهما السلام :

لاجرم إن محمدا وعليا يعطيانك ( 1 ) من أنفسهما ما تعطيهما ـ أنت ـ من نفسك

إنهما ليستدعيان لك في يوم فصل القضاء ما لا يفي ما بذلته لهما بجزء من مائة ألف

ألفت جزء من ذلك . ( 2 )

200 - وقال على بن محمد عليهما السلام : من لم يكن والدا دينه محمد وعلي عليهما السلام

أكرم عليه من ولدي نسبه ( 3 ) ، فليس من الله في حل ولا حرام ، ولا كثير ولا قليل . ( 4 )

* ( هامش ) * 1 ) > - إلى أنهما الاخوان مؤاخاة دينية خاصة كما صرحا بذلك صلوات الله عليهما في أكثر من

حديث متواتر ، هما السببان الوحيدان في احياء الامة وهدايتها ، فكانا بحق سببان لولادة

عصر جديد صدح بالحق وعبق بالطيب .

فكما أن النبى صلى الله عليه وآله تلقى الكتاب والايمان من لدنه تعالى وكان رسولا

إلى الامة جمعيا ، فكذلك على عليه السلام امام من الله إلى الامة ، وخليفة لرسول الله صلى

الله عليه وآله ، واورث الكتاب لتهوى اليه أفئدة من الناس في منافعهم ومعارفهم .

فهو مخزن علم رسول الله صلى الله عليه وآله وينبوعه ، وباب مدينة حكمته ، وكلمته الباقية .

قال على عليه السلام : حدثنى رسول الله صلى الله عليه وآله ألف حديث ـ باب ـ كل حديث

ـ باب ـ يفتح ألف باب ( انظر بصائر الدرجات : 314 ح 2 و 5 ) .

بل هو الامام وأبوالائمة ، من صلبه خرجت الانوار حتى استكملت اثنا عشر اماما بعدد

نقباء بنى اسرائيل ، بهم وجد الخلق ، وبهم يبقى ، ولو لا هم لساخت الارض بأهلها .

وهو الامام ( من الام - بالهمزة المفتوحة والميم المشددة - : القصد ) الذى تقصده

القلوب لتقتدى بقوله وفعله وتأتم به ، وتهوى اليه الافئدة كما قال تعالى : " فاجعل أفئدة من

الناس تهوى اليهم " ابراهيم : 37

7 ) " محمد وعلى " أ . 8 ) التخريجة السابقة .

1 ) " معطياك " ق ود . 2 و 4 ) التخريجة السابقة . 3 ) " نفسه " أ ، ب ، س ، ط . ( * )

ـ333ـ

201 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : من آثر طاعة أبوي دينه : محمد وعلي عليهما السلام

على طاعة أبوي نسبه ( 1 ) . قال الله عزوجل له : لاؤثرنك كما آثرتني ( 2 ) ولا شرفنك

بحضرة أبوي دينك ، كما شرفت نفسك بايثار حبهما على حب أبوي نسبك ( 3 ) . ( 4 )

وأما قوله عزوجل ( 5 ) : ( وذي القربى )

فهم من قراباتك من أبيك وأمك ، قيل لك ( 6 ) : اعرف حقهم كما أخذ العهد

به على بني إسرائيل ، وأخذ عليكم معاشر أمة محمد صلى الله عليه وآله بمعرفة حق قرابات

محمد صلى الله عليه وآله الذين هم الائمة بعده ، ومن يليهم بعد ( 7 ) من خيار أهل دينهم . ( 8 )

ـ الحث على رعاية حق قرابات أبوى الدين : ـ

202 - قال الامام عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من رعى حق قرابات أبويه أعطي

في الجنة ألف ( 9 ) درجة ، بعد ما بين كل درجتين حضر ( 10 ) الفرس الجواد المحضير ( 11 )

* ( هامش ) * 1 ) " نفسه " أ . 2 ) " آثرتهما " ط .

3 ) " نفسك " أ . 4 ) التخريجة السابقة .

5 ) زاد قبلها في " ط " قال على عليه السلام ، وفى التأويل بلفظ : وقال عليه السلام في قوله

تعالى . وهو أظهر .

6 ) " لكم " ب ، ط ، " لهم " ص ، وفيها : اعرفوا . 7 ) " بعدهم " ب ، ط .

8 ) عنه تأويل الايات : 1 / 74 ضمن ح 47 ، والبحار : 23 / 261 ضمن ح 8 ، وج 36 / 10

ذ ح 11 ، وج 74 / 90 صدر ح 8 ، والبرهان : 1 / 121 ضمن ح 13 ، ومستدرك الوسائل :

2 / 641 صدر ح 34 ( قطعة ) .

9 ) " ألف ألف " التأويل والبحار : 74 .

10 ) بالضم : العدو . وأحضر الفرس : عدا شديدا .

11 ) " المضمر " ب ، ط ، س ، ص ، ق ، د ، والبحار : 23 . المحضير : الشديد الركض .

وتضمير الخيل : هو أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف الا قوتا . ( * )

ـ334ـ

مائة ( 1 ) سنة ، إحدى الدرجات من فضة ، والاخرى من ذهب ، والاخرى من لؤلؤ

والاخرى من زمرد ، والاخرى من زبرجد ، والاخرى من مسك ، والاخرى من عنبر

والاخرى من كافور ، فتلك الدرجات من هذه الاصناف .

ومن رعى حق قربى محمد وعلي عليهما السلام أوتي من فضائل الدرجات وزيادة

المثوبات على قدر زيادة فضل محمد وعلي عليهما السلام على أبوي نفسه ( 2 ) . ( 3 )

203 - وقالت فاطمة عليها السلام لبعض النساء : أرضي أبوي دينك محمدا وعليا

بسخط أبوي نسبك ( 4 ) ولا ترضي أبوي نسبك بسخط أبوي دينك . فان أبوي نسبك

إن سخطا أرضاهما محمد وعلي عليهما السلام بثواب جزء من ألف ألف جزء من ساعة

من طاعاتهما .

وإن أبوي دينك ـ محمدا وعليا ـ إن سخطا لم يقدر أبوا نسبك أن يرضياهما

لان ثواب طاعات أهل الدنيا كلهم لا يفي بسخطهما . ( 5 )

204 - وقال الحسن ( 6 ) بن على عليهما السلام : عليك بالاحسان إلى قرابات أبوي

دينك : محمد وعلي ، وإن أضعت قرابات أبوي نسبك ، وإياك وإضاعة قرابات

أبوي دينك : ( 7 ) بتلافى قرابات أبوي نسبك ، فان شكر هؤلاء إلى أبوي دينك :

محمد وعلي عليهما السلام أثمر لك من شكر هؤلاء إلى أبوي نسبك ، إن قرابات أبوي

دينك إذا شكروك عندهما - بأقل قليل نظرهما لك - يحط عنك ذنوبك ولو كانت

* ( هامش ) * 1 ) " مائة ألف " أ ، ب ، ط . 2 ) " نسبه " ص ، ق ، د ، البحار ، والمستدرك .

3 ) عنه تأويل الايات : 1 / 74 ذ ح 47 ، والبحار : 8 / 179 صدر ح 137 ، ج 23 / 261

ضن ح 8 ، وج 74 / 90 ذ ح 8 ، والبرهان : 1 / 121 ذ ح 13 ، ومستدرك الوسائل :

2 / 401 ح 10 ، وص 641 ذ ح 34 .

4 ) " نفسك " أ ، وكذا بعدها . 5 ) عنه البحار : 23 / 261 ضمن ح 8 .

6 ) " الحسين " خ ل المستدرك .

7 ) " محمد وعلى فانه " أ . ( * )

ـ335ـ

ملء مابين الثرى إلى العرش .

وإن قرابات أبوي نسبك إن شكروك عندهما ، وقد ضيعت قرابات أبوي دينك

لم يغنيا عنك فتيلا ( 1 ) .

205 - وقال على بن الحسين عليهما السلام : حق قرابات أبوي دينتا : محمد وعلي

وأوليائهما أحق من قرابات أبوي نسبنا ، إن أبوي ديننا يرضيان عنا أبوي نسبنا

وأبوي نسبنا لا يقدران أن يرضيا عنا أبوي ديننا : محمد وعلي عليهما السلام .

206 - وقال محمد بن على عليهما السلام : من كان أبوا دينه : محمد وعلي عليهما السلام آثر

لديه ، وقراباتهما أكرم ـ عليه ـ من أبوي نسبه ( 2 ) وقراباتهما قال الله تعالى ـ له ـ :

فضلت الافضل ، لاجعلنك الافضل ، وأثرت الاولى بالايثار ، لاجعلنك بدار

قراري ، ومنادمة ( 3 ) أوليائي أولى .

207 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : من ضاق عن قضاء حق قرابة أبوي دينه

وأبوي نسبه ، وقدح كل واحد منهما في الآخر ، فقدم قرابة أبوي دينه على قرابة

أبوي نسبه . قال الله عزوجل يوم القيامة :

كما قدم قرابة أبوي دينه فقدموه إلى جناني ، فيزداد فوق ماكان أعد له من

الدرجات ألف ألف ضعفها .

208 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام وقد قيل له : إن فلانا كان له ألف درهم

عرضت عليه بضاعتان يشتريهما ( 4 ) لاتتسع بضاعته لهما ، فقال : أيهما أربح ـ لي ـ ؟

فقيل له : هذا يفضل ربحه على هذا بألف ضعف .

* ( هامش ) * 1 ) الفتيل : ما يكون في شق النواة ( النهاية 3 / 409 ) .

2 ) " نفسه " أ ، ب ، ط .

3 ) " مناديه " أ . ندا ( يندو ندوا ) القوم : اجتمعوا وحضروا النادى . والنديم : الرفيق والصاحب .

4 ) " يشتهيهما " س ، ص ، ق ، د ، البحار ، والمستدرك . ( * )

ـ336ـ

قال عليه السلام : أليس يلزمه في عقله أن يؤثر الافضل ؟ قالوا : بلى .

قال : فهكذا إيثار قرابة أبوي دينه ( 1 ) : محمد وعلي عليهما السلام ، أفضل ثوابا بأكثر ( 2 ) من

ذلك ، لان فضله على قدر فضل محمد وعلي على أبوي نسبه .

209 - وقيل للرضا عليه السلام : ألا نخبرك بالخاسر المتخلف ؟ قال : من هو ؟

قالوا : فلان باع دنانيره بدراهم أخذها ، فرد ماله من عشرة آلاف دينار ، إلى عشرة

آلاف درهم .

قال عليه السلام : بدرة ( 3 ) باعها بألف درهم ، ألم يكن أعظم تخلفا وحسرة ؟ قالوا : بلى .

قال : ألا أنبئكم بأعظم من هذا تخلفا وحسرة ؟ قالوا : بلى .

قال : أرأيتم لو كان له ألف جبل من ذهب باعها بألف حبة من زيف ، ألم يكن

أعظم تخلفا وأعظم من هذا حسرة ؟ قالوا : بلى .

قال : أفلا أنبئكم بمن هو أشد من هذا تخلفا ، وأعظم من هذا حسرة ؟ قالوا : بلى .

قال : من آثر في البر والمعروف ـ قرابة أبوي نسبه ـ على قرابة أبوي دينه :

محمد وعلي عليهما السلام لان فضل قرابات محمد وعلي أبوي دينه على قرابات ـ أبوي ـ

نسبه أفضل من فضل ألف جبل ـ من ـ ذهب على ألف حبة زائف .

210 - وقال محمد بن على الرضا عليهما السلام : من اختار قرابات أبوي دينه : محمد

وعلي عليهما السلام على قرابات أبوي نسبه اختاره الله تعالى على رؤوس الاشهاد يوم التناد ( 4 )

وشهره بخلع كراماته ، وشرفه بها على العباد إلا من ساواه في فضائله أو فضله ( 5 ) .

211 - وقال على بن محمد عليهما السلام : إن من إعظام جلال الله إيثار قرابة أبوي دينك :

محمد وعلي عليهما السلام على قرابة ( 6 ) أبوي نسبك ، وإن من التهاون بجلال الله إيثار قرابة

* ( هامش ) * 1 ) " دينك " أكثر النسخ ، والبحار والمستدرك . 2 ) " بافضل " أ .

3 ) البدرة : عشرة ألاف درهم . 4 ) " القيامة " ص .

5 ) " وافضاله " خ ل ، ط . 6 ) " قرابات " خ ل ، والمستدرك . ( * )

ـ337ـ

أبوي نسبك على قرابة أبوي دينك : محمد وعلي عليهما السلام .

212 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : إن رجلا جاع عياله ، فخرج يبغي لهم ما

يأكلون ، فكسب درهما ، فاشترى به خبزا وإداما ( 1 ) ، فمر برجل وامرأة من قرابات

محمد وعلي عليهما السلام فوجدهما جائعين .

فقال : هؤلاء أحق من قراباتي . فأعطاهما إياه ، ولم يدر بماذا يحتج في منزله

فعل يمشي رويدا يتفكر فيما يعتل ( 2 ) به عندهم ويقول لهم ما فعل بالدرهم ، إذ لم

يجئهم بشئ .

فبينا هو متحير في طريقه إذا بفيج يطلبه ( 3 ) ، فدل عليه ، فأوصل إليه كتابا من

مصر ، وخمسمائة دينار في صرة ، وقال : هذه بقية ـ مالك ـ حملته إليك من مال ابن

عمك ، مات بمصر ، وخلف مائة ألف دينار على تجار مكة والمدينة ، وعقارا

كثيرا ، ومالا بمصر بأضعاف ذلك .

فأخذ الخمسمائة دينار ووسع على عياله ، ونام ليلته . فرأى رسول الله صلى الله عليه وآله

وعليا عليه السلام ، فقالا له : كيف ترى إغناءنا لك لما آثرت قرابتنا على قرابتك ؟

ـ ثم ـ لم يبق بالمدينة ولا بمكة ممن عليه شئ من المائة ألف دينار إلا أتاه محمد

وعلي في منامه وقالا له : إما بكرت بالغداة على فلان بحقه من ميرات ابن عمه

وإلا بكرنا عليك بهلاكك واصطلامك : وإزالة نعمك ، وإبانتك من حشمك ( 4 ) .

فأصبحوا كلهم وحملوا إلى الرجل ما عليهم حتى حصل عنده مائة ألف دينار

وما ترك أحد بمصر ممن له عنده مال إلا وأتاه محمد وعلي عليهما السلام في منامه ، وأمراه

هامش . . . 1 ) " أدما " أ . الادام - بالكسر - والادم : ما يؤكل مع الخبز .

2 " يتعذر " ب ، ط .

3 ) " بنعيج ويطلبه " أ نعجت الناقة : أسرعت . وتقدم معنى الفيج .

4 ) الحشم : خدم الرجل . قال ابن السكيت : هى كلمة بمعنى الجمع . ( * )

ـ338ـ

أمر تهدد بتعجيل مال الرجل أسرع ما يقدر عليه .

وأتى محمد وعلي عليهما السلام هذا المؤثر لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه فقالا له :

كيف رأيت صنع الله لك ؟ قد أمرنا من في مصر أن يعجل إليك مالك ، أفنأمر

حاكمها بأن يبيع عقارك وأملاكك ويسفتج ( 1 ) إليك بأثمانها لتشترى بدلها من المدينة ؟

قال : بلى .

فأتى محمد وعلي عليهما السلام حاكم مصر في منامه فأمراه أن يبيع عقاره ، والسفتجة ( 2 )

بثمنه إليه ، فحمل إليه من تلك الاثمان ثلاثمائة ألف دينار ، فصار أغنى من بالمدينة .

ثم أتاه رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : يا عبدالله هذا جزاؤك في الدنيا على إيثار قرابتي

على قرابتك ، ولا عطينك في الآخرة بدل كل حبة من هذا المال في الجنة ألف

قصر أصغرها أكبر من الدنيا ، مغرز إبرة منها خير من الدنيا ومافيها . ( 3 )

213 - وقال الامام عليه السلام : وأما قوله عزوجل : ( واليتامى ) فان رسول الله صلى الله عليه وآله

قال : حث الله عزوجل على بر اليتامى لانقطاعهم عن آبائهم .

فمن صانهم صانه الله ، ومن أكرمهم أكرمه الله ، ومن مسح يده برأس يتيم رفقا

به جعل الله له في الجنة بكل شعرة مرت تحت يده قصرا أوسع من الدنيا بما فيها

وفيها ما تشتهي الانفس وتلذ الاعين ، وهم فيها خالدون . ( 4 )

* ( هامش ) * 1 ) " يستفتح " أ ، س ، ص ، ق ، د . " يستفتج " ب . سفتجه : عامله بالسفتجة ، وهى أن تعطى

مالا لرجل ، فيعطيك خطا يمكنك من استرداد ذلك المال من عميل له في مكان آخر .

2 ) " استفتحه " أ .

3 ) الاحايث من ( 210 - 218 ) عنها البحار : 23 / 262 - 265 ضمن ح 8 ، ومستدرك

الوسائل : 2 / 401 ح 11 - 19 .

4 ) عنه منية المريد : 31 ، والمحجة البيضاء : 1 / 29 ، والبحار : 8 / 179 ضمن ح 137 ، وج

75 / 12 ح 44 ، والبرهان : 1 / 122 ح 14 . ( * )

ـ339ـ

ـ في أن اليتيم الحقيقى هو المنقطع عن الامام عليه السلام : ـ

214 - وقال الامام عليه السلام : وأشد من يتم هذا اليتيم ، يتيم ـ ينقطع ـ عن إمامه

لا يقدر على الوصول إليه ، ولا يدرى كيف حكمه فيما يبتلي به من شرايع دينه .

ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا ، وهذا ( 1 ) الجاهل بشريعتنا المنقطع عن

مشاهدتنا يتيم ( 1 ) في حجره ، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الاعلى .

حدثني بذلك أبي ، عن آبائه ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله . ( 3 )

215 - وقال على بن أبي طالب عليه السلام : من كان من شعيتنا عالما بشريعتنا ، وأخرج

ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه ـ به ـ جاء يوم القيامة وعلى

رأسه تاج من نور يضئ لاهل جميع تلك العرصات ، و ـ عليه ـ حلة لا يقوم لاقل

سلك منها الدنيا بحذافيرها .

ثم ينادي مناد ـ من عند الله ـ : يا عباد الله هذا عالم من بعض تلامذة آل محمد

ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فيلتشبث بنوره ، ليخرجه من حيرة ظلمة

هذه العرصات إلى نزه الجنان .

فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيرا ، أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا ، أو

أوضح له عن شبهة . ( 4 )

* ( هامش ) * 1 ) " فهدى " منية المريد . 2 ) " كان كمن أخذ يتيما " منية المريد .

3 ) عنه تأويل الايات : 1 / 74 ح 48 ، ومنية المريد : 31 ، والمحجة البيضاء : 1 / 29 والبرهان .

1 / 122 ح 15 ، وعنه في البحار : 2 / 2 ح 1 وعن الاحتجاج 1 / 5 باسناده عن الحسن

ابن على العسكرى ، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله

وأخرجه في عوالى اللئالى : 1 / 16 ح 1 عن الاحتجاج .

4 ) عنه منية المريد : 31 ، والمحجة البيضاء : 1 / 29 ، عنه في البحار : 2 / 2 ح 2 وعن الاحتجاج :

1 / 7 باسناده عن الحسن العسكرى عليه السلام ، عنه عليه السلام

وأخرجه في عوال اللئالى : 1 / 17 ح 2 عن الاحتجاج . ( * )

ـ340ـ

216 - قال عليه السلام : وحضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت :

إن لي والدة ضعيفة ، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شئ ، وقد بعثتنى إليك أسألك .

فأجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك ، ثم ثنت ( 1 ) ، فأجابت ، ثم ثلثت ـ فأجابت ـ

إلى أن عشرت فأجابت ، ثم خجلت من الكثرة ، فقالت : لا أشق عليك يا بنت رسول الله .

قالت فاطمة عليها السلام : هاتي وسلي عما بدا لك ، أرأيت من أكترى يوما يصعد إلى

سطح بحمل ثقيل ، وكراؤه مائة ألف دينار ، أيثقل عليه ؟ فقالت : لا .

فقالت : أكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤا

فأحرى أن لا يثقل علي ، سمعت أبي ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله يقول :

إن علماء شيعتنا يحشرون ، فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة

علومهم ، وجدهم في إرشاد عباد الله ، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف

خلعة ( 2 ) من نور .

ثم ينادي منادي ربنا عزوجل : أيها الكافلون لايتام آل محمد ، الناعشون ( 3 )

لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمتهم ، هؤلاء تلامذتكم والايتام الذين

كفلتموهم ونعشتموهم فاخلعوا عليهم ـ كما خلعتموهم ـ ( 4 ) خلع العلوم في الدنيا .

فيخلعون على كل واحد من أولئك الايتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم

حتى أن فيهم - يعني في الايتام - لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة ( 5 ) وكذلك يخلع

هولاء الايتام على من تعلم منهم .

ثم إن الله تعالى يقول : أعيدوا على هولاء العلماء الكافلين للايتام حتى تتموا

* ( هامش ) * 1 ) أى سألتها ثانية .

2 ) " حلة " ب ، س ، ط ، د . الخلعة : الثوب الذى يعطى منحة .

3 ) نعشه : رفعه وأقامه ، تداركه بعد هلكة . 4 ) من البحار : 7 .

5 ) " حلة " أ . ( * )

ـ341ـ

لهم خلعهم ، وتضعفوها .

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 341 سطر 1 الى ص 350 سطر 23

لهم خلعهم ، وتضعفوها .

فيتم لهم ماكان لهم قبل أن يخلعوا عليهم ، ويضاعف لهم ، وكذلك من بمرتبتهم ( 1 )

ممن يخلع عليه على مرتبتهم .

وقالت فاطمة عليها السلام : يا أمة الله إن سلكا من تلك الخلع لافضل مما طلعت عليه

الشمس ( 1 ) ألف ألف مرة ، وما فضل ( 3 ) فانه مشوب بالتنغيص ( 4 ) والكدر . ( 5 )

217 - قال الحسن بن على عليهما السلام : فضل كافل يتيم آل محمد ، المنقطع عن مواليه

الناشب في تيه ( 6 ) الجهل - يخرجه من جهله ، ويوضح له ما اشتبه عليه - على ـ فضل ـ

كافل يتيم يطعمه ويسقيه كفضل الشمس على السهى ( 7 ) . ( 8 )

218 - وقال الحسين بن على عليهما السلام : من كفل لنا يتيما قطعته عنا محنتنا ( 9 ) باستتارنا

فواساه من علومنا التى سقطت إليه حتى أرشده وهداه ، قال الله عزوجل له :

يا أيها العبد الكريم المواسي إني أولى بالكرم ( 10 ) اجعلوا له ياملائكتي في الجنان

* ( هامش ) * 1 ) " يليهم " البحار : 2 . وكذا التى تأتى . 2 ) أى الدنيا .

3 ) " أفضل " ب ، س ، ط . وأضاف في المحجة والمنية : ما طلعت عليه الشمس .

4 ) " بالتنقيص " أ . " بالتنقص " ب ، ص ، ط . " بالتنغيض " منية المريد .

تنغص العيش : تكدر . وتنغض الشئ : اهتز واضطرب ، تنقص الشئ : أخذ منه قليلا .

5 ) عنه منية المريد : 32 ، والمحجة البيضاء : 1 / 30 ، والبحار : 2 / 3 ح 3 ، وج 7 / 224

ضمن ح 143 .

6 ) أى الواقع فيما لا مخلص منه . وفى " أ " التائية بدل " الناشب " .

7 ) كوكب خفى من بنات نعش الصغرى .

8 ) عنه منية المريد : 33 ، والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، وعنه في البحار : 2 / 3 ح 4 ، وعن

الاحتجاج : 1 / 7 .

9 ) " محبتنا " خ ل ، ط ، والبحار : 2 . " صحبتنا " أ . " غيبتنا و " البحار : 8 .

قال المجلسى ( ره ) : أى كان سبب قطعه عنا أنا أحببنا الاستتار عنه لحكمة ، وفى بعض النسخ

" محنتنا " بالنون وهو أظهر . 10 ) " بهذا الكرم " أ ، س ، البحار : 8 . ( * )

ـ342ـ

بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر ، وضموا إليها ما يليق بها من سائر النعم . ( 1 )

219 - وقال على بن الحسين عليهما السلام : أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام حببني إلى

خلقي ، وحبب خلقي إلي . قال : يا رب كيف أفعل ؟

قال : ذكرهم آلائي ونعمائي ليحبوني ، فلئن ترد آبقا عن بابي ، أوضالا عن

فنائي ، أفضل لك من عبادة مائة ( 2 ) سنة بصيام نهارها وقيام ليلها .

قال موسى عليه السلام : ومن هذا العبد الآبق منك ؟

قال : العاصي المتمرد . قال : فمن الضال عن فنائك ؟

قال : الجاهل بامام زمانه تعرفه ، والغائب عنه بعدما عرفه ، الجاهل بشريعة دينه

تعرفه شريعته ، وما يعبد به ربه ، ويتوصل ( 2 ) ـ به ـ إلى مرضاته .

قال على عليه السلام : فابشروا معاشر علماء شيعتنا بالثواب الاعظم ، والجزاء ( 4 ) الاوفر . ( 5 )

220 - وقال محمد بن على عليهما السلام : العالم كمن معه شمعة تضئ للناس ، فكل من

أبصر بشمعته دعا له بخير ، كذلك العالم معه شمعة تزيل ظلمة الجهل والحيرة .

فكل من أضاءت له فخرج بها من حيرة أونجى بها من جهل ، فهو من عتقائه من

النار ، والله يعوضه عن ذلك بكل شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل ـ له ـ من الصدقة بمائة

ألف قنطار على غير الوجه الذي أمر الله عزوجل به ، بل تلك الصدقة وبال على

صاحبها ، لكن يعطيه الله ماهو أفضل من مائة ألف ركعة بين يدي الكعبة . ( 6 )

* ( هامش ) * 1 ) عنه منية المريد : 33 ، والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، والبحار : 8 / 180 ضمن ح 137 .

وعنه في البحار : 2 / 4 ح 5 وعن الاحتجاج : 1 8 .

2 ) " ألف " أ . " مائة ألف " ط . 3 ) " يتوسل " س ، ط ، ق ، د .

4 ) " الثراء " ب ، س ، ط .

5 ) عنه منية المريد : 33 ، والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، والبحار : 2 / 4 ح 6 .

6 ) عنه منية المريد : 33 ، والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، وعنه في البحار : 2 / 4 ح 7 وعن

الاحتجاج : 1 / 8 . ( * )

ـ343ـ

221 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : ـ علماء ـ شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي

إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا ، وعن أن يتسلط عليهم

إبليس وشيعته النواصب .

ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ( 1 )

ألف ألف مرة ، لانه يدفع عن أديان محبينا ، وذلك يدفع عن أبدانهم . ( 2 )

222 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين

عنا وعن ( 3 ) مشاهدتنا بتعليم ماهو محتاج إليه ، أشد على إبليس من ألف عابد .

لان العابد همه ذات نفسه فقط ، وهذا همه مع ذات نفسه ذات عباد الله وإمائه

لينقذهم من يد إبليس ومردته . ولذلك هو أفضل عند الله من ( 4 ) ألف ألف عابد . ( 5 )

* ( هامش ) * > - قال المجلسى ( ره ) : لعله عليه السلام فضل تعليم العلم أولا على الصدقة بهذا المقدار

الكثير في غير مصرفه لدفع ما يتوهمه عامة الناس من فضل الظلمة الذين يعطون بالاموال

المحرمة العطايا الجزيلة على العلماء الباذلين للعلوم الحقة من يستحقه ، ثم استدرك

عليه السلام بأن تلك الصدقة وبال على صاحبها لكونها من الحرام ، فلا فضل لها حتى

يفضل عليها شئ ، ثم ذكر عليه السلام فضله في عمل له فضل جزيل ليظهر مقدار فضله

ورفعة قدره .

1 ) الخزر : جيل خزر العيون . وفى حديث حذيفة " كأنى بهم خنس الانوف ، خزر العيون "

والخزرة : انقلاب الحدقة نحو اللحاظ . لسان العرب : 4 / 236 لزيادة الاطلاع عليها

راجع معجم البلدان : 2 / 367 ففيه تفصيل ذلك .

2 ) عنه منية المريد : 34 ، والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، وعنه في البحار : 2 / 5 ح 8 وعن

الاحتجاج : 1 / 8 . 3 ) " من " أ .

4 ) " من ألف عابد و " س ، ص ، ق ، ومنية المريد .

وفى المحجة والاحتجاج بلفظ : من ألف ألف عابد وألف ألف عابدة .

5 ) عنه منية المريد : 34 . والمحجة البيضاء : 1 / 31 ، وعنه في البحار : 2 / 5 ح 9

وعن الاحتجاج : 1 / 8 . ( * )

ـ344ـ

223 - وقال على بن موسى الرضا عليهما السلام : يقال للعابد يوم القيامة : نعم الرجل كنت

همتك ذات نفسك ، وكفيت الناس مؤنتك ، فادخل الجنة .

ألا إن الفقيه من أفاض على الناس خيره ، وأنقذهم من أعدائهم ، ووفر عليهم

نعم جنان الله ، وحصل لهم رضوان الله تعالى .

ويقال للفقيه : يا أيها الكافل لايتام آل محمد ، الهادي لضعفاء محبيه ومواليه

قف حتى تشفع لكل من أخذ عنك أو تعلم منك .

فيقف ، فيدخل الجنة ومعه فئاما وفئاما ( 1 ) - حتى قال عشرا - وهم الذين أخذوا

عنه علومه ، وأخذوا عمن أخذ عنه إلى يوم القيامة ، فانظروا كم فرق ( 2 ) ما بين المنزلتين ؟ ! ( 3 )

224 - وقال محمد بن على عليهما السلام : إن من تكفل بأيتام آل محمد المنقطعين

عن إمامهم ، المتحيرين في جهلهم ، الاسراء في أيدي شياطينهم ، وفى أيدي النواصب

من أعدائنا ، فاستنقذهم منهم ، وأخرجهم من حيرتهم ، وقهر الشياطين برد وساوسهم

وقهر الناصبين بحجج ربهم ، ودليل أئمتهم ،

ليفضلون عند الله تعالى على العابد بأفضل المواقع بأكثر من فضل السماء على

الارض ، والعرش والكرسي والحجب ـ على السماء ـ وفضلهم على هذا العابد ( 4 ) كفضل

القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء . ( 5 )

225 - وقال على بن محمد عليهما السلام : لو لا من يبقى بعد غيبة قائمكم ( 6 ) عليه الصلاة

* ( هامش ) * 1 ) الفئام - بكسر الفاء - : الجماعة من الناس . وفسر في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في

يوم الغدير بمائة ألف . 2 ) " صرف " أ ، ص ، ق والاحتجاج . الصرف : الفضل .

3 ) عنه منية لمريد : 34 ، والمحجة البيضاء : 1 / 32 ، وعوالى اللئالى : 1 / 91 . والبحار :

7 / 225 ضن ح 143 ، وعنه في البحار : 2 / 5 ح 10 وعن الاحتجاج : 1 / 9 .

4 ) " العباد " الاحتجاج .

5 ) عنه منية المريد : 34 ، والمحجة البيضاء : 1 / 32 ، وعنه في البحار : 2 / 6 ح 11 وعن

الاحتجاج : 1 / 9 . 6 ) " قائمنا " المحجة . ( * )

ـ345ـ

والسلام من العلماء الداعين إليه ، والدالين عليه ، والذابين عن دينه بحجج الله ، والمنقذين

لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته ، ومن فخاخ النواصب

لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله ، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء

الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها أولئك هم الافضلون عند الله عزوجل . ( 1 )

226 - وقال الحسن بن على ( 2 ) عليهما السلام : يأتي علماء شيعتنا ، القوامون لضعفاء محبينا

وأهل ولايتنا يوم القيامة ، والانوار تسطع من تيجانهم ، على رأس كل واحد منهم

تاج بهاء ، قد انبثت تلك الانوار في عرصات القيامة ودورها مسيرة ثلاثمائة ألف سنة .

فشعاع تيجانهم ينبث فيها كلها ، فلا يبقى هناك يتيم قد كفلوه ، ومن ظلمة الجهل

أنقذوه ( 3 ) ومن حيرة التيه أخرجوه ، إلا تعلق بشعبة من أنوارهم ، فرفعتهم إلى العلو

حتى يحاذي بهم فوق الجنان .

ثم تنزلهم ( 4 ) على منازلهم السعدة في جوار أستاديهم ومعلميهم ، وبحضرة أئمتهم

الذين كانوا يدعون إليهم .

ولا يبقى ناصب من النواصب يصيبه من شعاع تلك التيجان إلا عميت عيناه

وصمت أذناه ، وأخرس لسانه ، ويحول عليه أشد من لهب النيران ، فيحملهم حتى

يدفعهم إلى الزبانية ، فيدعوهم ( 5 ) إلى سواء الجحيم . ( 6 )

وأما قوله عزوجل : ( والمساكين ) فهو من سكن الضر والفقر حركته .

ألا فمن واساهم بحواشي ماله ، وسمع الله عليه جنانه ، وأناله غفرانه ورضوانه .

* ( هامش ) * 1 ) عنه منية المريد : 35 ، والمحجة البيضاء : 1 / 32 ، وعنه في البحار : 2 / 6 ح 12 وعن

الاحتجاج : 1 / 9 . 2 ) زاد في البحار " عن أبيه عليهما السلام " .

3 ) " قد علموه " أ ، ب ، ط . " علموه " س ، ق ، د .

4 ) " ينزلونهم " ص ، منية المريد ، المحجة . 5 ) أى فعوهم يدفعا عنيفا وبجفوة .

6 ) عنه منية المريد : 35 ، والمحجة البيضاء : 1 / 32 ، والبحار : 7 / 225 ضمن ح 143

وعنه في البحار : 2 / 6 ح 13 وعن الاحتجاج : 1 / 10 . ( * )

ـ346ـ

ـ في أن المسكين الحقيقى مساكين الشيعة الضعفاء في مقابلة أعدائهم : ـ

227 - قال الامام عليه السلام : وإن من محبي محمد ـ وعلي ـ ( 1 ) مساكين ، مواساتهم

أفضل من مواساة مساكين الفقراء ، وهم الذين سكنت ( 2 ) جوارحهم ، وضعفت قواهم

عن مقاتلة ( 3 ) أعداء الله الذين يعيرونهم بدينهم ، ويسفهون أحلامهم ، ألا فمن قواهم

بفقهه وعلمه ( 4 ) حتى أزال مسكنتهم ، ثم سلطهم على الاعداء الظاهرين : النواصب

وعلى الاعداء الباطنين : إبليس ومردته ، حتى يهزموهم عن دين الله ويذودوهم عن

أولياء آل رسول الله صلى الله عليه وآله . حول الله تعالى تلك المسكنة إلى شياطينهم ، فأعجزهم

عن إضلالهم .

قضى الله تعالى بذلك قضاء حقا على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله . ( 5 )

228 - وقال على بن أبي طالب عليه السلام : من قوى مسكينا في دينه ، ضعيفا في معرفته

على ناصب مخالف ، فأفحمه ( 6 ) لقنه الله تعالى يوم يدلى في قبره أن يقول :

الله ربي ، ومحمد نبيي ، وعلي وليي ، والكعبة قبلتي ، والقرآن بهجتي وعدتي

والمؤمنون إخواني . فيقول الله : أدليت بالحجة ، فوجبت لك أعالي درجات الجنة .

فعند ذلك يتحول عليه قبره أنزه رياض الجنة . ( 7 )

229 - وقالت فاطمة عليها السلام وقد اختصم إليها امرأتان ، فتنازعتا في شئ من أمر

* ( هامش ) * 1 ) " وآل محمد " البحار .

2 ) " تنكست " أ . نكس الرجل : ضعف وعجز .

3 ) " مقابلة " ب ، س ، ص ، ط ، ق ، د . 4 ) " وعلمهم " أ ، والبرهان .

5 ) عنه تأويل الايات : 1 / 75 ح 49 ، والبرهان : 1 / 122 صدر ح 17 ، وعنه في البحار :

2 / 7 ضمن ح 13 وعن الاحتجاج : 1 / 10 . 6 ) أى أسكته بالحجة .

7 ) عنه البحار : 6 / 228 ح 31 ، والبرهان : 1 / 122 ذ ح 17 .

وعنه في البحار : 2 / 7 ح 14 وعن الاحتجاج : 1 / 10 . ( * )

ـ347ـ

الدين : إحديهما معاندة ، والاخرى مؤمنة ، ففتحت على المؤمنة حجتها ، فاستظهرت

على المعاندة ، ففرحت فرحا شديدا .

فقالت فاطمة عليها السلام : إن فرح الملائكة باستظهارك عليها أشد من فرحك ، وإن حزن

الشيطان ومردته بحزنها عنك أشد من حزنها .

وإن الله عزوجل قال للملائكة : أوجبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة

الاسيرة من الجنان ألف ألف ضعف ماكنت أعددت لها

واجعلوا هذه سنة في كل من يفتح على أسير مسكين ، فيغلب معاندا مثل ألف

ألف ( 1 ) ماكان له معدا من الجنان . ( 2 )

230 - وقال الحسن بن على ـ بن أبي طالب ـ عليهما السلام - وقد حمل إليه رجل هدية -

فقال له : أيما أحب إليك ؟ أن أرد عليك بدلها عشرين ضعفا ، عشرين ألف درهم ، أو

أفتح لك بها بابا من العلم تقهر فلان الناصبي في قريتك ، تنقذ به ضعفاء أهل قريتك ؟

إن أحسنت الاختيار جمعت لك الامرين ، وإن أسأت الاختيار خيرتك لتأخذ أيهما شئت

قال يابن رسول الله فثوابي في قهري لذلك الناصب ، واستنقاذي لاولئك الضعفاء

من يده ، قدره عشرون ألف درهم ؟

قال عليه السلام : بل أكثر من الدنيا عشرين ألف ألف مرة ! فقال :

يابن رسول الله فكيف أختار الادون ! بل أختار الافضل : الكلمة التي أقهر بها عدو

الله ، وأذوده عن أولياء الله .

فقال الحسن بن على عليهما السلام : قد أحسنت الاختيار . وعلمه الكلمة ( 3 ) ، وأعطاه

عشرين ألف درهم . فذهب ، فأفحم الرجل ، فاتصل خبره به عليه السلام ، فقال له إذ حضره :

* ( هامش ) * 1 ) " ضعف " خ ل .

2 ) عنه البحار : 8 / 180 ضمن ح 137 ، وعنه البحار : 2 / 8 ح 15 وعن الاحتجاج : 1 / 11 .

3 ) " الحكمة " ط . ( * )

ـ348ـ

ياعبدالله ما ربح أحد مثل ربحك ، ولا اكتسب أحد من الاوداء ( 1 ) ما اكتسبت :

اكتسبت : مودة الله أولا ، ومودة محمد صلى الله عليه وآله وعلى عليه السلام ثانيا ، ومودة الطيبين

من آلهما ثالثا ، ومودة ملائكة الله ـ المقربين ـ رابعا ، ومودة إخوانك المؤمنين خامسا

واكتسبت بعدد كل مؤمن وكافر ما هو أفضل من الدنيا ـ وما فيها ألف ـ ألف مرة

فهنيئا ـ لك ـ هنيئا . ( 2 )

231 - وقال الحسين بن على عليهما السلام لرجل : أيهما أحب إليك ؟ رجل يروم

قتل مسكين قد ضعف ، تنقذه من يده ؟ أو ناصب يريد إضلال مسكين ـ مؤمن ـ من ضعفاء

شيعتنا تفتح عليه ما يمتنع ـ المسكين ـ به منه ويفحمه ويكسره بحجج الله تعالى ؟

قال : بل إنقاذ هذا المسكين المؤمن من يد هذا الناصب . إن الله تعالى يقول :

( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) ( 3 ) ـ أي ـ ومن أحياها وأرشدها من

كفر إلى إيمان ، فكأنما أحيا الناس جميعا من قبل ( 4 ) أن يقتلهم بسيوف الحديد . ( 5 )

232 - وقال على بن الحسين عليها السلام لرجل : أيما أحب إليك : صديق كلما رآك أعطاك

بدرة دنانير ، أو صديق كلما رآك بصرك بمصيدة من مصائد الشياطين ، وعرفك ما تبطل

به كيدهم ، وتخرق ـ به ـ شبكتهم ، وتقطع حبائلهم ؟

قال : بل صديق كلما رآني علمني كيف أخزي الشيطان عن نفسي وأدفع عني بلاءه . ( 6 )

قال عليه السلام : فأيهما أحب إليك : استنقاذك أسيرا مسكينا من أيدي الكافرين ، أو

استنقاذك أسيرا مسكينا من أيدي الناصبين ؟ قال : يابن رسول الله ، سل الله أن يوفقني

* ( هامش ) * 1 ) " الاوتاد " أ ، الاوداء : جمع : وديد وهو المحب .

2 ) عنه البحار : 2 / 8 ح 16 ، عن الاحتجاج : 1 / 11 . 3 ) المائدة : 32 .

4 ) بكسر القاف وفتح الباء : أى من جهة قتلهم بالسيوف ، ويحتمل فتح القاف وسكون الباء .

قاله المجلسى ( ره ) . 5 ) عنه البحار : 2 / 9 ح 17 .

6 ) " بلابله " أ . بلبلة الصدر : وساوسه . ( * )

ـ349ـ

للصواب في الجواب . قال عليه السلام : اللهم وفقه .

قال : بل استنقاذي المسكين الاسير من يد الناصب ، فانه توفير الجنة عليه ، وإنقاذه

من النار ، وذلك توفير الروح عليه في الدنيا ، ودفع الظلم عنه فيها ، والله يعوض هذا

المظلوم بأضعاف مالحقه من الظلم ، وينتقم من الظالم بما هو عادل بحكمه .

قال عليه السلام : وفقت لله أبوك ! أخذته من جوف صدري لم تجزم ( 1 ) مما قاله رسول

الله صلى الله عليه وآله حرفا واحدا . ( 2 )

233 - وسئل الباقر محمد بن على عليهما السلام : إنقاذ الاسير المؤمن من محبينا من

يد الناصب يريد أن يضله بفضل لسانه وبيانه أفضل ، أم إنقاذ الاسير من أيدي

ـ أهل ـ الروم ؟

قال الباقر عليه السلام للرجل : أخبرني أنت عمن رأى رجلا من خيار المؤمنين يغرق

وعصفورة تغرق لا يقدر على تخليصهما بأيهما اشتغل فاته الآخر ؟ أيهما أفضل

أن يخلصه ؟ قال : الرجل من خيار المؤمنين .

قال عليه السلام : فبعد ما سألت في الفضل أكثر من بعد ما بين هذين ، إن ذاك يوفر عليه

دينه وجنان ربه ، وينقذه من النيران ، وهذا المظلوم إلى الجنان يصير . ( 3 )

234 - وقال جعفر بن محمد عليهما السلام : من كان همه في كسر النواصب عن المساكين

الموالين لنا أهل البيت يكسرهم عنهم ، ويكشف عن مخازيهم ( 4 ) ويبين عوراتهم ( 5 )

ويفخم أمر محمد وآله صلى الله عليه وآله ،

جعل الله همة ( 6 ) أملاك الجنان في بناء قصوره ودوره ، يستعمل بكل حرف من

* ( هامش ) * 1 ) " تخرم " ص ، والبحار . وكلاهما بمعنى ، أى لم تقطع ، أو تنقص .

2 ) عنه البحار : 2 / 9 ح 18 .

3 ) عنه البحار المتقدم . 4 ) " مجاريهم " أ .

5 ) " عوارهم " ب ، ط ، ق ، د ، والاحتجاج . العورة : كل مكمن للسر ، والعوار : العيوب .

6 ) " جمة " أ . الجمة - بفتح الجيم وضمها وتشديد الميم - معظم الشئ أو الكثير منه . ( * )

ـ350ـ

حروف حججه على أعداء الله أكثر من ـ عدد ـ أهل الدنيا أملاكا ، قوة كل واحد تفضل

عن حمل السماوات والارضين ، فكم من بناء ، وكم من ـ نعمة ، وكم من ـ قصور لا يعرف

قدرها إلا رب العالمين ؟ ( 1 )

235 - وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : من أعان محبا لنا على عدولنا ، فقواه

وشجعه حتى يخرج الحق الدال على فضلنا بأحسن صورته ، ويخرج الباطل - الذي

يروم به أعداؤنا دفع حقنا - في أقبح صورة ، حتى يتنبه الغافلون ، ويستبصر المتعلمون

ويزداد في بصائرهم العاملون ( 2 ) بعثه الله تعالى يوم القيامة في أعلى منازل الجنان ، ويقول :

يا عبدي الكاسر لاعدائي ، الناصر لاوليائي ، المصرح بتفضيل محمد خير أنبيائي

وبتشريف علي أفضل أوليائي ، وتناوي ( 3 ) إلى من ناواهما ، وتسمى بأسمائهما

وأسماء خلفائهما وتلقب بألقابهما ، فيقول ذلك ، ويبلغ الله جميع أهل العرصات .

فلا يبقى ملك ولاجبار ولا شيطان إلا صلى على هذا الكاسر لاعداء محمد صلى الله عليه وآله

ولعن الذين كانوا يناصبونه في الدنيا من النواصب لمحمد وعلي عليهما السلام . ( 4 )

236 - وقال على بن موسى الرضا عليهما السلام : أفضل ما يقدمه العالم من محبينا

وموالينا أمامه ليوم فقره وفاقته ، وذله ومسكنته ، أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا

من يد ناصب عدو لله ولرسوله ، يقوم من قبره والملائكة صفوف من شفير قبره

إلى موضع محله من جنان الله فيحملونه على أجنحتهم ، يقولون :

مرحبا طوباك طوباك يا دافع الكلاب عن الابرار ، ويا أيها المتعصب للائمة الاخيار . ( 5 )

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 8 / 180 ضمن ح 137 ، وعنه في البحار : 2 / 10 ح 19 ، وعن الاحتجاج : 1 / 12 .

2 ) " العالمون " خ ل ، والبحار .

3 ) " ينادى " أ ، والبحار : 2 ، وكذا بعدها أى بصيغة المفرد الغائب . وناواه : عاداه .

4 ) عنه البحار : 2 / 10 ح 20 ، وج 7 / 226 ضمن ح 143 .

5 ) عنه البحار : 7 / 226 ضمن ح 143 ، وعنه في البحار : 2 / 11 ح 21 ، وعن الاحتجاج : 1 / 12 . ( * )

ـ351ـ

237 - وقال محمد بن على عليهما السلام : إن حجج الله على دينه أعظم سلطانا يسلط الله

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 351 سطر 1 الى ص 360 سطر 25

237 - وقال محمد بن على عليهما السلام : إن حجج الله على دينه أعظم سلطانا يسلط الله

بها على عباده ، فمن وفر منها حظه فلا يرين أن من منعه ذلك ـ قد فضله عليه ، ولو

جعله في الذروة العليا من الشرف والمال والجمال ، فانه إن رأى ذلك ـ كان قد

حقر عظيم نعم الله لديه .

وإن عدوا من أعدائنا ( 1 ) النواصب يدفعه بما تعلمه ( 2 ) من علومنا أهل البيت

لافضل له من كل مال لمن فضل عليه ، ولو تصدق بألف ضعفه . ( 3 )

238 - واتصل بأبى الحسن على بن محمد العسكرى عليهما السلام ( 4 ) أن رجلا من فقهاء

شيعته كلم بعض النصاب فأفحمه بحجته حتى أبان عن فضيحته ، فدخل على علي بن

محمد عليهما السلام وفي صدر مجلسه دست ( 5 ) عظيم منصوب ، وهو قاعد خارج الدست ،

وبحضرته خلق ـ كثير ـ من العلويين وبني هاشم ، فما زال يرفعه حتى أجلسه في

ذلك الدست ، وأقبل عليه فاشتد ذلك على أولئك الاشراف :

فأما العلوية فأجلوه عن العتاب ، وأما الهاشميون فقال له شيخهم : يابن رسول

الله هكذا تؤثر عاميا على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين ؟

فقال عليه السلام : إياكم وأن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم : ( ألم تر إلى الذين

اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم

معرضون ) ( 6 ) أترضون بكتاب الله عزوجل حكما ؟ قالوا : بلى .

قال : أليس الله تعالى يقول : ( يا أيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا في

المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين ءامنوا

* ( هامش ) * 1 ) " أعداء الله " أ . 2 ) " يعلمه " أ . 3 ) عنه البحار : 2 / 11 ح 22 .

4 ) " وقال على بن محمد عليهما السلام واتصل به " الاصل ، وما في المتن من ق ، د ، والاحتجاج .

5 ) وهى كلمة فارسية بمعنى : ما يستند عليه الملك . 6 ) آل عمران : 23 . ( * )

ـ352ـ

منكم والذين اوتوا العلم درجات ) ( 1 ) ، فلم يرض للعالم المؤمن إلا أن يرفع على

المؤمن غير العالم ، كما لم يرض للمؤمن إلا أن يرفع على من ليس بمؤمن ، أخبروني

عنه ؟ أقال : يرفع الله الذي اوتوا العلم درجات ؟

أو قال : يرفع الله الذين اوتوا شرف النسب درجات ؟

أو ليس قال الله : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ( 2 ) فكيف

تنكرون رفعي لهذا لما ( 3 ) رفعه الله ؟ إن كسر هذا لفلان الناصب بحجج الله التي

علمه إياها لافضل له من كل شرف في النسب .

فقال العباسي : يا بن رسول الله قد شرفت علينا من هو ذو نسب يقصر بنا ، ومن

ليس له نسب كنسبنا ، ومازال منذ أول الاسلام يقدم الافضل في الشرف على من دونه .

فقال عليه السلام : سبحان الله أليس العباس بايع لابى بكر وهو تيمي والعباس هاشمي ؟

أو ليس عبدالله بن العباس كان يخدم عمر بن الخطاب ، وهو هاشمي وأبوالخلفاء

وعمر عدوي ؟

وما بال عمر أدخل البعداء من قريش في الشورى ولم يدخل العباس ؟ فان كان

رفعنا لمن ليس بهاشمي على هاشمي منكرا فأنكروا على العباس بيعته ( 4 ) لابي بكر

وعلى عبدالله بن العباس خدمته لعمر بعد بيعته له ، فان ( 5 ) كان ذلك جائزا فهذا جائز .

فكأنما القم هذا الهاشمي حجرا . ( 6 )

239 - واجتمع قوم من الموالين والمحبين لآل رسول الله صلى الله عليه وآله بحضرة

الحسن بن علي عليهما السلام ، فقالوا : يابن رسول الله إن لنا جارا من النصاب يؤذينا

* ( هامش ) * 1 ) المجادلة : 11 . 2 ) الزمر : 9 .

3 ) " كما " ب ، ط . 4 ) " بيعته مع قرابته " س .

5 ) في قوله : " فان " اشارة إلى جداله مع العباسى بالاحسن ، فلا يخفى لطفه .

6 ) عنه البحار : 2 / 13 ح 25 ، وعن الاحتجاج : 2 / 259 . وأخرجه في البرهان : 4 / 305

ح 1 وفى حلية الابرار : 2 / 454 عن الاحتجاج . ( * )

ـ353ـ

ويحتج علينا في تفضيل الاول والثاني والثالث على أمير المؤمنين عليه السلام ، ويورد علينا

حججا لا ندري كيف الجواب عنها والخروج منها ؟

فقال الحسن عليه السلام : أنا أبعث إليكم من يفحمه عنكم ، ويصغر شأنه لديكم .

فدعا برجل من تلامذته وقال : مر بهؤلاء إذا كانوا مجتمعين يتكلمون فتسمع

إليهم ، فيستدعون منك الكلام فتكلم ، وأفحم صاحبهم ، واكسر عزته ( 1 ) وفل ( 2 ) حده

ولا تبق له باقية .

فذهب الرجل ، وحضر الموضع وحضروا ، وكلم الرجل فأفحمه ، وصيره لا يدري

في السماء هو ، أو في الارض ؟

ـ قالوا : ـ ووقع علينا من الفرح والسرور مالا يعلمه إلا الله تعالى ، وعلى الرجل

والمتعصبين له من الحزن والغم مثل ما لحقنا من السرور .

فلما رجعنا إلى الامام قال لنا : إن الذي في السماوات من الفرح والطرب بكسر

هذا العدو لله كان أكثر مما كان بحضرتكم ، والذي كان بحضرة إبليس وعتاة مردته

- من الشياطين - من الحزن والغم أشد مما كان بحضرتهم .

ولقد صلى على هذا ـ العبد ـ الكاسر له ملائكة السماء والحجب والكرسي ، وقابلها

الله بالاجابة ، فأكرم إيابه ، وعظم ثوابه .

ولقد لعنت تلك الاملاك عدو الله المكسور ، وقابلها الله بالاجابة فشدد حسابه

وأطال عذابه . ( 2 )

قوله عزوجل : " وقولوا للناس حسنا " .

240 - قال الصادق ( 4 ) عليه السلام : ( وقولوا للناس ) كلهم ( حسنا ) مؤمنهم ومخالفهم :

* ( هامش ) * 1 ) " غربه " س ، ص ، ق ، د ، والاحتجاج . " غرته " البحار . الغرب : الحدة والمراد :

كسر شوكته وبأسه . 2 ) أى كسر .

3 ) عنه البحار : 2 / 11 ح 23 ، وعن الاحتجاج : 1 / 12 . 4 ) " الامام " البحار : 71 . ( * )

ـ354ـ

أما المؤمنون فيبسط لهم وجهه وبشره .

وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم ( 1 ) إلى الايمان ، فان ييأس ( 2 ) من

ذلك يكف شرورهم عن نفسه ، وعن إخوانه المؤمنين . ( 3 )

ـ في مداراة النواصب : ـ

241 - قال الامام عليه السلام : إن مداراة أعداء الله من أفضل صدقة المرء على نفسه وإخوانه .

كان رسول الله صلى الله عليه وآله في منزله إذ أستأذن عليه عبدالله بن ابي بن سلول ، فقال رسول

الله صلى الله عليه وآله : بئس أخو العشيرة ، ائذنوا له . فأذنوا له .

فلما دخل أجلسه وبشر في وجهه ، فلما خرج قالت له عايشة : يا رسول الله قلت

فيه ما قلت ، وفعلت به من البشر ما فعلت !

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عويش يا حميراء ، إن شر الناس عند الله يوم القيامة من

يكرم اتقاء شره . ( 4 )

242 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام : إنا لنبشر ( 5 ) في وجوه قوم ، وإن قلوبنا

لتقليهم ( 6 ) أولئك أعداء الله نتقيهم على إخواننا ، لا على أنفسنا . ( 7 )

243 - وقالت فاطمة عليها السلام : البشر في وجه المؤمن يوجب لصاحبه الجنة ، والبشر

في وجه المعاند المعادي يقي صاحبه عذاب النار . ( 8 )

* ( هامش ) * 1 ) " لاحتدائهم " أ . حدئ عليه واليه حدأ : حدب عليه ، وعطف عليه .

2 ) " استتر " أ ، والبرهان . واستظهرها في " أ " يئس . " بأيسر " البحار : 75 .

3 ) عنه البحار : 71 / 309 وج 75 / 401 صدر ح 42 ، والبرهان : 1 / 122 ح 18 ، ومستدرك

الوسائل : 2 / 375 ح 1 . 4 ) عنه البحار : 75 / 401 ضمن ح 42 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 375 ح 2 .

5 ) " لنشكر " ب ، ط . " لتكشر " ق ، د . 6 ) أى لتبغضهم . " لتلعنهم " خ ل ، والمستدرك .

7 و 8 ) عنه البحار : المتقدم ومستدرك الوسائل المذكور ح 3 . ( * )

ـ355ـ

244 - وقال الحسن بن على عليهما السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الانبياء إنما فضلهم

الله تعالى على خلقه أجمعين لشدة مداراتهم لاعداء دين الله ، وحسن تقيتهم لاجل

إخوانهم في الله . ( 1 )

245 - قال الزهرى : كان على بن الحسين عليهما السلام : ما عرفت له صديقا في السر

ولا عدوا في العلانية ، لانه لا أحد يعرفه بفضائله الباهرة إلا ولا يجد بدا من تعظيمه

من شدة مداراته وحسن معاشرته إياه ، وأخذه من التقية بأحسنها وأجملها .

ولا أحد - وإن كان يريه المودة في الظاهر - إلا وهو يحسده في الباطن لتضاعف

فضائله على فضائل الخلق . ( 2 )

246 - وقال محمد بن على الباقر عليهما السلام : من أطاب الكلام مع موافقيه ليؤنسهم

وبسط وجهه لمخالفيه ليأمنهم على نفسه وإخوانه ، فقد حوى من الخير والدرجات

العاليه عند الله مالا يقادر قدره غيره . ( 3 )

247 - وقال بعض المخالفين ( 4 ) بحضرة الصادق عليه السلام لرجل من الشيعة :

ما تقول في العشرة من الصحابة ؟ قال : أقول فيهم الخير الجميل ( 5 ) الذي يحط الله به

سيئاتي ويرفع به درجاتي . قال السائل :

الحمد لله على ما ( 6 ) أنقذني من بغضك كنت أظنك رافضيا تبغض الصحابة .

فقال الرجل : ألا من أبغض واحدا من الصحابة ، فعليه لعنة الله .

قال : لعلك تتأول ما تقول ؟ ( قل : فمن ) ( 7 ) أبغض العشرة من الصحابة .

* ( هامش ) * 1 و 2 و 3 ) عنه البحار المتقدم ، ومستدرك الوسائل : 2 / 375 ح 3 ، 4 ، 5 .

4 ) " المنافقين " أ .

5 ) " الحسن " خ ل .

6 ) " الذى " أ .

7 ) " فيمن " ب ، س ، والبحار . ( * )

ـ356ـ

فقال : من أبغض العشرة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

فوثب الرجل فقبل رأسه ، وقال : اجعلني في حل مما قذفتك ( 1 ) به من الرفض

قبل اليوم . قال : ـ اليوم ـ أنت في حل وأنت أخي . ثم انصرف السائل .

فقال له الصادق عليه السلام : جودت ! لله درك ( 2 ) ، لقد عجبت الملائكة في السماوات

من حسن توريتك ، وتلطف ( 3 ) بما خلصك ، ولم تثلم دينك ، وزاد الله في مخالفينا

غما إلى غم ، وحجب عنهم مراد منتحلي مودتنا في تقيتهم .

فقال بعض أصحاب الصادق عليه السلام : يابن رسول الله ما عقلنا من كلام هذا إلا

موافقة صاحبنا لهذا المتعنت الناصب ؟

فقال الصادق عليه السلام : لئن كنتم لم تفهموا ( 4 ) ما عنى فقد فهمناه نحن ، وقد شكر الله له .

إن ولينا الموالي لاوليائنا المعادي لاعدائنا إذا ابتلاه الله بمن يمتحنه من مخالفيه

وفقه لجواب يسلم معه دينه وعرضه ، ويعظم الله بالتقية ثوابه ( 5 )

إن صاحبكم هذا قال : من عاب ( 6 ) واحدا منهم فعليه لعنة الله ، أي من عاب واحدا

منهم هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .

وقال في الثانية : من عابهم أو شتمهم ( 7 ) فعليه لعنة الله . وقد صدق لان من عابهم

فقد عاب عليه السلام ، لانه أحدهم ، فاذا لم يعب عليا عليه السلام ولم يذمه فلم يعبهم ، وإنما ( 8 )

عاب بعضهم .

ـ ولقد كان لحزقيل ( 9 ) المؤمن مع قوم فرعون الذين وشوا به إلى فرعون مثل هذه

* ( هامش ) * 1 ) " قدمتك " أ ، ب . " قرفتك " ط . قذف الرجل : رماه واتهمه بريبة ، وقرف فلانا بكذا : اتهمه به .

2 ) أى لله ما خرج منك من خير . وفى " أ " لله ودك .

3 ) " تلفظك " البحار : 71 ، والبرهان . 4 ) " تفقهوا " أ .

5 ) " ويعصمه الله بالتقية " البرهان . 6 ) " أبغض " ط . وكذا بعدها .

7 ) " سبهم " ب ، س ، ط . 8 ) " واذا عاب " أ ، والمستدرك .

9 ) " لخربيل " س ، ص ، والبحار : 75 وقصص الراوندى وكذا ما يأتى . ( * )

ـ357ـ

التورية ، كان حزقيل يدعوهم إلى توحيد الله ونبوة موسى وتفضيل محمد رسول الله

صلى الله عليه وآله على جميع رسل الله وخلقه ، وتفضيل علي بن أبي طالب عليه السلام والخيار من الائمة

على سائر أوصياء النبيين وإلى البراءة من ربوبية فرعون .

فوشى بن الواشون إلى فرعون ، وقالوا : إن حزقيل يدعو إلى مخالفتك ، ويعين

أعداءك على مضادتك .

فقال لهم فرعون : إنه ابن عمي وخليفتي على ملكي ( 1 ) وولي عهدي ، إن فعل

ما قلتم ، فقد استحق أشد العذاب على كفره لنعمتي ، وإن كنتم عليه كاذبين ، فقد استحققتم

أشد العذاب ( 2 ) لايثاركم الدخول في مساءته ( 3 ) .

فجاء بحزقيل ، وجاء بهم ، فكاشفوه ، وقالوا : أنت تجحد ( 4 ) ربوبية فرعون الملك

وتكفر نعماءه ؟ فقال حزقيل : أيها الملك هل جربت علي كذبا قط ؟ قال : لا . قال :

فسلهم من ربهم ؟ قالوا : فرعون ـ هذا ـ . قال لهم : ومن خالقكم ؟ قالوا : فرعون هذا .

قال لهم : ومن رازقكم ، الكافل لمعايشكم ، والدافع عنكم مكارهكم ؟ قالوا : فرعون هذا .

قال حزقيل : أيها الملك فاشهدك ، و ـ كل ـ من حضرك : أن ربهم هو ربي

وخالقهم هو خالقي ، ورازقهم هو رازقي ، ومصلح معايشهم هو مصلح معايشي ، لا رب

لي ولا خالق ولا رازق غير ربهم وخالقهم ورازقهم .

واشهدك ومن حضرك أن كل رب وخالق ورازق سوى ربهم وخالقهم ورازقهم

فأنا برئ منه ومن ربوبيته ، وكافر بالهيته .

يقول حزقيل هذا ، وهو يعني إن ربهم هو الله ربي "

وهو لم يقل : إن الذي قالوا : هو ( 5 ) أنه ربهم هو ربي وخفي هذا المعنى على

فرعون ومن حضره وتوهموا أنه يقول : فرعون ربي وخالقي ورازقي .

* ( هامش ) * 1 ) " مملكتى " البرهان . 2 ) " العقاب " ب ، س ، والبحار .

3 ) " مكانه " البحار : 13 . 4 ) " تكفر " البحار : 75 . 5 ) " هم " أ ، ق ، د . ( * )

ـ358ـ

فقال لهم : يا رجال السوء ويا طلاب الفساد في ملكي ، ومريدي الفتنة بيني وبين

ابن عمي ، وهو عضدي ، أنتم المستحقون لعذابي لارادتكم فساد أمري وهلاك ابن

عمي ، والفت ( 1 ) في عضدي .

ثم أمر بالاوتاد ، فجعل في ساق كل واحد منهم وتد ، وفي صدره وتد ، وأمر

أصحاب أمشاط الحديد ، فشقوا بها لحومهم من أبدانهم .

فذلك ما قال الله تعالى : ( فوقيه الله ) يعني حزقيل ( 2 ) ( سيئات ما مكروا ) ـ به

* ( هامش ) * 1 ) فت في عضده : أى كسر قوته ، وفرق عنه أعوانه .

2 ) روى الراوندى قى قصص الانبياء ( مخطوط ) ، عنه البحار : 13 / 162 ح 6 ، قال : حزبيل

هو مؤمن آل فرعون أرسل فرعون رجلين في طلبه فانطلقا في طلبه . . فلما رآهما

أوجس في نفسه خيفة وقال . . أسألك يا الهى ان كان هذان الرجلان يريدان بى سوءا

فسلط عليهما فرعون ، وعجل ذلك ، وان هما أرادانى بخير فاهدهما .

فلما دخل حزبيل ، قال فرعون ، للرجلين : من ربكما ؟ قالا : أنت .

فقال لحزبيل : ومن ربك ؟ قال : ربى ربهما . . فظن فرعون أنه يعنيه ، فوقاه الله

سيئات ما مكروا ، وحاق بآل فرعون سوء العذاب ، وسر فرعون .

أقول : يجوز عند الجمع بين هذه الرواية وغيرها ( انظر تخريجات الحديث ) القول بأنه

لم يقتل في هذه المرحلة - أى في بدء الوشاية - بل كان يحاجهم ويقول كما قال تعالى

" يا قوم مالى أدعوكم إلى النجاة وتدعوننى إلى النار ، تدعوننى لاكفر بالله واشرك به

ماليس لى به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار - إلى أن قال تعالى - انا لننصر

رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد " غافر : 41 - 51 .

فالقتل أولا كان من نصيب اولئك الساعين به ، وانما قتل في مرحلة اخرى عند ما حان

أجله ، فقد روى الكلينى في الكافى : 2 / 215 ح 1 عن الصادق عليه السلام أنه قال في

قوله تعالى " فوقاه الله . " والله لقد سطوا عليه وقتلوه ، ولكن أتدرون ما وقاه ؟ وقاه

أن يفتنوه في دينه .

وروى القمى في تفسيره : 586 عنه عليه السلام أنه قال " والله لقد قطعوه اربا ، ولكن

وقاه الله أن يفتنوه في دينه " . < ( * )

ـ359ـ

لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه ـ ( وحاق بآل فرعون ) ـ حل بهم ـ ( سوء

العذاب ) ( 1 ) وهم الذين وشوا بحزقيل إليه لما أوتد فيهم الاوتاد ومشط عن

أبدانهم لحومها بالامشاط . ( 2 )

248 - وقال رجل لموسى بن جعفر عليها السلام من خواص الشيعة - وهو يرتعد

بعد ما خلا به - : يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله ما أخوفني أن يكون فلان بن فلان ينافقك في

إظهاره اعتقاد وصيتك وإمامتك ؟ !

فقال موسى عليه السلام : وكيف ذاك ؟ قال : لاني حضرت معه اليوم في مجلس فلان -

رجل من كبار أهل بغداد - فقال له صاحب المجلس :

أنت تزعم أن موسى بن جعفر عليه السلام إمام دون هذا الخليفة القاعد على سريره ؟

فقال له صاحبك هذا : ما أقول هذا ، بل أزعم أن موسى بن جعفر عليه السلام غير إمام

وإن لم أكن أعتقد أنه غير إمام ، فعلي وعلى من لم يعتقد ذلك لعنة الله ، والملائكة

والناس أجمعين .

فقال له صاحب المجلس : جزاك الله خيرا ، ولعن ـ الله ـ من وشى بك .

قال له موسى بن جعفر عليه السلام : ليس كما ظننت ، ولكن صاحبك أفقه منك ، إنما

قال : إن موسى غير إمام ، أي إن الذي هو غير ( 3 ) إمام فموسى غيره ، فهو إذا إمام

فانما أثبت بقوله هذا إمامتي ، ونفى إمامة غيري .

* ( هامش ) *

> فمن المحتمل أنه قد وشى به أكثر من مرة ، للتأثير عليه حتى يشرك ويكفر بالله ، لكنه

في كل مرة كان ينجو بدينه ونفسه - بوقاية الله ونصرته - حتى حان حينه ، فقطعوه اربا

دون أن يفتنوه عن دينه .

1 ) غافر : 45

2 ) عنه البحار : 75 / 402 ضمن ح 42 ، والبرهان : 4 / 98 ح 3 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 375

ح 6 ، وعنه في البحار : 13 / 160 ح 1 ، وعن الاحتجاج : 2 / 131 باسناده عن العسكرى

عليه السلام ، وأخرجه في البحار : 71 / 11 ح 22 عن الاحتجاج .

3 ) " عندك " البحار : 75 ، والمستدرك . ( * )

ـ360ـ

يا عبدالله متى يزول عنك هذا الذي ظننته بأخيك هذا من النفاق : تب إلى الله .

ففهم الرجل ما قاله ، واغتم وقال :

يابن رسول الله مالي مال فارضيه به ، ولكن قد وهبت له شطر عملي كله من

تعبدي ، ومن صلاتي عليكم أهل البيت ، ومن لعنتي لاعدائكم .

قال موسى بن جعفر عليه السلام : الآن خرجت من النار . ( 1 )

249 - وقال ( 2 )

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 75 / 403 ضن ح 42 ، والمستدرك : 2 / 376 ح 7 ، وأخرجه في البحار :

71 / 14 ح 28 عن الاحتجاج : 2 / 169 باسناده عن العسكرى عليه السلام .

2 ) أقول : انظر من أول البحث إلى آخره حول مداراة النواصب ، تجد :

أ - قال الامام عليه السلام : كان رسول الله صلى الله عليه وآله . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله .

ب - وقال أمير المؤمنين عليه السلام . . ج - وقالت فاطمة عليها السلام . .

د - وقال الحسن بن على عليهما السلام . . ه - قال الزهرى : كان على بن الحسين . .

و - وقال بعض المخالفين بحضرة الصادق عليه السلام . . فقال الصادق عليه السلام . .

ز - وقال رجل لموسى بن جعفر عليهما السلام . . قال له موسى بن جعفر عليهما السلام . .

ح - وقال ( . . . ) عند الرضا عليه السلام . . فقال الرضا عليه السلام .

ط - قال : وقال رجل لمحمد بن على عليهما السلام . فقال محمد بن على عليهما السلام . . .

ى - قال أبويعقوب وعلى - راويا هذا الكتاب بألفاظه أو مضمونه - :

حضرنا عند الحسن بن على أبى القائم عليهم السلام . فقال له بعض أصحابه . .

فقال له الحسن بن على عليهما السلام . .

ثم أنه عليه السلام بعد ماذكر أحاديث النبى والائمة عليهم السلام ختم الكلام حول

الموضوع بحديث من نفسه .

فالظاهر أن الراوى للكتاب يقول : قال عليه السلام - بهذا المضمون - :

كان جماعة من الناس عند الرضا عليه السلام ، فدخل اليه رجل ، فقال له . .

ويدل على ذلك قوله بعد ذلك : " قال " : وقال رجل لمحمد بن على عليهما السلام . . ( * )

ـ361ـ

( . . . ) ( 1 ) عند الرضا عليه السلام ، فدخل اليه رجل فقال : يابن رسول الله لقد رأيت

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 361 سطر 1 الى ص 370 سطر 24

( . . . ) ( 1 ) عند الرضا عليه السلام ، فدخل اليه رجل فقال : يابن رسول الله لقد رأيت

اليوم شيئا ـ عجيبا ـ عجبت منه :

رجل كان معنا يظهر لنا أنه من الموالين لآل محمد صلى الله عليه وآله المتبرئين من أعدائهم .

ورأيته اليوم ، وعليه ثياب قد خلعت عليه وهو ذا يطاف به ببغداد وينادي المنادون

بين يديه ، معاشر الناس اسمعوا توبة هذا الرافضي . ثم يقولون له : قل .

فيقول : خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله " أبا بكر " ( 2 ) .

فاذا قال ( 3 ) ذلك ضجوا ، وقالوا : قد تاب ، وفضل أبا بكر على علي بن أبي طالب

ابن عم رسول الله .

فقال الرضا عليه السلام : إذا خلوت فأعد علي هذا الحديث .

فلما أن خلا أعاد عليه فلقال له : إنما لم افسر لك معنى كلام ـ هذا ـ الرجل بحضرة

هذا الخلق المنكوس ، كراهة أن ينقل إليهم ، فيعرفوه ويؤذوه .

* ( هامش ) * 1 ) في الاصل : " كنا " .

أقول : فيه تصحيف ما مضمونه " كان الناس " وذلك للتصريح في أول الكلام بأن مجلس الرضا

عليه السلام هذا كان بحضرة الاعداء ، بقرينة ما قاله الرضا عليه السلام - كما سيأتى - " اذا

خلوت فأعد على هذا الحديث . . انما لم افسر بحضرة هذا الخلق المنكوس كراهة أن ينقل . "

وعلى هذا فكيف يقول الراوى للحديث - عن مجلس الرضا عليه السلام ، وبحضور هؤلاء

الخلق المنكوس من أعداء آل محمد - : " كنا " ؟ !

أضف إلى ذلك أن الراوى كان أعرف منا وأدرى بأنه ما كان الامام عليه السلام بحضرة الرضا

أو معهم . فلاحظ تعليقتنا السابقة .

وأما في الاحتجاج : 2 / 235 وعنه البحار فأخذه باليقين ، قال : وبالاسناد الذى تكرر

عن أبى الحسن العسكرى عليه السلام قال : دخل على أبى الحسن الرضا عليه السلام رجل . .

2 ) نصب باعتباره نداءا لابى بكر ، وليس خبرا " لخير الناس " وهذا ما فسره الامام عليه السلام فلاحظ .

3 ) " فعل " ب ، س ، ص ، ط ، والبحار : 75 . ( * )

ـ362ـ

لم يقل الرجل : خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله " أبوبكر " فيكون قد فضل أبابكر

على علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولكن قال : خير الناس بعد رسول الله " أبابكر "

فجعله نداءا لابي بكر ، ليرضى به من يمشي بين يديه من بعض هؤلاء الجهلة ليتوارى

من شرورهم ، إن الله تعالى جعل هذا التورية مما رحم به شيعتنا ومحبينا . ( 1 )

250 - قال : وقال رجل لمحمد بن على عليهما السلام : يابن رسول الله صلى الله عليه وآله مررت

اليوم بالكرخ فقالوا : هذا نديم محمد بن علي إمام الرافضة ، فاسألوه من خير الناس

بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فان قال : علي . فاقتلوه ، وإن قال : أبوبكر . فدعوه فانثال علي منهم

خلق عظيم وقالوا لى : من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقلت مجيبا لهم : خير ( 2 )

الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أبوبكر وعمر وعثمان وسكت ولم أذكر عليا . فقال بعضهم :

قد زاد علينا ، نحن نقول ههنا : وعلي ! فقلت لهم : في هذا نظر ، لا أقول هذا .

فقالوا بينهم : إن هذا أشد تعصبا للسنة منا ، قد غلطنا عليه .

ونجوت هذا منهم فهل علي يابن رسول الله صلى الله عليه وآله في هذا حرج ؟ وإنما أردت

أخير ـ الناس ـ ؟ أي أهو خير ؟ - إستفهاما لا إخبارا - .

فقال محمد بن على عليهما السلام : قد شكر الله لك بجوابك هذا ، وكتب لك أجره

وأثبته لك في الكتاب الحكيم ، وأوجب لك بكل حرف من حروف ألفاظك بجوابك

هذا لم ما يعجز عنه أماني المتمنين ولا يبلغه آمال الآملين . ( 3 )

251 - قال : وجاء رجل إلى على بن محمد عليهما السلام وقال : يابن رسول الله صلى الله عليه وآله

بليت اليوم بقوم من عوام البلد أخذوني فقالوا : أنت لا تقول بامامة أبي بكر بن أبي

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 75 / 404 ضمن ح 42 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 376 ح 8 ، ورواه في

الاحتجاج : 2 / 235 باسناده عن العسكرى عليه السلام ، عنه البحار : 71 / 15 ح 29 .

2 ) " أخير " البحار : 75 .

3 ) عنه البحار : 75 / 405 ضمن ح 42 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 276 ضمن ح 9 . ( * )

ـ363ـ

قحافة ؟ فخفتهم يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله ! وأردت أن أقول : ـ لا ، قلت : ـ بلى ، أقولها للتقية .

فقال لي بعضهم - ووضع يده على فمي - وقال : أنت لا تتكلم إلا بمخرقة ( 1 ) أجب

عما القنك . قلت : قل . فقال لي : أتقول أن أبابكر بن أبي قحافة هو الامام بعد رسول

الله صلى الله عليه وآله إمام حق عدل ، ولم يكن لعلي في الامامة حق البتة ؟

قلت : نعم ، وأنا اريد نعما من الانعام : الابل والبقر والغنم .

فقال : ـ لا ـ أقنع بهذا حتى تحلف ، قل : والله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب

( العدل ) المدرك المهلك العالم من السر ما يعلم من العلانية . فقلت : نعم واريد نعما من الانعام .

فقال : لا أقنع منك إلا بأن تقول : أبوبكر بن أبي قحافة هو الامام والله الذي

لا إله إلا هو . وساق اليمين ، فقلت : أبوبكر بن أبي قحافة إمام - أي هو إمام من

ائتم به واتخذه إماما - والله الذي لا إله إلا هو ، ومضيت في صفات الله .

فقنعوا بهذا مني وجزوني خيرا ونجوت منهم ، فكيف حالي عند الله ؟

قال : خير حال ، قد أوجب الله لك مرافقتنا في أعلى عليين لحسن تقيتك . ( 2 )

252 - قال أبويعقوب وعلى ( 3 ) : حضرنا عند الحسن بن علي أبي القائم عليهم السلام

فقال له بعض أصحابه : جاءني رجل من إخواننا الشيعة قد امتحن بجهال العامة

يمتحنونه في الامامة ، ويحلفونه ( وقال : كيف ) ( 4 ) نصنع حتى نتخلص منهم ؟

فقلت له : كيف يقولون ؟ قال : يقولون لي أتقول : إن فلانا هو الامام بعد رسول

الله صلى الله عليه وآله ؟ فلا بد لي من أن أقول : نعم . وإلا أثخنوني ضربا ، فاذا قلت : نعم . قالوا

لي : ـ قل : ـ والله .

فقلت له : قل : نعم . وتريد به نعما من الابل والبقر والغنم . فاذا ( 5 ) قالوا : ـ قل ـ والله

* ( هامش ) * 1 ) " بمخوفة " أ ، والمستدرك . المخرقة : الكذب والاختلاق .

2 ) عنه البحار : والمستدركين السابقين . 3 ) وهما راويا هذا التفسير .

4 ) " فكيف " أ ، والمستدرك . 5 ) " ( و ) قلت فاذا " ب ، ط ، والبحار : 71 . ( * )

ـ364ـ

فقل : ولى ( 1 ) أي ولى - تريد - عن أمر كذا ، فانهم لا يميزون ، وقد سلمت .

فقال لي : فان حققوا علي وقالوا : قل : والله ، وبين الهاء ؟

فقلت : قل : والله - برفع الهاء - فانه لايكون يمينا إذا لم يخفض الهاء .

فذهب ثم رجع إلي فقال : عرضوا علي وحلفوني ، وقلت كما لقنتني .

فقال له الحسن عليه السلام : أنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " الدال على الخير كفاعله "

لقد كتب الله لصاحبك بتقيته بعدد كل من استعمل التقية من شيعتنا وموالينا ومحبينا

حسنه ، وبعدد كل من ترك التقية منهم حسنة ، أدناها حسنة لو قوبل بها ذنوب مائة سنة

لغفرت ، ولك بارشادك إياه مثل ماله . ( 2 )

253 - وأما قوله عزوجل : ( أقيموا الصلوة ) فهو أقيموا الصلاة بتمام ركوعها

وسجودها و ـ حفظ ـ ( 3 ) مواقيتها ، وأداء حقوقها التي إذا لم تؤد لم يتقبلها رب الخلائق

أتدرون ما تلك الحقوق ؟

فهي إتباعها بالصلاة على محمد وعلي وآلهما عليهم السلام منطويا على الاعتقاد بأنهم

أفضل خيرة الله ، والقوام بحقوق الله ، والنصار لدين الله . ( 4 )

254 - " وآتوا الزكاة " من المال والجاه وقوة البدن : فمن المال مواساة إخوانكم

المؤمنين ، ومن الجاه إيصالهم إلى ما يتقاعسون عنه لضعفهم عن حوائجهم المترددة ( 5 )

في صدورهم .

* ( هامش ) * 1 ) " والله " البحار . أى بالهاء الساكنة المضمرة ، فكأنك تقول : ولى .

2 ) عنه البحار : 75 / 406 ضمن ح 42 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 376 ح 10 ، وأخرجه

في البحار : 71 / 16 ح 30 عن الاحتجاج : 2 / 266 . 3 ) من التأويل .

4 ) عنه تأويل الايات : 1 / 75 ح 50 ، والوسائل : 6 / 154 ضمن ح 13 ، والبحار : 85 /

285 صدر ح 12 ، والبرهان : 1 / 123 ح 18 ومستدرك الوسائل : 1 / 334 صدر ح 3 .

5 ) " المقررة " البحار . ( * )

ـ365ـ

وبالقوة معونة أخ لك قد سقط حماره أو جمله في صحراء أو طريق ، وهو يستغيث

فلا يغاث تعينه حتى حمل عليه متاعه ، وتركبه ـ عليه ـ وتنهضه حتى تلحقه القافلة ، وأنت

في ذلك كله معتقد لموالاة محمد وآله الطيبين .

فان الله يزكي أعمالك ويضاعفها بموالاتك لهم ، وبراءتك من أعدائهم . ( 1 )

255 - قال الله تعالى : ( ثم توليتم إلا قليلا منكم ) يا معاشر اليهود المأخوذ

عليكم ( 2 ) من هذه العهود كما أخذ على أسلافكم ( وأنتم معرضون ) عن أمر الله

عزوجل الذي فرضه . ( 3 )

256 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن العبد إذا أصبح ، أو الامة إذا أصبحت ، أقبل

الله تعالى عليه وملائكته - ليستقبل ربه عزوجل بصلاته - فيوجه إليه رحمته ويفيض

عليه كرامته ، فان وفى بما أخذ عليه ، فأدى الصلاة على ما فرضت ، قال الله تعالى

للملائكة خزان جنانه وحملة عرشه : قد وفى عبدي هذا ، ففوا له .

وإن لم يف ، قال الله تعالى : لم يف عبدي هذا ، وأنا الحليم ( 4 ) الكريم ، فان تاب

تبت عليه ، وإن أقبل على طاعتي أقبلت عليه برضواني ورحمتي .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ـ قال الله تعالى : ـ وإن كسل عما اريد ، قصرت في

قصوره حسنا وبهاءا وجلالا ، وشهرت في الجنان بأن صاحبها مقصر .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وذلك أن الله عزوجل أمر جبرئيل ليلة المعراج فعرض

علي قصور الجنان ، فرأيتها من الذهب والفضة ، ملاطها المسك والعنبر ، غير أني

رأيت لبعضها شرفا عالية ، ولم أر لبعضها .

فقلت : يا حبيبي جبرئيل ما بال هذه بلا شرف كما لسائر تلك القصور ؟

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 74 / 228 ح 23 ، وج 96 / 9 ح 5 ، والبرهان : 1 / 122 ح 20 ، ومستدرك

الوسائل : 1 / 512 ح 1 . 2 ) كذا استظهرناها ، وفى الاصل والبرهان : عليهم .

3 ) عنه البرهان : 1 / 123 ح 21 . 4 ) " الحكيم " ق ، د . ( * )

ـ366ـ

فقال : يا محمد هذه قصور المصلين فرائضهم ، الذين يكسلون عن الصلاة عليك

وعلى آلك بعدها .

فان بعث مادة لبناء الشرف من الصلاة على محمد وآله الطيبين ـ بنيت له الشرف ـ

وإلا بقيت هكذا ، حتى ( 1 ) يعرف سكان الجنان أن القصر الذي لا شرف له هو الذي

كسل صاحبه بعد صلاته عن الصلاة على محمد وآله الطيبين .

ورأيت فيها قصورا منيفة ( 2 ) مشرقة ( 3 ) عجيبة الحسن ، ليس لها أمامها دهليز

ولا بين أيديها ( 4 ) بستان ، ولا خلفها ، فقلت : مابال هذه القصور لا دهيلز بين أيديها ؟

ولا بستان خلف قصرها ؟

فقال : يا محمد هذه قصور المصلين ـ الصلوات ـ الخمس ، الذين يبذلون بعض وسعهم

في قضاء حقوق إخوانهم المؤمنين دون جميعها ، فلذلك قصورهم مسترة ( 5 ) بغير دهيلز

أمامها ، وغير بستان خلفها .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ألا فلا تتكلوا على الولاية وحدها ، وأدوا ما بعدها من

فرائض الله ، وقضاء حقوق الاخوان ، واستعمال التقية ، فانهما اللذان يتممان الاعمال

ويقصران بها . ( 6 )

* ( هامش ) * 1 ) " فيقال حين " ب ، س ، ط ، والبحار : 86 . فيقال حتى " ص ، البحار : 8 ، 85 ، والمستدرك .

2 " منيعه " أ ، ب ، ط ، البحار ، والمستدرك . جبل منيف : مرتفع مشرف . وحصن منيع :

يتعذر الوصول اليه . 3 ) " مشرفة " ق ، د .

4 ) " يديها " أكثر النسخ والبحار والمستدرك وكذا التى بعدها . واليد : الطريق .

5 ) " مستعمرة " ط . " مستترة " المستدرك . وليس في البحار : 8 . استعمره في المكان : جعله يعمره .

6 ) عنه البحار : 8 / 180 ضمن ح 137 ، وج 74 / 228 ح 23 ، وج 85 / 285 ضمن ح 12

وج 86 / 57 ح 61 ، ومستدرك الوسائل : 1 / 334 ضمن ح 3 ، ص 342 ح 3 . ( * )

ـ367ـ

قوله عزوجل : " واذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولاتخرجون أنفسكم

من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون * ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم و

تخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وان

يأتوكم اسارى تفادهم وهو محرم عليكم اخراجهم أفتؤمنون ببعض

الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزى في الحيوة

الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون *

اولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالاخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا

هم ينصرون " : 84 - 86

257 - قال الامام عليه السلام : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) واذكروا يا بني إسرائيل حين

أخذنا ميثاقكم ـ أي أخذنا ميثاقكم ـ على أسلافكم ، وعلى كل من يصل إليه الخبر بذلك

من أخلافهم الذين أنتم منهم ( لا تسفكون دماءكم ) لا يسفك بعضكم دماء بعض

( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) ولا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم

( ثم أقررتم ) بذلك الميثاق كما أقر به أسلافكم ، والتزمتموه كما التزموه

( وأنتم تشهدون ) بذلك على أسلافكم وأنفسكم .

( ثم أنتم ) معاشر اليهود ( تقتلون أنفسكم ) يقتل بعضكم بعضا ـ على إخراج

من يخرجونه من ديارهم ـ ( وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ) غصبا وقهرا

( تظاهرون عليهم ) تظاهر بعضكم بعضا على إخراج من تخرجونه من ديارهم ، وقتل

من تقتلونه منهم بغير حق ( بالاثم والعدوان ) بالتعدي تتعاونون وتتظاهرون ( 1 ) .

( وإن يأتوكم ) يعني هؤلاء الذين تخرجونهم - أن تروموا إخراجهم وقتلهم

ظلما - إن يأتوكم ( أسارى ) قدأسرهم أعداؤكم وأعداؤهم ( تفادوهم ) من

* ( هامش ) * 1 ) " تتظافرون " أ ، ق ، د ، وكلاهما بمعنى واحد . ( * )

ـ368ـ

الاعداء بأموالكم ( وهو محرم عليكم إخراجهم ) أعاد قوله عزوجل ( إخراجهم )

ولم يقتصر على أن يقول : " وهو محرم عليكم " لانه لو قال ذلك لرأى أن المحرم

إنما هو مفاداتهم ( 1 ) .

ثم قال عزوجل : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب ) وهو الذي أوجب عليكم المفادات

( وتكفرون ببعض ) وهو الذي حرم قتلهم وإخراجهم ، فقال : فاذا كان قد حرم

الكتاب قتل النفوس والاخراج من الديار كما فرض فداء الاسراء ، فما بالكم تطيعون

في بعض ، وتعصون في بعض ؟ كأنكم ببعض كافرون ، وببعض مؤمنون .

ثم قال عزوجل : ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم ) يا معاشر اليهود ( إلا خزي )

ذل ( في الحيوة الدنيا ) جزية تضرب عليه ، يذل بها ( ويوم القيامة يردون إلى أشد

العذاب ) إلى جنس أشد العذاب ، يتفاوت ذلك على قدر تفاوت معاصيهم ( وما الله

بغافل عما تعملون ) يعمل ( 2 ) هؤلاء اليهود .

ثم وصفهم فقال عزوجل : ( أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالآخرة ) رضوا

بالدنيا وحطامها بدلا من نعيم الجنان المستحق بطاعات الله ( فلا يخفف عنهم

العذاب ولا هم ينصرون ) لا ينصرهم أحد يرفع ( 3 ) عنهم العذاب . ( 4 )

258 - فقال رسول الله صلى الله عليه وآله - لما نزلت هذه الآية في اليهود ، هؤلاء اليهود

ـ الذين ـ ( 5 ) نقضوا عهد الله ، وكذبوا رسل الله ، وقتلوا أولياء ( 6 ) الله - : أفلا أنبئكم

* ( هامش ) * 1 ) قيل " وهو محرم " الضمير للشأن أو مبهم يفسره " اخراجهم " أو لمصدر يخرجون ، واخراجهم

تأكيد ( أو بدل ، أو بيان ) . انظر تفسير البيضاوى : 1 / 168 ، تفسير الرازى : 3 / 173

تفسير شبر : 52 ، وغيرهم . 2 ) " أى بعمل " أ .

3 ) " يدفع " بعض النسخ والبحار .

4 ) عنه البحار : 9 / 180 ح 8 ، وج 75 / 316 ح 40 ، والبرهان : 1 / 123 صدر ح 1 .

5 ) من البحار . 6 ) " أنبياء " ب ، ط . ( * )

ـ369ـ

بمن يضاهيهم من يهود هذه الامة ؟ قالوا : بلى يا رسول الله .

قال : قوم من أمتي ينتحلون بأنهم من أهل ملتي ، يقتلون أفاضل ذريتي وأطائب

أرومتي ، ويبدلون شريعتي وسنتي ، ويقتلون ولدي الحسن والحسين كما قتل

أسلاف هؤلاء اليهود زكريا ويحيى .

ألا وإن الله يلعنهم كما لعنهم ، ويبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هاديا

مهديا من ولد الحسين المظلوم ، يحرفهم ( 1 ) ـ بسيوف أوليائه ـ إلى نار جهنم .

ـ ثواب الحزن والبكاء على الحسين عليه السلام ـ

ألا ولعن الله قتلة الحسين ومحبيهم وناصريهم ، والساكتين عن لعنهم من غير

تقية تسكتهم .

ألا وصلى الله على الباكين على الحسين بن علي عليهما السلام رحمة وشفقة ، واللاعنبن

لاعدائهم والمتلئين عليهم غيظا وحنقا

ألا وإن الراضين بقتل الحسين عليه السلام شركاء قتلته .

ألا وإن قتلته وأعوانهم وأشياعهم والمقتدين بهم براء من دين الله .

ـ ألا ـ إن الله ليأمر الملائكة المقربين أن يتلقوا دموعهم المصبوبة لقتل الحسين

عليه السلام إلى الخزان في الجنان ، فيمزجونها بماء الحيوان ، فيزيد في عذوبتها وطيبها

ألف ضعفها .

وإن الملائكة ليتلقون دموع الفرحين الضاحكين ( 2 ) لقتل الحسين عليه السلام ويلقونها

* ( هامش ) * 1 ) " يحرقهم " أ ، ص ، والبحار : 44 . " يجرفهم " ب ، والبرهان . يحرفهم : يميلهم ، ويجعلهم

على حرف ( أى جانب ) . والجرف : أخذك الشئ عن وجه الارض بالمجرفة .

2 ) كما هو معروف فان البكاء والضحك ان هو الا سلسلة عمليات زفيرية يعقبها شهيق طويل

تحت تأثير انفعالات نفسية معينة ، ولكل من البكاء والضحك تأثير على الغدد الخاصة - < ( * )

ـ370ـ

في الهاوية ، ويمزجونها بحميمها وصديدها وغساقها وغسلينها ، فتزيد في شدة حرارتها

وعظيم عذابها ألف ضعفها ، يشدد بها على المنقولين ( 1 ) إليها من أعداء آل محمد عذابهم ( 2 )

259 - فقام ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله : فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله متى

قيام الساعة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ماذا أعددت لها إذ تسأل عنها ؟

فقال ثوبان : يا رسول الله ما أعددت لها كثير عمل إلا أني أحب الله ورسوله .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وإلى ماذا بلغ حبك لرسول الله ؟ قال : والذي بعثك

بالحق نبيا إن في قلبي من محبتك مالو قطعت بالسيوف ، ونشرت بالمناشير ، وقرضت

بالمقاريض ، واحرقت بالنيران ، وطحنت بأرحاء ( 3 ) الحجارة كان أحب إلي وأسهل

علي من أن أجد لك في قلبي غشا أو دغلا ( 4 ) أو بغضا أو لاحد من أهل بيتك وأصحابك ( 5 ) .

وأحب الخلق إلي بعدك أحبهم لك ، وأبغضهم إلي من لا يحبك ـ ويبغضك

ويبغض أحدا ممن تحبه ( 6 ) . يا رسول الله هذا ما عندي من حبك وحب من يحبك ـ

وبغض من يبغضك أو يبغض أحدا ممن تحبه ، فان قبل هذا مني فقد سعدت ، وإن

أريد مني عمل غيره ، فما أعلم لي عملا أعتمده وأعتد به غير هذا ، وأحبكم جميعا

* ( هامش ) * > - بافراز الدمع ، فأصبح علامة للفرح والحزن حتى أن العرب زعمت أن دمع الباكلى من

شدة السرور باردة ، ودمع الباكى من الحزن حارة ( مجمع البحرين : 3 / 455 ) .

والعلم أثبت أن الملوحة تكون أكثر تركيزا في دموع البكاء منها في دموع الضحك .

أقول : فليس ان هملت العين في الفرح والحزن عجبا ، لكن العجب لمن أنكر ذلك .

1 ) " المقبولين " أ ، س ، ص . " المقتولين " ب ، ط . وما في المتن من البحار .

2 ) عنه البحار : 8 / 311 ح 79 ( قطعة ) ، وج 44 / 304 ح 17 ، والبرهان : 1 / 123 ذ ح 1 .

3 ) الرحا : التى يطحن بها .

4 ) " دخلا " أ . الدخل - بالخاء الساكنة - الريبة . أدغل الشئ : أدخل فيه ما يخالفه ويفسده .

5 ) " أصحابك ومن أهل بيتك ومن غيرهم " الاصل . وما في المتن من البحار .

6 ) " من أصحابك " س ، ص ، ق ، د ، والبحار . ( * )

ـ371ـ

أنت وأصحابك ، وإن كنت لا اطيقهم في أعمالهم .

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 371 سطر 1 الى ص 380 سطر 22

أنت وأصحابك ، وإن كنت لا اطيقهم في أعمالهم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أبشر فان المرء يحشر يوم القيامة مع من أحب .

يا ثوبان لو أن عليك من الذنوب ملء ما بين الثرى إلى العرش لا نحسرت وزالت

عنك يهذا الموالاة أسرع من انحدار الظل ( 1 ) عن الصخرة الملساء المستوية إذا طلعت

عليها ( 2 ) الشمس ، ومن انحسار الشمس ( 3 ) إذا غابت عنها الشمس . ( 4 )

قوله عزوجل : " ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا

عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى

أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون " 87

260 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل - وهو يخاطب هؤلاء اليهود الذين أظهر

محمد صلى الله عليه وآله المعجزات لهم عند تلك الجبال ويوبخهم - :

( ولقد آتينا موسى الكتاب ) التوراة المشتمل على أحكامنا ، وعلى ذكر فضل

محمد وعلي وآلهما الطيبين ، وإمامة علي بن أبي طالب عليه السلام وخلفائه بعده ، وشرف

أحوال المسلمين له ، وسوء أحوال المخالفين عليه .

( وقفينا من بعده بالرسل ) جعلنا رسولا في أثر رسول .

( وآتينا ) أعطينا ( عيسى ابن مريم البينات ) الايات الواضحات ـ مثل ـ :

إحياء الموتى ، وإبراء الاكمه والابرص ، والانباء بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم

( وأيدناه بروح القدس ) وهو جبرئيل عليه السلام ، وذلك حين رفعه من روزنة بيته

* ( هامش ) * 1 ) " انحسار " س ، ط ، ق ، د وهذا التشبيه الرائع يفسر ظاهرة فيزيائية تناولتها قوانين الضوء

وسرعته بالتفصيل ومنها عكس الاجسام الصقيلة الضوء أسرع من غيرها ، علما أن سرعة

الضوء هى ( 300000 ) كم / ثانية . 2 ) " عليه " البحار .

3 ) أى ذهب شعاعها . 4 ) عنه البحار : 27 / 100 ح 61 . ( * )

ـ372ـ

إلى السماء ، وألقى شبهه على من رام ( 1 ) قتله ( 2 ) فقتل بدلا منه ، وقيل : هو المسيح . ( 3 )

* ( هامش ) * 1 ) " انظر إلى شبه عيسى وقتيله الذى رام أن يقتل دونه "

" رام " اما من " روم ، يروم الشئ " طلبه . واما من " رأم ، يرأم " اذا أحب شيئا وألفه

فقد رئمه . ورام شيئا : أراد شيئا ، عطف عليه ، كما ترأم الام ولدها ، والناقة حوارها

فتشمه وتترشفه . واما من " ريم ، يريم " اذا برح وزال من مكانه .

أقول : محصل ما يستفاد من الروايات في الاية : شبه لهم " النساء : 157 أن عيسى

وحواريه اجتمعوا في بيت ، فاحاط بهم بعيث يهودا رأس اليهود ليقتلوا عيسى عليه السلام

فاستنصرهم وطلب منهم فداء ، وقال عليه السلام : أيكم يشرى نفسه يلقى عليه شبحى فيقتل

ويصلب ، بثمن الجنة ، ويكون معى في درجتى ؟

فقال شاب منهم : أنا يا روح الله - أى أنا أشرى نفسى فداءا لك ، ليلقى على شبحك

واقتل واصلب - . فقال عليه السلام : فانت هوذا - أى المجزى بالعهد - .

فرام ، وبرح من مكانه ، كما ترأم الام ولدها فتشمه وتترشفه ، وخرج اليهم .

فالقى عليه شبح عيسى ، فشبه لهم ، فأخذوه ، وقتلوه ، وصلبوه .

فقتل بدلا منه ، وقيل : " هو المسيح "

روى القمى في تفسيره : 93 عن أبيه ، عن ابن أبى عمير ، عن جميل بن صالح ، عن

حمران بن أعين ، عن أبى جعفر عليه السلام قال : " ان عيسى وعد أصحابه ليلة رفعه الله اليه

فاجتمعوا اليه عند المساء ، وهم اثنا عشر رجلا ، فأدخلهم بيتا ، ثم خرج اليهم من عين

في زاوية البيت ، وهو ينفض رأسه من الماء فقال :

ان الله أوحى إلى أنه رافعى اليه الساعة ، ومطهرى من اليهود ، فأيكم يلقى عليه شبحى

فيقتل ويصلب ، ويكون معى في درجتى ؟

فقال شاب منهم : أنا يا روح الله . قال : فأنت هو ذا . . "

وفى تفسير الطبرى : 6 / 12 عن وهب بن منبه : " فقال عيسى عليه السلام لاصحابه : من

يشرى نفسه منكم اليوم بالجنة ؟ فقال رجل منهم اسمه " سرجس " : أنا . فخرج اليهم

فقال : أنا عيسى ، فأخذوه ، وقتلوه ، وصلبوه " .

راجع حديث ابن عباس في الدر المنثور : 2 / 238 وتفسير الطبرى ، والبحار : 14 /

335 - 345 باب رفع عيسى عليه السلام إلى السماء و . . 2 و 3 ) < ( * )

ـ373ـ

ـ ذكر المقايسة بين آيات عيسى عليه السلام ومعجزات نبينا صلى الله عليه وآله : ـ

قال الامام عليه السلام : ما أظهر الله عزوجل لنبى تقدم آيه إلا وقد جعل لمحمد

صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام مثلها وأعظم منها .

قيل : يابن رسول الله صلى الله عليه وآله فأي شئ جعل لمحمد وعلي عليهما السلام ما يعدل آيات

عيسى : من إحياء الموتى ، وإبراء الاكمه والابرص ، والانباء بما يأكلون وما يدخرون ؟

قال عليه السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يمشي بمكة وأخوه علي عليه السلام يمشي معه

وعمه أبولهب خلفه - يرمي عقبه بالاحجار وقد أدماه - ينادي معاشر قريش : هذا

ساحر كذاب فافقدوه ( 1 ) واهجروه ( 2 ) واجتنبوه . وحرش عليه أوباش ( 3 ) قريش ، فتبعوهما

ويرمونهما ( بالاحجار فما منها ) ( 4 ) حجر أصابه إلا وأصاب عليا عليه السلام .

فقال بعضهم : يا علي ألست المتعصب لمحمد صلى الله عليه وآله ، والمقاتل عنه ، والشجاع

الذي لا نظير لك مع حداثة سنك ، وأنك لم تشاهد الحروب ، ما بالك لا تنصر محمدا

* ( هامش ) * 2 ) قال تعالى : " ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد " البقرة : 207

أقول : انظر روايات الفريقين في أنها نزلت في على عليه السلام - وهو نفس رسول

الله صلى الله عليه وآله في آية المباهلة - شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ، آثر رسول الله

صلى الله عليه وآله بالحياة على نفسه ليلة ذهابه إلى الغار ، ولبس ثوب رسول الله وبات

على فراشه ، وكان المشركون قد أحاطوا بداره أرادوا قتله ، ورموه بالحجارة ، وهم

يتوهمون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله .

3 ) عنه البحار : 9 / 320 ح 13 ، وج : 14 / 338 ح 10 ( قطعة ) ، وج 70 / 170 ح 19 ، والبرهان :

1 / 124 ح 1 .

1 ) يريد فاقتلوه . قال ابن منظور في لسان العرب : 3 / 337 : وفى حديث الحسن " اغيلمة

حيارى تفاقدوا " يدعو عليهم بالموت ، وأن يفقد بعضهم بعضا . وفى البحار : فاقذفوه .

2 ) " واحجروه " أ ، الحجر : المنع مطلقا . 3 ) الاوباش : سفلة الناس وأخلاطهم .

4 ) " بهامتهما وما " أ . ( * )

ـ374ـ

ولا تدفع عنه ؟

فناداهم على عليه السلام " معاشر أوباش قريش لا أطيع محمدا بمعصيتي له ، لو أمرني

لرأيتم العجب " . وما زالوا يتبعونه حتى خرج من مكة فأقبلت الاحجار على حالها

تتدحرج ، فقالوا : الان تشدخ ( 1 ) هذه الاحجار محمدا وعليا ونتخلص منهما .

وتنحت قريش عنه خوفا على أنفسهم من تلك الاحجار ، فرأوا تلك الاحجار قد

أقبلت على محمد وعلي عليهما السلام ، كل حجر منها ينادي :

السلام عليك يا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف .

السلام عليك يا علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف .

السلام عليك يا رسول رب العالمين . وخير الخلق أجمعين .

السلام عليك يا سيد الوصيين ويا خليفة رسول رب العالمين .

وسمعها جماعات قريش فوجموا ( 2 ) فقال عشرة من مردتهم وعناتهم : ما هذه الاحجار

تكلمهما ، ولكنهم رجال في حفرة بحضرة الاحجار ، قد خبأهم محمد تحت الارض

فهي تكلمهما لغيرنا ويختدعنا .

فأقبلت عند ذلك أحجار عشرة من تلك الصخور ، وتحلقت وارتفعت فوق العشرة

المتكلمين بهذا الكلام ، فما زالت تقع بهاماتهم وترتفع وترضضها حتى ما بقي

من العشرة أحد إلا سال دماغه ودماؤه من منخريه ، وتخلخل رأسه وهامته ويافوخه ( 3 )

فجاء أهلوهم وعشائرهم يبكون ويضجون ، يقولون : أشد من مصابنا بهؤلاء

تبجح محمد وتبذخه ( 4 ) بأنهم قتلوا بهذه الاحجار ـ فصار ذلك ـ آية له ودلالة ومعجزة .

* ( هامش ) * 1 ) الشدخ : الكسر .

2 ) وجم : سكت عجز عن التكلم من شدة الغيظ أو الخوف .

3 ) اليافوخ : ملتقى عظم مقدم الرأس ومؤخره .

4 ) التبجح : اظهار الفرح . والتبذح : اظهار التكبر والعلو . ( * )

ـ375ـ

فأنطق الله عزوجل جنائزهم ـ فقالت ـ ( 1 ) : صدق محمد وما كذب ، وكذبتم

وما صدقتم . واضطربت الجنائز ، ورمت من عليها ، وسقطوا على الارض ونادت :

ما كنا لننقاد ليحمل علينا أعداء الله إلى عذاب الله .

فقال أبوجهل ( لعنه الله ) : إنما سحر محمد هذه الجنائز كما سحر تلك الاحجار

والجلاميد والصخور ، حتى وجد منها من النطق ما وجد ، فان كانت - قتل هذه الاحجار

هؤلاء - لمحمد آية له وتصديقا لقوله ، وتثبيتا لامره ، فقالوا له : يسأل من خلقهم

أن يحييهم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا الحسن قد سمعت اقتراح الجاهلين ، وهؤلاء عشرة

قتلى ، كم جرحت بهذه الاحجار التي رمانا بها القوم يا علي ؟

قال على عليه السلام : جرحت ( أربع جراحات ) ( 2 ) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : قد جرحت

أنا ست جراحات ، فليسأل كل واحد منا ربه أن يحيي من العشرة بقدر جراحاته .

فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله لستة منهم فنشروا ، ودعا علي عليه السلام لاربعة منهم فنشروا .

ثم نادى المحيون : معاشر المسلمين إن لمحمد وعلي شأنا عظيما في الممالك

التي كنا فيها ، لقد رأينا لمحمد صلى الله عليه وآله مثالا على سرير عند البيت المعمور ، وعند

العرش ، ولعلي عليه السلام مثالا عند البيت المعمور وعند الكرسي وأملاك السماوات والحجب

وأملاك العرش يحفون بهما ويعظمونهما ويصلون عليهما ، ويصدرون عن

أوامرهما ، ويقسمون بهما على الله عزوجل لحوائجهم إذا سألوه بهما .

فآمن منهم سبعة نفر ، وغلب الشقاء على الآخرين . ( 3 )

* ( هامش ) * 1 ) استظهرها في " س " .

2 ) " ثلاث جراحات في كعبى ، قال : يا على جرحت أربعة جراحات " بعض النسخ .

وما في المتن هو الصحيح ، بقرينة أنها عشرة أحجار .

3 ) عنه البحار : 17 / 259 صدر ح 5 ، ومدينة المعاجز : 46 ح 88 ، واثبات الهداة 2 / 159

ح 606 مجملا . ( * )

ـ376ـ

ـ اشارة إلى حديث العباءة : ـ

261 - وأما تأييد الله عزوجل لعيسى عليه السلام بروح القدس ، فان جبرئيل هو الذي

لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله - وهو قد اشتمل بعباءته القطوانية ( 1 ) على نفسه وعلى

علي وفاطمة والحسين والحسن عليهم السلام وقال : " اللهم هؤلاء أهلي ، أنا حرب لمن

حاربهم ، وسلم لمن سالمهم ، محب لمن أحبهم ، ومبغض لمن أبغضهم ، فكن لمن

حاربهم حربا ، ولمن سالمهم سلما ، ولمن أحبهم محبا ، ولمن أبغضهم مبغضا " .

فقال الله عزوجل : " قد أجبتك إلى ذلك يا محمد " .

فرفعت ام سلمة جانب العباءة لتدخل ، فجذبه رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : لست هناك

وإن كنت في خير وإلى خير .

وجاء جبرئيل عليه السلام متدبرا ( 2 ) وقال : يا رسول الله اجعلني منكم ! قال : أنت منا .

قال : أفأرفع العباءة وأدخل معكم ؟ قال : بلى . فدخل في العباءة ، ثم خرج وصعد

إلى السماء إلى الملكوت الاعلى ، وقد تضاعف حسنه وبهاؤه .

وقالت الملائكة : قد رجعت بجمال خلاف ما ذهبت به من عندنا ! قال : وكيف

لا أكون كذلك وقد شرفت بأن جعلت من آل محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته ؟ !

قالت الاملاك في ملكوت السماوات والحجب والكرسي والعرش : حق لك

هذا الشرف أن تكون كما قلت .

وكان علي عليه السلام معه جبرئيل عن يمينه في الحروب ، وميكائيل عن يساره

وإسرافيل خلفه ، وملك الموت ( 3 ) أمامه . ( 4 )

* ( هامش ) * 1 ) أى البيضاء القصيرة المخمل ، وقطوان موضع بالكوفة ، منه الاكسية .

2 ) " مدثرا " أغلب النسخ والبحار . تدبر الامر : نظر في عواقبه وتفكر فيه .

3 ) " عزرائيل " ط . 4 ) عنه البحار : 17 / 261 ضمن ح 5 ، ج 26 / 343 ح 15 . ( * )

ـ377ـ

262 - وأما ابراء الاكمه والابرص ، والانباء بما يأكلون وما يدخرون في

بيوتهم ، فان رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان بمكة قالوا : يا محمد إن ربنا هبل ، الذى

يشفي مرضانا ، وينقذ هلكانا ، ويعالج جرحانا .

قال صلى الله عليه وآله : " كذبتم ، ما يفعل هبل من ذلك شيئا ، بل الله تعالى يفعل بكم ما يشاء

من ذلك . قال عليه السلام : فكبر هذا على مردتهم ، فقالوا : يا محمد ما أخوفنا عليك من

هبل أن يضربك باللقوة ( 1 ) والفالج والجذام والعمى ، وضروب العاهات لدعائك إلى خلافه .

قال صلى الله عليه وآله : لن يقدر على شئ مما ذكرتموه إلا الله عزوجل .

قالوا : يا محمد فان كان لك رب تعبده لا رب سواه ، فاسأله أن يضربنا بهذه

الآفات التي ذكرناها لك حتى نسأل نحن هبل أن يبرأنا منها ، لتعلم أن هبل هو شريك

ربك الذي إليه تومي وتشير .

فجاءه جبرئيل عليه السلام فقال : ادع أنت على بعضهم ، وليدع علي على بعض .

فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله على عشرين منهم ، ودعا علي صلى الله عليه وآله على عشرة .

فلم يريموا ( 2 ) مواضعهم حتى برصوا وجذموا وفلجوا ولقوا وعموا ، وانفصلت

عنهم الايدي والارجل ، ولم يبق في شئ من أبدانهم عضو صحيح إلا ألسنتهم

وآذانهم ، فلما أصابهم ذلك صيربهم إلى هبل ودعوه ليشفيهم ، وقالوا :

دعا على هولاء محمد وعلي ، ففعل بهم ما ترى فاشفهم .

فناداهم هبل : يا أعداء الله وأي قدرة لي على شئ من الاشياء ؟ والذى بعثه إلى

الخلق أجمعين ، وجعله أفضل النبيين والمرسلين ، لو دعا علي لتهافتت أعضائي

وتفاصلت أجزائي ، واحتملتني الرياح وتذروا إياي حتى لا يرى لشئ مني عين

ولا أثر ، يفعل الله ذلك بي حتى يكون أكبر جزء مني دون عشر عشير خردلة .

* ( هامش ) * 1 ) داء يصيب الوجه ، يعوج منه الشدق إلى احد جانبى العنق .

2 ) " يبرحوا " أ ، وكلاهما بمعنى واحد . ( * )

ـ378ـ

فلما سمعوا ذلك من هبل ضجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا : قد انقطع الرجاء

عمن سواك ، فأغثنا وادع الله لاصحابنا ، فانهم لايعودون إلى أذاك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : شفاؤهم يأتيهم من حيث أتاهم داؤهم ، عشرون علي وعشرة

على علي . فجاءوا بعشرين ، فأقاموهم بين يديه ، وبعشرة أقاموهم بين يدي علي عليه السلام .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للعشرين : غضوا أعينكم ، وقولوا : اللهم بجاه من بجاهه

ابتليتنا ، فعافنا بمحمد وعلي والطيبين من آلهما . وكذلك قال علي عليه السلام للعشرة

الذين بين يديه .

فقالوها ، فقاموا فكأنما انشطوا من عقال ، ما بأحد منهم نكبة ( 1 ) وهو أصح مما كان

قبل أن اصيب بما اصيب .

فآمن الثلاثون وبضع أهليهم ، وغلب الشقاء على ـ أكثر ـ الباقين . ( 2 )

263 - وأما الانباء بما كانوا يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، فان رسول الله

صلى الله عليه وآله - لما برؤا - قال لهم : آمنوا . فقالوا : آمنا . فقال : ألا أزيدكم بصيرة ؟ قالوا : بلى .

قال : أخبركم بما تغذى به هؤلاء وتداووا ؟ ـ فقالوا : قل يا رسول الله . فقال : ـ

تغذى فلان بكذا ، وتداوى فلان بكذا ، وبقي عنده كذا حتى ذكرهم أجمعين ، ثم

قال : ياملائكة ربي احضروني بقايا غذائهم ودوائهم على أطباقهم وسفرهم .

فأحضرت الملائكة ذلك ، وأنزلت من السماء بقايا طعام اولئك ودوائهم .

فقالوا : هذه البقايا من المأكول كذا ، والمداوى به كذا .

ثم قال : يا أيها الطعام أخبرنا ، كم اكل منك ؟

فقال الطعام : اكل مني كذا ، وترك مني كذا ، وهو ما ترون .

* ( هامش ) * 1 ) " نكتة " ب ، ط . والنكتة : الاثر .

2 ) عنه البحار : 17 / 262 ضمن ح 5 ، ومدينه المعاجز : 47 ضمن ح 88 ، واثبات الهداة :

2 / 158 ضمن ح 606 ( قطعة ) . ( * )

ـ379ـ

وقال بعض ذلك الطعام : أكل صاحبي ـ هذا ـ مني كذا وبقي مني كذا ، ( وجاء به ) ( 1 )

الخادم فأكل مني كذا ، وأنا الباقي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فمن أنا ؟ فقال الطعام والدواء : أنت رسول الله صلى الله عليك

وآلك . قال : فمن هذا ؟ - يشير إلى علي عليه السلام - فقال الطعام والدواء : هذا أخوك سيد

الاولين والآخرين ، ووزيرك أفضل الوزراء ، وخليفتك سيد الخلفاء . ( 2 )

264 - ثم وجه الله العذل ( 3 ) نحو اليهود - المذكورين - في قوله تعالى :

( ثم قست قلوبكم ) ( 4 )

( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ) فأخذ عهودكم ومواثيقكم بما

لا تحبون من بذل الطاعة لاولياء الله الافضلين وعباده المنتجبين محمد وآله الطاهرين

لما قالوا لكم كما أداه إليكم أسلافكم الذين قيل لهم : إن ولاية محمد ـ وآل محمد ـ

هي الغرض الاقصى والمراد الافضل ، ما خلق الله أحدا من خلقه ولا بعث أحدا من رسله

إلا ليدعوهم إلى ولاية محمد وعلي وخلفائه عليهم السلام ويأخذ به عليهم العهد ليقيموا عليه

وليعمل به سائر عوام الامم .

فلهذا ( استكبرتم ) كما استكبر أوائلكم حتى قتلوا زكريا ويحيى ، واستكبرتم

أنتم حتى رمتم قتل محمد وعلي عليهما السلام فخيب الله تعالى سعيكم ورد في نحوركم كيدكم

وأما قوله عزوجل : ( تقتلون ) فمعناه قتلتم ، كما تقول من توبخه ويلك كم ( 5 )

تكذب وكم تمخرق ( 6 ) ؟ ولا تريد ما ـ لم ـ يفعله بعد ، وإنما تريد : كم ( 7 ) فعلت ، وأنت

عليه موطن . ( 8 )

* ( هامش ) * 1 ) " وخانه " أ ، س . 2 ) التخريجة السابقة . 3 ) أى الملامة .

4 ) زاد في الاصل " الاية والقصة " والظاهر أنها من اضافات النساخ .

وقد تقدمت الاية والقصة ص 283 ح 141 الاية : 74 ، فراجع .

5 ) " لم " س ، ص وكذا ما يأتى . 6 ) المخرقة : الكذب والاختلاق .

7 ) " لم " ق ، د .

8 ) عنه البحار : 26 / 290 ح 49 ، وج 73 / 183 ، والبرهان : 1 / 124 ح 1 . ( * )

ـ380ـ

ـ واقعة ليلة العقبة : ـ

265 - قال الامام عليه السلام : ولقد رامت الفجره الكفرة ليلة العقبة قتل رسول الله صلى الله عليه وآله

ـ على العقبة ـ ورام من بقي من مردة المنافقين بالمدينة قتل علي بن أبي طالب عليه السلام

فما قدروا على مغالبة ربهم ، حملهم على ذلك حسدهم لرسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام

لما فخم من أمره ، وعظم من شأنه .

من ذلك : أنه لما خرج من المدينة - وقد كان خلفه عليها ( 1 ) قال له ( 2 ) : إن جبرئيل

أتاني وقال لي : يا محمد إن العلي الاعلى يقرئك ( 3 ) السلام ويقول لك : يا محمد إما

أن تخرج أنت ويقيم علي ، أو يخرج علي وتقيم أنت ، لابد من ذلك ، فان عليا قد

ندبته لاحدى اثنتين ، لا يعلم أحد كنه جلال من أطاعني فيهما ، وعظيم ثوابه غيري .

فلما خلفه ، أكثر المنافقون ـ الطعن ـ فيه ، فقالوا ( 4 ) : مله وسئمه ، وكره صحبته

فتبعه علي عليه السلام حتى لحقه - وقد وجد ( 5 ) مما قالوا فيه -

ـ حديث المنزلة : ـ

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أشخصك عن مركزك ؟

قال : بلغني عن الناس كذا وكذا . فقال له :

" أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " . ( 6 )

* ( هامش ) * 1 ) " عليا " أ . 2 ) " وقال " أ ، الاحتجاج ، البحار ، البرهان ، ومدينة المعاجز .

3 ) " يقرأ عليك " أ ، ص .

4 ) " قال أكثر المنافقين " أ . وفى البحار " الاقوال " بدل " الطعن " .

5 ) أى حزن . وزاد عليها في الاحتجاج : غما شديدا .

6 ) حديث المنزلة هذا ، هو من الاحاديث المتواترة ، روته الخاصة والعامة باسانيد متعددة ،

وقد قمنا باستقصائه عند تحقيقنا لكتاب " مائة منقبة " المنقبة 57 فراجع . ( * )

ـ381ـ

فانصرف علي عليه السلام إلى موضعه ، فدبروا عليه أن يقتلوه ، وتقدموا في أن يحفروا له

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 381 سطر 1 الى ص 390 سطر 23

فانصرف علي عليه السلام إلى موضعه ، فدبروا عليه أن يقتلوه ، وتقدموا في أن يحفروا له

في طريقه حفيرة طويلة قدر خمسين ذراعا ، ثم غطوها بحصر ( 1 ) رقاق ونثروا فوقها

يسيرا من التراب ، بقدر ما غطوا وجوه الحصر ، وكان ذلك على طريق علي عليه السلام

الذى لابد له من سلوكه ليقع هو ودابته في الحفيرة التي قد عمقوها ، وكان ما حوالي

المحفور أرض ذات حجارة ، ودبروا على أنه إذا وقع مع دابته في ذلك المكان

كبسوه بالاحجار حتى يقتلوه .

فلما بلغ على عليه السلام قرب المكان لوى فرسه عنقه ، وأطاله الله فبلغت جحفلته ( 2 )

اذنه وقال : يا أمير المؤمنين قد حفر ههنا ودبر عليك الحتف - وأنت أعلم - لا تمر فيه .

فقال له علي عليه السلام : " جزاك الله من ناصح خيرا ، كما تدبر بتدبيري ( 3 ) فان الله

عزوجل لا يخليك من صنعه الجميل " .

وسار حتى شارف المكان فتوقف الفرس خوفا من المرور على المكان .

فقال علي عليه السلام : سر باذن الله تعالى سالما سويا ، عجيبا شأنك ، بديعا أمرك .

فتبادرت الدابة ، فاذا الله ( 4 ) عزوجل قد متن الارض وصلبها ولام ( 5 ) حفرها

وجعلها كسائر الارض .

فلما جاوزها علي عليه السلام لوى الفرس عنقه ، ووضع جحفلته على اذنه ، ثم قال :

ما أكرمك على رب العالمين ، جوزك على هذا المكان الخاوي ؟ !

* ( هامش ) * 1 ) " بخص " أ ، س ، ص ، ق ، د . والظاهر أنها اما تصحيف لما في المتن ( حصر : جمع

حصير ) أو لكلمه " خوص " وهو ورق النخل ، مفردها خوصة . " بحصير " ب ، ط .

وما أثبتناه من الاحتجاج والبحار . وكذا التى تأتى .

2 ) " اذنيه " أ ، س ، ص والاحتجاج . والجحفل لذى الحافر كالشفة للانسان .

3 ) التدبير في الامر : التفكر فيه . وفى المطبوع : كما أنذرتنى .

4 ) " ربك " الاصل والبحار . وما في المتن من الاحتجاج . 5 ) أى أصلح . ( * )

ـ382ـ

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : جازاك الله بهذه السلامة عن تلك النصيحة التي نصحتني .

ثم قلب وجه الدابة إلى ما يلي كفلها ( 1 ) والقوم معه بعضهم كان أمامه ، وبعضهم

خلفه ، وقال : اكشفوا عن هذا المكان . فكشفوا ـ عنه ـ فاذا هو خاو ، ولا يسير عليه أحد

إلا وقع في الحفيرة ، فأظهر القوم الفزع ، والتعجبب مما رأوا .

فقال على عليه السلام للقوم : أتدرون من عمل هذا ؟ قالوا : لا ندري .

قال عليه السلام : لكن فرسي هذا يدري .

ـ ثم قال : ـ يا أيها الفرس كيف هذا ؟ ومن دبر هذا ؟

فقال الفرس : يا أمير المؤمنين إذا كان الله عزوجل يبرم ( 2 ) ما يروم جهال الخلق

نقضه أو كان ينقض ما يروم جهال الخلق إبرامه ، فالله هو الغالب والخلق هم المغلوبون

فعل هذا يا أمير المؤمنين فلان وفلان وفلان إلى أن ذكر العشرة بمواطاة من أربعة

وعشرين ، هم مع رسول الله صلى الله عليه وآله في طريقه .

ثم دبروا - هم - على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله على العقبة والله عزوجل من وراء

حياطة ( 3 ) رسول الله صلى الله عليه وآله ، وولي الله لا يغلبه الكافرون .

فأشار بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام بأن يكاتب رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك ويبعث

رسولا مسرعا ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إن رسول الله إلى محمد رسوله الله صلى الله عليه وآله أسرع

وكتابه إليه أسبق ، فلا يهمنكم ( 4 ) هذا .

فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وآله من العقبة التي بازائها فضائح المنافقين والكافرين نزل

دون العقبة ، ثم جمعهم فقال لهم : هذا جبرئيل الوحي الامين يخبرني :

" إن عليا دبر عليه كذا وكذا ، فدفع الله عزوجل عنه بألطافه وعجائب معجزاته

* ( هامش ) * 1 ) الكفل من الدابة : العجز أو الردف . 2 ) برم الامر : أحكمه .

3 ) حاطه حياطة : حفظه وتعهده .

4 ) " يمكنهم " ب ، ص ، ط . " يهتمكم " أ . هتمه بالضرب : ضعفه . ( * )

ـ383ـ

بكذا وكذا ، إنه صلب الارض تحت حافر دابته وأرجل أصحابه ، ثم انقلب على ذلك

الموضع علي عليه السلام وكشف عنه ، فرأيت الحفيرة

ثم إن الله عزوجل لامها كما كانت لكرامته عليه ، وأنه قيل له : كاتب بهذا

وأرسل إلى رسول الله ، فقال علي : رسول الله إلى رسول الله أسرع ، وكتابه إليه أسبق " .

ولم يخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بما قال علي عليه السلام على باب المدينة : إن من مع رسول

الله سيكيدونه ( 1 ) ويدفع الله عزوجل عنه .

فلما سمع الاربعة والعشرون أصحاب العقبة ما قاله صلى الله عليه وآله في أمر علي عليه السلام قال

بعضهم لبعض : ما أمهر محمدا بالمخرقة ، إن فيجا مسرعا أتاه ، أو طيرا من المدينة

من بعض أهله وقع عليه ! ؟ إن عليا قتل بحيلة كذا وكذا وهو الذى واطأنا عليه أصحابنا

فهو الآن لما بلغه كتم الخبر ، وقلبه إلى ضده ، يريد أن يسكن من معه ، لئلا يمدوا

أيديهم على ، وهيهات والله ما لبث عليا بالمدينة إلا حينه ( 2 ) ـ ولا أخرج محمدا إلى

هاهنا إلا حينه ـ وقد هلك علي وهو ههنا هالك لا محالة ، ولكن تعالوا حتى نذهب

إليه ونظهر له السرور بأمر علي ليكون أسكن لقلبه إلينا ، إلى أن نمضي فيه تدبيرنا .

فحضروه وهنؤوه على سلامة علي من الورطة التي رامها أعداؤه .

ـ اشارة إلى أن محبى على عليه السلام أفضل من الملائكة ـ

ثم قالوا له : ـ يا رسول الله ـ أخبرنا عن علي أهو أفضل أم ملائكة الله المقربون ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : وهل شرفت الملائكة إلا بحبها لمحمد وعلي وقبولها

لولايتهما ؟ إنه لا أحد من محبي على عليه السلام وقد نظف قلبه من قذر الغش والدغل

والغل ونجاسات الذنوب إلا كان أطهر وأفضل من الملائكة .

* ( هامش ) * 1 ) " منافقين سيكيدونه " ص ، الاحتجاج ، والبحار .

2 ) بفتح أوله . " حتفه " ص ، ط ، ق وكلاهما بمعنى الاجل . وكذا بعدها . ( * )

ـ384ـ

وهل أمر الله الملائكة بالسجود لآدم إلا لما كانوا قد وضعوه في نفوسهم ؟

إنه لا يصير في الدنيا خلق بعدهم إذا رفعوا عنها إلا وهم - يعنون أنفسهم - أفضل

منه في الدين فضلا ، وأعلم بالله وبنبيه ( 1 ) علما .

فأراد الله أن يعرفهم أنهم قد أخطأوا في ظنونهم واعتقاداتهم ، فخلق آدم وعلمه

الاسماء كلها ، ثم عرضها عليهم ، فعجزوا عن معرفتها ، فأمر آدم أن ينبئهم بها ، وعرفهم

فضله في العلم عليهم . ثم أخرج من صلب آدم ذريته ( 2 ) منهم الانبياء والرسل

والخيار من عباد الله أفضلهم محمد ، ثم آل محمد ، ومن الخيار الفاضلين منهم

أصحاب محمد وخيار امة محمد .

وعرف الملائكة بذلك أنهم أفضل من الملائكة ( إذا احتملوا ) ( 3 ) ما حملوه من

الاثقال وقاسوا ما هم فيه من تعرض ( 4 ) أعوان ( 5 ) الشياطين ومجاهدة النفوس ، واحتمال

أذى ثقل العيال ، والاجتهاد في طلب الحلال ، ومعاناة مخاطرة الخوف من الاعداء -

من لصوص مخوفين ، ومن سلاطين جورة قاهرين - وصعوبة المسالك في المضائق

والمخاوف ، والاجزاع ( 6 ) والجبال والتلال لتحصيل أقوات الانفس والعيال من

الطيب الحلال .

عرفهم الله عزوجل أن خيار المؤمنين يحتملون هذه البلايا ، ويتخلصون منها

ويحاربون الشياطين ويهزمونهم ، ويجاهدون أنفسهم بدفعها عن شهواتها ، ويغلبونها

مع ما ركب فيهم من شهوة الفحولة وحب اللباس والطعام والعز والرئاسة ، والفخر

* ( هامش ) * 1 ) " بدينه " الاحتجاج والبحار . 2 ) " اذ حملوا " أ .

3 ) " ( مما ) يعرض من " أ ، ط . " بعرض من " البحار : 21 . " بعرض يعرض من " الاحتجاج ، ق ، د .

4 ) " اغواء " ط .

5 ) جمع جزع - بالكسر وقد يفتح - وهو منعطف الوادى ووسطه أو مفتتحه ، أو مكان

بالوادى لا شجر فيه ، وربما كان رملا . ( * )

ـ385ـ

والخيلاء ، ومقاساة العناء ( 1 ) والبلاء من إبليس - لعنه الله - وعفاريته ، وخواطرهم

وإغوائهم واستهوائهم ، ودفع ما يكابدونه من ألم الصبر على سماع الطعن من أعداء

الله ، وسماع الملاهي ، والشتم لاولياء الله ، ومع ما يقاسونه في أسفارهم لطلب أقواتهم

والهرب من أعداء دينهم ، والطلب لمن يأملون معاملته من مخالفيهم في دينهم .

قال الله عزوجل : يا ملائكتي وأنتم من جميع ذلك بمعزل : لا شهوات الفحولة

تزعجكم ، ولا شهوة الطعام تحقركم ( 2 ) ولا الخوف من أعداء دينكم ودنياكم ينخب ( 3 )

في قلوبكم : ولا لابليس في ملكوت سماواتي وأرضي شغل ( 4 ) على إغواء ملائكتي

الذين قد عصمتهم منهم .

يا ملائكتي فمن أطاعني منهم وسلم دينه من هذه الآفات والنكبات فقد احتمل

في جنب محبتى ما لم تحتملوه ، واكتسب من القربات ما لم تكتسبوه .

فلما عرف الله ملائكته فضل خيار امة محمد صلى الله عليه وآله وشيعة علي عليه السلام وخلفائه

عليهم ، واحتمالهم في جنب محبة ربهم ما لا تحتمله الملائكة أبان بني آدم الخيار

المتقين بالفضل عليهم .

ثم قال ـ الله ـ فلذلك فاسجدوا لآدم لما كان مشتملا على أنوار هذه الخلائق الافضلين .

ـ ذكر فضل العلم : ـ

ولم يكن سجودهم لآدم ، إنما كان آدم قبلة لهم يسجدون نحوه لله عزوجل ، وكان

* ( هامش ) * 1 ) " الضنى " ب ، س ، ص ، ط ، ق ، د . والضنى : سوء الحال والمرض .

2 ) " تحفزكم " الاحتجاج ، والبحار . الحفز : الدفع من الخلف .

3 ) " يتحنب " أ . " تنحب " ق ، د ، والاحتجاج . " تنحت " ط . حنبه الكبر : نكسه .

قال المجلسى ( ره ) : النخب : النزع ، وفى بعض النسخ بالحاء المهملة وهو السير السريع

4 ) " سبيل " ب . ( * )

ـ386ـ

بذلك معظما مبجلا له ، ولا ينبغي لاحد أن يسجد ( لاحد من دون ) ( 1 ) الله ، ويخضع

له كخضوعه لله ، ويعظمه - بالسجود له - كتعظيمه لله ، ولو أمرت ( 2 ) أحدا أن يسجد

ـ هكذا ـ لغير الله ، لامرت ضعفاء شيعتنا وسائر المكلفين من شيعتنا ( 3 ) أن يسجدوا لمن

توسط في علوم علي وصي رسول الله ، ومحض وداد ( 4 ) خير خلق الله علي بعد محمد

رسول الله ، واحتمل المكاره والبلايا في التصريح باظهار حقوق الله ، ولم ( ينكر علي ) ( 5 )

حقا ارقبه عليه ( 6 ) قد كان جهله أو أغفله .

ثم قال رسول الله عليه وآله : عصى الله إبليس ، فهلك لما كان معصيته بالكبر على آدم

وعصى الله آدم بأكل الشجرة ، فسلم ولم يهلك لما لم يقارن بمعصيته التكبر على محمد

وآله الطيبين ، وذلك أن الله تعالى قال له :

" يا آدم عصاني فيك إبليس ، وتكبر عليك فهلك ، ولو تواضع لك بأمري ، وعظم

عز جلالي لافلح كل الفلاح كما أفلحت ، وأنت عصيتني بأكل الشجرة ، وبالتواضع

لمحمد وآل محمد تفلح كل الفلاح ، وتزول عنك وصمة الذلة ( 7 ) فادعني بمحمد

وآله الطيبين لذلك " .

فدعا لهم ، فأفلح كل الفلاح لما تمسك بعروتنا أهل البيت .

* ( هامش ) * 1 ) " لغير " أ . 2 ) في " أ " الفعل على بناء المجهول ، وكذا الذى بعده .

3 ) " متبعينا " س ، ط . 4 ) يقال : محض فلانا الود أو النصح : أخلصه أياه .

5 ) " يظهر الا " أ .

6 ) أى أرصده له وانتظر رعايته منه ، أو من قولهم " رقبه " أى جعل الحبل في رقبته . قاله

المجلسى ( ره ) . 7 ) " الزلة " ص ، الاحتجاج ، والبحار . ( * )

ـ387ـ

ـ أمره صلى الله عليه وآله لحذيفة وماجرى له : ـ

ثم ان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بالرحيل في أول نصف الليل الاخير ، وأمر مناديه

فنادى : ألا لايسبقن رسول الله صلى الله عليه وآله أحد إلى العقبة ، ولا يطأها حتى يجاوزها رسول الله صلى الله عليه وآله .

ثم أمر حذيفة أن يقعد في أصل العقبة ، فينظر من يمر به ، ويخبر رسول الله صلى الله عليه وآله

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أمره أن يستتر ( 1 ) بحجر .

فقال حذيفة : يا رسول الله إني أتبين الشر في وجوه رؤساء عسكرك ، وإني

أخاف إن قعدت في أصل الجبل ، وجاء منهم من أخاف أن يتقدمك إلى هناك للتدبير

عليك يحس بي ، فيكشف عني ، فيعرفني وموضعي من نصيحتك فيتهمني

ويخافني فيقتلني .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنك إذا بلغت أصل العقبة ، فاقصد أكبر صخرة هناك إلى

جانب أصل العقبة وقل لها : " إن رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرك أن تنفرجي لي حتى أدخل

في جوفك ، ثم يأمرك أن ينثقب فيك ثقبة أبصر منها المارين ، ويدخل علي منها الروح

لئلا أكون من الهالكين " فانها تصير إلى ما تقول لها باذن الله رب العالمين .

فادى حذيفة الرسالة ودخل جوف الصخرة ، وجاء الاربعة والعشرون على جمالهم

وبين أيديهم رجالتهم ، يقول بعضهم لبعض :

من رأيتموه ههنا كائنا من كان فاقتلوه ، لئلا يخبروا محمدا أنهم قد رأونا ههنا

فينكص ( 2 ) محمد ، ولا يصعد هذه العقبة إلا نهارا ، فيبطل تدبيرنا عليه .

* ( هامش ) * 1 ) راجع دلائل النبوة : 5 / 256 باب " رجوع النبى صلى الله عليه وآله من تبوك ، . ومكر

المنافقين به في الطريق ، وعصمة الله تعالى اياه واطلاعه عليه ، وما ظهر في ذلك من أثار النبوة "

وفيه : قال حذيفة : عرفت راحلة فلان وفلان . وغشيتهم وهم متلثمون .

2 ) أى فيحجم ويرجع عما كان عليه . " فيمكث " ق . " فينكث " د . ( * )

ـ388ـ

وسمعها حذيفة ، واستقصوا فلم يجدوا أحدا ، وكان الله قد ستر حذيفة بالحجر عنهم

فتفرقوا ، فبعضهم صعد على الجبل وعدل عن الطريق المسلوك ، وبعضهم وقف على

سفح الجبل عن يمين وشمال ، وهم يقولون ، ألا ( 1 ) ترون حين محمد ( 2 ) كيف أغراه

بأن يمنع الناس من صعود العقبة حتى يقطعها هو لنخلوا به ههنا فنمضي فيه تدبيرنا

وأصحابه عنه بمعزل ؟ وكل ذلك يوصله الله من قريب أو بعيد إلى اذن حذيفة ويعيه .

فلما تمكن القوم على الجبل حيث أرادوا كلمت الصخرة حذيفة وقالت : إنطلق

الآن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بما رأيت وما سمعت . قال حذيفة : كيف أخرج عنك وإن رآني القوم قتلوني مخافة على أنفسهم من نميمتي علهيم ؟

قالت الصخرة : إن الذي مكنك من جوفي ، وأوصل إليك الروح من الثقبة التي

أحدثها في هو الذي يوصلك إلى نبي الله وينقذك من أعداء الله ( 3 ) .

فنهض حذيفة ليخرج ، وانفرجت الصخرة ، فحو له الله طائرا فطار في الهواء محلقا

حتى انقض بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم أعيد على صورته ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله

بما رأى وسمع .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أوعرفتهم بوجوههم ؟ قال : يا رسول الله كانوا متلثمين وكنت

أعرف أكثرهم بجمالهم ، فلما فتشوا الموضع فلم يجدوا أحدا ، أحدروا ( 4 ) اللثام

فرأيت وجوههم وعرفتهم بأعيانهم وأسمائهم فلان وفلان حتى عد أربعة وعشرين .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا حذيفة إذا كان الله تعالى يثبت محمدا لم يقدر هؤلاء

ولا الخلق أجمعون أن يزيلوه ، إن الله تعالى بالغ في محمد أمره ولو كره الكافرون .

ثم قال : يا حذيفة فانهض بنا أنت وسلمان وعمار ، وتوكلوا على الله ، فاذا جزنا

* ( هامش ) * 1 ) " الان " ق ، د ، ط . 2 ) أى : أجله . 3 ) " أعدائك " أ .

4 ) " اخذوا " أ . " رفعوا " خ ل . أحدر الثوب : كفه وفتل أطراف هدبه . ( * )

ـ389ـ

الثنية ( 1 ) الصعبة فأذنوا للناس أو يتبعونا .

فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على ناقته وحذيفة وسلمان أحدهما آخذ بخطام ناقته

يقودها ، والآخر خلفها يسوقها ، وعمار إلى جانبها ، والقوم على جمالهم ورجالتهم

منبثون حوالي الثنية على تلك العقبات ، وقد جعل الذين فوق الطريق حجارة في دباب

فدحرجوها من فوق لينفروا الناقة برسول الله صلى الله عليه وآله ، وتقع به في المهوى الذي يهول

الناظر النظر إليه من بعده .

فلما قربت الدباب من ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله أذن الله تعالى لها ، فارتفعت ارتفاعا

عظيما فجاوزت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سقطت في جانب المهوى ، ولم يبق منها شئ

إلا صار كذلك ، وناقة رسول الله صلى الله عليه وآله كأنها لا تحس بشئ من تلك القعقعات ( 2 ) التي

كانت للدباب .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار : اصعد الجبل فاضرب بعصاك هذه وجوه رواحلهم

فارم بها . ففعل ذلك عمار ، فنفرت بهم ، سقط بعضهم فانكسر عضده ، ومنهم من

انكسرت رجله ومنهم من انكسر جنبه ( 3 ) واشتدت لذلك أوجاعهم ، فلما جبرت واندملت

بقيت عليهم آثار الكسر إلى أن ماتوا .

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله - في حذيفة وأمير المؤمنين عليه السلام - : إنهما أعلم الناس

بالمنافقين ، لقعوده في أصل العقبة ( 4 ) ومشاهدته من مر سابقا لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وكفى

الله رسوله أمر من قصد له ، وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة ، فكسى الله الذل والعار

من كان قعد عنه ، وألبس الخزي من كان دبر على علي عليه السلام ما دفع الله عنه . ( 5 )

* ( هامش ) * 1 ) " العقبة " أ ، ب . وكذا ما بعدها . 2 ) تقعقع : صوت - بالتشديد - عند التحرك .

3 ) " انكسرت جبينه " أ 4 ) " الجبل " البحار .

5 ) عنه الوسائل : 4 / 986 ح 7 ( قطعة ) ، والبحار : 11 / 136 ح 1 ،  21 / 223 ح 6

وج 26 / 338 ح 4 ( قطعة ) ، وج 60 / 304 ح 18 ( قطعة ) وعن الاحتجاج : 1 59 - 66 < ( * )

ـ390ـ

قوله عزوجل : ( وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ) : 88

266 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل : ( وقالوا ) يعنى هؤلاء اليهود الذين

أراهم رسول الله صلى الله عليه وآله المعجزات المذكورات - عند قوله : ( فهي كالحجارة ) الآية - .

( قلوبنا غلف ) أوعية للخير ، والعلوم قد أحاطت بها واشتملت عليها ، ثم هي مع

ذلك لا تعرف لك يا محمد فضلا مذكورا في شئ من كتب الله ، ولا على لسان أحد

من أنبياء الله .

فقال الله تعالى ردا عليهم : ( بل ) ليس كما يقولون أوعية العلوم ولكن قد ( لعنهم

الله ) أبعدهم من الخير ( فقليلا ما يؤمنون ) قليل إيمانهم ، يؤمنون ببعض ما أنزل الله

تعالى ويكفرون ببعض ، فاذا كذبوا محمدا صلى الله عليه وآله في سائر ما يقول ، فقد صار ما كذبوا

به أكثر ، وما صدقوا به أقل .

وإذا قرئ ( غلف ) ( 1 ) فانهم قالوا : قلوبنا ـ غلف ـ في غطاء ، فلا نفهم كلامك

وحديثك . نحو ما قال الله تعالى : ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا

وقر ومن بيننا وبينك حجاب ) ( 2 ) .

وكلا القراءتين حق ، وقد قالوا بهذا وبهذا جميعا . ( 3 )

267 - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : معاشر اليهود تعاندون رسول الله رب العالمين

* ( هامش ) * > باسناده عن الحسن العسكرى عليه السلام . وأخرج قطعا منه في اثبات الهداة : 2 / 23

ح 313 وج 3 / 496 ح 474 ، وج 4 / 523 ح 149 عن الاحتجاج .

1 ) القراءة المشهورة " غلف " بسكون اللام ، وروى في الشواذ " غلف " بضم اللام عن أبى عمرو

فمن قرأ بتسكين اللام فهو جمع الاغلف ، يقال للسيف اذا كان في غلاف : أغلف .

ومن قرأ بضم اللام فهو جمع غلاف ، فمعناه أن قلوبنا أوعية العلم فما بالها لا تفهم .

قاله الطبرسى في تفسيره : 1 / 156 . 2 ) فصلت : 5 .

3 ) عنه البحار : 9 / 320 ح 14 ، وج 70 / 170 ح 20 ، والبرهان : 1 / 125 صدر ح 1 . ( * )

ـ391ـ

وتأبون الاعتراف بأنكم كنتم بذنوبكم من الجاهلين ، إن الله لا يعذب بها ( 1 ) ، أحدا

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 391 سطر 1 الى ص 400 سطر 23

وتأبون الاعتراف بأنكم كنتم بذنوبكم من الجاهلين ، إن الله لا يعذب بها ( 1 ) ، أحدا

ولا يزل عن فاعل هذا ( 2 ) عذابه أبدا ، إن آدم عليه السلام لم يقترح على ربه المغفرة لذنبه

إلا بالتوبة ، فكيف تقترحونها أنتم مع عنادكم .

ـ ذكر توبة آدم وتوسله بمحمد وآله صلوات الله عليهم اجمعين : ـ

قيل : وكيف كان ذلك يا رسول الله ؟ ـ قال : ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :

لما زلت ( 3 ) الخطيئة من آدم عليه السلام واخرج من الجنة وعوتب ووبخ قال : يا رب

إن تبت وأصلحت أتردني إلى الجنة ؟ قال : بلى .

قال آدم : فكيف أصنع يا رب حتى أكون تائبا وتقبل توبتي ؟

فقال الله عزوجل : تسبحني بما أنا أهله ، وتعترف بخطيئتك كما أنت أهله ، وتتوسل

إلى بالفاضلين الذين علمتك أسماءهم ، وفضلتك بهم على ملائكتي ، وهم محمد

وآله الطيبون وأصحابه الخيرون .

فوفقه الله تعالى فقال : يا رب لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا

وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين ( 4 ) بحق محمد وآله الطيبين

وخيار أصحابه المنتجبين ـ سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت

نفسي ، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم ، بحق محمد وآله الطيبين وخيار

أصحابه المنتجبين ـ .

فقال الله تعالى : لقد قبلت ثوبتك ، وآيه ذلك أني انقي بشرتك ، فقد تغيرت -

وكان ذلك لثلاث عشر ( 5 ) من شهر رمضان - فصم هذه الثلاثة الايام التي تستقبلك

* ( هامش ) * 1 ) أى بالتوبة والاعتراف . 2 ) أى العناد .

3 ) " وقعت " البحار : 26 . 4 ) " فتب على انك أنت التواب الرحيم " أ .

5 ) " ليلة ثلاث عشر " س ، ط . ( * )

ـ392ـ

فهي أيام البيض ينقي الله في كل يوم بعض بشرتك .

فصامها فنقى في كل يوم منها ثلث بشرته . فعند ذلك قال آدم .

يارب ما أعظم شأن محمد وآله وخيار أصحابه ؟

فأوحى الله تعالى إليه : يا آدم إنك لو عرفت كنه جلال ( 1 ) محمد وآله عندي

وخيار أصحابه ، لاحببته حبا يكون أفضل أعمالك . قال آدم : يا رب عرفني لاعرف .

قال الله تعالى : يا آدم إن محمدا لو وزن به ـ جميع ـ الخلق من النبيين والمرسلين

والملائكة المقربين وسائر عبادي الصالحين من أول الدهر إلى آخره ومن الثرى

إلى العرش لرجح بهم ، وإن رجلا من خيار آل محمد لو وزن به جميع آل النبيين

لرجح بهم ، وإن رجلا من خيار أصحاب محمد لو وزن به جميع أصحاب

المرسلين لرجح بهم .

يا آدم لو أحب رجل من الكفار أو جميعهم رجلا من آل محمد وأصحابه

الخيرين لكافأه الله عن ذلك بأن يختم له بالتوبة والايمان ، ثم يدخله ـ الله ـ الجنة .

إن الله ليفيض على كل واحد من محبي محمد وآله محمد وأصحابه من

الرحمة ما لو قسمت على عدد كعدد ـ كل ـ ما خلق الله من أول الدهر إلى آخره

وكانوا كفارا لكفاههم ، ولاداهم إلى عاقبة محمودة : الايمان بالله حتى يستحقوا به الجنة .

وإن رجلا ممن يبغض ـ آل ـ محمد وأصحابه الخيرين أو واحدا منهم لعذبه

الله عذابا لو قسم على مثل عدد ما خلق الله تعالى لاهلكهم أجمعين . ( 2 )

* ( هامش ) * 1 ) " حال " ب ، س . والكنه : جوهر الشئ وأصله وقدره وحقيقته .

2 ) عنه البحار : 9 / 321 ذ ح 14 ، وج 26 / 330 ح 12 ، وج 70 / 171 ذ ح 20 ( قطعة ، وج

97 / 109 ح 97 ، والبرهان : 1 / 125 ح 1 ، ومستدرك الوسائل : 1 / 592 ح 3 ب 9 . ( * )

ـ393ـ

قوله عزوجل : " ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من

قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله

على الكافرين " : 89 .

268 - قال الامام عليه السلام : ذم الله تعالى اليهود فقال : ( ولما جاءهم ) يعنى هؤلاء

اليهود - الذين تقدم ذكرهم - وإخوانهم من اليهود ، جاءهم ( كتاب من عند الله )

القرآن ( مصدق ) ذلك الكتاب ( لما معهم ) من التوراة التي بين فيها أن محمدا

الامي ( 1 ) من ولد إسماعيل ، المؤيد بخير خلق الله بعده : علي ولي الله .

( وكانوا ) يعني هؤلاء اليهود ( من قبل ) ظهور محمد صلى الله عليه وآله بالرسالة

( يستفتحون ) يسألون الله الفتح والظفر ( على الذين كفروا ) من أعدائهم والمناوين

لهم ، فكان الله يفتح لهم وينصرهم .

قال الله تعالى : ( فلما جاءهم ) جاء هؤلاء اليهود ( ماعرفوا ) من نعت محمد

صلى الله عليه وآله ( كفروا به ) وجحدوا نبوته حسدا له وبغيا عليه .

قال الله عزوجل : ( فلعنة الله على الكافرين ) . ( 2 )

ـ توسل اليهود أيام موسى عليه السلام بمحمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين : ـ

269 - قال امير المؤمنين عليه السلام : إن الله تعالى أخبر رسوله بما كان من إيمان

اليهود بمحمد صلى الله عليه وآله قبل ظهوره ، ومن استفتاحهم على أعدائهم بذكره ، والصلاة

عليه وعلى آله .

* ( هامش ) * 1 ) " الامين " البحار : 9 .

2 ) عنه البحار : 9 / 181 ح 9 ، وج 94 / 10 صدر ح 11 ، والبرهان : 1 / 126 صدر ح 1 . ( * )

ـ394ـ

قال عليه السلام : وكان الله عزوجل أمر اليهود في أيام موسى وبعده إذا دهمهم أمر ، ودهتهم

داهية أن يدعوا الله عزوجل بمحمد وآله الطيبين ، وأن يستنصروا بهم ، وكانوا

يفعلون ذلك حتى كانت اليهود من أهل المدينة قبل ظهور محمد صلى الله عليه وآله بسنين كثيرة

يفعلون ذلك ، فيكفون ( 1 ) البلاء والدهماء والداهية .

وكانت اليهود قبل ظهور محمد النبي صلى الله عليه وآله بعشر سنين يعاديهم ( 2 ) أسد وغطفان -

قوم من المشركين - ويقصدون أذاهم ، وكانوا يستدفعون شرورهم وبلاءهم بسؤالهم

ربهم بمحمد وآله الطيبين ، حتى قصدهم في بعض الاوقات أسد وغطفان في ثلاثة

آلاف فارس إلى بعض قرى اليهود حوالي المدينة ، فتلقاهم اليهود وهم ثلاثمائة

فارس ، ودعوا الله بمحمد وآله الطيبين الطاهرين فهزموهم وقطعوهم .

فقال أسد وغطفان بعضهما لبعض : تعالوا نستعين عليهم بسائر القبائل . فاستعانوا

عليهم بالقبائل وأكثروا حتى اجتمعوا قدر ثلاثين ألفا ، وقصدوا هؤلاء الثلاثمائة في

قريتهم ، فألجأوهم إلى بيوتها وقطعوا عنها المياه الجارية التي كانت تدخل إلى

قراهم ، ومنعوا عنهم الطعام ، واستأمن اليهود منهم فلم يؤمنوهم ، وقالوا : لا ، إلا أن

نقتلكم ونسبيكم وننهبكم .

فقالت اليهود بعضها لبعض : كيف نصنع ؟

فقال لهم أماثلهم وذوو الرأي منهم : أما أمر موسى عليه السلام أسلافكم ومن بعدهم

بالاستنصار بمحمد وآله ؟ أما أمركم بالابتهال إلى الله تعالى عند الشدائد بهم ؟

قالوا : بلى . قالوا : فافعلوا .

فقالوا : اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما سقيتنا ، فقد قطعت الظلمة عنا المياه

حتى ضعف شباننا ، وتماوتت ( 3 ) ولداننا ، وأشرفنا على الهلكة .

* ( هامش ) * 1 ) على بناء المجهول . 2 ) " يعادونهم " خ ل ، ط ، والبحار .

3 ) " تمادت " أ ، والبرهان .

تماوت : أظهر التخافت والتضاعف . وماد الرجل : أصابه دوار أو غشيان . ( * )

ـ395ـ

فبعث الله تعالى لهم وابلا هطلا سحا ( 1 ) أملا حياضهم وآبارهم وأنهارهم

وأوعيتهم وظروفهم فقالوا : هذه إحدى الحسنيين : ثم أشرفوا من سطوحهم على العساكر

المحيطة بهم ، فاذا المطر قد آذاهم غاية الاذى ، وأفسد ـ عليهم ـ أمتعتهم وأسلحتهم

وأموالهم .

فانصرف عنهم لذلك بعضهم ، وذلك أن المطر أتاهم في غير أوانه - في حمارة

القيظ ( 2 ) حين لايكون مطر - فقال الباقون من العساكر : هبكم سقيتم ، فمن أين تأكلون ؟

ولئن انصرف عنكم هؤلاء فلسنا ننصرف حتى نقهركم على أنفسكم وعيالاتكم

وأهاليكم وأموالكم ، ونشفي غيظنا منكم .

فقالت اليهود : إن الذي سقانا بدعائنا بمحمد وآله قادر على أن يطعمنا ، وإن

الذي صرف عنا من صرفه قادر على أن يصرف الباقين .

ثم دعوا الله بمحمد وآله أن يطعمهم .

فجاءت قافلة عظيمة من قوافل الطعام قدر ألفي جمل وبغل وحمار موقرة ( 3 ) حنطة

ودقيقا ، وهم لا يشعرون بالعساكر فانتهوا إليهم وهم نيام ، ولم يشعروا بهم ، لان الله تعالى

ثقل نومهم حتى دخلوا القرية ، ولم يمنعوهم ، وطرحوا فيها أمتعتهم وباعوها منهم

فانصرفوا وأبعدوا ، وتركوا العساكر نائمة ليس في أهلها عين تطرف ، فلما أبعدوا

انتبهوا ، ونابذوا ( 4 ) اليهود الحرب ، وجعل يقول بعضهم لبعض : الوحا ، الوحا ( 5 )

فان هؤلاء اشتد بهم الجوع وسيذلون لنا .

قال لهم اليهود : هيهات بل قد أطعمنا ربنا وكنتم نياما : جاءنا من الطعام كذا

* ( هامش ) * 1 ) سح الماء سحا : صبه صبا متتابعا غزيرا .

2 ) أى شدة الحر . 3 ) الوقر - بكسر الواو - : الحمل الثقيل .

4 ) أى جاهروا . 5 ) أى السرعة . وتقدم بيانها . ( * )

ـ396ـ

وكذا ، ولو أردنا قتالكم ( 1 ) في حال نومكم لتهيأ لنا ولكنا كرهنا البغي عليكم ، فانصرفوا

عنا وإلا دعونا عليكم بمحمد وآله ، واستنصرنا بهم أن يخزيكم ( 2 ) كما قد

أطعمنا وأسقانا .

فأبوا إلا طغيانا فدعوا الله بمحمد وآله واستنصروا بهم .

ثم برز الثلاثمائة إلى ( الناس للقاء ) ( 3 ) فقتلوا منهم وأسروا ، وطحطحوهم ( 4 )

واستوثقوا منهم باسرائهم ، فكانوا لا ينداهم ( 5 ) مكروه من جهتهم لخوفهم على من لهم

في أيدي اليهود .

فلما ظهر محمد صلى الله عليه وآله حسدوه ، إذ كان من العرب ، فكذبوه . ( 6 )

ـ دحر ابليس واعوانه بمحمد وآله صلوات عليهم اجمعين : ـ

270 - ثم قال رسول الله : هذه نصرة الله تعالى لليهود على المشركين بذكرهم

لمحمد وآله .

ألا فاذكروا يا امة محمد ، محمدا وآله عند نوائبكم وشدائدكم لينصر الله به

ملائكتكم على الشياطين الذين يقصدونكم .

فان كل واحد منكم معه ملك عن يمينه يكتب حسناته ، وملك عن يساره يكتب

سيئاته ، ومعه شيطانان من عند إبليس يغويانه ، فاذا وسوسا في قلبه ، ذكر الله وقال :

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله على محمد وآله الطيبين ، خنس

الشيطانان ثم صارا إلى إبليس فشكواه وقالا له : قد أعيانا أمره ، فامددنا بالمردة .

* ( هامش ) * 1 ) " قتلكم " ب ، س ، ط . 2 ) " يحرقكم " خ ل ، ط .

3 ) " ثلاثين ألفا " البحار . 4 ) أى كسروهم .

5 ) ينالهم " البحار ، والبرهان . وكلاهما بمعنى واحد .

6 ) عنه البحار : 94 / 10 ضمن ح 11 ، والبرهان : 1 / 126 ضمن ح 1 . ( * )

ـ397ـ

فلا يزال يمدهما حتى يمدهما بألف مارد ، فيأتونه ، فكلما راموه ذكر الله ، وصلى

على محمد وآله الطيبين لم يجدوا عليه طريقا ولا منفذا .

قالوا لابليس : ليس له غيرك تباشره بجنودك فتغلبه وتغويه ، فيقصده إبليس بجنوده .

فيقول الله تعالى للملائكة : " هذا إبليس قد قصد عبدي فلانا ، أو أمتي فلانة بجنوده

ألا فقاتلوهم " فيقاتلهم بازاء كل شيطان رجيم منهم ، مائة ـ ألف ـ ملك ، وهم على أفراس

من نار بأيديهم سيوف من نار ورماح من نار ، وقسي ونشاشيب ( 1 ) وسكاكين وأسلحتهم

من نار ، فلا يزالون بخرجونهم ويقتلونهم بها ، ويأسرون إبليس ، فيضعون عليه تلك

الاسلحة فيقول : يا رب وعدك وعدك ، قد أجلتني إلى يوم الوقت المعلوم .

فيقول الله تعالى للملائكة : " وعدته أن لا اميته ، ولم أعده أن لا اسلط عليه السلاح

والعذاب والآلام ، اشتفوا ( 2 ) منه ضربا بأسلحتكم فاني لا اميته "

فيثخنونه بالجراحات ثم يدعونه ، فلا يزال سخين العين ( 3 ) على نفسه وأولاده

المقتولين ، ولا يندمل شئ من جراحاته إلا بسماعه أصوات المشركين بكفرهم .

فان بقي هذا المؤمن على طاعة الله وذكره ، والصلاة على محمد وآله ، بقي على

إبليس تلك الجراحات ، وإن زال العبد عن ذلك ، وانهمك في مخالفة الله عزوجل

ومعاصيه ، اندملت جراحات إبليس ، ثم قوي على ذلك العبد حتى يلجمه ويسرج على

ظهره ويركبه ، ثم ينزل عنه ويركب على ظهره شيطانا من شياطينه ، ويقول لاصحابه :

أما تذكرون ما أصابنا من شأن هذا ؟ ذل وانقاد لنا الآن حتى صار يركبه هذا .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فان أردتم أن تديموا على إبليس سخنة عينه وألم جراحاته

فداوموا على طاعة الله وذكره ، والصلاة على محمد وآله ، وإن زلتم عن ذلك كنتم

* ( هامش ) * 1 ) أى سهام . 2 ) يقال : تشفى - بتشديد الفاء - من فلان : اذا نكى في عدوه نكاية تسره .

3 ) كناية عن دوام بكائه . ( * )

ـ398ـ

اسراء إبليس فيركب أقفيتكم ( 1 ) بعض مردته . ( 2 )

271 - وقال امير المؤمنين عليه السلام : وكان قضاء الحوائج وإجابة الدعاء ، إذا سئل

الله بمحمد وعلي وآلهما عليهم السلام ، مشهورا في الزمن السالف ، حتى أن من طال به

البلاء قيل : هذا طال بلاؤه ، لنسيانه الدعاء لله بمحمد وآله الطيبين .

ولقد كان من عجيب الفرج بالدعاء بهم : فرج ثلاثة نفر كانوا يمشون في صحراء

إلى جانب جبل ، فأخذتهم السماء ( 3 ) فألجأتهم إلى غار كانوا يعرفونه ، فدخلوه يتوقون

به من المطر ، وكان فوق الغار صخرة عظيمة تحتها مدرة ، هي راكبتها ، فابتلت المدرة

فتدحرجت الصخرة فصارت في باب الغار ، فسدته وأظلم عليهم المكان .

وقال بعضهم لبعض : قد عفا الاثر ( 4 ) ودرس الخبر ( 5 ) ولا يعلم بنا أهلونا ، ولو علموا

لما أغنوا عنا شيئا لانه لا طاقة للادميين بقلب هذه الصخرة عن هذا الموضع ، هذا

والله قبرنا الذي فيه نموت ، ومنه نحشر .

ثم قال بعضهم لبعض : أوليس موسى بن عمران عليه السلام ومن بعده من الانبياء أمروا

أنه إذا دهتنا داهية أن ندعوا الله بمحمد وآله الطيبين ؟ قالوا : بلى .

قالوا : فلا نعرف داهية أعظم من هذه .

فقالوا : ـ تعالوا ـ ندعوا الله بمحمد الاشرف الافضل وبآله الطيبين ويذكر كل

واحد منا حسنة من حسناته التي أراد الله بها ، فلعل الله أن يفرج عنا .

فقال احدهم : اللهم إن كنت تعلم أني كنت رجلا كثير المال ، حسن الحال أبني

القصور ، والمساكن والدور ، وكان لي اجراء ، وكان فيهم رجل يعمل عمل رجلين

* ( هامش ) * 1 ) أى أعناقكم .

2 ) عنه البحار : 63 / 271 ح 158 ، وج 94 / 12 ضمن ح 11 ، والبرهان : 1 / 127 ذ ح 1 .

2 ) " فأخذ بهم السيل " ب ، ط . 4 ) عفا أثر فلان : هلك .

5 ) درس الشئ : ذهب أثره . ( * )

ـ399ـ

فلما كان عند المساء عرضت عليه اجرة واحدة ، فامتنع ، وقال : إنما عملت عمل رجلين

فأنا أبتغي اجرة رجلين .

فقلت له : إنما اشترطت ( 1 ) عمل رجل ، والثاني فأنت به متطوع لا اجرة لك .

فذهب وسخط ( 2 ) ذلك ، وتركه علي ، فاشتريت بتلك الاجرة حنطة ، فبذرتها ، فزكت

ونمت ، ثم أعدت ما ارتفع في الارض فعظم زكاؤها ونماؤها ، ثم أعدت بعد ما ارتفع

- من الثاني - في الارض ، فعظم النماء والزكاء ، ثم ما زلت هكذا حتى ـ إني ـ

عقدت به الضياع والقصور والقرى والدور والمنازل والمساكن ، وقطعان ( 3 ) الابل

والبقر والغنم وصوار ( 4 ) العير والدواب ، والاثاث والامتعة ، والعبيد والاماء ، والفرش

والآلات والنعم الجليلة ، والدراهم والدنانير الكثيرة .

فلما كان بعد سنين مر بي ذلك الاجير ، وقد ساءت حاله وتضعضعت ، واستولى

عليه الفقر ، وضعف بصره ، فقال لي :

ياعبدالله أما تعرفني ؟ أنا أجيرك الذي سخطت اجرة واحدة ذلك اليوم ، وتركتها

لغنائي عنها ، وأنا اليوم فقير ـ وقد صرت كما ترى ـ وقد رضيت بها ، فأعطنيها .

فقلت له : دونك هذه الضياع والقرى والقصور والدور والمنازل والمساكن

وقطعان الابل والبقر والغنم وصوار العير والدواب ، والاثاث والامتعة ، والعبيد والاماء

والفرش والآلات والنعم الجليلة ، والدراهم والدنانير الكثيرة ، فتناولها إليك أجمع

مباركا ، فهي لك .

فبكى وقال لي : يا عبدالله سوفت حقي ما سوفت ، ثم أنت الآن تهزأ بي ! ؟ فقلت :

" ما أهزأ بك ، وما أنا إلا جاد مجد ، هذه كلها نتائج اجرتك تلك ، تولدت عنها

* ( هامش ) * 1 ) " شرطت عليك " ص ، والبحار .

2 ) سخط الشئ : كرهه . 3 ) " قطيعات " أ . وكذا بعدها .

4 ) بالضم والتشديد : القطيع . والعير : قافلة الحمير ، واطلقت على كل قافلة . ( * )

ـ400ـ

فالاصل كان لك ، فهذه الفروع كلها تابعة للاصل فهي لك " فسلمتها إليه أجمع .

اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت هذا رجاء ثوابك ، وخوف عقابك ، فافرج

عنا بمحمد الافضل الاكرم سيد الاولين والآخرين الذي شرفته ، وبآله أفضل آل

النبيين ، وأصحابه أكرم أصحاب المرسلين ، وأمته خير الامم أجمعين .

قال عليه السلام : فزال ثلث الحجر ودخل عليهم الضوء .

وقال الثانى : اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي بقرة أحتلبها ، ثم أروح بلبنها

على امي ، ثم أروح بسؤرها على أهلي وولدي ، فأخرني عائق ذات ليلة ، فصادفت

امي نائمة ، فوقفت عند رأسها لتنبه ( 3 ) لا انبهها من طيب وسنها ، وأهلي وولدي

يتضاغون ( 2 ) من الجوع والعطش ، فما زلت واقفا لا أحفل بأهلي وولدي حتى انتبهت

هي من ذات نفسها ، فسقيتها حتى رويت ، ثم عطفت بسؤرها على أهلي وولدي .

اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء ثوابك ، وخوف عقابك ، فافرج

عنا بحق محمد الافضل الاكرم سيد الاولين والآخرين ، الذي شرفته بآله أفضل

آل النبيين ، وأصحابه أكرم أصحاب المرسلين ، وامته خير الامم أجمعين .

قال عليه السلام : فزال ثلث آخر من الحجر ـ ودخل عليهم الضوء ـ وقوي طمعهم

في النجاة .

وقال الثالث : اللهم إن كنت تعلم أني هويت أجمل امرأة من بني إسرائيل

فراودتها عن نفسها ، فأبت علي إلا بمائة دينار ، ولم أكن أملك شيئا ، فما زلت أسلك

برا وبحرا وسهلا وجبلا ، واباشر الاخطار ، وأسلك الفيافي والقفار ، وأتعرض للمهالك

والمتالف أربع سنين حتى جمعتها ، وأعطيتها إياها ، ومكنتني من نفسها ، فلما قعدت

* ( هامش ) * 1 ) تنبه من نومه : استيقظ .

2 ) يقال : رأيت صبيانا يتضاغون ، اذا تباكوا . ويقال ضغاء لصوت كل ذليل مقهور . لسان

العرب : 14 / 485 . وفى " أ ، ص " ييضاعفون ؟ ؟ ؟ . ( * )

ـ401ـ

منها مقعد الرجل من أهله ، ارتعدت فرائصها ، وقالت لى :

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 401 سطر 1 الى ص 410 سطر 25

منها مقعد الرجل من أهله ، ارتعدت فرائصها ، وقالت لى :

" يا عبدالله إني جارية عذراء فلا تفض خاتم الله إلا بأمر الله عزوجل ، فانه إنما

حملني على أن امكنك من نفسي الحاجة والشدة "

فقمت عنها وتركتها وتركت المائة دينار عليها .

اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء ثوابك ، وخوف عقابك ، فافرج

عنا بحق محمد الافضل الاكرم سيد الاولين والآخرين ، الذي شرفته بآله أفضل

آل النبيين وأصحابه أكرم أصحاب المرسلين وامته خير الامم أجمعين .

قال : فزال الحجر كله ، وتدحرج ، وهو ينادي بصوت فصيح بين يعقلونه

ويفهمونه : بحسن نياتكم نجوتم ، وبمحمد الافضل الاكرم سيد الاولين والآخرين

( المخصوص بآل أفضل النبيين ، وأكرم أصحاب المرسلين ) ( 1 ) وبخير امة سعدتم

ونلتم أفضل الدرجات . ( 2 )

قوله عزوجل : " بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن

ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين

عذاب مهين " : 90

272 - قال الامام عليه السلام : ذم الله تعالى اليهود ، وعاب فعلهم في كفرهم بمحمد

صلى الله عليه وآله فقال : ( بئسما اشتروا به أنفهسم ) أي اشتروها بالهدايا والفضول ( 3 ) التي كانت تصل

إليهم ، وكان الله أمرهم بشرائها من الله بطاعتهم له ليجعل لهم أنفسهم والانتفاع بها

* ( هامش ) * 1 ) " وبآله أفضل آل النبيين ، وبأكرم أصحابه المؤمنين " ب .

2 ) عنه البحار : 94 / 13 ضمن ح 11 . وأورده السيوطى في الدر المنثور : 4 / 212 بلفظ

آخر ومن طرق متعددة عن الرسول صلى الله عليه وآله .

3 ) أى فضلات المال الزائدة عن الحاجة ، أو ما فضل من الغنيمة فلم ينقسم . ( * )

ـ402ـ

دائما في نعيم الآخرة فلم يشتروها ، بل اشتروها بما أنفقوه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وآله ليبقى

لهم عزهم في الدنيا ، ورياستهم على الجهال ، وينالوا المحرمات ، وأصابوا الفضولات

من السفلة وصرفوهم عن سبيل الرشاد ، ووقفوهم على طريق الضلالات .

ثم قال عزوجل : ( أن يكفروا بما أنزل الله بغيا ) أي بما أنزل على موسى عليه السلام

من تصديق محمد صلى الله عليه وآله بغيا ( أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ) .

قال : وإنما كان كفرهم لبغيهم وحسدهم له لما أنزل الله من فضله عليه وهو القرآن

الذي أبان فيه نبوته وأظهر به آيته ومعجزته .

ثم قال : ( فباؤ بغضب على غضب ) يعني رجعوا وعليهم الغضب من الله على

غضب في أثر غضب ، والغضب الاول حين كذبوا بعيسى بن مريم ، والغضب الثاني

حين كذبوا بمحمد صلى الله عليه وآله .

قال : والغضب الاول أن جعلهم قردة خاسئين ، ولعنهم على لسان عيسى عليه السلام

والغضب الثاني حين سلط الله عليهم سيوف محمد وآله وأصحابه وامته حتى ذللهم

بها فاما دخلوا في الاسلام طائعين ، وإما أدوا الجزية صاغرين داخرين ( 1 ) . ( 2 )

273 - وقال أمير المؤمنين عليه السلام : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول :

من سئل عن علم فكتمه حيث يجب إظهاره ، ويزول عنه التقية ، جاء يوم القيامة

ملجما بلجام من النار . ( 3 )

274 - وقال الامام عليه السلام : دخل جابر بن عبدالله الانصاري على أمير المؤمنين عليه السلام

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام :

يا جابر قوام هذه الدنيا بأربعة : عالم يستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم

* ( هامش ) * 1 ) دخر : ذل وصغر . 2 ) عنه البحار : 9 / 182 ح 10 ، والبرهان : 1 / 128 ح 1 .

3 ) عنه البحار : 2 / 72 صدرح 37 ، ج 7 / 217 ح 120 ، وعوالم العقل والعلم : 303

ح 24 ، وأورده في تنبيه الخواطر : 2 / 7 مرسلا عنه صلى الله عليه وآله . ( * )

ـ403ـ

وغني جواد بمعروفه ، وفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره .

يا جابر من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه . فان فعل ما يجب لله عليه

عرضها للدوام والبقاء ، وإن قصر فيما يجب لله عليه عرضها للزوال والفناء .

وأنشأ يقول شعرا :

ما أحسن الدنيا وإقبالها * إذا أطاع الله من نالها

من لم يواس الناس من فضله * عرض للادبار إقبالها

فاحذر زوال الفضل يا جابر * وأعط من ( الدنيا لمن ) ( 1 ) سالها

فان ذي العرش جزيل العطاء * يضعف بالجنة ( 2 ) أمثالها

ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام : فاذا كتم العالم ( العلم أهله ) ( 3 ) وزها ( 4 ) الجاهل في تعلم

ما لا بد منه ، وبخل الغني بمعروفه ، وباع الفقير دينه بدنيا غيره حل ( 5 ) البلاء

وعظم العقاب . ( 6 )

قوله عزوجل : " واذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما انزل

علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون

انبياء الله من قبل ان كنتم مؤمنين " : 91 .

275 - قال الامام عليه السلام : ( وإذا قيل ) لهؤلاء اليهود الذين تقدم ذكرهم :

* ( هامش ) * 1 ) " دنياك من " بقية النسخ . وما أثبتناه من د .

2 ) " بالحبة " ق ، د . 3 ) " علمه " أ .

4 ) أى تكبر وفخر . 5 ) " جل " ص ، البحار : 2 ، والعوالم .

6 ) عنه البحار : 1 / 178 ح 59 ، وج 2 / 72 ذ ح 37 ( قطعة ) ، وعوالم العقل والعلم : 201

ح 21 ، وص 303 ذ ح 24 قطعة . ( * )

ـ404ـ

( آمنوا بما أنزل الله ) على محمد من القرآن المشتمل على الحلال والحرام

والفرائض والاحكام .

( قالوا نؤمن بما انزل علينا ) وهو التوراة ( ويكفرون بما وراءه ) يعني ما

سواه ( 1 ) لا يؤمنون به ( وهو الحق ) والذي يقول هؤلاء اليهود " إنه وراءه " هو

الحق ! لانه هو الناسخ للمنسوخ الذي قدمه الله تعالى .

قال الله تعالى : ( قل فلم تقتلون ) لم ( 2 ) كان يقتل أسلافكم ( أنبياء الله من قبل

إن كنتم مؤمنين ) بالتوراة ، أي ( ليس في التوراة الامر ) ( 3 ) بقتل الانبياء ، فاذا كنتم تقتلون

الانبياء ، فما آمنتم بما انزل عليكم من التوراة ، لان فيها تحريم قتل الانبياء .

وكذلك إذا لم تؤمنوا بمحمد ، وبما انزل عليه وهو القرآن - وفيه الامر بالايمان

به - فأنتم ما آمنتم بعد بالتوراة . ( 4 )

276 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أخبر الله تعالى أن من لا يؤمن بالقرآن ، فما آمن

بالتوراة ، لان الله تعالى أخذ عليهم الايمان بهما ، لا يقبل الايمان بأحدهما إلا مع

الايمان بالآخر .

فكذلك فرض الله الايمان بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام كما فرض الايمان بمحمد

فمن قال : آمنت بنبوة محمد وكفرت بولاية علي عليه السلام فما آمن بنبوة محمد .

إن الله تعالى إذا بعث الخلائق يوم القيامة نادى منادي ربنا نداء تعريف الخلائق

* ( هامش ) * 1 ) أى ما سوى التوراة من الكتب المنزلة .

2 ) " أنبياء الله أى فلم كنتم تقتلون ، لم " أ . ص والبرهان " . . . تقبلون ما " ب ، س ، ط .

وما في المتن كما في البحار .

أقول : انما اسند فعل الاسلاف والاباء لهؤلاء الموجودين لانهم مقيمون على مذهبهم

وطريقتهم ، فكأنهم قد شركوهم في ذلك ، أضف اليه أنهم راضون بأفعالهم ، والراضى

بفعل قوم كالداخل فيه معهم . 3 ) " ليس ( ليست / خ ل ) التوراة الامرة " أ .

4 ) عنه البحار : 9 / 182 ح 11 ، والبرهان : 1 / 129 صدر ح 1 . ( * )

ـ405ـ

في إيمانهم وكفرهم ، فقال :

" الله أكبر ، الله أكبر " ومناد آخر ينادي : " معاشر الخلائق ساعدوه على هذه المقالة " :

فأما الدهرية والمعطلة فيخرسون عن ذلك ولا تنطلق ( 1 ) ألسنتهم ، ويقولها سائر

الناس من الخلائق ، فيمتاز الدهرية ـ والمعطلة ـ من سائر الناس بالخرس .

ثم يقول المنادى : " أشهد أن لا إله إلا الله " فيقول الخلائق كلهم ذلك إلا

من كان يشرك بالله تعالى من المجوس والنصارى وعبدة الاوثان فانهم يخرسون

فيبينون بذلك من سائر الخلائق .

ثم يقول المنادى : " أشهد أن محمدا رسول الله " فيقولها المسلمون أجمعون

ويخرس عنها اليهود والنصارى وسائر المشركين .

ـ في ان عليا عليه السلام قسيم الجنة والنار : ـ

ثم ينادى من آخر ( 2 ) عرصات القيامة : ألا فسوقوهم إلى الجنة ـ لشهادتهم لمحمد

صلى الله عليه وآله بالنبوة ـ ( 3 ) فاذا النداء من قبل الله تعالى : ـ لا ، بل ـ ( وقفوهم إنهم مسؤلون ) ( 4 )

يقول الملائكة الذين قالوا " سوقوهم إلى الجنة لشهادتهم لمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة " :

لماذا يوقفون يا ربنا ؟ فاذا النداء من قبل الله تعالى : ـ قفوهم ـ إنهم مسؤلون عن

ولاية علي بن أبي طالب وآل محمد ، يا عبادي وإمائي إني أمرتهم مع الشهادة

بمحمد بشهادة اخرى ، فان جاءوا بها فعظموا ثوابهم ، وأكرموا مآبهم ( 5 ) وإن لم يأتوا

بها لم تنفعهم الشهادة لمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة ولا لي بالربوبية ، فمن جاء بها فهو من

الفائزين ، ومن لم يأت بها فهو من الهالكين .

* ( هامش ) * 1 ) " تنطق " ص ، البحار ، والبرهان .

2 ) " ينادى مناد آخر من " ص ، والبحار . 3 ) من البحار والبرهان .

4 ) الصافات : 24 .

5 ) " مأواهم " أ . ( * )

ـ406ـ

قال : فمنهم من يقول : قد كنت لعلي بن أبي طالب بالولاية شاهدا ، ولآل محمد

محبا ، وهو في ذلك كاذب يظن أن كذبه ينجيه ، فيقال له : سوف نستشهد على ذلك عليا .

فتشهد أنت يا أبا الحسن ، فتقول : الجنة لاوليائي شاهدة ، والنار على أعدائي شاهدة .

فمن كان منهم صادقا خرجت إليه رياح الجنة ونسيمها فاحتملته ، فأوردته علالي

الجنة وغرفها وأحلته دار المقامة من فضل ربه ( 1 ) لا يمسه فيها نصب ولا يمسه

فيها لغوب ( 2 ) .

ومن كان منهم كاذبا جاءته ( 3 ) سموم النار وحميمها وظلها الذي هو ثلاث شعب

لا ظليل ولا يغني من اللهب ( 4 ) فتحمله ، فتعرفعه في الهواء ، وتورده في نار جهنم .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فلذلك أنت قسيم ـ الجنة و ـ النار ، تقول لها : هذا لي

وهذا لك . ( 5 )

277 - وقال جابر بن عبدالله الانصارى : ولقد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وحضره عبدالله

ابن صوريا - غلام أعور يهودي تزعم اليهود أنه أعلم يهودي بكتاب الله وعلوم أنبيائه

فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن مسائل كثيرة يعنته ( 6 ) فيها ، فأجابه عنها رسول الله صلى الله عليه وآله

بما لم يجد إلى إنكار شئ منه سبيلا .

فقال له : يا محمد من يأتيك بهذه الاخبار عن ( 7 ) الله ؟ قال : جبرئيل .

قال : لو كان غيره يأتيك بها لآمنت بك ، ولكن جبرئيل عدونا من بين الملائكة

فلو كان ميكائيل أو غيره سوى جبرئيل يأتيك بها لامنت بك .

* ( هامش ) * 1 ) " ربى " أ . 2 ) اشارة إلى قوله تعالى في سورة فاطر : 35

3 ) " أصابه " أ . 4 ) اشارة إلى قوله تعالى في سورة المرسلات : 30 و 31 .

5 ) عنه البحار : 7 / 186 ح 46 ، وص 275 ح 50 ، وج 8 / 166 ح 110 ، وج 9 / 183 ذ ح 11

والبرهان : 1 / 129 ح 1 .

6 ) أى شدد عليه وألزمه ما يصعب اداؤه ويشق تحمله . 7 ) " من عند " ص . ( * )

ـ407ـ

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ولم اتخذتم جبرئيل عدوا ؟

قال : لانه ينزل ( 1 ) بالبلاء والشدة على بني إسرائيل .

ودفع ( 2 ) دانيال عن قتل " بخت نصر " حتى قوى أمره ، وأهلك بنى إسرائيل .

وكذلك كل بأس وشدة لا ينزلها إلا جبرئيل ، وميكائيل يأتينا بالرحمة .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ويحك أجهلت أمر الله تعالى ! ؟ وما ذنب جبرئيل إن أطاع

الله فيما يريده بكم ؟ أرأيتم ملك الموت ؟ أهو عدوكم وقد وكله الله بقبض أرواح

الخلق الذي أنتم منه ؟

أرأيتم الآباء والامهات إذا وجروا ( 3 ) الاولاد الادوية الكريهة لمصالحهم ، أيجب أن

يتخذهم أولادهم أعداء من أجل ذلك ؟ لا ، ولكنكم بالله جاهلون ، وعن حكمته

غافلون ، أشهد أن جبرئيل وميكائيل بأمر الله عاملان ، وله مطيعان ، وأنه لا يعادي

أحدهما إلا مكن عادى الآخر ، وأن من زعم أنه يحب أحدهما ويبغض الآخر فقد كذب .

وكذلك محمد رسول الله وعلي أخوان ، كما أن جبرئيل وميكائيل أخوان ، فمن

أحبهما فهو من أولياء الله ، ومن أبغضهما فهو من أعداء الله ، ومن أبغض أحدهما وزعم

أنه يحب الآخر فقد كذب ، وهما منه بريئان ، وكذلك من أبغض واحدا مني ومن

علي ، ثم زعم أنه يحب الآخر فقد كذب ، وكلانا منه بريئان ، والله تعالى وملائكته

وخيار خلقه منه براء . ( 4 )

قوله عزوجل : " ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده

وأنتم ظالمون " : 92

* ( هامش ) * 1 ) " نزل " البحار . 2 ) يأتى ص 448 وبتفصيله ص 454 .

3 ) الوجور : الدواء الذى يصب في الفم .

4 ) عنه البحار : 9 / 283 ح 1 وعن الاحتجاج : 1 / 46 باسناده عن الحسن العسكرى عليه السلام . ( * )

ـ408ـ

278 - قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل لليهود الذين تقدم ذكرهم :

( ولقد جاءكم موسى بالبينات ) الدلالات ( 1 ) على نبوته ، وعلى ما وصفه من

فضل محمد وشرفه على الخلائق ، وأبان عنه من خلافة علي ووصيته ، وأمر

خلفائه بعده .

( ثم اتخذتم العجل - إلها - من بعده ) بعد انطلاقه إلى الجبل ، وخالفتم خليفته

الذي نص عليه وتركه عليكم ، وهو هارون عليه السلام

( وأنتم ظالمون ) كافرون بما فعلتم من ذلك . ( 2 )

ـ حديث الحدائق : ـ

279 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وقد مر معه بحديقة حسنة

فقال علي عليه السلام : ما أحسنها من حديقة ! فقال :

يا علي لك في الجنة أحسن منها . إلى أن مر بسبع حدائق كل ذلك يقول علي

عليه السلام : ما أحسنها من حديقة ! ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله : لك في الجنة أحسن منها .

ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله بكاءا شديدا ، فبكى علي عليه السلام لبكائه ، ثم قال : ما يبكيك

يا رسول الله ؟ قال : يا أخي ـ يا ـ أبا الحسن ضغائن في صدور قوم يبدونها لك بعدي .

قال على عليه السلام : يا رسول الله في سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة من دينك .

قال : يا رسول الله إذا سلم ديني فلا يسوءني ذلك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لذلك جعلك الله لمحمد تاليا ، وإلى رضوانه وغفرانه

داعيا ، وعن أولاد الرشد والغي بحبهم لك وبغضهم ـ عليك مميزا ـ منئبا ( 3 ) وللواء

* ( هامش ) * 1 ) " الدالات " س ، ص ، ق ، د ، البحار ، والبرهان . والمراد : الايات التسع مثل : اليد البيضاء

فلق البحر ، الطوفان . 2 ) عنه البحار : 228 / 66 ح 26 ، والبرهان : 1 / 130 ح 1 .

3 ) " مثيبا " ق . " منيبأ " د . ( * )

ـ409ـ

محمد يوم القيامة حاملا ، وللانبياء والرسل والصابرين ( 1 ) تحت لوائي إلى جنات

النعيم قائدا .

يا علي إن أصحاب موسى اتخذوا بعده عجلا وخالفوا خليفته ، وسيتخذ امتي

بعدي عجلا ، ثم عجلا ، ثم عجلا ، ويخالفونك ، وأنت خليفتي على هؤلاء ، يضاهئون

اولئك في اتخاذهم العجل .

ألا فمن وافقك وأطاعك فهو معنا في الرفيع الاعلى ، ومن اتخذ العجل بعدي

وخالفك ولم يتب ، فاولئك مع الذين اتخذوا العجل زمان موسى ، ولم يتوبوا ـ فهم ـ

في نار جهنم خالدين مخلدين . ( 2 )

* ( هامش ) * 1 ) " الصائرين " ص ، والبحار .

2 ) عنه البحار : 28 / 66 ح 26 . أقول : ان حديث الحدائق هو حديث متواتر عنه صلى

الله عليه وآله روته العامة والخاصة بأسانيد متعددة وألفاظ مختلفة ، منهم :

أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة : 2 / 651 ح 1109 .

والحاكم النيشابورى في المستدرك : 3 / 139 ، والخطيب البغدادى في تاريخ بغداد :

12 / 398 ، والخوارزمى في مناقبه : 37 ، وفي مقتل الحسين : 36 ، وابن الجوزى في

تذكرة الخواص : 45 ، والنجى في كفاية الطالب : 273 ، والطبرى في الرياض النضرة :

210 ، وفى ذخائر العقبى : 90 ، والحموينى في فرائد السمطين : 1 / 152 ح 115

والذهبى في ميزان الاعتدال : 2 / 331 ، وفى تلخيص المستدرك ( المطبوع بذيل المستدرك :

3 / 139 ) ، والهيثمى في مجمع الزوائد : 9 / 118 ، والشافعى في المناقب : 16 ( مخطوط )

والشبلنجى في نور الابصار : 88 ، والهاشمى في أئمة الهدى : 40 ، والامر تسرى في

أرجح المطالب : 664 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق : 2 / 321 - 325 بعدة أسانيد

جميعا بالاسانيد عن أبى عثمان النهدى عن على عليه السلام .

ورواه أيضا الهيثمى في مجمع الزوائد : 9 / 118 ( قال : رواه الطبرانى ) والكركى في

نفحات اللاهوت : 85 ، والامر تسرى في أرجح المطالب : 664 جميعا بالاسانيد عن

ابن عباس . ورواه المتقى الهندى في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد : < ( * )

ـ410ـ

280 - قال أبويعقوب ( 1 ) : قلت للامام عليه السلام : فهل كان لرسول الله صلى الله عليه وآله ولامير

المؤمنين عليه السلام آيات تضاهي آيات موسى عليه السلام ؟

فقال الامام عليه السلام : علي عليه السلام نفس رسول الله صلى الله عليه وآله ، وآيات رسول الله آيات علي

عليه السلام ، وآيات علي عليه السلام آيات رسول الله صلى الله عليه وآله ، وما من آية أعطاها الله تعالى موسى

عليه السلام ولا غيره من الانبياء إلا وقد أعطى الله محمدا مثلها أو أعظم منها .

واما العصا التي كانت لموسى عليه السلام فانقلبت ثعبانا ، فتلقفت ما أتته السحرة من

عصيهم وحبالهم ، فلقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله أفضل من ذلك ، وهو أن قوما من اليهود

أتوا محمدا صلى الله عليه وآله فسألوه وجادلوه ، فما أتوه بشئ إلا أتاهم في جوابه بما بهرهم .

فقالوا له : يا محمد إن كنت نبيا فأتنا بمثل عصا موسى .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الذي أتيتكم به أعظم ( 2 ) من عصا موسى ، لانه باق

* ( هامش ) * > 5 / 53 وفى كنز العمال : 15 / 146 وص 156 من عدة طرق ، والجوهرى في كتاب

الزيارات ( مخطوط ) ، والشافعى في المناقب : 16 ( مخطوط ) جميعا بالاسانيد عن أنس .

والعسقلانى في المطالب العالية : 4 / 60 من طريق البزار وأبى يعلى عن على عليه السلام

وأحمد المصرى في الاعتصام بحبل الاسلام : 159 ، والهاشمى الحنفى الهندى في

تفريح الاحباب في مناقب الال والاصحاب : 323 ، والنقشبندى في مناقب العشرة : 29

وباكثير الحضرمى في وسيلة المآل : 131 ( مخطوط ) والحيدر آبادى في مناقب على : 46

من طريق الحاكم وأحمد ، واللكنهوئى في مرآه المؤمنين : 114 من طريق أبى يعلى .

والباغونى في جواهر المطالب : 33 ، وابن حجر في المطالب العالية : 4 / 60 .

وأخرجه ابن شهر اشوب في مناقب آل أبى طالب : 2 / 121 ، عن مسند أبى يعلى واعتقاد

الاشنهى ومجموع أبى العلاء الهمدانى برواية أنس وأبى برزه وأبى رافع وعن الابانة

لابن بطة ( رواه من ثلاثة طرق ) . أخرجه عن بعض المصادر أعلاه في احقاق الحق : 6 / 180

- 181 وج 16 / 525 - 529 . وللحديث مصادر اخرى ، فراجع .

1 ) أى يوسف بن محمد الذى روى التفسير مع ابن سيار .

2 ) " أفضل " البحار . ( * )

ـ411ـ

بعدي إلى يوم القيامة معرض ( 1 ) لجميع الاعداء والمخالفين ، لا يقدر أحد منهم أبدا

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 411 سطر 1 الى ص 420 سطر 23

بعدي إلى يوم القيامة معرض ( 1 ) لجميع الاعداء والمخالفين ، لا يقدر أحد منهم أبدا

على معارضة سورة منه ، وإن عصا موسى زالت ولم تبق بعده فتمتحن ، كما يبقى

القرآن فيمتحن .

ثم إني سآتيكم بما هو أعظم من عصا موسى عليه السلام وأعجب . فقالوا : فأتنا .

فقال : إن موسى كانت عصاه بيده يلقيها ، فكانت القبط يقول كافرهم : هذا موسى

يحتال في العصا بحيلة .

وإن الله سوف يقلب خشبا لمحمد ثعابين بحيث لا تمسها يد محمد ولا يحضرها

إذا رجعتم إلى بيوتكم واجتمعتم الليلة في مجمعكم في ذلك البيت قلب الله تعالى

جذوع سقوفكم كلها أفاعي ، وهي أكثر من مائة جذع ، فتتصدع ( 2 ) مرارات أربعة منكم

فيموتون ، ويغشى على الباقين منكم إلى غداة غد ، فيأتيكم يهود فتخبرونهم بما رأيتم

فلا يصدقونكم ، فتعود بين أيديهم ، وتملا أعينهم ثعابين كما كانت في بارحتكم ، فيموت

منهم جماعة ، ويخبل ( 3 ) جماعة ، ويغشى على أكثرهم .

قال الامام عليه السلام : فو الذي بعثه بالحق نبيا لقد ضحك القوم ـ كلهم ـ بين يدي

رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحتشمونه ولا يهابونه ، يقول بعضهم لبعض : انظروا ما ادعي ؟ وكيف

قد عدا طوره ؟ ( 4 )

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن كنتم الآن تضحكون ، فسوف تكبون وتتحيرون ( 5 ) إذا

شاهدتم ما عنه تخبرون ( 6 ) ألا فمن هاله ذلك منكم ، وخشي على نفسه أن يموت أو

يخبل فليقل :

" اللهم بجاه محمد الذي اصطفيته ، علي الذي ارتضيته ، وأوليائهم الذين من

* ( هامش ) * 1 ) " متعرض " ط ، البحار ، والبرهان .

2 ) تصدع الشئ : تشقق وانشق . 3 ) أى يجن . 4 ) أى جاوز حده .

5 ) " وتحزنون " ق ، د . 6 ) " منه تتحيرون " ص ، د . ( * )

ـ412ـ

سلم لهم أمرهم اجتبيته ، لما قويتني على ما أرى " . وإن كان من يموت هناك ممن

( تحييه وتريد إحياءه ) ( 1 ) فليدع ـ له ـ بهذا الدعاء ، ينشره الله عزوجل ويقويه .

قال عليه السلام : فانصرفوا ، واجتمعوا في ذلك الموضع ، وجعلوا يهزأون بمحمد صلى الله عليه وآله

وقوله : " إن تلك الجذوع تنقلب أفاعى " .

فسمعوا حركة من السقف ، فاذا تلك الجذوع انقلبت أفاعي ، وقد ولت ( 2 ) رؤوسها

عن الحائط وقصدت نحوهم تلتقمهم ، فلما وصلت إليهم كفت عنهم ، وعدلت إلى ما

في الدار من أحباب ( 3 ) وجرار وكيزان ( 4 ) وصلايات ( 5 ) وكراسي وخشب وسلاليم

وأبواب ، فالتقمتها وأكلتها .

فأصابهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله إنه يصيبهم ، فمات منهم أربعة ، وخبل جماعة

وجماعة خافوا على أنفسهم ، فدعوا بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فقويت قلوبهم .

وكانت الاربعة ، أتى بعضهم فدعا لهم بهذا الدعاء ، فنشروا ، فلما رأوا ذلك قالوا :

إن هذا الدعاء مجاب به ، وإن محمدا صادق ، وإن كان يثقل علينا تصديقه واتباعه

أفلا ندعوا به لتلين - للايمان به ، والتصديق له ، والطاعة لاوامره وزواجره - قلوبنا ؟

فدعوا بذلك الدعاء ، فحبب الله عزوجل إليهم الايمان وطيبه في قلوبهم ، وكره

إليهم الكفر ، فآمنوا بالله ورسوله .

فلما أصبحوا من غد جاءت اليهود ، وقد عادت الجذوع ثعابين كما كانت ، فشاهدوها

* ( هامش ) * 1 ) " يحبه ويريد حياته " بقية النسخ . وما أثبتناه من ق .

2 ) " دلت " ص ، ط . " لوت " البحار ، والبرهان . ولى عن الشئ : ابتعد . دلى : أرسل .

3 ) : جمع " حب " ، وهى الجرة الكبيرة .

4 ) : جمع " كوز " وهو اناء كالابريق ، لكنه أصغر منه .

5 ) الصلاية : كل حجر عريض يدق عليه . ( * )

ـ413ـ

وتحيروا ، وغلب الشقاء عليهم . ( 1 )

281 - قال عليه السلام : وأما اليد فقد كان لمحمد صلى الله عليه وآله مثلها وأفضل منها وأكثر

من مرة كان صلى الله عليه وآله يحب أن يأتيه الحسن والحسين عليهما السلام ، وكانا يكونان عند أهليهما

أو مواليهما ـ أو دايتهما ـ ( 2 ) وكان يكون في ظلمة الليل ، فيناديهما رسول الله صلى الله عليه وآله :

يا أبا محمد ، يا أبا عبدالله هلما إلي .

فيقبلان نحوه من ذلك البعد وقد بلغهما صوته ، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله بسبابته ( 3 )

- هكذا - يخرجها من الباب ، فتضئ لهما أحسن من ضوء القمر والشمس ، فيأتيان ، ثم

تعود الاصبع كما كانت ، فاذا قضى وطره من لقائهما وحديثهما قال : ارجعا إلى موضعكما .

وقال بعد بسبابته هكذا ، فأضاءت أحسن من ضياء القمر والشمس ، قد أحاط بهما

إلى أن يرجعا إلى موضعهما ، ثم تعود إصبعه صلى الله عليه وآله كما كانت من لونها في سائر

الاوقات . ( 4 )

283 - ـ قال : ـ وأما الطوفان الذي أرسله الله تعالى على القبط فقد أرسل الله تعالى

مثله على قوم مشركين ، آية لمحمد صلى الله عليه وسلم .

فقال : إن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقال له : " ثابت بن الافلح " ( 5 ) قتل رجلا

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 17 / 265 صدر ح 6 وفى آخره : ومات منهم جماعة ، وغلب الشقاء على

الاخرين ، والبرهان : 2 / 29 صدر ح 4 واثبات الهداة : 2 / 159 صدر ح 607 .

2 ) الداية : المرضعة أو القابلة . 3 ) أي يشير بها .

4 ) عنه البحار : 17 / 267 ضمن ح 6 ، والبرهان : 2 / 30 ضمن ح 4 ، واثبات الهداة :

2 / 160 ضمن ح 607 .

5 ) " بن أبي الافلج ( الافلح ) " أ ، ص ، ق ، البرهان .

وقد اختلف في ضبط اسمه ، فهو تارة " الافلح " ، واخرى " الافلج " ، وثالثة " الاقلح "

وفى أكثر كتب العامة " ابن أبى الافلح / الاقلح " .

أقول : بعد النظر في القصة بطولها يحتمل استنساخ الكتاب تصحيفا واستقاطا < ( * )

ـ414ـ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

* ( هامش ) * > ولعله كان هكذا :

فلما وقع بالمسلمين يوم احد ما وقع - فانصرف المشركون ، واشتغل رسول الله

صلى الله عليه وآله وأصحابه ، بدفن أصحابه ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله عاصم

ابن ثابت في جماعة إلى بعض الاقوام اجابة لطلبهم في تعليمهم القرآن - قتل عاصم

ابن ثابت على ربوة من الارض ، فجاءت المرأة أبى سفيان . . الخبر .

وملخص القصة : أن عاصم بن ثابت قتل من المشركين رجلا هو زوج سلافة بنت سعد ،

اضافة إلى اثنين من أبنائها الاربعة المقتولين في معركة احد . وكانت سلافة - هذه -

قد نذرت : لئن قدرت على رأسه لتشرين في قحف رأسه الخمر . وجعلت لمن جاء

برأسه مائة ناقة ، فانتشر عهدها بين القبائل ، حتى بعث الرسول الله صلى الله عليه وآله

جماعة فيهم عاصم بن ثابت إلى بعض الاقوام - اجابة لطلبهم في تعليمهم القرآن

- فلما وصلوا إلى بطن الرجيع - وهو ماء لهذيل - قتلهم حى منها يقال لهم : بنو

لحيان ، وأرادوا أن يجتزوا رأس عاصم ، فمنعتهم الدبر - النحل - فقالوا : دعوه حتى

نمسى فنذهب به . فلما جاءوا ليلا بعث الله سيلا ، فاحتمله ، فذهب به ، فلم يصلوه .

ذلك أن عاصما قد كان عاهد الله من قبل : أن لا يمس مشركا ، ولا يمسه مشرك أبدا في

حياته . فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منه في حياته . وسمى بذلك " حمى الدبر " وتلك

هى غزوة الرجيع ، ولا يخفى أن غزوة احد كانت في شوال لسبع ليال خلون منه ، وبعدها

عزوة حمراء الاسد لثمان خلون منه ، وكلاهما سنة 3 ه ، ثم غزوة الرجيع في صفر سنة 4 ه .

لزيادة الاطلاع ، راجع اعلام الورى : 86 ، مناقب آل أبى طالب لابن شهر اشوب :

1 / 194 عنهما البحار : 20 / 150 ح 1 ، المغازى للواقدى : 356 ، رجال الشيخ : 25

رقم 49 ، رسالة الشيخ الحر : 79 رقم 276 ، رجال السيد الخوئى : 9 / 184 رقم

6049 ، اسد الغابة : 3 / 73 ، وقال في ص 76 عند ترجمته لعاصم بن عمر العدوى : وامه

جميلة بنت ثابت ، وقيل : بنت عاصم بن ثابت . سيرة ابن هشام : 3 / 79 و 178 - 180

تاريخ ابن الاثير : 1 / 156 وص 168 ، وغيرها . ( * )

ـ415ـ

من المشركين في بعض المغازي .

فنذرت إمرأة ذلك المشرك المقتول : " لتشربن في قحف رأس ذلك القاتل خمرا " .

فلما وقع بالمسلمين يوم احد ما وقع ، قتل " ثابت " ( 1 ) على ربوة ( 2 ) من الارض

فانصرف المشركون ، واشتغل رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه بدفن أصحابه .

فجاءت المرأة إلى أبى سفيان تسأله أن يبعث رجلا مع عبد لها إلى مكان ذلك

المقتول ، فيحز ( 3 ) رأسه فيؤتى به لتفي بنذرها ، فتشرب في قحفه ( 4 ) خمرا ، وقد كانت

البشارة ( 5 ) بقتله أتاها بها عبد لها ، فأعتقته وأعطته جارية لها ، ثم سألت أبا سفيان ، فبعث

إلى ذلك المقتول مائتين من أصحابه الجلد ( 6 ) في جوف الليل ليحزوا رأسه

فيأتونها به .

فذهبوا ، فجاءت ريح فدحرجت الرجل إلى حدور ( 7 ) فتبعوه ليقطعوا رأسه .

فجاء من المطر وابل عظيم ، فغرق المائتين ، ولم يوقف لذلك المقتول ولا لواحد

* ( هامش ) * 1 ) زاد في بعض النسخ : هذا .

2 ) الظاهر أن " ربوة من الارض " ليست بجبل احد . واليك استعمالاتها القرآنية :

" فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت " الحج : 5 ، وفصلت : 39 .

" وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " المؤمنون : 50 .

" كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت اكلها ضعفين " البقرة : 265 .

وهذا ينطبق على بطن الرجيع ، وهو ماء لهذيل ، حيث قتل عاصم . 3 ) " ليجز " ب ، والبرهان . " لينحر " ط وكلها بمعنى القطع .

4 ) أى قحفة رأسه . والقحف - بالكسر - : العظم الذى فوق الدماغ .

5 ) لا جدال أن اتيان خبر قتل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ليس بشارة

الا عند هذه المرأة التى كانت تترقب هذا الخبر : لتشتفى نفسها وتفى نذرها .

وزاد في بعض النسخ : أتتها .

6 ) أى ذوى القوة والصلابة . 7 ) أى المكان الذى ينحدر منه . ( * )

ـ416ـ

من المائتين على عين ولا أثر ، ومنع الله الكافرة مما أرادت .

فهذا أعظم من الطوفان آية لمحمد صلى الله عليه وآله . ( 1 )

283 - وأما الجراد المرسل على بني إسرائيل ، فقد فعل الله أعظم وأعجب منه

بأعداء محمد صلى الله عليه وآله ، فانه أرسل عليهم جرادا أكلهم ( 2 ) ولم يأكل جراد موسى رجال

القبط ، ولكنه أكل زروعهم .

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في بعض أسفاره إلى الشام ، وقد تبعه مائتان من

يهودها في خروجه عنها وإقباله نحو مكة ، يريدون قتله ، مخافة أن يزيل الله دولة اليهود

على يده ، فراموا قتله ، وكان في القافلة فلم يجسروا ( 3 ) عليه .

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد حاجة أبعد واستتر بأشجار ملتفة ( 4 ) أو بخربة بعيدة

فخرج ذات يوم لحاجته فأبعد وتبعوه ، وأحاطوا به ، وسلوا سيوفهم عليه ، فأثار ( 5 )

الله تعالى من تحت رجل محمد صلى الله عليه وآله من ذلك الرمل جرادا ، فاخترشتهم ( 6 ) وجعلت

تأكلهم ، فاشتغلوا بأنفسهم عنه .

فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من حاجته ، وهم يأكلهم الجراد ، رجع صلى الله عليه وآله إلى أهل

القافلة ، فقالوا ـ له : يا محمد ـ ما بال الجماعة خرجوا خلفك ولم يرجع منهم أحد ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : جاءوا يقتلونني فسلط الله عليهم الجراد فجاءوا ، فنظروا

إليهم فبعضهم قد مات ، وبعضهم قد كاد يموت ، والجراد يأكلهم ، فما زالوا ينظرون

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 17 / 267 ضمن ح 6 ، والبرهان : 2 / 30 ضمن ح 4 ، واثبات الهداة :

2 / 160 ضمن ح 607 .

2 ) " لاكلهم " ب ، س ، ط . 3 ) " يجترؤا " أ . وكلاهما بمعنى واحد .

4 ) " متباعدة " ب ، س ، ص ، د . " تكنفه " الحلية ، والبحار . كنف الشئ : صانه وحفظه .

5 ) " فأبان " ب ، س ، ط .

6 ) " فاحترشهم " س ، د . " فاجترشهم " ص . " فاحتوشتهم " البحار والبرهان . " فأجرشهم " ق .

خرشه وحرشه : خدشه ، واحتوش القوم فلانا : جعلوه وسطهم . ( * )

ـ417ـ

إليهم حتى أتى الجراد على أعيانهم ( 1 ) فلم تبق منهم شيئا . ( 2 )

284 - وأما القمل فان رسول الله صلى الله عليه وآله لما ظهر بالمدينة أمره ، وعلا بها شأنه

حدث يوما ( 3 ) أصحابه عن امتحان الله عزوجل للانبياء عليهم السلام وعن صبرهم على الاذى

في طاعة الله ، فقال في حديثه :

إن بين الركن والمقام قبور سبعين نبيا ما ماتوا إلا بضر الجوع والقمل . فسمع

ذلك بعض المنافقين من اليهود ، وبعض مردة كفار قريش فتآمروا ( 4 ) بينهم ـ وتوافقوا : ـ

ليلحقن محمدا بهم ، فليقتلنه بسيوفهم حتى لا يكذب . فتآمروا بينهم - وهم مائتان -

على الاحاطة به يوم يجدونه من المدينة ـ خاليا ـ خارجا .

فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله : يوما خاليا ، فتبعه القوم ، فنظر أحدهم إلى ثياب نفسه

وفيها قمل ، ثم جعل بدنه وظهره يحك من القمل ، فأنف منه أصحابه ، واستحيا فانسل

عنهم ، فأبصر آخر ذلك من نفسه فانسل فما زال كذلك حتى وجد ذلك كل واحد

من نفسه فرجعوا .

ثم زاد ذلك عليهم حتى استولى عليهم القمل ، وانطبقت حلوقهم ( 5 ) فلم يدخل

فيها طعام ولا شراب ، فماتوا كلهم في شهرين ، منهم من مات في خمسة أيام ، ومنهم

من مات في عشرة أيام وأقل وأكثر ، ولم يزد على شهرين حتى ماتوا بأجمعهم بذلك

القمل والجوع والعطش .

* ( هامش ) * 1 ) " أعينهم " أ ، ص . وكلاهما جمع " عين " .

2 ) عنه البحار : 17 / 268 ضمن ح 6 ، والبرهان : 2 / 30 ضمن ح 4 ، وحلية الابرار : 1 / 36

واثبات الهداة : 2 / 160 ضمن ح 607 .

3 ) " بها " أ . 4 ) أى فتشاوروا .

5 ) كذا في أكثر النسخ والبحار والبرهان . " حلقومهم " ب ، ط . وفي البحار / خ ل بلفظ

" ونقبت حلقومهم " . ( * )

ـ418ـ

فهذا القمل الذي أرسله الله على أعداء محمد صلى الله عليه وآله آية له . ( 1 )

285 - وأما الضفادع ، فقد أرسل الله مثلها على أعداء محمد صلى الله عليه وآله لما قصدوا قتله

فأهلكهم الله بالجرذ ، وذلك أن مائتين بعضهم كفار العرب ، وبعضهم يهود ، وبعضهم

أخلاط من الناس اجتمعوا بمكة في أيام الموسم ، وهموا أنفسهم ليقتلن محمدا صلى الله عليه وآله

فخرجوا نحو المدينة ، فبلغوا بعض تلك المنازل ، وإذا هناك ماء في بركة أو حوض

أطيب من مائهم الذي كان معهم ، فصبوا ماكان معهم ، وملاوا رواياهم ومزاودهم ( 2 )

من ذلك الماء وارتحلوا ، فبلغوا أرضا ذات جرذ ( 3 ) كثيرة ، فحطوا رواحلهم عندها

فسلطت على مزاودهم ورواياهم وسطايحهم ( 4 ) الجرذ فخرقتها وثقبتها ، وسالت مياهها

في تلك الحرة ( 5 ) فلم يشعروا إلا وقد عطشوا ولا ماء معهم .

فرجعوا القهقرى إلى تلك الحياض التي كانوا تزودوا منها تلك المياه ، وإذا الجرذ

قد سبقتهم إليها ، فثقبت أصولها وسالت في الحرة مياهها .

فوقفوا ( 6 ) آيسين من الماء وتماوتوا ، ولم ينقلب ( 7 ) منهم أحد إلا واحد كان لا يزال

يكتب على لسانه محمدا ، وعلى بطنه محمدا ، ويقول : يا رب محمد وآل محمد

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 17 / 268 ضمن ح 6 والبرهان : 2 / 31 ضمن ح 4 .

2 ) الرواية جمعها روايا : الدابة يستقى عليها أو المزادة من ثلاثة جلود فيها الماء .

قال ابن الاثير في النهاية : 2 / 279 : الروايا من الابل : الحوامل للماء ، واحدتها راوية

فشبهها بها ، ومنه سميت المزادة " راوية " ، وقيل : بالعكس ، انتهى .

وقال ابن منظور في لسان العرب : 14 / 346 : والوعاء الذى يكون فيه الماء انما هى

المزادة ، سميت رواية لمكان البعير الذى يحملها .

3 ) زاد في البرهان " وضفادع " وكذا بعدها . 4 ) السطيحة : المزادة أو أصغر منها .

5 ) الحرة - بفتح الحاء وتشديد الراء - : الارض ذات حجارة نخرة .

6 ) " فرجعوا " أ ، " فوقعوا " ص ، ق ، د والبرهان .

7 ) انقلب : انكب ورجع . ( * )

ـ419ـ

قد تبت من أذى محمد ، ففرج عنى بجاه محمد وآله محمد " .

فسلم ، وكف الله عنه العطش ، فوردت عليه قافلة ، فسقوه وحملوه وأمتعة القوم

وجمالهم ، وكانت ـ الجمال ـ أصبر على العطش من رجالها فآمن برسول الله صلى الله عليه وآله ، وجعل

رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الجمال والاموال له ( 1 ) .

286 - قال عليه السلام : وأما الدم فان رسول الله صلى الله عليه وآله احتجم مرة ، فدفع الدم الخارج

منه إلى أبي سعيد الخدرى وقال له : غيبه . فذهب ، فشربه ( 2 ) .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ماذا صنعت به ؟ قال : شربته يا رسول الله .

قال : أولم أقل لك غيبه ؟ فقال : قد غيبته في وعاء حريز ( 3 ) .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إياك وأن تعود لمثل هذا ، ثم أعلم أن الله قد حرم على

النار لحمك ودمك لما اختلط بلحمي ودمي .

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 17 / 268 ضمن ح 6 ، والبرهان : 2 / 31 ضمن ح 4 .

2 ) تذكر لنا الروايات أن جمعا من الصحابة كان قد شرب الدم بعد احتجام الرسول صلى

الله عليه وآله ، ففى طب الائمة : 69 : . . . قال أبوطيبة ، حجمت رسول الله صلى

الله على وآله . . . وشربت دمه .

وفى رواية الكافى : 5 / 116 " مولى بنى بياضة "

وفى تبرك الصحابة : 15 ، والسيرة الحلبية : 2 / 248 ، والاصابة : 2 / 6 ، والاستيعاب

( المطبوع بهامش الاصابة ) : 2 / 72 ، واسد الغاية : 2 / 247 ، والرصف : 141

وكنز العمال : 19 / 199 وج 20 / 10 " سالم الحجام " .

وفى اسد الغاية : 4 / 281 ، وعمدة الاخبار : 159 ، والسيرة الحلبية : 2 / 247 ، والاصابة :

3 / 346 ، وسيرة دحلان : 2 / 257 ، والمغازى للواقدى : 1 / 247 ، والرصف :

87 ، جميعا أنه شرب " مالك بن سنان بن عبيد الانصارى الخزرجى " والد أبى سعيد

الخدرى دمه صلى الله عليه وآله .

أقول : لعله سقط من الراوى أو الناسخ كلمة " والد " ، أو أن الابن كذلك شرب منه

والله العالم . 3 ) أى الحصين ، يقال : هذا حرز حريز . ( * )

ـ420ـ

فجعل أربعون من المنافقين يهزأون برسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون " زعم أنه قد أعتق

" الخدرى " من النار لاختلاط دمه بدمه ، وما هو إلا كذاب مفتر ! أما نحن فنستقذر دمه .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أما إن الله يعذبهم بالدم ويميتهم به ، وإن كان لم يمت

القبط . فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى لحقهم الرعاف الدائم ، وسيلان دماء من أضراسهم

فكان طعامهم وشرابهم يختلط بالدم ( 1 ) فيأكلونه ، فبقوا كذلك أربعين صباحا معذبين

ثم هلكوا . ( 2 )

287 - وأما السنين ونقص من الثمرات فان رسول الله صلى الله عليه وآله دعا على مضر

فقال : " اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " .

فابتلاهم الله بالقحط والجوع ، فكان الطعام يجلب إليهم من كل ناحية ، فاذا اشتروه

وقبضوه لم يصلوا به إلى بيوتهم حتى يتسوس ( 3 ) وينتن ويفسد ، فيذهب أموالهم ، ولا

يجعل ( 4 ) لهم في الطعام نفع حتى أضربهم الازم ( 5 ) والجوع الشديد العظيم حتى أكلوا

الكلاب الميتة ، وأحرقوا عظام الموتى فأكلوها ، وحتى نبشوا عن قبور الموتى

فأكلوهم ، وحتى ربما أكلت المرأة طفلها ، إلى أن مشى جماعة ( 6 ) من رؤساء قريش إلى

رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا : يا محمد هبك عاديت الرجال ، فما بال النساء والصبيان والبهائم ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أنتم بهذا معاقبون ، وأطفالكم وحيواناتكم ـ بهذا ـ غير معاقبة

بل هي معوضة ( 7 ) بجميع المنافع حين يشاء ربنا في الدنيا والآخرة ، وسوف يعوضها

* ( هامش ) * 1 ) " بذلك " ب ، س ، ط . 2 ) التخريجة السابقة .

3 ) أى يقع فيه السوس ، وهو دود يقع في الطعام والخشب ، ونحوها .

4 ) " يحصل " البحار ، والبرهان .

5 ) جمع أزمة . وهى الشدة والضيقة والقحط . واستظهرها في " ص " : الالام .

6 ) " جماعات " ب ، ط .

7 ) " معرضة " ب ، س ، د . يقال عرضه من ماله بكذا : عوضه منه به . ( * )

ـ421ـ

الله تعالى عما أصابهم ( 1 ) .

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 421 سطر 1 الى ص 430 سطر 23

الله تعالى عما أصابهم ( 1 ) .

ثم عفا عن مضر وقال : " اللهم افرج عنهم " فعاد إليهم الخصب والدعة والرفاهية .

فذلك قوله عزوجل فيهم يعدد ( عليهم نعمه ( 2 ) ) :

( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) . ( 3 )

288 - وقال أمير المؤمنين ( 4 ) عليه السلام : وأما الطمس لاموال قوم فرعون فقد كان

مثله آية لمحمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ، وذلك أن شيخا كبيرا جاء بابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله

والشيخ يبكي ويقول :

يا رسول الله ابني هذا غذوته صغيرا ، وصنته ( 5 ) طفلا عزيزا ، وأعنته ( 6 ) بمالي كثيرا

حتى ـ إذا ـ اشتد أزره ، وقوي ظهره ، وكثر ماله ، وفنيت قوتي ، وذهب مالي عليه

وصرت من الضعف إلى ماترى قعد ( 7 ) بي ، فلا يواسيني بالقوت الممسك لرمقي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للشاب : ماذا تقول : قال يا رسول الله لا فضل معي عن قوتي

وقوت عيالي . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للوالد : ماذا تقول ؟ قال : يا رسول الله إن له أنابير ( 8 )

حنطة وشعير وتمر وزبيب ، و ـ بدر ـ ( 9 ) الدراهم والدنانير وهو غني .

* ( هامش ) * 1 ) " أصابها " ق ، د . 2 ) " نعمهم " ب ، ص .

3 ) عنه البحار : 17 / 271 ضمن ح 6 والبرهان : 2 / 32 ضمن ح 4 ، واثبات الهداة : 2 / 161

ضمن ح 607 باختصار ، وأورد مثله ابن شهر اشوب في مناقب آل أبى طالب : 1 / 106

مرسلا عن الضحاك ، عنه البرهان : 4 / 160 ح 1 . والاية الاخيرة من سورة قريش : 4 .

4 ) " قال الامام " البحار . وزاد قبلها في البرهان : قال الامام عليه السلام .

5 ) " مننته " أ ، ق . " ضمنته " س ، ص . " منته " البحار . المنة : الاحسان . وصانه : حفظه .

وضمن الشئ : كفله ، ومانه ، يمونه : احتمل مؤونته . 6 ) " أغنيته " أ .

7 ) يقال : تقاعد به فلان : اذا لم يخرج اليه من حقه . " فعدل " ب ، س ، ص ، ط ، د .

8 ) جمع أنبار : وهو بيت التاجر الذي تنضد فيه الغلال والمتاع .

9 ) بفتح الدال ، جمع بدرة ، والبدرة من المال : كمية عظيمة منه ، عشرة آلاف درهم . ( * )

ـ422ـ

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للابن : ما تقول ؟ قال الابن : يا رسول الله مالي شئ مما قال .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إتق الله يافتى ، وأحسن إلى والدك المحسن إليك يحسن

الله إليك ، قال : لا شئ لي .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فنحن نعطيه عنك في هذا الشهر ، فأعطه أنت فيما بعده

وقال لاسامة : أعط الشيخ مائة درهم نفقة شهر لنفسه وعياله . ففعل .

فلما كان رأس الشهر جاء الشيخ والغلام ، فقال الغلام : لا شئ لي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لك مال كثير ، ولكنك تمسي اليوم وأنت فقير وقير ؟ ؟ ؟ ، أفقر

من أبيك هذا ، لا شئ لك .

فانصرف الشاب ، فاذا جيران أنابيره قد اجتمعوا عليه يقولون : حول هذه الانابير

عنا . فجاء إلى أنابيره ، فاذا الحنطة والشعير والتمر والزبيب قد نتن جميعه ، وفسد

وهلك ، وأخذوه بتحويل ذلك عن جوارهم ، فاكترى اجراء بأموال كثيرة فحولوها

وأخرجوها بعيدا عن المدينة .

ثم ذهب ليخرج إليهم الكراء من أكياسه التي فيها دراهمه ودنانيره فاذا هي ـ قد ـ

طمست ومسخت حجارة ، وأخذه الحمالون بالاجرة ، فباع ماكان له من كسوة وفرش

ودار وأعطاها في الكراء ، وخرج من ذلك كله صفرا ، ثم بقي فقيرا وقيرا ( 1 ) لا يهتدي

إلى قوت يومه ، فسقم لذلك جسده وضني ( 2 ) .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أيها العاقون للاباء والامهات اعتبروا ، واعلموا أنه

كما طمس في الدنيا على أمواله فكذلك جعل بدل ما كان اعد له في الجنة من الدرجات

معدا له في النار من الدركات ( 3 ) .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله تعالى ذم اليهود بعبادة العجل من دون الله بعد

* ( هامش ) * 1 ) " وقترا " ق . والوقير : الذليل المهان . 2 ) أى مرض فتمكن منه الضعف والهزال .

3 ) جمع دركة ، وهى الدرجة اذا اعتبرت النزول : ويقابلها الدرجة للصاعد . ( * )

ـ423ـ

رؤيتهم لتلك الآيات ، فاياكم وأن تضاهوهم ( 1 ) في ذلك .

وقالوا : وكيف نضاهيهم يا رسول الله ؟ قال : بأن تطيعوا مخلوقا في معصية الله

وتتوكلوا عليه من دون الله ، فتكونوا قد ضاهيتموهم . ( 2 )

289 - قال الامام عليه السلام : وأما نظيره لعلي بن أبي طالب فان رجلا من محبيه

كتب إليه من الشام : يا أمير المؤمنين أنا بعيالي مثقل ( 3 ) وعليهم إن خرجت خائف

وبأموالي التي - اخلفها إن خرجت - ضنين ( 4 ) ، واحب اللحاق بك ، والكون في

جملتك ، والحفوف ( 5 ) في خدمتك ، فجد لي يا أمير المؤمنين .

فبعث إليه علي عليه السلام : إجمع أهلك وعيالك وحصل عندهم مالك ، وصل

على ذلك كله على محمد وآله الطيبين ، ثم قل : " اللهم هذه كلها ودائعي

عندك بأمر عبدك ووليك علي بن أبي طالب " ثم قم وانهض إلي .

ففعل الرجل ذلك ، واخبر معاوية بهربه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأمر معاوية أن

يسبى عياله ويسترقوا ، وأن ينهب ماله .

فذهبوا ، فألقى الله تعالى عليهم شبه عيال معاوية ، وشبه أخص حاشية ليزيد ( 6 )

ابن معاوية يقولون : نحن أخذنا هذا المال وهو لنا ، وأما عياله فقد استرققناهم

وبعثناهم إلى السوق . فكفوا لما رأوا ذلك .

* ( هامش ) * 1 ) المضاهاة : المشابهة . وقد تهمز .

2 ) عنه البحار : 17 / 271 ذ ح 6 ، والبرهان : 2 / 194 ح 1 ، واثبات الهداه : 2 / 161

ح 608 باختصار . 3 ) " مشتغل " ب ، ط .

4 ) " ظنين ، وأخر " البحار . ضنين : بخيل . ظنين : متهم ، أو قليل الحيلة .

5 ) حفه بكذا : أحاطه به . " الحقوق " البحار . قال المجلسى - رحمة الله عليه - : هو التحرك

والاضطراب ، " الحفوق " ق ، د ، وفى بعض النسخ بالفاءين .

6 ) " وحاشيته أخص حاشية كيزيد " أ . ولا يخفى عل ذى الاربة أن لابناء الملوك من الحاشية

والخواص ما يقارب حاشية الملك نفسه ، ودون أن يكون لسنى العمر اعتبار في ذلك فاحفظ . ( * )

ـ424ـ

وعرف الله عياله أنه قد ألقى عليهم شبه عيال معاوية وعيال خاصة يزيد ، فأشفقوا

من أموالهم أن يسرقها اللصوص ، فمسخ الله المال عقارب وحيات ، كلما قصد

اللصوص ليأخذوا منه لدغوا ولسعوا ، فمات منهم قوم ، وضني آخرون ، ودفع الله

عن ماله بذلك إلى أن قال علي عليه السلام يوما للرجل :

أتحب أن يأتيك عيالك ومالك ؟ قال : بلى .

قال على عليه السلام : اللهم ائت بهم .

فاذا هم بحضرة الرجل لا يفقد من جميع عياله وماله شيئا .

فأخبروه بما ألقى الله تعالى من شبه عيال معاوية وخاصته وحاشية يزيد عليهم

وبما مسخه من أموله عقارب وحيات تلسع اللص الذي يريد أخذ شئ منه .

قال على على السلام : إن الله ربما أظهر آية لبعض المؤمنين ليزيد في بصيرته ، ولبعض

الكافرين ليبالغ في الاعذار إليه . ( 1 )

290 - قوله عزوجل : " واذا اخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما

آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا واشربوا في قلوبهم العجل

بكفرهم قل بئسما يأمركم به ايمانكم ان كنتم مؤمنين " : 93

قال الامام عليه السلام : قال الله عزوجل : واذكروا إذ فعلنا ذلك بأسلافكم لما أبوا

قبول ماجاءهم به موسى عليه السلام : من دين الله وأحكامه ، ومن الامر بتفضيل محمد وعلي

صلوات الله عليهما وخلفائهما على سائر الخلق

( خذوا ما آتيناكم ) قلنا لهم : خذوا ما آتيناكم من هذه الفرائض ( بقوة ) قد

جعلناها لكم ، مكناكم بها ، وأزحنا عللكم ( 2 ) في تركيبها فيكم

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 42 / 39 ح 13 ، والبرهان : 2 / 194 ح 2 ، ومدينة المعاجز : 71 ح 180 .

2 ) " أرحنا عليكم " أ . ( * )

ـ425ـ

( واسمعوا ) مايقال لكم و ـ ما ـ تؤمرون به .

( قالوا سمعنا ) قولك ( وعصينا ) أمرك ، أي إنهم عصوا بعد ، وأضمروا في

الحال أيضا العصيان ( واشربوا في قلوبهم العجل ) امروا بشرب العجل الذي كان

قد ذرأت سحالته ( 1 ) في الماء الذي اامروا بشربه ليتبين من عبده ممن لم يعبده

( بكفرهم ) لاجل كفرهم امروا بذلك .

( قل ) يا محمد : ( بئسما يأمركم به إيمانكم ) بموسى كفركم بمحمد وعلي

وأولياء الله من أهلهما ( 2 ) ( إن كنتم مؤمنين ) بتوراة موسى ، ولكن معاذ الله

لا يأمركم إيمانكم بالتوراة الكفر بمحمد وعلي عليهما السلام . ( 3 )

291 - قال الامام عليه السلام : قال أمير المؤمنين عليه السلام : إن الله تعالى ذكر بني إسرائيل

في عصر محمد صلى الله عليه وآله أحوال آبائهم الذين كانوا في أيام موسى عليه السلام كيف أخذ

عليهم العهد والميثاق لمحمد وعلي وآلهما الطيبين المنتجبين للخلافة على

الخلائق ولاصحابهما وشيعتهما وسائر امة محمد صلى الله عليه وآله فقال :

( وإذ أخذنا ميثاقكم ) اذكروا إذ أخذنا ميثاق آبائكم ( ورفعنا فوقكم الطور )

الجبل لما أبوا قبول ما اريد منهم والاعتراف به ( خذوا ما آتيناكم ) أعطيناكم

( بقوة ) ـ يعني ـ بالقوة التي أعطيناكم تصلح ـ لكم ـ لذلك ( واسمعوا ) أي أطيعوا فيه .

( قالوا سمعنا ) بآذاننا ( وعصينا ) بقلوبنا . فأما في الظاهر فأعطوا كلهم

الطاعة ( 4 ) داخرين صاغرين ، ثم قال : ( واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) عرضوا

لشرب العجل الذي عبدوه حتى وصل ما شربوه من ذلك إلى قلوبهم .

* ( هامش ) * 1 ) السحالة : برادة الذهب أو الفضة . وتقدمت قصته بالتفصيل ص 254 ، فراجع .

2 ) " آلهما " البرهان .

3 ) عنه البحار : 13 / 238 صدر ح 48 ، والبرهان : 1 / 130 صدر ح 1 .

4 ) " الجزية " أ ، ط ، والبرهان . وهو تصحيف على ما يفصله في آخر صفحة 427 . ( * )

ـ426ـ

وقال : إن بني إسرائيل لما رجع إليهم موسى - وقد عبدوا العجل - تلقوه بالرجوع

عن ذلك ، فقال لهم موسى : من الذي عبده منكم حتى انفذ فيه حكم الله ؟ خافوا من

حكم الله الذي ينفذه فيهم ، فجحدوا أن يكونوا عبدوه ، وجعل كل واحد منهم يقول :

أنا لم أعبده وإنما عبده غيري ووشى ( 1 ) بعضهم ببعض .

- فكذلك ( 2 ) ماحكى الله عزوجل عن موسى من قوله للسامري :

( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ) ( 3 ) -

فأمره الله ، فبرده بالمبارد ، وأخذ سحالته فذرأها في البحر العذب ، ثم قال لهم :

اشربوا منه . فشربوا ، فكل من كان عبده اسودت شفتاه وأنفه ( ممن كان أبيض اللون

ومن كان منهم أسود اللون ) ( 4 ) ابيضت شفتاه وأنفه ، فعند ذلك أنفذ فيهم حكم الله .

ثم قال الله تعالى للموجودين من بني إسرائيل في عصر محمد صلى الله عليه وآله على لسانه :

( قل ) يا محمد لهؤلاء المكذبين بك بعد سماعهم ما اخذ على أوائلهم ( 5 ) لك

ولاخيك علي ولآلكما ولشيعتكما :

( بئسما يأمركم به إيمانكم ) أن تكفروا ـ بمحمد صلى الله عليه وآله ـ وتستخفوا بحق علي

وآله وشيعته ( إن كنتم مؤمنين ) كما تزعمون بموسى عليه السلام والتوراة .

قال عليه السلام : وذلك أن موسى عليه السلام ـ كان ـ وعد بني إسرائيل أنه يأتيهم من عند الله

بكتاب يشتمل على أوامره ونواهيه وحدوده وفرائضه بعد أن ينجيهم الله تعالى من فرعون

وقومه ، فلما نجاهم الله وصاروا بقرب الشام ، جاءهم بالكتاب من عند الله كما وعدهم

وكان فيه : " إني لا أتقبل عملا ممن لم ( 6 ) يعظم محمدا وعليا وآلهما الطيبين ولم يكرم

أصحابهما وشيعتهما ومحبيهما ؟ ؟ ؟ حق تكريمهم ، يا عبادى ألا فاشهدوا بأن محمدا خير

* ( هامش ) * 1 ) أى نم عليه وسعى به . 2 ) " فلذلك " أ ، البحار .

3 ) طه : 97 . 4 ) " فمن كان لم يعبده " أ .

5 ) المكذبين " أ . 6 ) " لا " ص ، والبحار .

ـ427ـ

خليقتي ، وأفضل بريتي ، وأن عليا أخوه وصفيه ( 1 ) ووراث علمه ، خليفته في امته

وخير من يخلفه بعده ، وأن آل محمد أفضل آل النبيين ، وأصحاب محمد صلى الله عليه وآله

أفضل أصحاب ( 2 ) المرسلين ، وامة محمد صلى الله عليه وآله خير الامم أجمعين " .

فقال بنو اسرائيل : لا نقبل هذا يا موسى ، هذا عظيم ، ثقيل ( 3 ) علينا ، بل نقبل من هذه

الشرائع ما يخف علينا ، وإذا قبلناها قلنا : إن نبينا أفضل نبي ، وآله أفضل آل

وصحابته أفضل صحابة ، ونحن امته أفضل من امة محمد ، ولسنا نعترف لقوم بالفضل

لانراهم ولا نعرفهم .

ـ رفع الطور فوق رؤوس بنى اسرائيل : ـ

فأمر الله تعالى جبرئيل ، فقطع بجناح من أجنحته من جبل من جبال فلسطين على

قدر معسكر موسى عليه السلام وكان طوله في عرضه فرسخا في فرسخ .

ثم جاء به فوقه على رؤوسهم ، وقال ( 4 ) : إما أن تقبلوا ما أتاكم به موسى عليه السلام ، وإما

وضعت عليكم الجبل فطحطحتكم ( 5 ) تحته . فلحقهم من الجزع والهلع ما يلحق أمثالهم

ممن قوبل هذه المقابلة ، فقالوا : يا موسى كيف نصنع ؟

قال موسى : اسجدوا لله على جباهكم ، ثم عفروا خدودكم اليمنى ثم اليسرى

في التراب ، وقولوا : يا ربنا سمعنا وأطعنا وقبلنا واعترفنا وسلمنا ورضينا " .

قال : ففعلوا هذا الذي قال لهم موسى قولا وفعلا ، غير أن كثيرا منهم خالف قلبه

ظاهر أفعاله وقال بقلبه " سمعنا وعصينا " مخالفا لما قاله بلسانه ، وعفروا خدودهم اليمنى

ـ بالتراب ـ وليس قصدهم التذلل لله عزوجل ، والندم على ما كان منهم من الخلاف

* ( هامش ) * 1 ) " وصيه " البحار . 2 ) " صحابة " س ، ط ، ، د والبحار .

3 ) " يثقل " ب ، ق ، د ، البحار .

4 ) " فقال جبرئيل عليه السلام " أ . 5 ) أى أهلكتكم . ( * )

ـ428ـ

ولكنهم فعلوا ذلك ينظرون هل يقع عليهم الجبل أم لا ، ثم عفروا خدودهم اليسرى

ينظرون كذلك ، ولم يفعلوا ذلك كما امروا .

فقال جبرئيل لموسى عليه السلام أما إن أكثرهم لله تعالى عاصون ، ولكن الله عزوجل

أمرني أن اازيل عنهم هذا الجبل عند ظاهر اعترافهم في الدنيا ، فان الله تعالى إنما

يطالبهم في الدنيا بظواهرهم لحقن دمائهم ، وإبقاء الذمة لهم ، وإنما أمرهم إلى الله

في الآخرة يعذبهم على عقودهم وضمائرهم .

فنظر القوم إلى الجبل وقد صار قطعتين : قطعة منه صارت لؤلؤة بيضاء فجعلت

تصعد وترقى حتى خرقت ( 1 ) السماوات ، وهم ينظرون إليها إلى أن صارت إلى حيث

لا تلحقها أبصارهم ، وقطعة صارت نارا ووقعت على الارض بحضرتهم ، فخرقتها ( 2 )

ودخلتها وغابت عن عيونهم .

فقالوا : ماهذان المفترقان من الجبل ؟ فرق ( 3 ) صعد لؤلؤا وفرق انحط نارا ؟

قال لهم موسى : أما القطعة التى صعدت في الهواء فانها وصلت إلى السماء

وخرقتها إلى أن لحقت بالجنة . فاضعفت أضعافا كثيرة لا يعلم عددها إلا الله ، وأمر الله أن

تبنى منها للمؤمنين بما في هذا الكتاب قصور ودور ومنازل ومساكن مشتملة على

أنواع النعم التي وعد بها المتقين من عباده ، من الاشجار والبساتين والثمار ، والحور

الحسان ، والمخلدين من الولدان كاللالئ المنثورة وسائر نعيم الجنة وخيراتها .

وأما القطعة التى انحطت إلى الارض فخرقتها ثم التي تليها إلى أن لحقت بجهنم

فاضعفت أضعافا كثيرة ، وأمر الله تعالى أن تبنى منها للكافرين بما في هذا الكتاب ، قصور

ودور ومساكن ومنازل مشتملة على أنواع العذاب التي وعدها للكافرين من عباده

* ( هامش ) * 1 ) يقال خرق المفازة : قطعها حتى بلغ أقصاها . 2 ) أى شقتها .

3 ) أى بعض . والفرق الفلق من الشئ اذا انفلق منه ، ومنه قوله تعالى " فانفلق فكان كل

فرق كالطود العظيم " الشعراء : 63 . ( لسان العرب : 10 / 300 ) . ( * )

ـ429ـ

من بحار نيرانها ، وحياض غسلينها وغساقها ، وأودية قيحها ودمائها وصديدها ، وزبانيتها

بمرزباتها ، وأشجار زقومها ، وضريعها وحياتها ـ وعقاربها ـ وأفاعيها ، وقيودها وأغلالها

وسلاسلها وأنكالها ( 1 ) وسائر أنواع البلايا والعذاب المعد فيها .

ثم قال محمد رسول الله صلى الله عليه وآله لبني إسرائيل : أفلا تخافون عقاب ربكم في

جحدكم لهذه الفضائل التي اختص بها محمدا وعليا وآلهما الطيبين ؟ ( 2 )

ـ في أن للرسول الله صلى الله عليه وآله من المعجزات ماكان للانبياء عليهم السلام : ـ

292 - فقيل لامير المؤمنين عليه السلام : يا أمير المؤمنين فهذه آية موسى في رفعه

الجبل فوق رؤوس الممتنعين عن قبول ما امروا به ، فهل كان لمحمد آية مثلها ؟

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : إي والذي بعثه بالحق نبيا ، ما من آية كانت لاحد

من الانبياء من لدن آدم إلى أن انتهى إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا وقد كان لمحمد مثلها

وأفضل منها ، ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله نظير هذه الآية إلى آيات اخر ظهرت له .

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أظهر بمكة دعوته ، وأبان - عن الله عزوجل -

مراده ، رمته العرب عن قسي عداوتها بضروب إمكانهم ( 3 ) ولقد قصدته يوما - وإني

كنت أول الناس إسلاما ، بعث يوم الاثنين ، وصليت معه يوم الثلاثاء : وبقيت معه

اصلي سبع سنين حتى دخل نفر في الاسلام وأيد الله تعالى دينه من بعد - فجاءه

قوم من المشركين فقالوا له :

يا محمد تزعم أنك رسول رب العالمين ثم أنك لا ترضى بذلك حتى تزعم

* ( هامش ) * 1 ) جمع نكل - بكسر النون - وهو القيد الشديد من أى شئ .

2 ) عنه البحار : 8 / 165 ح 108 ( قطعة ) ، وج 13 / 238 ح 48 ، البرهان 1 / 130 ح 1

إلى قوله ( انفذ فيهم حكم الله ) واثبات الهداة : 3 / 576 ح 665 ( قطعة ) .

3 ) " مكائدهم " الاحتجاج . ( * )

ـ430ـ

أنك سيدهم وأفضلهم ، ولئن كنت نبيأ فأتنا بآية كما تذكره عن الانبياء قبلك :

مثال نوح الذي جاء بالغرق ، ونجا في سفينته مع المؤمنين .

وإبراهيم الذي ذكرت أن النار جعلت عليه بردا وسلاما .

وموسى الذي زعمت أن الجبل رفع فوق رؤوس أصحابه حتى انقادوا لما دعاهم

إليه صاغرين داخرين .

وعيسى الذي كان ينبئه بما يأكلون و ـ ما ـ يدخرون في بيوتهم .

وصار هؤلاء المشركون فرقا أربعة : هذه تقول : أظهر لنا ( 1 ) آية نوح عليه السلام .

وهذه تقول : أظهر لنا آية موسى عليه السلام . وهذه تقول : أظهر لنا آية إبراهيم عليه السلام .

وهذه تقول : أظهر لنا آية عيسى عليه السلام .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنما أنا نذير مبين ، آتيتكم بآية مبينة : هذا القرآن الذي

تعجزون أنتم والامم وسائر العرب عن معارضته ، وهو بلغتكم فهو حجة بينة ( 2 ) عليكم

وما بعد ذلك فليس لي الاقتراح على ربي ، فما على الرسول إلا البلاغ المبين إلى

المقرين ( 3 ) بحجة صدقه ، وآية حقه ، وليس عليه أن يقترح بعد قيام الحجة على ربه

مايقترحه عليه المقترحون الذين لا يعلمون هل الصلاح أو الفساد فيا يقترحون ؟

فجاءه جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام ، ويقول :

إني ساظهر لهم هذه الآيات ، وإنهم يكفرون بها إلا من أعصمه منهم ، ولكني اريهم

زيادة في الاعذار والايضاح لحججك .

فقل لهؤلاء المقترحين لاية نوح : امضوا إلى جبل أبي قبيس ، فاذا بلغتم سفحه ( 4 )

فسترون آية نوح ، فاذا غشيكم الهلاك فاعتصموا بهذا وبطفلين يكونان بين يديه .

* ( هامش ) * 1 ) " لى " أغلب النسخ ، وكذا ما يأتى .

2 ) " الله وحجة نبيه " البحار . 3 ) " المقربين " أ ، ب ، ص ، ط .

4 ) " سفحته " الاصل . السفح : عرض الجبل ، وقيل : أصله . ( * )

ـ431ـ

وقل للفريق ـ الثانى ـ المقترحين لآية إبراهيم عليه السلام : امضوا إلى حيث تريدون من

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 431 سطر 1 الى ص 440 سطر 24

وقل للفريق ـ الثانى ـ المقترحين لآية إبراهيم عليه السلام : امضوا إلى حيث تريدون من

ظاهر مكة ، فسترون آية إبراهيم في النار ، فاذا غشيكم البلاء فسترون في الهواء امرأة

قد أرسلت طرف خمارها فتعلقوا به لتنجيكم من الهلكة ، وترد عنكم النار .

وقل للفريق الثالث : وأنتم المقترحين لآية موسى ، امضوا إلى ظل الكعبة فسترون

آية موسى عليه السلام ، وسينجيكم هناك عمي حمزة .

وقل للفريق الرابع ورئيسهم أبوجهل : وأنت يا أبا جهل فاثبت عندي ليتصل

بك ( 1 ) أخبار هؤلاء الفرق الثلاثة ، فان الآية التي اقترحتها أنت تكون بحضرتي .

فقال أبوجهل للفرق الثلاثة : قوموا فتفرقوا ليتبين لكم باطل قول محمد .

ـ ماكان مثل آية نوح عليه السلام : ـ

فذهبت الفرقة الاولى إلى حضرة ( 2 ) جبل أبي قبيس ، فلما صاروا ـ في الارض ـ

إلى جانب الجبل نبع الماء من تحتهم ، ونزل من السماء الماء من فوقهم من غير

غمامة ولا سحاب ، وكثر حتى بلغ أفواههم فألجمها ، وألجأهم إلى صعود الجبل إذ

لم يجدوا ملجأ ( 3 ) سواه ، فجعلوا يصعدون الجبل والماء يعلو من تحتهم إلى أن بلغوا

ذروته ، وارتفع الماء حتى ألجمهم ( 4 ) وهم على قلة الجبل ، وأيقنوا بالغرق إذ لم يكن

لهم مفر . فرأوا عليا عليه السلام واقفا على متن الماء فوق قلة الجبل ، وعن يمينه طفل وعن

يساره طفل ، فناداهم علي عليه السلام .

خذوا بيدي انجيكم ، أو بيد من شئتم من هذين الطفلين ، فلم يجدوا بدا من ذلك

فبعضهم أخذ بيد علي عليه السلام ، وبعضهم أخذ بيد أحد الطفلين ، وبعضهم أخذ بيد الطفل

* ( هامش ) * 1 ) يقال : اتصل به خبر فلان : علمه . 2 ) أى قرب وجنب .

3 ) " منجى " ب ، ق ، د ، والبحار .

4 ) " ألجأهم " ق . يقال : ألجم الماء فلانا : بلغ فاه . ( * )

ـ432ـ

الآخر ، وجعلوا ينزلون بهم من الجبل والماء ينزل وينحط من بين أيديهم حتى

أوصلوهم إلى القرار ، والماء يدخل بعضه في الارض ، ويرتفع بعضه إلى السماء حتى

عادوا كهيئتهم إلى قرار الارض .

فجاء على عليه السلام ـ بهم ـ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهم يبكون ويقولون :

نشهد إنك سيد المرسلين ، وخير الخلق أجمعين ، رأينا مثل طوفان نوح

وخلصنا هذاوطفلان كانا معه لسنا نراهما الآن .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أما إنهما سيكونان ، هما الحسن والحسين سيولدان لاخي

هذا ، وهما سيدا شباب أهل الجنة ، وأبوهما خير منهما ، اعلموا أن الدنيا بحر

عميق ، وقد غرق فيها خلق كثير ، وأن سفينة نجاتها آل محمد : علي هذا وولداه

اللذان رأيتموهما سيكونان وسائر أفاضل أهلي ( 1 ) فمن ركب هذه السفينة نجا ، ومن

تخلف عنها غرق .

ـ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ـ وكذلك الآخرة جنتها ( 2 ) ونارها كالبحر ، وهؤلاء سفن

امتي يعبرون بمحبيهم وأوليائهم إلى الجنة .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أسمعت هذا يا أبا جهل ؟

قال : بلى حتى أنظر ـ إلى ـ الفرقة الثانية والثالثة .

ـ ماكان مثل آية ابراهيم عليه السلام : ـ

وجاءت الفرقة الثانية يبكون ويقولون : نشهد إنك رسول رب العالمين ، وسيد

الخلق أجمعين ، مضينا إلى صحراء ملساء ، ونحن نتذاكر بيننا قولك ، فنظرنا إلى السماء

قد تشققت ( 3 ) بجمر النيران تتناثر عنها ، ورأينا الارض قد تصدعت ولهب النيران

* ( هامش ) * 1 ) " أهل بيتى " أ ، ص ، ط . 2 ) " حميمها " البحار .

3 ) " انشقت " ص . ( * )

ـ433ـ

يخرج منها . فما زالت كذلك حتى طبقت الارض وملاتها ، ومسنا من شدة حرها حتى

سمعنا لجلودنا نشيشا ( 1 ) من شدة حرها ، وأيقنا بالاشتواء والاحتراق ـ وعجبنا بتأخر

رؤيتنا ـ ( 2 ) بتلك النيران .

فبينا نحن كذلك إذ رفع لنا في الهواء شخص امرأة قد أرخت خمارها ، فتدلى

طرفه إلينا بحيث تناله أيدينا ، وإذا مناد من السماء ينادينا : إن أردتم النجاة فتمسكوا

ببعض أهداب هذا الخمار .

فتعلق كل واحد منا بهدبة من أهداب ذلك الخمار ، فرفعتنا في الهواء ونحن

نشق جمر النيران ولهبها لا يمسنا شررها ( 3 ) ولا يؤذينا جمرها ( 4 ) ولا نثقل على الهدبة

التي تعلقنا بها ، ولا تنقطع ( 5 ) الاهداب في أيدينا على دقتها .

فما زالت كذلك حتى جازت بنا تلك النيران ، ثم وضع كل واحد منا في صحن

داره سالما معافي ، ثم خرجنا فالتقينا ، فجئناك عالمين بأنه لا محيص عن دينك ، ولا

معدل عنك ، وأنت أفضل من لجئ إليه ، واعتمد بعد الله عليه ، صادق في أقوالك

حكيم في أفعالك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي جهل : هذه الفرقة الثانية قد أراهم الله آياته ( 6 ) .

قال أبوجهل : حتى أنظر الفرقة الثالثة وأسمع مقالتها .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله لهذه الفرقة الثانية لما آمنوا : يا عباد الله إن الله أغاثكم بتلك

المرأة أتدرون من هي ؟ قالوا : لا .

* ( هامش ) * 1 ) النشيش : صوت الماء - وغيره - اذا على .

2 ) كذا في أغلب نسخ الاصل ، وفى بعضها غير منقوطة ، وفى " ص " : وعجبنا لتأخر ذوبنا

وليس في البحار . والمراد ظاهرا : تعجبهم لاستمرارهم أحياءا مع شدة هذه الحرارة .

3 ) " شرورها " أ ، ق ، الشرر : ما يتطاير من النار . 4 ) " حرها " ص ، والبحار .

5 ) " تنعتق " د . 6 ) " آية ابراهيم عليه السلام " البحار . ( * )

ـ434ـ

قال : تلك تكون ابنتي فاطمة ، وهي سيدة نساء العالمين .

إن الله تعالى إذا بعث الخلائق من الاولين والآخرين نادى منادي ربنا من تحت

عرشه : يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمد سيدة نساء

العالمين على الصراط . ـ فيغض الخلائق كلهم أبصارهم ، فتجوز فاطمة على

الصراط ـ لا يبقى أحد في القيامة إلا غض بصره عنها إلا محمد وعلي والحسن والحسين

والطاهرون من أولادهم فانهم محارمها ( 1 ) فاذا دخلت الجنة بقي مرطها ( 2 ) ممدودا على

الصراط ، طرف منه بيدها وهي في الجنة ، وطرف في عرصات القيامة .

فينادي منادي ربنا : يا أيها المحبون لفاطمة تعلقوا بأهداب مرط فاطمة سيدة

نساء العالمين ، فلا يبقى محب لفاطمة إلا تعلق بهدبة من أهداب مرطها ، حتى يتعلق

بها أكثر من ألف فئام وألف فئام ـ وألف فئام ـ .

قالوا : وكم فئام واحد يا رسول الله ؟

قال : ألف ألف من الناس .

ـ ماكان مثل آية موسى عليه السلام : ـ

قال : ثم جاءت الفرقة الثالثة باكين يقولون : نشهد يا محمد إنك رسول رب

العالمين وسيد الخلق أجمعين ، وأن عليا أفضل الوصيين ، وأن آلك أفضل آل

النبيين ، وصحابتك خير صحابة المرسلين ، وأن أمتك خير الامم أجمعين ، رأينا من

آياتك مالا محيص لنا عنها ، ومن معجزاتك مالا مذهب لنا سواها .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وما الذي رأيتم ؟ قالوا : كنا قعودا في ظل الكعبة نتذاكر

أمرك ، ونستهزئ بخبرك ، وأنك ذكرت أن لك مثل آية موسى ، فبينا نحن كذلك

* ( هامش ) * 1 ) " أولادها " البحار : 8 .

2 ) المرط - بكسر الميم - : كساء من صوف ونحوه يؤتزر به . ( * )

ـ435ـ

إذا ارتفعت الكعبة عن موضعها وصارت فوق رؤوسنا فركدنا ( 1 ) في مواضعنا ولم نقدر

أن نريمها ( 2 ) .

فجاء عمك حمزة فتناول ( 2 ) بزج رمحه - هكذا ( 4 ) - تحتها ، فتناولها واحتبسها

- على عظمها - فوقنا في الهواء .

ثم قال لنا : اخرجوا . فخرجنا من تحتها ، فقال : ابدوا . فبعدنا عنها ، ثم أخرج

سنان الرمح من تحتها ، فنزلت إلى موضعها واستقرت ، فجئنا لذلك ( 5 ) مسلمين .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي جهل : هذه الفرقة الثالثة قد جاءتك وأخبرتك بما

شاهدت . فقال أبوجهل : لا أدري أصدق هؤلاء أم كذبوا ، أم حقق لهم ، أم خيل إليهم

فان رأيت أنا ما اقترحه عليك من نحو آيات عيسى بن مريم فقد لزمني الايمان بك

وإلا فليس يلزمني تصديق هؤلاء .

فقال رسول الله صلى الله عليه آله : يا أبا جهل فان كان لا يلزمك تصديق هؤلاء على كثرتهم

وشدة تحصيلهم ، فكيف تصدق بمآثر ( 6 ) آبائك وأجدادك ، ومساوئ أسلاف أعدائك ؟

وكيف تصدق عن الصين والعراق والشام إذا حدثت عنها ؟ هل المخبرون عنها ( 7 ) إلا

دون هؤلاء المخبرين لك عن هذه الآيات مع سائر من شاهدها منهم من الجمع

الكثيف الذين لا يجتمعون على باطل يتخرصونه ( 8 ) إلا كان بازائهم من يكذبهم ويخبر

* ( هامش ) * 1 ) " فركزنا " ص ، والبحار . قال المجلسى - رحمه الله - : ركزت الرمع أى غرزته في

الارض ، وفى بعض النسخ بالدال المهملة من الركود بمعنى السكون والهدوء ، انتهى .

أقول : كلاهما بمعنى الثبات في المكان . 2 ) أى نفارقها ونبتعد عنها .

3 ) " وقال " ص ، والبحار . " فشال " ب . قال بيده : أهوى بها وأخذ .

4 ) " رمحك هذا " ب ، س ، والزج - بالضم - الحديدة التى في أسفل الرمح .

5 ) " فجئناك بذلك " س ، ص ، ق ، د . 6 ) " بما آثر " أ ، ط .

7 ) " عن ذلك " ب ، ص ، ق ، د ، والبحار . 8 ) " يخوضونه " أ . تخرص : افترى وكذب . ( * )

ـ436ـ

بضد إخبارهم ؟ ألا وكل فرقة من هؤلاء محجوجون ( 1 ) بما شاهدوا ، وأنت يا

أباجهل محجوج بما سمعت ممن شاهد .

ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الفرقة الثالثة فقال لهم : هذا حمزة عم رسول الله

صلى الله عليه وآله ، بلغه الله تعالى المنازل الرفيعة والدرجات العالية ، وأكرمه بالفضائل لشدة حبه

لمحمد وعلي بن أبي طالب ، أما إن حمزة ( عم محمد ) ( 2 ) لينحي جهنم ـ يوم

القيامة ـ ( 3 ) عن محبيه كما نحى عنكم اليوم الكعبة أن تقع عليكم .

قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنه ليرى يوم القيامة إلى جانب الصراط جم ( 4 ) كثير من

الناس لا يعرف عددهم إلا الله تعالى ، هم كانوا محبي حمزة ، وكثير منهم أصحاب

الذنوب والآثام ، فتحول حيطان ـ النار ـ بينهم وبين سلوك الصراط والعبور إلى الجنة

فيقولون : يا حمزة قد ترى ما نحن فيه ! فيقول حمزة لرسول الله ولعلي بن أبي طالب عليه السلام :

قد تريان أوليائي كيف يستغيثون بي !

فيقول محمد رسول الله لعلي ولي الله : يا علي أعن عمك على إغاثة أوليائه

واستنقاذهم من النار ، فيأتي علي بن أبي طالب عليه السلام بالرمح الذي كان يقاتل به حمزة

أعداء الله تعالى في الدنيا ، فيناوله إياه ، ويقول :

يا عم رسول الله وعم أخي رسول الله ، ذد ( 5 ) الجحيم عن أوليائك برمحك هذا ( الذي

كنت ) ( 6 ) تذود به عن أولياء الله في الدنيا أعداء الله .

فيناول حمزة الرمح بيده ، فيضع زجه في حيطان النار الحائلة بين أوليائه وبين

العبور إلى الجنة على الصراط ، ويدفعها ـ دفعة ـ فينحيها مسيرة خمسمائة عام ، ثم يقول

* ( هامش ) * 1 ) المحجوج : المغلوب بالحجة . 2 ) " عمى " ب ، س ، د .

3 ) من البحار . وفى " ص " يوما . 4 ) " عالم " س ، ص ، ق ، د ، والبحار .

5 ) أى ادفع واطرد . " رد " ق ، د . 6 ) " كما " س ، ص ، والبحار . " كما كنت " ق ، د . ( * )

ـ437ـ

لاوليائه ـ و ـ المحبين الذي كانوا له في الدنيا : اعبروا . فيعبرون على الصراط آمنين

سالمين ، قد انزاحت عنهم النيران ، وبعدت عنهم الاهوال ، ويردون الجنة غانمين ظافرين .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي جهل : يا أبا جهل هذه الفرقة الثالثة قد شاهدت آيات

الله ومعجزات رسول الله وبقي الذي لك ، فأي آية تريد ؟

قال أبوجهل : آية عيسى بن مريم كما زعمت أنه كان يخبرهم بما يأكلون وما

يدخرون في بيوتهم ، فأخبرني بما أكلت اليوم ، وما ادخرته في بيتي ، وزدني على

ذلك بأن تحدثني بما صنعته بعد أكلي لما أكلت ، كما زعمت أن الله زادك في المرتبة

فوق عيسى .

ـ ماكان مثل آية عيسى عليه السلام : ـ

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أما ماأكلت وما ادخرت فاخبرك به ، وأخبرك بما فعلته

في خلال أكلك ، وما فعلته بعد أكلك ، وهذا يوم يفضحك الله عزوجل فيه باقتراحك

فان آمنت بالله لم تضرك هذه الفضيحة ، وإن أصررت على كفرك أضيف لك إلى

فضيحة الدنيا وخزيها خزي الآخرة الذي لايبيد ولا ينفد ولا يتناهى . قال : وما هو ؟

قال رسول الله قعدت يا أبا جهل تتناول من دجاجة مسمنة أسمطتها ( 1 ) فلما وضعت

يدك عليها استأذن عليك أخوك ( 2 ) أبو البختري بن هشام ، فأشفقت عليه ( 3 ) أن يأكل منها

* ( هامش ) * 1 ) أى شويتها . " استطبتها " ب ، س ، ص ، ق ، د ، والبحار .

2 ) غير خفى أن أباجهل مخزومى ، والبخترى أسدى ، وانما اطلق لفظ " أخوك " لا للنسب

أو لاتحاد اسم الاب : " هشام " - كما قد يتوهم البعض - بل لان الكفر ملة واحدة

كما أن المؤمنين اخوة ، لا في النسب أو القومية والعشيرة ، وانما هى في العقيدة والفضيلة

الالهية ( الدين ) كما قال تعالى : " انما المؤمنون اخوة " الحجرات : 10 ، وفى الخطاب

لمريم " يا اخت هارون " مريم : 28 .

3 ) أى خفت وحذرت وحرصت . ( * )

ـ438ـ

وبخلت ، فوضعتها تحت ذيلك ، وأرخيت عليها ذيلك حتى انصرف عنك .

فقال أبوجهل : كذبت يا محمد ، ما من هذا قليل ولا كثير ، ولا أكلت من دجاجة

ولا ادخرت منه شيئا ، فما الذي فعلته بعد أكلي الذي زعمته ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كان عندك ثلاثمائة دينار لك ، وعشرة آلاف دينار ودائع

الناس عندك : المائة ، والمائتان ، والخمسائة ، والسبعمائة ، والالف ، ونحو ذلك إلى تمام

عشرة آلاف ، مال كل واحد في صرة ، وكنت قد عزمت على أن تختانهم ( 1 ) وقد كنت

جحدتهم ومنعتهم ، واليوم لما أكلت من هذه الدجاجة أكلت زورها ( 2 ) وادخرت

الباقي ، ودفنت هذا المال أجمع مسرورا فرحا باختيانك عباد الله ، واثقا بأنه قد حصل

لك ، وتدبير الله في ذلك خلاف تدبيرك .

فقال أبوجهل : وهذا أيضا يا محمد ، فما أصبت منه قليلا ولا كثيرا ، وما دفنت شيئا ،

ولقد سرقت ( 3 ) تلك العشرة آلاف دينار الودائع التي كانت عندي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا جهل ما هذا من تلقائي فتكذبني ، وإنما هذا جبرئيل

الروح الامين يخبرني به عن رب العالمين ، وعليه تصحيح شهادته وتحقيق مقالته .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : هلم ( 4 ) يا جبرئيل بالدجاجة التي أكل منها .

فاذا الدجاجة بين يدي رسول الله .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أتعرفها يا أبا جهل ؟ فقال أبوجهل : ما أعرفها وما اخبرت

عن شئ ، ومثل هذه الدجاجة المأكول بعضها في الدنيا كثير .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أيتها الدجاجة إن أبا جهل قد كذب محمدا على جبرئيل ، وكذب

جبرئيل على رب العالمين ، فاشهدي لمحمد بالتصديق ، وعلى أبي جهل بالتكذيب ، فنطقت

* ( هامش ) * 1 ) أى تخونهم ، واختان المال : سرقه .

2 ) أى أعلى وسط الصدر . وفى بعض النسخ " ذروتها " وذروة كل شئ أعلاه .

3 ) على بناء المجهول . 4 ) أى تعال . ( * )

ـ439ـ

وقالت : أشهد يا محمد ( 1 ) أنك رسول رب العالمين وسيد الخلق أجمعين ، وأن أبا جهل

هذا عدو الله المعاند الجاحد للحق الذي يعلمه ، أكل مني هذا الجانب ، وادخر الباقي

وقد أخبرته بذلك ، وأحضرتنيه فكذب به ، فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين فانه مع كفره

بخيل ، استأذن عليه أخوه فوضعني تحت ذيله إشفاقا من أن يصيب مني أخوه ، فأنت

يا رسول الله أصدق الصادق من الخلق أجمعين ، وأبوجهل الكذاب المفتري اللعين .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ـ أما ـ كفاك ما شاهدت ؟ ! ( 2 ) آمن لتكون آمنا من عذاب الله

عزوجل ، قال أبوجهل : إني لاظن أن هذا تخييل وإيهام .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فهل تفرق بين مشاهدتك لهذا وسماعك لكلامها ، وبين

مشاهدتك لنفسك ولسائر قريش والعرب وسماعك لكلامهم ؟ قال أبوجهل : لا .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فما يدريك أن جميع ما تشاهد وتحس بحواسك تخييل ؟

قال أبوجهل : ماهو تخييل .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ولا هذا تخييل ، وإلا فكيف تصحح أنك ترى في العالم شيئا

أوثق منه ( 3 ) ؟

ـ قال : ـ ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على الموضع المأكول من الدجاجة ، فمسح يده

عليها ، فعاد اللحم عليه أوفر ما كان .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا جهل أرأيت هذه الآية ؟

قال : يا محمد ـ قد ـ توهمت شيئا ، ولا اوقته .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا جبرئيل فأتنا بالاموال التي دفنها هذا المعاند للحق لعله

يؤمن . فاذا هو بالصرر بين يديه كلها ـ في كل صرة ـ ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله قاله إلى

تمام عشرة آلاف دينار وثلاثمائة دينار ( 4 ) .

* ( هامش ) * 1 ) " أن لا اله الا الله يا محمد و " أ ، ط . 2 ) " شهدت " س ، ص ، ط . 3 ) " واثق " أ . 4 ) " مثقال " الاصل وهو تصحيف كما يأتى 440 . ( * )

ـ440ـ

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله - وأبوجهل ينظر إليه - صرة منها فقال : ائتوني بفلان بن

فلان . فاتي به - وهو صاحبها - فقال صلى الله عليه وآله : هاكها يا فلان ـ هذا ـ ماقد اختانك فيه أبوجهل .

فرد عليه ماله ، ودعا بآخر ، ثم بآخر حتى رد العشرة آلاف كلها على أربابها ، وفضح

عندهم أبوجهل ، وبقيت الثلاثمائة دينار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله .

فقال رسول الله : الآن آمن لتأخذ الثلاثمائة دينار ، ويبارك الله لك فيها حتى تصير

أيسر قريش . فقال : لا اومن ، ولكن آخذها وهي مالي ، فلما ذهب ليأخذها صاح

النبي صلى الله عليه وآله بالدجاجة : دونك أبا جهل ، فكفيه عن الدنانير ، وخذيه .

فوثبت الدجاجة على أبي جهل ، فتناولته بمخالبها ورفعته في الهواء ، وطارت به

إلى سطح لبيته فوضعته عليه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الدنانير إلى بعض فقراء المؤمنين

ثم نظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أصحابه فقال لهم :

معاشر أصحاب محمد هذه أية أظهرها ربنا عزوجل لابي جهل ، فعاند ، وهذا

الطير الذي حيي يصير من طيور الجنة الطيارة ( 1 ) عليكم فيها ، فان فيها طيورا كالبخاتي ( 2 )

عليها من ـ جميع ـ أنواع المواشي ( 3 ) تطير بين سماء الجنة وأرضها ، فاذا تمنى مؤمن

محب للنبي وآله الاكل ـ من شئ ـ منها ، وقع ذلك بعينه بين يديه ، فتناثر ريشه

وانسمط ( 4 ) وانشوى وانطبخ ، فأكل من جانب منه ـ قديدا ( 5 ) ومن جانب منه ـ مشويا بلا نار

* ( هامش ) * 1 ) " الطائرة " ص .

2 ) البخاتى والبخت : جمع بختى ، وهى جمال طوال الاعناق ، والبختى أيضا : الابل الخراسانى .

3 ) الشية : ما خالف اللون من جميع الجسد وفى جميع الدواب ، وأصله من الوشى

والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله كالزنة والوزن ، ويقال : وشيت الثوب أشيه

وشيا وشية ووشيته توشية ، شدد للكثرة ، فهو موشى وموشى ، والوشى في اللون خلط

لون بلون وكذلك في الكلام . لسان العرب : 15 / 392 .

4 ) " أملط " أ ، ط ، أى لا ريش عليه . وسمط الجدى : نقاء من الصوف وشواه .

5 ) قدد اللحم : جعله قطعا وجففه . ( * )

ـ441ـ

فاذا قضى شهوته ونهمته وقال : الحمد لله رب العالمين ، عادت كما كانت ، فطارت في

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 441 سطر 1 الى ص 450 سطر 23

فاذا قضى شهوته ونهمته وقال : الحمد لله رب العالمين ، عادت كما كانت ، فطارت في

الهواء ، وفخرت على سائر طيور الجنة ، تقول :

" من مثلي وقد أكل مني ولي الله عن أمر الله " . ( 1 )

ـ مدح زيد بن حارثة وابنه : ـ

293 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : معاشر الناس أحبوا موالينا مع حبكم لآلنا ( 2 ) هذا

زيد بن حارثة وابنه أسامة من خواص موالينا فأحبوهما ، فوالذي بعث محمدا بالحق

نبيا لينفعكم حبهما " . قالوا : وكيف ينفعنا حبهما ؟

قال : إنهما يأتيان يوم القيامة عليا عليه السلام بخلق عظيم من محبيها أكثر من ربيعة

ومضر بعدد كل واحد منهم ، فيقولان : يا أخا رسول الله هؤلاء أحبونا بحب محمد

رسول الله صلى الله عليه وآله وبحبك ، فيكتب لهم علي عليه السلام جوازا على الصراط ، فيعبرون عليه

ويردون الجنة سالمين .

وذلك أن أحدا لا يدخل الجنة من سائر امة محمد صلى الله عليه وآله إلا بجواز من علي عليه السلام

فان أردتم الجواز على الصراط سالمين ، ودخول الجنان غانمين ، فأحبوا بعد حب

محمد وآله مواليه ، ثم إن أردتم أن يعظم محمد ـ وعلي ـ ( 3 ) عند الله تعالى منازلكم

فأحبوا شيعة محمد وعلي ، وجدوا في قضاء حوائج ( 4 ) إخوانكم المؤمنين ، فان الله

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 8 / 68 ح 12 وص 165 ح 8 قطعة ، وج 17 / 239 - 248 ح 2 ، وج 22

/ 281 ح 37 قطعة ، ج 38 / 209 ح 5 قطعة ، واثبات الهداة : 2 / 161 ح 609 ( قطعة ) .

ورواه في الاحتجاج : 1 / 37 - 40 باسناده عن الحسن العسكرى عليه السلام ( مع اختصار

في وسطه وآخره ) عنه البحار : 17 / 249 ملحق ح 2 ، واثبات الهداة : 2 / 12 ح 308

والايقاظ من الهجعة : 105 ( قطعة ) .

2 ) " لنا " ب ، س ، ط . 3 ) من البحار : 8 . 4 ) " حقوق " ص ، د .

. . .

ـ442ـ

تعالى إذا أدخلكم الجنة معاشر شيعتنا ومحبينا ( 1 ) نادى مناديه في تلك الجنان :

قد دخلتم ياعبادي الجنة برحمتي ، فتقاسموها على قدر حبكم لشيعة محمد

وعلي عليهما السلام ، وقضائكم لحقوق إخوانكم المؤمنين .

فأيهم كان للشيعة أشد حبا ، ولحقوق إخوانه المؤمنين أحسن قضاء أكانت درجاته

في الجنان أعلى ( 2 ) حتى أن فيهم من يكون أرفع من الآخر بمسيرة مائة ألف ( 3 ) سنة

ترابيع ( 4 ) قصور وجنان . ( 5 )

قوله عزوجل : " قل ان كانت لكم الدار الاخرة عند الله خالصة من دون

الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين ولن يتمنوه ابدا بما قدمت أيديهم

والله عليم يالظالمين ولتجدنهم احرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا

يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمرو الله

بصير بما يعملون " : 94 - 96

294 - قال الامام عليه السلام : قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام : إن الله تعالى

لما وبخ ـ هؤلاء ـ اليهود على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وآله وقطع معاذيرهم ، وأقام عليهم

الحجج الواضحة بأن محمد صلى الله عليه وآله سيد النبيين ( 6 ) وخير الخلائق أجمعين ، وأن عليا

سيد الوصيين ، وخير من يخلفه بعده في المسلمين ، وأن الطيبين من آله هم القوام

بدين الله والائمة لعباد الله عزوجل ، وانقطعت معاذيرهم وهم لا يمكنهم إيراد حجة

ولا شيهة ، فجاءوا ( 7 ) إلى أن كابروا ، فقالوا :

* ( هامش ) * 1 ) " محبهما " أ . 2 ) " في أعلى جنتى " أ ، ط . 3 ) " خمسمائة " البحار .

4 ) كأن المراد بالترابيع : المربعات ، فانها أحسن الاشكال ، أو كان في الاصل مرابع جمع

مربع ، وهو منزل القوم في الربيع . قاله المجلسى ( ره ) .

5 ) عنه البحار : 8 / 57 ح 73 ، وج 22 / 114 ح 84 ( قطعة ) وج 69 / 251 ح 31 ، وغاية

المرام : 263 ح 4 . 6 ) " الاولين " أ . 7 ) " فلجأوا " البحار : 17 . ( * )

ـ443ـ

لاندري ما تقول ، ولكنا نقول إن الجنة خالصة لنا من دونك يا محمد ودون علي

ودون أهل دينك وامتك ( 1 ) وإنا بكم مبتلون ـ و ـ ممتحنون ، ونحن أولياء الله المخلصون

وعباده ( 2 ) الخيرون ، ومستجاب دعاؤنا ، غير مردود علينا بشئ من سؤالنا ربنا .

فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله : ( قل ) يا محمد لهؤلاء اليهود :

( إن كانت لكم الدار الاخرة ) الجنة ونعيمها ( خالصة من دون الناس )

محمد وعلي والائمة ، وسائر الاصحاب ومؤمني الامة ، وأنكم بمحمد وذريته

ممتحنون ، وأن دعاءكم مستجاب غير مردود ( فتمنوا الموت ) للكاذبين منكم ومن

مخالفيكم ، فان محمدا وعلى وذويهما يقولون : " إنهم هم أولياء الله عزوجل من دون

الناس الذين يخالفونهم في دينهم ، وهم المجاب دعاؤهم " فان كنتم معاشر اليهود كما

تدعون ، فتمنوا الموت للكاذبين ( 3 ) منكم ومن مخالفيكم .

( إن كنتم صادقين ) بأنكم أنتم المحقون ، المجاب دعاؤكم على مخالفيكم ، فقولوا :

" اللهم أمت الكاذب منا ومن مخالفينا " ليستريح منه الصادقون ، ولتزداد حجتكم

وضوحا بعد أن قد صحت ووجبت .

ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما عرض هذا عليهم : لا يقولها أحد منكم إلا

غص بريقه فمات مكانه . وكانت اليهود علماء ( 4 ) بأنهم هم الكاذبون ، وأن محمدا

صلى الله عليه وآله وعليا عليه السلام ومصدقيهما هم الصادقون ، فلم يجسروا أن يدعوا بذلك لعلمهم

بأنهم إن دعوا فهم الميتون .

فقال الله تعالى : ( ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ) يعني اليهود لن يتمنوا

الموت بما قدمت أيديهم من كفرهم بالله ، وبمحمد رسول الله ونبيه وصفيه ، وبعلي

أخي نبيه ووصيه ( 5 ) وبالطاهرين من الائمة المنتجبين .

* ( هامش ) * 1 ) " ملتك " أ . 2 ) " عباد الله " ب ، س ، ص ، ط ، د .

3 ) " للكاذب " ق ، د . 4 ) عالمين " البحار : 17 . 5 ) " صفيه " ق ، د . ( * )

ـ444ـ

قال الله تعالى : ( والله عليم بالظالمين ) اليهود أنهم لا يجسرون ( 1 ) أن يتمنوا

الموت للكاذب ، لعلمهم بأنهم هم الكاذبون ، ولذلك آمرك أن تبهرهم بحجتك

وتأمرهم أن يدعوا على الكاذب ، ليمتنعوا من الدعاء ، ويتبين للضعفاء أنهم هم الكاذبون ،

ثم قال : يا محمد ( ولتجدنهم ) يعني تجد هؤلاء اليهود ( أحرص الناس على

حياة ) وذلك ليأسهم من نعيم الآخرة - لانهماكهم في كفرهم - الذي يعلمون أنه

لاحظ لهم معه في شئ من خيرات الجنة .

( ومن الذين أشركوا ) قال ـ تعالى ـ ( 2 ) : هؤلاء اليهود ( أحرص الناس على

حياة ) وأحرص ( من الذين أشركوا ) على حياة يعني المجوس لانهم لا يرون النعيم

إلا في الدنيا ، ولا يأملون ( 3 ) خيرا في الآخرة ، فلذلك هم أشد الناس حرصا على حياة .

ثم وصف اليهود فقال : ( يود - يتمنى - أحدهم لو يعمر ألف سنة وماهو - التعمير

ألف سنة - بمزحزحه - بمباعده - من العذاب أن يعمر ) ـ تعميره ـ وإنما قال :

( وما هو بمزحزحه ـ من العذاب ـ أن يعمر ) ولم يقل : ( وما هو بمزحزحه ) فقط

لانه لو قال ( وما هو بمزحزحه ـ من العذاب ـ والله بصير ) لكان يحتمل أن يكون

( وما هو ) يعني ( 4 ) وده وتمنيه ( بمزحزحه ) فلما أراد : وما تعميره ، قال : ( وما

هو بمزحزحه أن يعمر ) . ثم قال : ( والله بصير بما يعملون ) فعلى حسبه يجازيهم

ويعدل عليهم ولا يظلمهم . ( 5 )

295 - قال الحسن بن على بن أبى طالب عليهما السلام : لما كاعت ( 6 ) اليهود عن هذا

* ( هامش ) * 1 ) " يجرؤن " أ . 2 ) من البحار . 3 ) " يؤملون " ق ، والبحار .

4 ) " مع " الاصل ، والضمير هو لاحدهم ، لا أن يتوهم عوده إلى التمنى ، وأن يعمر فاعل

مزحزحه ، أى ما أحدهم ينجيه من النار تعميره . انظر تفسير البيضاوى : 1 / 172

5 ) عنه البحار : 9 / 321 صدر ح 15 ، وج 17 / 220 ح 24 ( قطعة ) والبرهان : 1 / 131 ح 1 .

6 ) كاع عنه : جبن عنه ، وهابه . ( * )

ـ445ـ

التمني ، وقطع الله معاذيرها ، قالت طائفة منهم - وهم بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وقد

كاعوا ، وعجزوا - :

يا محمد فأنت والمؤمنون المخلصون لك مجاب دعاؤكم ، وعلى أخوك

ووصيك أفضلهم وسيدهم ؟ ! قال رسول الله صلى الله عليه وآله : بلى .

قالوا : يا محمد فان كان هذا كما زعمت ، فقل لعلي عليه السلام يدعو الله لابن رئيسنا

هذا ، فقد كان من الشباب جميلا نبيلا وسيما قسيما ( 1 ) ، لحقه برص وجذام وقد صار

حمى ( 2 ) لا يقرب ، ومهجورا لا يعاشر ، يتناول الخبز على أسنة الرماح .

فقال رسول صلى الله عليه : ائتوني به . فاتى به ، ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه ـ منه ـ

إلى منظر فظيع ، سمج ، قبيح ، كريه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :

يا أبا حسن ادع الله له بالعافية ، فان الله تعالى يجيبك فيه .

فدعا له ، فلما كان بعد فراغه من دعائه إذ الفتى قد زال عنه كل مكروه ، وعاد

إلى أفضل ماكان عليه من النبل والجمال والوسامة والحسن في المنظر .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للفتى : ـ يا فتى ـ آمن بالذي أغاثك من بلائك .

قال الفتى : قد آمنت - وحسن إيمانه - .

فقال أبوه : يا محمد ظلمتني وذهبت مني بابني ، ليته كان أجذم وأبرص كما

كان ولم يدخل في دينك ، فان ذلك كان أحب إلى . قال رسول الله صلى الله عليه وآله .

لكن الله عزوجل قد خلصه من هذه الآفة ، وأوجب له نعيم الجنة .

قال أبوه : يا محمد ماكان هذا لك ولا لصاحبك ، إنما جاء وقت عافيته فعوفي

وإن كان صاحبك هذا - يعني عليا عليه السلام - مجابا في الخير فهو أيضا مجاب في الشر

فقل له يدعو على بالجذام والبرص ، فاني أعلم أنه لا يصيبني ، ليتبين لهؤلاء

* ( هامش ) * 1 ) أى جميلا .

2 ) أى ممنوع ، محظور ، وهذه وما بعدها كناية عن ابتعاد الناس عنه خوف العدوى . ( * )

ـ446ـ

الضعفاء - الذين قد اغتروا بك - أن زواله عن ابني لم يكن بدعائه .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا يهودي اتق الله ، وتهنأ بعافية الله إياك ، ولا تتعرض للبلاء

ولما لا تطيقه ، وقابل النعمة بالشكر ، فان من كفرها سلبها ، ومن شكرها امترى ( 1 ) مزيدها .

فقال اليهودي : من شكر نعم الله تكذيب عدو الله المفتري عليه ، وإنما اريد

بهذا أن اعرف ولدي أنه ليس مما قلت ـ له ـ وادعيته قليل ولا كثير ، وأن الذي

أصابه من خير لم يكن بدعاء علي صاحبك .

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : يا يهودي هبك قلت أن عافية ابنك لم تكن

بدعاء علي عليه السلام ، وإنما صادف دعاؤه وقت مجئ عافيته ، أرأيت لو دعا عليك علي

عليه السلام بهذاالبلاء الذي اقترحته فأصابك ، أتقول إن ما أصابني لم يكن بدعائه ، ولكن

لانه صادف دعاؤه وقت ـ مجئ ـ بلائي ؟

فقال : لا أقول هذا ، لان هذا احتجاج مني على عدو الله في دين الله ، واحتجاج

منه علي ، والله أحكم من أن يجيب إلى مثل هذا ، فيكون قد فتن عباده ، ودعاهم

إلى تصديق الكاذبين .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فهذا في دعاء علي لابنك كهو في دعائه عليك ، لا يفعل

الله تعالى مايلبس به على عباده دينه ، ويصدق به الكاذب عليه .

فتحير اليهودي لما أبطل صلى الله عليه وآله شبهته ، وقال : يا محمد ! ليفعل علي هذا بي إن

كنت صادقا .

فقال رسول الله صلى عليه وآله لعلي عليه السلام : يا أبا الحسن قد أبى الكافر إلا عتوا وطغيانا

وتمردا ، فادع عليه ( 2 ) بما اقترح ، وقل : اللهم ابتله ببلاء ابنه من قبل . فقالها ، فأصاب

اليهودي داء ذلك الغلام مثل ما كان فيه ( 3 ) الغلام من الجذام والبرص ، واستولى عليه

* ( هامش ) * 1 ) يقال : امترى اللبن ونحوه : استخرجه واستدره .

2 ) " الله " س ، ص 3 ) " في " أ ، ب ، ط . ( * )

ـ447ـ

الالم والبلاء ، وجعل يصرخ ويستغيث ويقول : يا محمد قد عرفت صدقك فأقلني ( 1 ) .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لو علم الله صدقك لنجاك ، ولكنه عالم بأنك لاتخرج

عن هذا الحال إلا ازددت كفرا ، ولو علم أنه إن نجاك آمنت به لجاد عليك بالنجاة

فانه الجواد الكريم .

قال عليه السلام : فبقي اليهودي في ذلك الداء والبرص أربعين سنة آية للناظرين

وعبرة للمتفكرين ( 2 ) وعلامة وحجة بينة لمحمد صلى الله عليه وآله باقية في الغابرين ( 3 ) وبقي

ابنه كذلك معافى صحيح الاعضاء والجوارح ثمانين سنة عبرة للمعتبرين ، وترغيبا

للكافرين في الايمان ، وتزهيدا لهم في الكفر والعصيان .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله حين حل ذلك البلاء باليهودي بعد زوال البلاء عن ابنه :

عباد الله إياكم والكفر لنعم الله ، فانه مشوم على صاحبه ، ألا وتقربوا إلى الله بالطاعات

يجزل لكم المثوبات ، وقصروا أعماركم في الدنيا بالتعرض لاعداء الله في الجهاد

لتنالوا طول أعمار الاخرة في النعيم الدائم الخالد ، وابذلوا أموالكم في الحقوق

اللازمة ليطول غناكم في الجنة .

فقام ناس فقالوا : يا رسول الله نحن ضعفاء الابدان قليلو الاموال لا نفي بمجاهدة

الاعداء ، ولا تفضل أموالنا عن نفقات العيالات ، فماذا نصنع ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ألا فلتكن صدقاتكم من قلوبكم وألسنتكم .

قالوا : كيف يكون ذلك يا رسول الله ؟

قال صلى الله عليه وآله : أما القلوب فتقطعونها ( 4 ) على حب الله ، وحب ( 5 ) محمد رسول الله ، وحب

علي ولي الله ووصي رسول الله ، وحب المنتجبين للقيام بدين الله ، وحب شيعتهم

* ( هامش ) * 1 ) أى اصفح عنى . " فاقبلنى " أ . " فاقلبنى " خ ل ، ط ، وقبل الكلام : صدقه .

2 ) " للمعتبرين " ص ، والبحار . 3 ) زاد في البحار : وعبرة للمتكبرين .

4 ) " فتقطعوا بها " أ ، ط ، البرهان . 5 ) " بحب " أ ، وكذا بعدها . ( * )

ـ448ـ

ومحبيهم ، وحب إخوانكم المؤمنين ، والكف عن اعتقادات العداوة والشحناء والبغضاء .

وأما الالسنة فتطلقونها بذكر الله تعالى بما هو أهله ، والصلاة على نبيه محمد ( 1 )

وآله الطيبين ، فان الله تعالى بذلك يبلغكم أفضل الدرجات ، وينيلكم به

المراتب العاليات . ( 2 )

قوله عزوجل : " قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله

مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين . من كان عدوا لله وملائكته

ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين " : 97 - 98 .

296 - قال الامام عليه السلام : قال الحسن ( 3 ) بن علي عليهما السلام : إن الله تعالى ذم اليهود

في بغضهم لجبرئيل الذي كان ينفذ قضاء الله فيهم بما يكرهون ، وذمهم أيضا وذم

النواصب في بغضهم لجبرئيل وميكائيل وملائكة الله النازلين لتأييد علي بن أبي طالب

عليه السلام على الكافرين حتى أذلهم بسيفه الصارم ، فقال : قل يا محمد :

( من كان عدوا لجبريل ) من اليهود لدفعه عن " بخت نصر " أن يقتله " دانيال " ( 4 )

من غير ذنب كان جناه " بخت نصر " ( 5 ) حتى بلغ كتاب الله في اليهود أجله ، وحل

* ( هامش ) * 1 ) " محمد وعلى " ب ، س ، ص ، ط .

2 ) عنه مناقب آل أبى طالب : 2 / 335 ( قطعة ) ، والبحار : 9 / 323 ضمن ح 15 ، والبرهان :

1 / 132 ح 2 ، ومدينة المعاجز : 74 ح 187 .

3 ) " الحسين " ص ، والبحار ، وزاد في الاخير : بن أبى طالب .

4 ) تقدم شبيه هذا الادعاء في ص 407 ويأتى الكلام عليه في ص 454 .

5 ) وقد وقع نظير هذا في قصة موسى والخضر عليهما السلام في القرآن الكريم في سورة

الكهف : 65 - 82 : " فانطلقا حتى اذا ركبا في السفينة خرقها . . . فانطلقا حتى اذا

لقيا غلاما فقتله . . . "

ثم ذكر موسى عليه السلام تأويل ما لم يستطع صاحبه عليه صبرا فقال : < ( * )

ـ449ـ

بهم ما جرى في سابق علمه .

ومن كان أيضا عدوا لجبرئيل من سائر الكافرين ، ومن أعداء محمد وعلي

المناصبين ( 1 ) ، لان الله تعالى بعث جبرئيل لعلي عليه السلام مؤيدا ، وله على أعدائه ناصرا .

ومن كان عدوا لجبرئيل لمظاهرته محمدا وعليا عليهما السلام ومعاونته لهما وانفاذه ( 2 )

لقضاء ربه عزوجل في إهلاك أعدائه على يد من يشاء من عباده ( 3 ) .

( فانه ) يعني جبرئيل ( نزله ) يعني نزل هذا القرآن ( على قلبك ) يا محمد

( باذن الله ) بأمر الله ، وهو كقوله :

( نزل به الروح الامين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين ) ( 4 ) .

( مصدقا - موافقا - لما بين يديه ) ـ نزل هذا القرآن جبرئيل على قلبك يا محمد

مصدقا موافقا لما بين يديه ـ من التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وكتب

شيث وغيرهم من الانبياء . ( 5 )

ـ في فضائل القرآن ، وفضل تعلمه وتعليمه : ـ

297 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن هذا القرآن هو النور المبين ، والحبل المتين ،

والعروة الوثقى ، والدرجة العليا ، والشفاء الاشفى ، والفضيلة الكبرى ، والسعادة

* ( هامش ) * > " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ

كل سفينة غصبا ، وأما الغلام فكن أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا .

فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما " إلى أن قال : " وما فعلته عن أمرى " .

اقول : هو في هذا المورد أمر الهى استثنائى ، وتفويض ربانى خاص للانبياء

والاوصياء الذين آتاهم الله العلم والحكمة من عنده .

وكذا الحال في غيره من الموارد ان ثبت حدوثها وتحقق ، والا فنذره في بقعة الامكان .

1 ) " الناصبين " ص ، ط ، البحار ، والبرهان . 2 ) " انقياده " أ ، ق .

3 ) " لعباده " أ . 4 ) الشعراء : 193 - 195

5 ) عنه البحار : 9 / 284 صدر ح 2 ، وج 39 / 103 صدر ح 12 ، والبرهان : 1 / 133 صدر ح 1 ( * )

ـ450ـ

العظمى ، من استضاء به نوره الله ، ومن اعتقد به في ( 1 ) اموره عصمه الله ، ومن تمسك

به أنقذه الله ، ومن لم يفارق أحكامه رفعه الله ، ومن استشفى به شفاه الله ، ومن آثره

على ما سواه هداه الله ، ومن طلب الهدى في غيره أضله الله ، ومن جعله شعاره ودثاره

أسعده الله ، ومن جعله إمامه الذي يقتدي به ومعوله ( 2 ) الذي ينتهي إليه ، أداه الله إلى

جنات النعيم ، والعيش السليم ، فلذلك قال :

( هدى ) يعني هذا القرآن هدى ( وبشرى للمؤمنين ) يعني بشارة لهم في الآخرة .

وذلك أن القرآن يأتي يوم القيامة بالرجل الشاحب ( 3 ) يقول لربه عزوجل :

ـ يا رب ـ هذا أظمأت نهاره ، وأسهرت ليله ، وقويت في رحمتك طمعه ، وفسحت

في مغفرتك أمله ، فكن عند ظني ـ فيك ـ وظنه .

يقول الله تعالى : أعطوه الملك بيمينه ، والخلد بشماله ، وأفرنوه بأزواجه من

الحور العين ، واكسوا والديه حلة لا تقوم لها الدنيا بما فيها .

فينظر إليهما الخلائق فيعظمونهما ( 4 ) وينظران إلى أنفسهما فيعجبان منها ويقولان :

يا ربنا أنى لنا هذه ولم تبلغها أعمالنا ؟

فيقول الله تعالى : ومع هذا تاج الكرامة ، لم ير مثله الراؤن ، ولا يسمع بمثله

السامعون ، ولا يتفكر في مثله المتفكرون .

فيقال ( 5 ) : هذا بتعليمكما ولدكما القرآن ، وتبصير كما إياه بدين الاسلام

ورياضتكما إياه على حب محمد رسول الله وعلي ولي الله ، وتفقيهكما إياه بفقههما

لانهما اللذان لا يقبل الله لاحد إلا بولايتهما ومعاداة أعدائهما عملا ، وإن كان ملء

مابين الثرى إلى العرش ذهبا تصدق به في سبيل الله .

* ( هامش ) * 1 ) " عقد به " ب ، ق ، د ، والبحار ، والبرهان .

2 ) " معاده " أ ، ط ، يقال : عولنا إلى فلان في حاجتنا أى لجأنا وفزعنا اليه فوجدناه نعم المعول .

3 ) " الشاب " أ . 4 ) " فيغبطونهما " ب ، ط ، د . 5 ) " وقال " أ ، " فقال " ب ، س ، ق ، د . ( * )

ـ451ـ

فتلك من البشارات التي يبشرون بها ، وذلك قوله عزوجل :

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 451 سطر 1 الى ص 460 سطر 23

فتلك من البشارات التي يبشرون بها ، وذلك قوله عزوجل :

( وبشرى للمؤمنين ) شيعة محمد وعلي ومن تبعهم من أخلافهم وذراريهم . ( 1 )

298 - ثم قال : ( من كان عدوا لله ) لانعامه على محمد وعلي وعلى آلهما

الطيبين ، وهؤلاء الذين بلغ من جهلهم أن قالوا : نحن نبغض الله الذي أكرم محمدا

وعليا بما يدعيان .

( وجبريل ) ومن كان عدوا لجبريل ، لان الله جعله ظهيرا لمحمد وعلي عليهما السلام

على أعداء الله ، وظهيرا لسائر الانبياء والمرسلين كذلك .

( وملائكته ) يعني ومن كان عدوا لملائكة الله المبعوثين لنصرة دين الله ، وتأييد

أولياء الله ، وذلك قول بعض النصاب المعاندين : برئت من جبرئيل الناصر لعلي .

و ( 2 ) قوله تعالى ( ورسله ) ومن كان عدوا لرسل الله موسى وعيسى وسائر الانبياء

الذين دعوا إلى نبوة محمد وإمامة علي ، وذلك قول النواصب : برئنا من هؤلاء

الرسل الذين دعوا إلى إمامة علي .

ثم قال : ( وجبريل وميكال ) أي من كان عدوا لجبرئيل وميكائيل ، وذلك كقول

من قال من النواصب لما قال النبى صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام : " جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل

عن يساره وإسرافيل من خلفه ، وملك الموت أمامه ، والله تعالى من فوق عرشه

ناظر بالرضوان إليه ناصره " .

قال بعض النواصب : فأنا أبرأ من الله و ـ من ـ جبرئيل وميكائيل والملائكة الذين

حالهم مع علي ما قاله محمد .

فقال : من كان عدوا لهؤلاء تعصبا على علي بن أبي طالب عليه السلام ( فان الله عدو

للكافرين ) فاعل بهم ما يفعل العدو بالعدو من إحلال النقمات وتشديد العقوبات .

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 92 / 31 ح 34 ، والبرهان : 1 / 133 ضمن ح 1 .

2 ) " وهو " ب ، س ، ص ، ط ، البحار ، والبرهان . ( * )

ـ452ـ

وكان سبب نزول هاتين الآيتين ما كان من اليهود أعداء الله من قول سئ في

جبرئيل وميكائيل ـ وسائر ملائكة الله ـ وما كان من أعداء الله النصاب من قول أسوء

منه في الله وفي جبرئيل وميكائيل ، وسائر ملائكة الله :

أما ماكان من النصاب ، فهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما كان لايزال يقول في علي

عليه السلام الفضائل التي خصه الله عزوجل بها ، والشرف الذي أهله الله تعالى له ، وكان

في كل ذلك يقول : " أخبرني به جبرئيل عن الله " ويقول في بعض ذلك : " جبرئيل

عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، ويفتخر جبرئيل على ميكائيل في أنه عن يمين علي

عليه السلام الذي هو أفضل من اليسار ، كما يفتخر نديم ملك عظيم في الدنيا يجلسه ـ الملك ـ

عن يمينه على النديم الآخر الذي يجلسه على يساره ، ويفتخران على إسرافيل الذي

خلفه بالخدمة ، وملك الموت الذي أمامه بالخدمة ، وأن اليمين والشمال أشرف من

ذلك كافتخار حاشية ( 1 ) الملك على زيادة قرب محلهم من ملكهم " .

ـ في أن أشرف الملائكة أشدهم حبا لعلي عليه السلام : ـ

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في بعض أحاديثه : إن الملائكة أشرفها عند الله

أشدها لعلي بن أبي طالب عليه السلام حبا ، وإن قسم الملائكة فيما بينهم : والذي شرف

عليا عليه السلام على جميع الورى بعد محمد المصطفى " .

ويقول مرة ـ أخرى ـ : " إن ملائكة السماوات والحجب ليشتاقون إلى رؤية علي

ابن أبي طالب عليه السلام كما تشتاق الوالدة الشفيقة إلى ولدها البار الشفيق آخر من بقي

عليها بعد عشرة دفنتهم " فكان هولاء النصاب يقولون : إلى متى يقول محمد : جبرئيل ( 2 )

وميكائيل والملائكة كل ذلك تفخيم لعلي وتعظيم لشأنه ؟ ويقول الله تعالى لعلي

خاص من دون سائر الخلق ؟ برئنا من رب ومن ملائكة ومن جبرئيل وميكائيل هم

* ( هامش ) * 1 ) " خاصة " أ . 2 ) " وجبرئيل " أ . ( * )

ـ453ـ

لعلي بعد محمد مفضلون . وبرئنا من رسل الله الذين هم لعلي بن أبي طالب بعد

محمد مفضلون .

وأما ما قاله اليهود ، فهو أن اليهود - أعداء الله - لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله

المدينة أتوه بعبدالله بن صوريا ، فقال : يا محمد كيف نومك ؟ فانا قد اخبرنا عن نوم

النبى الذي يأتي في آخر الزمان .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : تنام عيني وقلبي يقظان ، قال : صدقت يا محمد .

قال : وأخبرني يا محمد الولد يكون من الرجل أو من المرأة ؟

فقال النبي صلى الله عليه وآله : أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل ، وأما اللحم

والدم والشعر فمن المرأة ، قال : صدقت يا محمد ، ثم قال : فما بال الولد يشبه أعمامه

ليس فيه من شبه أخواله شئ ، ويشبه أخواله ليس فيه من شبه أعمامه شئ ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أيهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه ( 1 ) له .

قال : صدقت يا محمد ، فأخبرني عمن لا يولد له ـ ومن يولد له ـ ؟

فقال : إذا مغرت النطفة لم يولد له - أي إذا احمرت وكدرت - فاذا كانت صافية

ولد له . فقال : أخبرني عن ربك ما هو ؟ فنزلت ( قل هو الله أحد ) إلى آخرها .

فقال ابن صوريا : صدقت ـ يا محمد ـ خصلة بقيت إن قلتها آمنت بك واتبعتك :

أي ملك يأتيك بما تقوله عن الله ؟ قال : جبرئيل .

قال ابن صوريا : ذلك عدونا من بين الملائكة ، ينزل بالقتال والشدة والحرب

ورسولنا ميكائيل يأتي بالسرور والرخاء ، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك

لانه كان يشدد ( 2 ) ملكنا ، وجبرئيل كان يهلك ملكنا فهو عدونا لذلك .

فقال له سلمان الفارسى ( رضي الله عنه ) : وما بدء عداوته لكم ؟

قال : نعم يا سلمان عادانا مرارا كثيرة ، وكان من أشد ذلك علينا أن الله أنزل

* ( هامش ) * 1 ) " أشبه " أ . 2 ) " يمسك " س ، " يسدد " ق ، د . شدده : قواه . ( * )

ـ454ـ

على أنبيائه أن بيت المقدس يخرب على يد رجل يقال له : " بخت نصر " وفى زمانه

اخبرنا بالحين ( 1 ) الذي يخرب فيه ، والله يحدث الامر بعد الامر فيمحو مايشاء ويثبت .

فلما بلغ ذلك الحين الذي يكون فيه هلاك بيت المقدس بعث أوائلنا رجلا من

أقوياء بني إسرائيل وأفاضلهم - كان يعد من أنبيائهم - يقال له " دانيال " في طلب

" بخت نصر " ليقتله ( 2 ) .

* ( هامش ) * 1 ) من البحار ، وفى الاصل : بالخبر ، وكذا في الموضع التالى .

2 ) تقدم ما يشابه ذلك في ص 407 وص 448 ، ويأتى في ذيل الاية : 113 ، ويؤيد ذكر

هذه المحاججة بطريق آخر عن ابن عباس ، حيث رواها الواحدى في أسباب النزول :

18 ، البيضاوى في أنوار التنزيل : 1 / 172 ، أبوالسعود في تفسيره : 1 / 132 ، أبوالفتوح

الرازى في تفسيره : 1 / 262 ، الفخر الرازى في تفسيره : 3 / 194 ، والبغوى في تفسيره :

1 / 96 - واللفظ له - قالوا :

قال ابن عباس رضى الله عنه : ان حبرا من أحبار اليهود ، يقال له عبدالله بن صوريا قال للنبى

صلى الله عليه وآله : اى ملك يأتيك من السماء ؟ قال : جبريل .

قال : ذلك عدونا من الملائكة ، ولو كان ميكائيل لامنا بك ، ان جبريل ينزل العذاب

والقتال والشدة وانه عادانا مرارا ، كان أشد ذلك علينا أن الله تعالى أنزل على

نبينا : أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له : بختنصر ، وأخبرنا بالحين الذى

يخرب فيه ، فلما كان وقته بعثنا " رجلا من أقوياء بنى اسرائيل " في طلبه ليقتله ، فانطلق

حتى لقيه ببابل غلاما مسكينا فأخذه ليقتله ، فدفع عنه جبريل ، وكبر بختنصر وقوى وغزانا

وخرب بيت المقدس ، فلهذا نتخذه عدوا . فأنزل الله هذه الاية .

وغير خفى أنه لم يصرح باسم " دانيال " في هذه المصادر بل اصطلح عليه : " رجلا من

أقوياء بنى اسرائيل " .

وقد تبين لنا أن فيما ارخ في كتب السيرة والتاريخ من قصة بختنصر ودانيال اختلاف

شديد وأقول متضاربة ، كما صرح بذلك ابن الاثير في الكامل : 1 / 104 ، والطبرى

في تاريخه : 1 / 387 ، والشيخ المجلسى في البحار : 14 / 355 .

ولعل منشأ ذلك طول الفترة التاريخية المبهمة التى جرت فيها هذه الاحداث ، حيث < ( * )

ـ455ـ

فحمل معه وقر ( 1 ) مال لينفعه في ذلك ، فلما انطلق في طلبه لقيه ببابل غلاما ضعيفا

مسكينا ليس له قوة ولا منعة ، فأخذه صاحبنا ليقتله ، فدفع عنه جبرئيل وقال لصاحبنا :

إن كان ربكم هو الذي أمره بهلاككم ، فان الله لا يسلطك عليه ، وإن لم يكن

هذا فعلى أي شئ تقتله ؟

فصدقه صاحبنا ، وتركه ورجع إلينا فأخبرنا بذلك ، وقوي " بخت نصر " وملك

وغزانا وخرب بيت المقدس ، فلهذا نتخذه عدوا ، وميكائيل عدو لجبرئيل .

فقال سلمان : يا ابن صوريا بهذا العقل المسلوك به غير سبيله ضللتم ، أرأيتم

أوائلكم كيف بعثوا من يقتل " بخت نصر " وقد أخبر الله تعالى في كتبه على ألسنة رسله

أنه يملك ويخرب بيت المقدس ؟ وأرادوا تكذيب أنبياء الله في أخبارهم واتهموهم

ـ في أخبارهم ـ أو صدقوهم في الخبر عن الله ، ومع ذلك أرادوا مغالبة الله ، هل كان

هؤلاء ومن وجهوه إلا كفارا بالله ؟ وأي عداوة يجوز أن يعتقد لجبرئيل وهو

يصد عن مغالبة الله عزوجل ، وينهى عن تكذيب خبر الله تعالى ؟

فقال ابن صوريا : قد كان الله تعالى أخبر بذلك على ألسن أنبيائه ، ولكنه

* ( هامش ) * > تبلغ ستمائة سنة تقريبا .

وأيضا تشابه أحداث ووقائع غزو بختنصر لبنى اسرائيل .

أضف إلى ذلك ثالثا : وجود ملكين باسم بختنصر :

الاول : بختنر الاكبر الذى غزا بنى اسرائيل وقتلهم عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد

أرميا الذى كان معاصرا لدانيال .

الثانى : بختنصر بن ملتنصر بن بختنصر الاكبر ، حيث قام في السنة الثالثة عشرة من ملكه

بغزو بنى اسرائيل في بيت المقدس وقتل منهم سبعين ألفا على دم يحيى بن زكريا ، كما

صرح بذلك المسعودى في اثبات الوصية : 84 ، وقد ذكروا أن بين عهد ارميا وقتل

يحيى أربعمائة واحدى وستون سنة .

1 ) الوقر - بالكسر - : الحمل الثقيل . ( * )

ـ456ـ

يمحو ما يشاء ويثبت .

قال سلمان : فاذا لا تثقوا ( 1 ) بشئ مما في التوراة من الاخبار عما مضى وما يستأنف

فان الله يمحو ما يشاء ويثبت ، وإذا لعل الله قد كان عزل موسى وهارون عن النبوة

وأبطلا في دعواهما لان الله يمحو ما يشاء ويثبت ، ولعل كل ما أخبراكم أنه

يكون لا يكون ، وما أخبراكم أنه لا يكون يكون ، وكذلك ما أخبراكم عما كان لعله

لم يكن ، وما أخبراكم أنه لم يكن لعله كان ، ولعل ما وعده من الثواب يمحوه

ولعل ما توعده من العقاب يمحوه ، فانه يمحو ما يشاء ويثبت ، إنكم جهلتم معنى

يمحو الله ما يشاء ويثبت .

فلذلك أنتم بالله كافرون ولاخباره عن الغيوب مكذبون ، وعن دين الله منسلخون .

ثم قال سلمان : فاني أشهد أن من كان عدوا لجبرئيل ، فانه عدو لميكائيل ،

وإنهما جميعا عدوان لمن عاداهما ، سلمان لمن سالمهما . فأنزل الله عزوجل ـ عند

ذلك ـ موافقا لقول سلمان ( ره ) ( قل من كان عدوا لجبريل ) في مظاهرته لاولياء الله

على أعداء الله ، ونزوله بفضائل علي ولي الله من عند الله ( فانه نزله ) فان جبرئيل

نزل هذا القرآن ( على قلبك باذن الله ) بأمر الله ( مصدقا لما بين يديه ) من سائر

كتب الله ( وهدى ) من الضلالة ( وبشرى للمؤمنين ) بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وولاية

علي عليه السلام ومن بعده من الائمة بأنهم أولياء الله حقا إذا ماتوا على موالاتهم لمحمد

وعلي وآلهما الطيبين .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا سلمان إن الله صدق قيلك ووثق ( 2 ) رأيك ، وإن جبرئيل

عن الله تعالى يقول : يا محمد ، سلمان والمقداد أخوان متصافيان في ودادك ووداد

علي أخيك ووصيك وصفيك ، وهما في أصحابك ( 3 ) كجبرئيل وميكائيل في

* ( هامش ) * 1 ) " تيقنوا " أ ، ط . 2 ) " وفق " س ، ص ، ق ، د ، والبحار : 9 و 22 .

3 ) " أصحابكما " ص . ( * )

ـ457ـ

الملائكة ـ عدوان لمن أبغض أحدهما ، ووليان لمن والاهما ، ووالى محمدا وعليا و ـ

عدوان لمن عادى محمدا وعليا وأولياءهما ( 1 ) ولو أحب أهل الارض سلمان والمقداد

كما يحبهما ملائكة السماوات والحجب والكرسي والعرش لمحض ( 2 ) ودادهما

لمحمد وعلي وموالاتهما لاوليائهما ومعاداتهما لاعدائهما لما عذب الله تعالى أحدا

منهم بعذاب البتة . ( 3 )

299 - قال الحسن ( 4 ) بن على عليهما السلام : فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله في سلمان

والمقداد ، سر به المؤمنون وانقادوا ، وساء ذلك المنافقين فعاندوا وعابوا ، وقالوا :

يمدح محمد الاباعد ويترك الادنين من أهله لا يمدحهم ولا يذكرهم .

فاتصل ذلك برسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : ما لهم - لحاهم ( 5 ) الله يبغون للمسلمين السوء ؟

وهل نال أصحابي ما نالوه من درجات الفضل إلا بحبهم لي ولاهل بيتي ؟

والذي بعثني بالحق نبيا إنكم لن تؤمنوا حتى يكون محمد وآله أحب إليكم

من أنفسكم وأهليكم وأموالكم ومن في الارض جميعا .

ثم دعا بعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فغمتهم ( 6 ) بعباءته القطوانية .

ثم قال : هؤلاء خمسة لاسادس لهم من البشر .

ثم قال : أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالهم .

* ( هامش ) * 1 ) زاد في " أ " : ووليان لمن والاهم ، وأسقط مابين ـ ـ . 2 ) أى لخالص .

3 ) عنه البحار : 9 / 285 ضمن ح 2 ، وج 39 / 106 ضمن ح 12 ( قطعة ) ، والبرهان :

1 / 134 ضمن ح 1 ، وعنه البحار : 22 / 327 ح 34 ، وج 60 / 336 ح 9 ( قطعة ) وعن

الاحتجاج : 1 / 48 باسناده عن أبى محمد العسكرى عليه السلام وأخرجه في البرهان :

4 / 523 ح 1 ( قطعة ) ، واثبات الهداة : 1 / 361 ح 72 ( قطعة ) عن الاحتجاج .

4 ) " الحسين " س ، والبحار . 5 ) أى لعنهم وقبحهم . " نحاهم " ص .

6 ) " فغطاهم " خ ل ، ط . وكلاهما بمعنى ، وفى البحار ، ق ، د : " فعمهم " . عم القوم بالعطية : شملهم . ( * )

ـ458ـ

فقالت ( 1 ) أم سملة ورفعت جانب العباء لتدخل ، فكفها رسول الله صلى الله عليه وآله وقال :

لست هناك وإن كنت في خير وإلى خير . فانقطع عنها طمع البشر .

وكان جبرئيل معهم ، فقال : يا رسول الله وأنا سادسكم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :

نعم أنت سادسنا . فارتقى السماوات ، وقد كساه الله من زيادة الانوار ماكادت

الملائكة لا تبينه حتى قال : بخ بخ من مثلي ؟ أنا جبرئيل سادس محمد وعلي

وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام .

وذلك مافضل الله به جبرئيل على سائر الملائكة في الارضين والسماوات ( 2 ) .

قال : ثم تناول رسول الله صلى الله عليه وآله الحسن بيمينه والحسين بشماله ، فوضع هذا على

كاهله الايمن ، وهذا على كاهله الايسر ، ثم وضعهما على الارض ، فمشى بعضهما

إلى بعض يتجاذبان ، ثم اصطرعا ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول للحسن : " إيها ( 3 ) ـ يا ـ

أبا محمد " فيقوى الحسن ، ويكاد يغلب الحسين ـ ثم يقوى الحسين عليه السلام فيقاومه ـ .

فقالت فاطمة عليها السلام : يا رسول الله أتشجع الكبير على الصغير ؟

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله : يا فاطمة أما إن جبرئيل وميكائيل كما ( 4 ) قلت للحسن :

" إيها ـ يا ـ أبا محمد " قالا للحسين : " إيها ـ يا ـ أبا عبدالله " فلذلك تقاوما وتساويا

- أما إن الحسن والحسين حين ( 5 ) كان يقول رسول الله صلى الله عليه وآله للحسن : " إيها أبا محمد "

ويقول جبرئيل : " إيها أبا عبدالله " لو رام كل واحد منهما حمل الارض بما عليها من

جبالها وبحارها وتلالها ، وسائر ما على ظهرها لكان أخف عليهما من شعرة على

أبدانهما ، وإنما تقاوما لان كل واحد منهما نظير الآخر - هذان قرتا عيني ، هذان

* ( هامش ) * 1 ) أى فأقبلت . " فقامت " البحار . " فقالت فاطمة " ب ، ط ، وهو تصحيف ، واسم ام سلمة : هند ،

2 ) تقدم حديث العباءة ص 376 .

3 ) ايه : اسم فعل للاستزادة من حديث أو فعل .

4 ) " كلما " ط ، ق ، والبحار . 5 ) " لما " س ، والبحار . ( * )

ـ459ـ

ثمرتا فؤادي ، هذان سندا ظهري ، هذان سيدا شباب أهل الجنة من الاولين والآخرين

وأبوهما خير منهما ، وجدهما رسول الله خيرهم أجمعين .

فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله قالت اليهود والنواصب : إلى الآن كنا نبغض

جبرئيل وحده ، والآن قد صرنا نبغض ميكائيل أيضا لادعائهما لمحمد وعلي إياهما

ولولديه ( 1 ) . فقال الله عزوجل :

( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين " . ( 2 )

قوله عزوجل : " ولقد أنزلنا اليك آيات بينات ومايكفر بها الا الفاسقون " : 99

300 - قال الامام عليه السلام قال الله تعالى : ( ولقد أنزلنا إليك ) يا محمد ( آيات بينات )

دالات على صدقك في نبوتك ، مبينات عن إمامة علي أخيك ووصيك وصفيك

موضحات عن كفر من شك فيك أو في أخيك ، أو قابل أمر كل واحد منكما بخلاف

القبول والتسليم .

ثم قال : ( وما يكفر بها ) بهذه الآيات الدالات على تفضيلك وتفضيل علي بعدك

على جميع الورى ( إلا الفاسقون ) ـ الخارجون ـ ( 3 ) عن دين الله وطاعته ، من اليهود

الكاذبين ، والنواصب المتسمين بالمسلمين ( 4 ) .

* ( هامش ) * 1 ) " لولديهما " ب ، ص . 2 ) عنه البحار : 39 / 106 ذ ح 12 .

3 ) كذا استظهرها في " س " ، وكما في البحار .

4 ) عنه البحار : 9 / 326 صدر ح 1 ، والبرهان : 1 / 135 ح 1 . ( * )

ـ460ـ

ـ قصة اسلام عبدالله بن سلام : ـ ( 1 )

301 - قال الامام عليه السلام ( 2 ) : قال علي بن الحسن زين العابدين عليه السلام وذلك أن رسول

الله صلى الله عليه وآله ( لما آمن به عبدالله بن سلام بعد مسائله التي سألها رسول الله صلى الله عليه وآله وجوابه ) ( 3 )

إياه عنها قال له : يا محمد بقيت واحدة ، وهي المسألة الكبرى والغرض الاقصى :

من الذي يخلفك بعدك ، ويقضي ديونك ، وينجز عداتك ، ويؤدي أماناتك

ويوضح عن آياتك وبيناتك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :

أولئك أصحابي قعود ، فامض إليهم فسيدلك ( 4 ) النور الساطع في دائرة غرة ولي

عهدي وصفحة خديه ، وسينطق طومارك بأنه هو الوصي ، وستشهد جوارحك بذلك

فصار عبدالله إلى القوم فرأى عليا عليه السلام يسطع من وجهه نور يبهر نور الشمس

ونطق طوماره وأعضاء بدنه كل يقول : يابن سلام هذا علي بن أبي طالب عليه السلام المالئ

جنان الله بمحبيه ، ونيرانه بشانئيه ، الباث دين الله في أقطار الارض وآفاقها ، والنافي

للكفر عن نواحيها وأرجائها .

فتمسك بولايته تكن سعيدا ، واثبت على التسليم له تكن رشيدا .

فقال عبدالله بن سلام : ـ يا رسول الله هذا وصيك الذي وعد في التوراة ـ أشهد

* ( هامش ) * 1 ) وهو من يهود بنى قينقاع ، كان حبرهم وأعلمهم ، وكان اسمه الحصين ، فلما أسلم سماه

الرسول صلى الله عليه وآله " عبدالله " .

انظر سيرة ابن هشام : 2 / 162 و 163 ومواضع اخر منه .

2 ) زاد بعدها في " أ ، ط " : ذلك الايات الدالات على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وولاية

على عليه السلام كثيرة أحدها قوله تعالى " انما وليكم الله ورسوله . . . الاية إلى قوله

تعالى فان حزب الله هم الغالبون " المائدة : 55 ، 56 .

3 ) " اذا عارض وتحدى عبدالله بن صوريا وأتى صلى الله عليه وآله بجوابه " خ ل .

4 ) " فسترى " خ ل . ( * )

ـ461ـ

أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى ، وأمينه

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 461 سطر 1 الى ص 470 سطر 23

أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى ، وأمينه

المرتضى ، وأميره على جميع الورى ، وأشهد أن عليا أخوه وصفيه ، ووصيه القائم

بأمره المنجز لعداته ، المؤدي لاماناته ، الموضح لآياته وبيناته والدافع ( 1 ) للاباطيل

بدلائله ( 2 ) ومعجزاته ، وأشهد أنكما اللذان بشر بكما موسى ومن قبله من الانبياء

ودل عليكما المختارون من الاصفياء .

ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وآله : قد تمت الحجج ، وانزاحت العلل ، وانقطعت المعاذير

فلا عذر لي إن تأخرت عنك ، ولا خير في إن تركت التعصب لك .

ثم قال : يا رسول الله إن اليهود قوم بهت ( 3 ) وإنهم إن سمعوا باسلامي ( وقعوا

في ) ( 4 ) فاخبأني عندك ـ فاطلبهم فاذا جاءوك فاسألهم عن حالي ورتبتي بينهم لتسمع

قولهم في قبل أن يعلموا ( 5 ) باسلامي ، وبعده لتعلم أحوالهم .

فخبأه رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته ، ثم دعا قوما من اليهود ، فحضروه وعرض عليهم

أمره فأبوا ، فقال ـ رسول الله صلى الله عليه وآله ـ : بمن ترضون حكما بيني وبينكم ؟

قالوا : بعبدالله بن سلام . قال : وأي رجل هو ؟

قالوا : رئيسنا وابن رئيسنا ، وسيدنا وابن سيدنا ، وعالمنا وابن عالمنا ، وورعنا

وابن ورعنا ، وزاهدنا وابن زاهدنا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أرأيتم إن آمن بي أتؤمنون ( 6 ) ؟ قالوا : قد أعاذه الله من ذلك

ثم أعادها ، فأعادوها ، فقال : اخرج عليهم يا عبدالله ـ بن سلام ـ وأظهر ما قد أظهره

* ( هامش ) * 1 ) " الدامغ " ب ، دمغ الحق الباطل : محقه وأبطله .

2 ) " بدلالاته " أ . 3 ) أى كذب وافتراء .

4 ) " لانكروا بمرتبتى في علم التوراة وبتعظيمهم بى وسندية قولى عندهم " أ .

وقع في فلان : سبه وعابه واغتابه .

5 ) " يسمعوا " أ . 6 ) " أترضون " ب . ( * )

ـ462ـ

الله لك من أمر محمد .

فخرج عليهم وهو يقول : أشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له ، و ـ أشهد ـ وأن

محمدا عبده ورسوله المذكور في التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم

وسائر كتب الله ، المدلول فيها عليه وعلى أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام .

فلما سمعوه يقول ذلك قالوا : يا محمد ، سفيهنا وابن سفيهنا ، وشرنا وابن شرنا

وفاسقنا وابن فاسقنا ، وجاهلنا وابن جاهلنا ، كان غائبا عنا ، فكرهنا أن نغتابه .

فقال عبدالله : فهذا الذي كنت أخافه يا رسول الله .

ثم إن عبدالله حسن إسلامه ولحقه القصد الشديد من جيرانه من اليهود ، وكان

رسول الله صلى الله عليه وآله في حمارة القيظ في مسجده يوما إذ دخل عليه عبدالله بن سلام .

و ـ قد ـ كان بلال أذن للصلاة والناس بين قائم وقاعد وراكع وساجد ، فنظر رسول

الله صلى الله عليه وآله إلى وجه عبدالله فرآه متغيرا ، وإلى عينيه دامعتين ، فقال : مالك يا عبدالله ؟ .

فقال يا رسول الله قصدتني اليهود ، وأساءت جواري وكل ماعون لي استعاروه

مني كسروه وأتلفوه ، وما استعرت منهم منعونيه ، ثم زاد أمرهم بعد هذا ، فقد اجتمعوا

وتواطؤوا وتحالفوا على أن لا يجالسني أحد منهم ، ولا يبايعني ولا يشاورني ( 1 ) ولا

يكلمني ولا يخالطني ، وقد تقدموا بذلك إلى من في منزلي ، فليس يكلمني أهلي

وكل جيراننا يهود ، وقد استوحشت منهم ، فليس لي ـ من ـ أنس بهم ، والمسافة

ما بيننا وبين مسجدك هذا ومنزلك بعيدة ، فليس يمكنني في كل وقت يلحقني ضيق

صدر منهم أن أقصد مسجدك أو منزلك .

فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله غشيه ما كان يغشاه عند نزول الوحي عليه من

تعظيم أمر الله تعالى ، ثم سري عنه ( 2 ) وقد انزل عليه :

* ( هامش ) * 1 ) " يشاربنى " أ . " يشارينى " ق ، البحار . 2 ) أى زال عنه ما كان يجده . ( * )

ـ463ـ

( أنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة

وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزن الله هم الغالبون ) ( 1 ) .

قال : يا عبدالله بن سلام ( إنما وليكم الله ) ناصركم الله على اليهود القاصدين

بالسوء لك ( ورسوله ) ـ انما ـ وليك وناصرك ( والذين آمنوا الذين

- صفتهم أنهم - يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون )

أي وهم في ركوعهم .

ثم قال : يا عبدالله بن سلام ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ) من

يتولاهم ، ووالى أولياءهم ، وعادى أعداءهم ، ولجأ عند المهمات إلى الله ثم إليهم

( فان حزب الله ) جنده ( هم الغالبون ) لليهود وسائر الكافرين ، أي فلا يهمنك

يابن سلام ، فان الله تعالى ـ هو ناصرك ـ ( 2 ) وهؤلاء أنصارك ، وهو كافيك شرور أعدائك

وذائد عنك مكايدهم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عبدالله بن سلام أبشر ، فقد جعل الله لك أولياء خيرا منهم :

الله ، ورسوله ( 3 ) ، والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، وهم راكعون .

فقال عبدالله بن سلام : ـ يا رسول الله ـ من هؤلاء الذين آمنوا ؟

فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى سائل ، فقال : هل أعطاك أحد شيئا الآن ؟

قال : نعم ذلك المصلي ، أشار إلى بأصبعه : أن خذ الخاتم .

فأخذته فنظرت إليه والى الخاتم ، فاذا هو خاتم علي بن أبي طالب عليه السلام .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الله أكبر ، هذا وليكم ـ بعدي ـ وأولى الناس بالناس بعدي

* ( هامش ) * 1 ) المائدة : 55 - 56 . 2 ) استظهرها في " ق " .

3 ) " ورسوله محمد " ص ، ط . ( * )

ـ464ـ

علي بن أبي طالب عليه السلام ( 1 ) .

قال : ثم لم يلبث عبدالله إلا يسيرا حتى مرض بعض جيرانه ، وافتقر وباع داره ،

فلم يجد ( 2 ) لها مشتريا غير عبدالله ، واسر آخر من جيرانه فالجئ إلي بيع داره ، فلم

يجد ـ لها ـ مشتريا غير عبدالله ، ثم لم يبق من جيرانه من اليهود أحد إلا دهته داهية ،

واحتاج - من أجلها - إلى بيع داره ، فملك عبدالله تلك المحلة ، وقلع الله شأفة ( 3 ) اليهود ،

وحول عبدالله إلى تلك الدور قوما من خيار المهاجرين ، وكانوا له أناسا وجلاسا ،

ورد الله كيد اليهود في نحورهم ، وطيب الله عيش عبدالله بايمانه برسول الله وموالاته

لعلي ولي الله ، عليهما الصلاة والسلام . ( 4 )

قوله عزوجل : " أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم

لا يؤمنون " : 100

302 - قال الامام عليه السلام : قال الباقر عليه السلام : قال الله عزوجل وهو يوبخ هؤلاء اليهود

الذين تقدم ذكر عنادهم ، وهؤلاء النصاب الذين نكثوا ما اخذ من العهد عليهم فقال :

* ( هامش ) * 1 ) قال الطبرسى في مجمع البيان : 3 / 210 : وفى رواية عطا ، قال عبدالله بن سلام : يا

رسول الله أنا رأيت عليا تصدق بخاتمة وهو راكع ، فنحن نتولاه .

أقول : ذكر المحدثون والرواة أحداث هذه القصة في العديد من الكتب وبألفاظ مختلفة

وأسانيد متعددة وتناقلته الخاصة والعامة ، منها :

فرات في تفسيره : 39 . الخوارزمى في مناقبه : 186 ، عنه كشف الغمة : 1 / 301

والحسكانى في شواهد التنزيل : 1 / 185 ، بشارة المصطفى : 266 ، مصباح الانوار :

8 ( مخطوط ) ، وتجد تفصيل ذلك في احقاق الحق : 2 / 399 - 406 ، وج 3 / 502 - 511 فراجع .

2 ) " يكن " ص ، ق ، والبحار .

3 ) " شاكة " أ . " شانئيه " ب ، ط . الشأفة : الاصل أو العداوة ، والشاكة : الحدة .

4 ) عنه البحار : 9 / 326 ضمن ح 16 ، ومدينة المعاجز : 73 ح 185 ( قطعة ) . ( * )

ـ465ـ

( أو كلما عاهدوا عهدا ) واثقوا وعاقدوا ليكونوا لمحمد طائعين ، ولعلي بعده

مؤتمرين ، وإلى أمره صابرين ( 1 ) ( نبذه ) نبذ العهد ( فريق منهم ) وخالفه .

قال الله : ( بل أكثرهم ) أكثر هؤلاء اليهود والنواصب ( لا يؤمنون ) أي

في مستقبل أعمارهم لا يرعون ( 2 ) ، ولا يتوبون ( 3 ) مع مشاهدتهم للايات ومعاينتهم

للدلالات . ( 4 ) .

303 - قال رسول الله صلى الله عليه وآله : اتقوا الله عباد الله ، واثبتوا على ما أمركم به رسول الله

صلى الله عليه وآله من توحيد الله ، ومن الايمان بنبوة محمد رسول الله ، ومن الاعتقاد بولاية

علي ولي الله ، ولا يغرنكم صلاتكم وصيامكم وعبادتكم السالفة ، إنها لا تنفعكم إن

خالفتم العهد والميثاق فمن وفى وفي له ، وتفضل ـ بالجلال و ـ بالافضال عليه ، ومن

نكث فانما ينكث على نفسه ، والله ولي الانتقام منه ، وإنما الاعمال بخواتيمها .

ـ قصة ليلة المبيت ـ

هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وآله لكل أصحابه ، وبها أوصى حين صار إلى الغار .

فان الله تعالى قد أوحى إليه : يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام ،

ويقول لك : إن أبا جهل والملا من قريش قد دبروا يريدون قتلك ، وآمرك أن تبيت

عليا في موضعك ، وقال لك : إن منزلته منزلة إسماعيل ( 5 ) الذبيح من إبراهيم الخليل

يجعل نفسه لنفسك فداءا ، وروحه لروحك وقاءا ، وآمرك ( 6 ) أن تستصحب أبا بكر ،

* ( هامش ) * 1 ) " صائرين " ص ، ط ، ق ، د ، والبرهان .

2 ) " يرغبون " خ ل ، رعى الامر : نظر إلى ماذا يصير . 3 ) " يتولون " أ .

4 ) عنه البحار : 9 / 329 ضمن ح 16 ، والبرهان : 1 / 135 ح 1 .

5 ) " اسحاق " ب ، س ، ط . وهو تصحيف .

6 ) لم نعثر في غير هذا الكتاب على دليل الوحى ، والامر بهذا الاستصحاب ، ولا غرابة

في هذا بعد أن كان للنبى صلى الله عليه وآله أن يخفى ولا يصاحبه ، فلعله استصحيه ليكون < ( * )

ـ466ـ

فانه إن ( 1 ) آنسك وساعدك ووازرك وثبت على مايعاهدك ويعاقدك ، كان في الجنة من

رفقائك ، وفي غرفاتها من خلصائك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أرضيت أن اطلب فلا اوجد وتوجد ، فلعله

أن يبادر اليك الجهال فيقتلوك ؟

قال : بلى يا رسول الله رضيت أن تكون روحي لروحك وقاءا ، ونفسي لنفسك

* ( هامش ) * > شاهدا لايات الله عزوجل في جعله كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمة الله هى العليا ، وانزاله

السكينة على النبى صلى الله عليه وآله وحده ، وتأييده بالجنود . .

كما أنه لا فضل في التسمية " بالصحبة " لانها قد تحصل من الولى والعدو ، والمؤمن

والكافر ، قال تعالى مخبرا عن مؤمن وكافر اصطحبا " قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت

بالذى خلقك . . . " الكهف : 37 . وقال تعالى في قصة يوسف عليه السلام : " يا صاحبى

السجن " يوسف : 41 . وقال تعالى : " ماضل صاحبكم وماغوى " النجم : 2

بل لا فضل في مطلق التسمية ، كما أن موسى عليه السلام ، ترك هارون ولم يستصحبه في

ميقات ربه ، قال تعالى : " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة

قال . . أتهلكنا بما فعل السفهاء منا . " الاعراف : 155 ، فما كان استصحاب الرسول

الاعظم صلى الله عليه وآله له تفضيلا على من تركه في فراشه ، زد على ذلك النهى الموجه

من الرسول صلى الله عليه وآله إلى أبى بكر بقوله " لا تحزن " بل لا دليل على أنه سكن

قلبه ، أو أنزل الله السكينة عليه كما من على النبى صلى الله عليه وآله بذلك مع انه " ثانى

اثنين اذهما في الغار اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا فأنزل الله سكينته عليه " التوبة : 40

فأخبر أنه أنزل السكينة عليه دون أبى بكر ، ولم يذكر أبا بكر في السكينة ، كما أخبر

في موطن آخر أنه أنزل السكينة على الرسول وعلى المؤمنين ، قال تعالى " . . . ثم

أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين " التوبة : 26 .

وقوله تعالى " ان الله معنا " أى عالم ومطلع على حالنا ، . فلاحظ .

1 ) تدبر معنى " ان " الشرطية وجوابها " كان " ! وفى الشرط وتعليق الجزاء عليه ، لطف

وتنبيه ، أما ترى قوله تعالى " لئن اشركت ليحبطن عملك " الزمر : 65 خطابا للرسول

الاعظم ، أفضل الخلق ، وخير البشر . سيأتى مثل ذلك ص 468 . ( * )

ـ467ـ

فداءا ، بل قد رضيت أن تكون روحي ونفسي فداءا لاخ لك أو قريب أو لبعض

الحيوانات تمتهنها ( 1 ) وهل أحب الحياة إلا لخدمتك ( 2 ) والتصرف بين أمرك ونهيك

ولمحبة أوليائك ، ونصرة أصفيائك ، ومجاهدة أعدائك ؟

لو لا ذلك لما أحببت أن أعيش في هذه الدنيا ساعة واحدة .

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام وقال له : يا أبا حسن قد قرأ علي كلامك

هذا الموكلون باللوح المحفوظ ، وقرأوا علي ما أعد الله ـ به ـ لك من ثوابه في دار القرار

مالم يسمع بمثله السامعون ، ولا أرى مثله الراؤون ، ولا خطر مثله ببال المتفكرين .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابى بكر : أرضيت أن تكون معي يا أبابكر تطلب كما

اطلب ، وتعرف بأنك أنت الذي تحملني على ماأدعيه ، فتحمل عني أنواع العذاب ؟

قال أبوبكر : يا رسول الله أما أنا لو عشت عمر الدنيا أعذب في جميعها أشد

عذاب لا ينزل علي موت مريح ، ولا فرج متيح ( 3 ) وكان في ذلك محبتك لكان ذلك أحب

إلي من أن أتنعم فيها وأنا مالك لجميع ممالك ( 4 ) ملوكها في مخالفتك ، وهل أنا ( 5 )

ومالي وولدي إلا فداؤك ؟

* ( هامش ) * 1 ) من المهانة : الحقارة والصغر . ولا عجب من خير البشر على بن أبي طالب عليه السلام

يؤثر رضا حبيب الله ورسوله صلى الله عليه وآله ، ويسلم له نفسه فداء فيما يرضاه ، لا ملقا

ولا تزلفا ولا رياء ، فأطلق شعاره تعبيرا عن حبه فقال : هل احب الحياة الا لخدمتك ، و . .

ولولا ذلك لما أحببت أن أعيش في هذه الدنيا ساعة واحدة " ، فلا هم له عليه السلام

غير رضاه وفى أى شاء ، ولا يريد أن يفدى نفسه في الاخس وان لم يشأ ولن يشاء .

وقد آثرنا من رجال الدين والعلم يقولون تحية لامامنا الغائب " عج " : أرواحنا وأرواح

العالمين لتراب مقدمه الفداء . 2 ) " بخدمتك " أ .

3 ) " منج " س ، ص ، تاح له الشئ : تهيأ . 4 ) " مماليك " أ .

5 ) " ماأهلى " ب ، س ، د . ( * )

ـ468ـ

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا جرم إن ( 1 ) اطلع الله على قلبك ووجد ما فيه موافقا

لما جرى على لسانك ، جعلك مني بمنزلة السمع والبصر والرأس من الجسد ،

وبمنزلة الروح من البدن ، كعلي الذي هو مني كذلك ، وعلي فوق ذلك لزيادة فضائله

وشريف خصاله .

يا أبابكر إن من عاهد الله ثم لم ينكث ولم يغير ، ولم يبدل ولم يحسد من قد

أبانه ( 2 ) الله بالتفضيل فهو معنا في الرفيق الاعلى ، وإذا أنت مضيت على طريقة يحبها

منك ربك ، ولم تتبعها بما يسخطه ، ووافيته بها إذا بعثك بين يديه ، كنت لولاية الله

مستحقا ، ولمرافقتنا في تلك الجنان مستوجبا .

انظر أبابكر فنظر في آفاق السماء ، فرأى أملاكا من نار على أفراس من نار ، بأيديهم

رماح من نار ، كل ينادي : يا محمد مرنا بأمرك في ـ أعدائك و ـ مخالفيك نطحطحهم .

ثم قال : تسمع على الارض . فتسمع فاذا هي تنادي : يا محمد مرني بأمرك في

أعدائك أمتثل أمرك .

ثم قال : تسمع على الجبال ، فتسمعها تنادي : يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك

نهلكهم .

ثم قال : تسمع على البحار ، فاحضرت البحار بحضرته ، وصاحت أمواجها

تنادي ( 3 ) : يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نمتثله .

ثم سمع السماء والارض والجبال والبحار كل يقول : ـ يا محمد ـ ( 4 ) ما أمرك ربك

بدخول الغار لعجزك عن الكفار ، ولكن إمتحانا وابتلاءا ليتخلص ( 5 ) الخبيث من

* ( هامش ) * 1 ) تدبر معناها - وما أدراك مامعناها - وجوابها " جعلك " ، انظر تعليقتنا هامش : 1 ص 466

2 ) " أثابه " خ ل . 3 ) " وقالت " س ، ط ، د .

4 ) من البحار . 5 ) أى ليتميز . ( * )

ـ469ـ

الطيب من عباده وإمائه بأناتك ( 1 ) وصبرك وحلمك عنهم .

يا محمد من وفى بعهدك فهو من رفقائك في الجنان ، ومن نكث فعلى نفسه ينكث

وهو من قرناء إبليس اللعين في طبقات النيران .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : يا علي أنت مني بمنزلة السمع والبصر

والرأس من الجسد ، والروح من البدن ، حببت إلي كالماء البارد إلى ذي الغلة

الصادي ( 2 ) . ثم قال له : يا أبا حسن تغش ببردتي ، فاذا أتاك الكافرون يخاطبونك ،

فان الله يقرن بك توفيقه ، وبه تجيبهم .

فلما جاء أبوجهل ، والقوم شاهرون سيوفهم ، قال لهم أبوجهل : لا تقعوا به وهو

نائم لا يشعر ، ولكن ارموه بالاحجار لينتبه بها ، ثم اقتلوه ، فرموه بأحجار ثقال صائبة .

فكشف عن رأسه ، فقال : ماذا شأنكم ؟ وعرفوه ، فاذا هو علي عليه السلام .

فقال لهم أبوجهل : أما ترون محمدا كيف أبات هذا ونجا بنفسه لتشتغلوا به

وينجو محمد ، لا تشتغلوا بعلي المخدوع لينجو بهلاكه محمد ، وإلا فما منعه أن يبيت في

موضعه إن كان ربه بمنع عنه كما يزعم ؟

فقال علي عليه السلام : ألي ( 3 ) تقول هذا يا أبا جهل ؟ بل الله تعالى قد أعطاني من العقل

مالو قسم على جميع حمقاء الدنيا ومجانينها لصاروا به عقلاء ، ومن القوة مالو قسم

على جميع ضعفاء الدنيا لصاروا به أقوياء ، ومن الشجاعة مالو قسم على جميع

جبناء الدنيا لصاروا ـ به ـ شجعانا ، ومن الحلم ما لو قسم على جميع سفهاء الدنيا

لصاروا به حلماء .

ولو لا أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني أن لا أحدث حدثا حتى ألقاه لكان لي ولكم

شأن ، ولا قتلنكم قتلا .

* ( هامش ) * 1 ) الاناة : الوقار والحلم ، الانتظار والتمهل .

2 ) أى الشديد العطش ، والغلة - بالضم - حرارة العطش . 3 ) " أنى " أ . ( * )

ـ470ـ

ويلك يا أبا جهل - عليك اللعنة - إن محمدا صلى الله عليه وآله قد استأذنه في طريقه السماء

والارض والبحار والجبال في إهلاككم فأبى إلا أن يرفق بكم ، ويداريكم ؟ ؟ ليؤمن من

في علم الله أنه يؤمن منكم ، ويخرج مؤمنون من أصلاب وأرحام كافرين وكافرات

أحب الله تعالى أن لا يقطعهم عن كرامته باصطلامهم ( 1 ) .

ولو لا ذلك لاهلككم ربكم ، إن الله هو الغني ، وأنتم الفقراء ، لا يدعوكم إلى طاعته

وأنتم مضطرون ، بل مكنكم مما كلفكم فقطع معاذيركم .

فغضب أبوالبختري بن هشام فقصده بسيفه ، فرأى الجبال قد أقبلت لتقع عليه

والارض قد انشقت لتخسف به ، ورأى أمواج البحار نحوه مقبلة لتغرقه في البحر

ورأى السماء انحطت لتقع عليه ، فسقط سيفه وخر مغشيا عليه واحتمل ، ويقول

أبوجهل : دير به ( 2 ) لصفراء هاجت به . يريد أن يلبس على من معه أمره .

فلما التقى رسول الله صلى الله عليه وآله مع علي عليه السلام قال : يا علي إن الله رفع صوتك في

مخاطبتك أباجهل إلى العلو ، وبلغه إلى الجنان ، فقال من فيها من الخزان والحور

الحسان : من هذا المتعصب لمحمد إذ قد كذبوه وهجروه ؟ قيل لهم : هذا النائب

عنه ، والبائت على فراشه يجعل نفسه لنفسه وقاءا ، وروحه لروحه فداءا .

فقال الخزان والحور الحسان : يا ربنا فاجعلنا خزانه .

وقالت الحور : فاجعلنا نساءه .

فقال الله تعالى لهم : أنتم له ، ولمن يختاره هو من أوليائه ومحبيه يقسمكم عليهم - بأمر

الله - على من هو أعلم به من الصلاح ، أرضيتم ؟ قالوا : بلى ربنا وسيدنا . ( 3 )

* ( هامش ) * 1 ) أى باستئصالهم . " باصطلامكم " ب ، ط .

2 ) أى أخذه الدوار ، وهو دوران يأخذ بالرأس ، تعرفه العامة بالدوخة .

3 ) عنه البحار : 9 / 329 ذ ح 16 ( قطعة ) ، وج 19 / 80 ح 34 ، ومدينة المعاجز : 75 ح 188

واثبات الهداة : 4 / 596 ح 291 ( قطعة ) . ( * )

ـ471ـ

قوله عزوجل : " ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 471 سطر 1 الى ص 480 سطر 23

قوله عزوجل : " ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من

الذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما

تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا

يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما

يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون

به بين المرء وزوجه وماهم بضارين به من أحد الا باذن الله ويتعلمون ما

يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الاخرة من خلاق ولبئس

ماشروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون * ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من

عند الله خير لو كانوا يعلمون " 101 - 102 .

304 - قال الامام عليه السلام : قال الصادق عليه السلام : ( ولما جاءهم ) جاء هؤلاء اليهود

ومن يليهم من النواصب ( رسول ( 1 ) من عند الله ـ مصدق لما معهم ـ ) القرآن مشتملا

على ـ وصف ـ فضل محمد وعلي ، وإيجاب ولايتهما ، وولاية أوليائهما ، وعداوة أعدائهما

( نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب ـ كتاب الله ـ ) اليهود التوراة وكتب أنبياء الله

عليهم السلام ( وراء ظهورهم ) وتركوا العمل بما فيها وحسدوا محمدا على نبوته ، وعليا

على وصيته ، وجحدوا على ما وقفوا عليه من فضائلهما ( كأنهم لا يعلمون ) فعلوا

من جحد ذلك والرد له فعل من لا يعلم ، مع علمهم بأنه حق .

( واتبعوا ) هؤلاء اليهود والنواصب ( ما تتلوا ) ما تقرأ ( الشياطين على ملك

سليمان ) وزعموا أن " سليمان " بذلك السحر والنيرنجات ( 2 ) نال ماناله من الملك العظيم

قصدوهم به عن كتاب ( 3 ) الله ، وذلك أن اليهود الملحدين والنواصب المشاركين لهم في

* ( هامش ) * 1 ) " كتاب " الاصل . وما في المتن كما في البحار .

2 ) النيرنج - بالكسر - اخذ كالسحر وليس به . ( القاموس المحيط 1 : / 209 ) . والاخذة

- بالهمزة المضمومة - : رقية كالسحر يؤخذ بها . 3 ) " سبيل " البحار . ( * )

ـ472ـ

إلحادهم لما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام ، وشاهدوا

منه ومن علي عليه السلام المعجزات التي أظهرها الله تعالى لهم على أيديهما ( 1 ) ، أفضى

بعض اليهود والنصاب إلى بعض وقالوا :

ما محمد إلا طالب دنيا بحيل ومخاريق وسحر ونيرنجات تعلمها ، وعلم عليا

عليه السلام بعضها ، فهو يريد أن يتملك علينا في حياته ، ويعقد ( 2 ) الملك لعلي بعده ، وليس

مايقوله عن الله تعالى بشئ ، إنما هو قوله فيعقد علينا وعلى ضعفاء عباد الله بالسحر

والنيرنجات التي يستعملها ، وأوفر الناس كان حظا من هذا السحر " سليمان بن داود "

الذي ملك بسحره الدنيا كلها من ( 3 ) الجن والانس والشياطين ، ونحن إذا تعلمنا بعض

ماكان تعلمه ( 4 ) سليمان ، تمكنا من إظهار مثل ما يظهره محمد وعلي ، وادعينا

لانفسنا ما يجعله محمد لعلي ، وقد استغنينا عن الانقياد لعلي .

فحينئذ ذم الله تعالى الجميع من اليهود والنواصب فقال الله عزوجل :

( نبذوا كتاب الله ) الآمر بولاية محمد وعلي ( وراء ظهورهم ) فلم يعملوا به

( واتبعوا ما تتلوا ) كفرة ( الشياطين ) من السحر والنيرنجات ( على ملك سليمان )

الذين يزعمون أن سليمان به ملك ونحن أيضا به نظهر العجائب حتى ينقاد لنا الناس

ونستغني عن الانقياد لعلي عليه السلام .

قالوا : وكان سليمان كافرا ساحرا ماهرا ، بسحره ملك ماملك ، وقدر على ماقدر

فرد الله تعالى عليهم فقال : ( وما كفر سليمان ) ولا استعمل السحر كما قال هؤلاء

الكافرون ( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) أي بتعليمهم الناس

السحر الذي نسبوه إلى سليمان كفروا ، ثم قال :

( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) قال : كفر الشياطين بتعليمهم

* ( هامش ) * 1 ) " عليهما " ب ، س ، ق ، د ، ط . 2 ) عقد له على القوم : جعله رئيسا عليهم .

3 ) " و " أ ، ب ، س ، ط . 4 ) " يعلمه " ب . ( * )

ـ473ـ

الناس السحر ، وبتعليمهم إياهم بما أنزل الله على الملكين ببال هاروت وماروت

- اسم الملكين - .

قال الصادق عليه السلام : وكان بعد نوح عليه السلام قد كثر السحرة والمموهون ، فبعث الله

تعالى ملكين إلى نبي ذلك الزمان بذكرما يسحر به السحرة ، وذكر ما يبطل به سحرهم

ويرد به كيدهم .

فتلقاه النبي عن الملكين وأداه إلى عباد الله بأمر الله ، وأمرهم أن يقفوا به

على السحر وأن يبطلوه ، ونهاهم أن يسحروا به الناس .

وهذا كما يدل على السم ماهو ، وعلى مايدفع به غائلة السم ( 1 ) ، ثم يقال

للمتعلم ذلك : هذا السم ، فمن رأيته سم ( 2 ) فادفع غائلته بكذا ، وإياك أن تقتل

بالسم أحدا .

ثم قال : ( وما يعلمان من أحد ) وهو أن ذلك النبى أمر الملكين أن يظهرا

للناس بصورة بشرين ويعلمانهم ما علمهما الله تعالى من ذلك ويعظاهم ( 3 )

فقال الله تعالى :

( وما يعلمان من أحد ) ذلك السحر وإبطاله ( حتى يقولا ) للمتعلم : ( إنما

نحن فتنة ) : إمتحان . للعباد ليطيعوا الله عزوجل فيما يتعلمون من هذا ، ويبطلوا به كيد

الساحر ( 4 ) ، ولا يسحروا لهم ( 5 ) .

( فلا تكفر ) باستعمال هذا السحر وطلب الاضرار به ودعاء الناس إلى أن يعتقدوا

ـ بك ـ أنك به تحيي وتميت ، وتفعل مالا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فان ذلك كفر .

قال الله تعالى : ( فيتعلمون ) يعنى طالبي السحر ( منهما ) يعنى مما كتبت الشياطين

* ( هامش ) * 1 ) أى مضرته وشره . 2 ) " رانه السم " أ . ران : غلب .

3 ) " أعطاهم " س ، ص ، 4 ) " السحر " أ ، ب ، س ، ط .

5 ) " بهم " خ ل . ( * )

ـ474ـ

على ملك سليمان من النيرنجات ، وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، يتعلمون

من هذين الصنفين .

( ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) هذا من يتعلم للاضرار ( 1 ) بالناس ، يتعلمون

التفريق بضروب الحيل والتمائم والايهام أنه قد دفن ( 2 ) ـ كذا ـ وعمل كذا ليجلب ( 3 )

قلب المرأة عن الرجل ، وقلب الرجل عن المرأة ، ويؤدي إلى الفراق بينهما .

ثم قال الله عزوجل : ( وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله ) أي ما

المتعلمون لذلك بضارين به من أحد إلا باذن الله ، بتخلية ( 4 ) الله وعلمه ، فانه لو شاء

لمنعهم بالجبر والقهر .

ثم قال : ( ويتعلمون مايضرهم ولا ينفعهم ) لانهم إذا تعلموا ذلك السحر

ليسحروا به ويضروا ، فقد تعلموا ما يضرهم في دينهم ولا ينفعهم فيه ، بل ينسلخون

عن دين الله بذلك .

( ولقد علموا ) ( 5 ) هؤلاء المتعلمون ( لمن اشتريه ) بدينه ( 6 ) الذي ينسلخ عنه

بتعلمه ( ماله في الآخرة من خلاق ) من نصيب في ثواب الجنة ( 7 ) ( ولبئس ما

شروا به أنفسهم ) ورهنوها بالعذاب ( لو كانوا يعلمون )

أي لو كانوا يعلمون أنهم قد باعوا الآخرة ، وتركوا نصيبهم من الجنة ، لان

المتعلمين لهذا السحر هم الذين يعتقدون أن لا رسول ، ولا إله ، ولا بعث ، ولا نشور .

فقال : ( ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ) لانهم يعتقدون أن لا

آخرة ، فهم يعتقدون أنها إذا لم تكن آخرة فلا خلاق لهم في دار بعد الدنيا ، وإن كان

* ( هامش ) * 1 ) " الاضرار " أ ، والعيون . 2 ) زاد في العيون والبحار : في موضع .

3 " ليحبب " ب ، س ، ق ، د والبحار . " يغضب " ص ، والبرهان .

4 ) خلى تخلية الامر وعنه : تركه 5 ) " علم " الاصل والبحار .

6 ) أى استبدل السحر بدينه . واللام في " لمن " للابتداء علقت " علموا " عن العمل .

7 ) زاد بعدها في " أ ، ط ، العيون ، والبحار " : ثم قال ( عزوجل ) . ( * )

ـ475ـ

ـ بعد الدنيا ـ آخرة فهم مع كفرهم بها لاخلاق لهم فيها .

ثم قال : ( ولبئس ماشروا به أنفسهم ) باعوا به أنفسهم بالعذاب ، إذا باعوا الآخرة

بالدنيا ورهنوا بالعذاب ـ الدائم ـ ( 1 ) أنفسهم ( لو كانوا يعلمون ) أنهم قد باعوا أنفسهم

بالعذاب ولكن لا يعلمون ذلك لكفرهم به . فلما ( 2 ) تركوا النظر في حجج الله حتى

يعلموا ، عذبهم ( 3 ) على اعتقادهم الباطل وجحدهم الحق .

قال أبويعقوب وأبوالحسن ( 4 ) : قلنا للحسن أبي القائم عليه السلام : فان قوما عندنا يزعمون

أن هاروت وماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني آدم ، وأنزلهما الله

مع ثالث لهما إلى الدنيا ، وأنهما افتتنا بالزهرة ، وأرادا الزنا بها ، وشربا الخمر ، وقتلا

النفس المحرمة ، وأن الله تعالى يعذبهما ببابل ، وأن السحرة منهما يتعلمون السحر

وأن الله تعالى مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزهرة .

فقال الامام عليه السلام : معاذ الله من ذلك ، إن ملائكة الله تعالى معصومون ـ من الخطأ ـ

محفوظون من الكفر والقبائح بألطاف الله تعالى ، فقال الله عزوجل فيهم :

( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون ) ( 5 ) وقال تعالى :

( وله من في السموات والارض ومن عنده - يعني الملائكة - لا يستكبرون عن

عبادته ولا يستحسرون . يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) .

وقال في الملائكة ( بل عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون )

إلى قوله ( وهم من خشيته مشفقون ) ( 6 ) .

ثم قال : لو كان كما يقولون ، كان الله قد جعل هؤلاء الملائكة خلفاءه على الارض

وكانوا كالانبياء في الدنيا وكالائمة ، فيكون من الانبياء والائمة قتل النفس وفعل الزنا ! ؟

* ( هامش ) * 1 ) من العيون والبحار . 2 ) " و " أ ، س ، ط .

3 ) كذا في العيون " انى لاعذبهم " ب ، س ، ص ، ط . " لاعذبنهم " أ ، ق ، د ، " عذابهم " البحار .

4 ) هما راويا التفسير . 5 ) التحريم : 6 . 6 ) الانبياء : 19 - 28 . ( * )

ـ476ـ

ثم قال : أو لست تعلم أن الله تعالى لم يخل الدنيا قط من نبي أو إمام من البشر ؟

أو ليس الله يقول :

( وما أرسلنا من قبلك - يعني إلى الخلق - إلا رجالا نوحي إليهم من أهل

القرى ) ( 1 ) فأخبر الله أنه لم يبعث الملائكة إلى الارض ليكونوا أئمة وحكاما ، وإنما

ارسلو إلى أنبياء الله .

قالا : قلنا له عليه السلام : فعلى هذا لم يكن إبليس أيضا ملكا ؟

فقال : لا ، بل كان من الجن ، أما تسمعان أن الله تعالى يقول :

( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ) ( 2 ) .

فأخبر أنه كان من الجن ، وهو الذي قال الله تعالى :

( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) ( 3 ) .

وقال الامام عليه السلام : حدثني أبي ، عن جدي ، عن الرضا ، عن آبائه عليهم السلام ، عن

علي عليه السلام ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن الله اختارنا معاشر آل محمد ، واختار النبيين

واختار الملائكة المقربين ، وما اختارهم إلا على علم منه بهم أنهم لا يواقعون

ما يخرجون به عن ولايته ، وينقطعون به عن عصمته ، وينضمون ( 4 ) به إلى المستحقين

لعذابه ونقمته .

قالا : فقلنا له : فقد روي لنا أن عليا عليه السلام لما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وآله بالولاية

والامامة ، عرض الله في السماوات ولايته على فئام ( 5 ) وفئام من الملائكة ، فأبوها

فمسخهم الله ضفادع .

* ( هامش ) * 1 ) يوسف : 109 . 2 ) الكهف : 50 . 3 ) الحجر : 27

4 ) " ينتسبون " العيون ، والبحار .

5 ) " فئام من الناس " العيون والبحار . وذكرها ثلاثا في ق ، د . ( * )

ـ477ـ

فقال : معاذ الله هؤلاء المكذبون ـ لنا ، المفترون ـ ( 1 ) علينا ، الملائكة هم رسل الله

فهم كسائر أنبياء الله إلى الخلق ، أفيكون منهم الكفر بالله ؟ قلنا : لا .

قال : فكذلك الملائكة ، إن شأن الملائكة عظيم ، وإن خطبهم لجليل . ( 2 )

قوله عزوجل " يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا

وللكافرين عذاب أليم " : 104

305 - قال الامام عليه السلام : قال موسى بن جعفر عليهما السلام : إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة

كثر حوله المهاجرون والانصار ، وكثرت عليه المسائل ، وكانوا يخاطبونه بالخطاب

الشريف العظيم الذي يليق به صلى الله عليه وآله ، وذلك أن الله تعالى كان قال لهم :

( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول

كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) ( 3 ) .

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بهم رحيما ، وعليهم عطوفا ، وفي إزالة الآثام عنهم مجتهدا

حتى أنه كان ينظر إلى كل من يخاطبه ، فيعمل ( 4 ) على أن يكون صوته صلى الله عليه وآله مرتفعا

على صوته ليزيل عنه ما توعده الله ـ به ـ من إحباط أعماله ، حتى أن رجلا أعرابيا

ناداه يوما وهو خلف حائط بصوت له جهوري : يا محمد ،

فأجابه بأرفع من صوته ، يريد أن لا يأثم الاعرابي بارتفاع صوته

* ( هامش ) * 1 ) من العيون والبحار .

2 ) عنه البحار : 9 / 330 ح 17 قطعة وج 63 / 95 ح 55 وص 212 ح 47 قطعة ، والبرهان :

1 / 135 ح 1 وص 136 ح 1 ، وعنه البحار : 59 / 319 ح 3 وعن عيون أخبار الرضا :

1 / 266 ح 1 باسناده عن المفسر الجرجانى ، عن . . . ، عن الصادق عليه السلام

وأخرجه في البرهان : 2 / 276 ح 1 ( قطعة ) عن العيون .

3 ) الحجرات : 2 . 4 ) " فيعمد " ص ، ط . ( * )

ـ478ـ

فقال له الاعرابي : أخبرني عن التوبة إلى متى تقبل ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أخا العرب إن بابها مفتوح لابن آدم لا يسد حتى تطلع

الشمس من مغربها ، وذلك قوله تعالى :

( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ، يوم

يأتي بعض آيات ربك - وهو طلوع الشمس من مغربها - لا ينفع نفس إيمانها لم تكن

آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ) ( 1 ) .

وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : وكانت هذه اللفظة : ( راعنا ) من ألفاظ المسلمين

الذين يخاطبون بها رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون : راعنا ، أي إرع أحوالنا ، واسمع منا

كما نسمع منك . وكان في لغة اليهود معناها : اسمع . لا سمعت .

فلما سمع اليهود ، المسلمين يخاطبون بها رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون : راعنا ويخاطبون

بها ، قالوا : إنا كنا نشتم محمدا إلى الآن سرا ، فتعالوا الآن نشتمه جهرا .

وكانوا يخاطبون رسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون : راعنا ، ويريدون شتمه .

ففطن ( 2 ) لهم سعد بن معاذ الانصاري ، فقال : يا أعداء الله عليكم لعنة الله ، أراكم

تريدون سب رسول الله صلى الله عليه وآله وتوهمونا أنكم تجرون في مخاطبته مجرانا ، والله لاسمعتها

من أحد منكم إلا ضربت عنقه ، ولو لا أني أكره أن أقدم عليكم قبل التقدم والاستيذان

له ولاخيه ووصيه على بن أبي طالب عليه السلام القيم بامور الامة نائبا عنه فيها ، لضربت

عنق من قد سمعته منكم يقول هذا . فأنزل الله : يا محمد

( من الذين هادوا يحرقون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع

غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين - إلى قوله - فلا يؤمنون إلا قليلا ) ( 3 ) .

وأنزل ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ) يعنى فانها لفظة ( 4 ) يتوصل بها

* ( هامش ) * 1 ) الانعام : 158 . 2 ) فطن للامر وبه واليه : أدركه ، فهمه . 3 ) النساء : 46 .

4 ) " بأنها اللفظة التى " ق . ( * )

ـ479ـ

أعداؤكم من اليهود إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وآله وشتمكم .

وقولوا : ( انظرنا ) ، أي قولوا بهذه اللفظة ، لا بلفظة راعنا ، فأنه ليس فيها ما في

قولكم : راعنا ، ولا يمكنهم أن يتوصلوا بها إلى الشتم كما يمكنهم بقولهم راعنا

( واسمعوا ) إذا قال لكم رسول الله صلى الله عليه وآله قولا وأطيعوا .

( وللكافرين ) يعنى اليهود الشاتمين لرسول الله صلى الله عليه وآله ( عذاب أليم ) وجيع

في الدنيا إن عادوا بشتمهم ، وفي الآخرة بالخلود في النار . ( 1 )

ـ مدح سعد بن معاذ ـ

306 - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عباد الله هذا سعد بن معاذ من خيار عباد الله

آثر رضى الله على سخط قراباته وأصهاره من اليهود ، وأمر بالمعروف ، ونهى عن

المنكر ، وغضب لمحمد رسول الله ، ولعلي ولي الله ووصي رسول الله ، أن يخاطبا

بما لا يليق بجلالتهما ، فشكر الله له تعصبه ( 2 ) لمحمد وعلي ، وبوأه في الجنة

منازل كريمة ، وهيأ له فيها خيرات واسعة لا تأتي الالسن على وصفها ، ولا القلوب

على توهمها ( 3 ) والفكر فيها ، ولسلكة من مناديل موائده ( 4 ) في الجنة خير من الدنيا

بما فيها من زينتها ولجينها وجواهرها ، وسائر أموالها ونعيمها .

فمن أراد أن يكون فيها رفيقه وخليطه ، فليتحمل ( 5 ) غضب الاصدقاء والقرابات

وليؤثر عليهم رضى الله في الغضب لرسول الله ـ محمد ـ .

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 6 / 34 ح 46 قطعة ، ج 9 / 331 ح 18 ، والبرهان : 1 / 138 ح 1 ، ومستدرك

الوسائل : 1 / 351 ح 4 باب 92 . 2 ) " لغضبه " ص .

3 ) " توسمها " خ ل . توسم الشئ : تفرسه .

4 ) " وموائد نعمتها " أ ، ب ، ط ، والبرهان . 5 ) " فليحتمل " س ، ص ، د . ( * )

ـ480ـ

وليغضب إذا رأى الحق متروكا ، ورأى الباطل معمولا به ، وإياكم والتهون ( 1 )

فيه مع التمكن القدرة وزوال التقية ، فان الله تعالى لا يقبل لكم عذرا عند ذلك . ( 2 )

ـ في ذم ترك الامر بالمعروف : ـ

307 - ولقد أوحى الله فيما مضى قبلكم إلى جبرئيل ، وأمره أن يخسف ببلد يشتمل

على الكفار والفجار فقال جبرئيل : يارب أخسف بهم إلا بفلان الزاهد ؟ ليعرف ماذا

يأمر الله به . فقال الله عزوجل : بل اخسف بفلان قبلهم .

فسأل ربه ، فقال : يا رب عرفني لم ذلك وهو زاهد عابد ؟

قال : مكنت له وأقدرته ، فهو لا يأمر بالمعروف ، ولا ينهى عن المنكر ، وكان

يتوفر على حبهم في غضبي لهم .

فقالوا : يا رسول الله وكيف بنا ونحن لا نقدر على إنكار ما نشاهده من منكر ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ، أو ليعمنكم عقاب

الله ، ثم قال : من رأى منكم منكرا فلينكره بيده إن استطاع ، فان لم يستطع فبلسانه

فان لم يستطع فبقلبه ، فحسبه أن يعلم الله من قلبه إنه لذلك كاره . ( 3 )

308 - فلما مات سعد بن معاذ بعد أن شفى من بني قريظة بأن قتلوا أجمعين ، قال

رسول الله صلى الله عليه وآله : يرحمك الله يا سعد ، فلقد كنت شجا ( 4 ) في حلوق الكافرين ، لو بقيت

لكففت العجل الذي يراد نصبه في بيضة المسلمين ( 5 ) كعجل قوم موسى .

* ( هامش ) * 1 ) " الهوينا " ب ، س ، ص ، ق ، والبحار ، هون عليه الامر : سهله وخففه . والهوينا :

التؤدة والرفق .

2 ) عنه البحار : 9 / 333 ذ ح 18 ، وج 22 / 114 ضمن ح 85 ( قطعة ) .

3 ) عنه الوسائل : 11 / 406 ح 12 ، والبحار : 100 / 85 ح 57 .

4 ) الشجا : ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه ، والهم والحزن .

5 ) " الاسلام " ص ، والبحار . بيضة القوم : ساحتهم . ( * )

ـ481ـ

قالوا : يا رسول الله أو عجل يراد أن يتخذ في مدينتك هذه !

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 481 سطر 1 الى ص 490 سطر 20

قالوا : يا رسول الله أو عجل يراد أن يتخذ في مدينتك هذه !

قال : بلى ، والله يراد ، ولو كان سعد فيهم حيا لما استمر تدبيرهم ، ويستمرون ببعض

تدبيرهم ، ثم الله تعالى يبطله .

قالوا : أخبرنا كيف يكون ذلك ؟ قال : دعوا ذلك لما يريد الله أن يدبره ( 1 ) .

309 - وقال موسى بن جعفر عليه السلام : ولقد اتخذ المنافقون من امة محمد صلى الله عليه وآله بعد

موت سعد بن معاذ ، وبعد انطلاق محمد صلى الله عليه وآله إلى تبوك أبا عامر الراهب ( 2 ) ، اتخذوه

أميرا ورئيسا ، وبايعوا له ، وتواطأوا على انهاب المدينة ، وسبي ذراري رسول الله وسائر

أهله وصحابته ، ودبروا التبييت على محمد صلى الله عليه وآله ليقتلوه في طريقه إلى تبوك ، فأحسن

الله الدفاع عن محمد صلى الله عليه وآله وفضح المنافقين وأخزاهم ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله

قال : " لتسلكن سبيل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى أن أحدهم

لو دخل جحر ضب لدخلتموه " .

قالوا : يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله وماكان هذا العجل ؟ وماكان هذا التدبير ؟

فقال : اعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان تأتيه الاخبار عن صاحب دومة الجندل

- وكانت تلك النواحي ـ له ـ مملكة عظيمة ممايلي الشام - وكان يهدد رسول الله صلى الله عليه وآله

بأن يقصده ويقتل أصحابه ، ويبيد خضراءهم ( 3 ) ، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله

خائفين وجلين من قبله ، حتى كانوا يتناوبون على رسول الله صلى الله عليه وآله كل يوم عشرون

منهم ، كلما صاح صائح ظنوا أن قد طلع أوائل رجاله وأصحابه ، وأكثر المنافقون

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 21 / 257 وج 22 / 114 ضمن ح 85 ( قطعة ) .

2 ) واسمه عبد عمرو بن صيفى بن النعمان ، من بنى عمرو بن عوف ، من الاوس ، وهو

أبو " حنظلة " غسيل الملائكة ، وكان سيدا قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح ، فلما

قدم النبى صلى الله عليه وآله المدينة كان له معه خطب طويل ، فخرج في خمسين غلاما

فمات على النصرانية بالشام . ( مروج الذهب : 1 / 88 )

3 ) أباد الله خضراءهم ، أى سوادهم ومعظمهم . ( * )

ـ482ـ

الاراجيف والاكاذيب ، وجعلوا يتخللون أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ، ويقولون :

إن " اكيدر ( 1 ) " قد أعد ـ لكم ـ من الرجال كذا ، ومن الكراع ( 2 ) كذا ، ومن المال كذا

وقد نادى - فيما يليه من ولايته - ألا قد أبحتكم النهب والغارة في المدينة . ثم يوسوسون

إلى ضعفاء المسلمين يقولون لهم : وأين يقع أصحاب محمد من أصحاب اكيدر ؟

يوشك أن يقصد المدينة ، فيقتل رجالها ، ويسبي ذراريها ونساءها . حتى آذى ذلك

قلوب المؤمنين ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ماهم عليه من الجزع ( 3 ) .

ثم ان المنافقين اتفقوا وبايعوا لابي عامر الراهب الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله

" الفاسق " ، وجعلوه أميرا عليهم ، وبخعوا ( 4 ) له بالطاعة ، فقال لهم : الرأي أن أغيب

عن المدينة ، لئلا ااتهم ، إلى أن يتم تدبيركم . وكاتبوا اكيدر في دومة الجندل ليقصد

المدينة ليكونوا هم عليه ، وهو يقصدهم فيصطلموه .

فأوحى الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وآله وعرفه ما أجمعوا عليه من أمره ( 5 ) ، وأمره

بالمسير إلى تبوك . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله كلما ( 6 ) أراد غزوا ورى بغيره ، إلا

غزاة تبوك ، فانه أظهر ماكان يريده ، وأمرهم أن يتزودوا لها ، وهي الغزاة التي

افتضح فيها المنافقون ، وذمهم الله في تثبيطهم ( 7 ) عنها ، وأظهر رسول الله صلى الله عليه وآله

* ( هامش ) * 1 ) هو اكيدر بن عبدالملك صاحب دومة الجندل .

( انظر قصته في دلائل النبوة : 5 / 250 والكامل لابن الاثير : 2 / 281 ) .

2 ) قال ابن الاثير في النهاية : 4 / 165 : وفى حديث ابن مسعود " كانوا لا يحبسون الا الكراع

والسلاح " الكراع ـ بضم الكاف ـ اسم لجميع الخيل .

3 ) جزع منه : لم يصبر عليه ، فأظهر الحزن أو الكدر .

4 ) أى أذعنوا وأقروا . " خضعوا " ق . 5 ) " أمرهم " البحار .

6 ) " اذا " ص ، والبحار ، والمراد : ستره وكنى عنه وأوهم أنه يريد غيره لئلا ينتهى خبره

إلى مقصده فيستعدوا لقتاله . رواه الصدوق باسناده عن الصادق عليه السلام في معانى الاخبار .

386 ضمن ح 20 . 7 ) ثبطه عن الامر : عوقه وشغلهم عنه . ( * )

ـ483ـ

ما أوحى الله تعالى إليه أن الله سيظهره ( 1 ) باكيدر حتى يأخذه ، ويصالحه على ألف

اوقية ذهب في صفر ، وألف اوقيته ذهب في رجب ، ومائتي حلة في رجب ، ومائتي

حلة في صفر ، وينصرف سالما إلى ثمانين يوما .

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : إن موسى وعد قومه أربعين ليلة ، وإني أعدكم

ثمانين ليلة ، أرجع سالما غانما ظافرا بلا حرب تكون ، ولا أحد يستأسر ( 2 ) من المؤمنين .

فقال المنافقون : لا والله ، ولكنها آخر كراته ( 3 ) التي لا ينجبر بعدها ، وإن أصحابه

ليموت بعضهم في هذا الحر ، ورياح البوادي ، ومياه المواضع المؤذية الفاسدة

ومن سلم من ذلك فبين أسير في يد اكيدر ، وقتيل وجريح .

واستأذنه المنافقون بعلل ذكروها : بعضهم يعتل بالحر ، وبعضهم بمرض جسده ( 4 )

وبعضهم بمرض عياله ، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأذن لهم .

ـ بيان بناء مسجد ضرار ـ

فلما صح ( 5 ) عزم رسول الله صلى الله عليه وآله على الرحلة إلى تبوك ، عمد هؤلاء المنافقون

فبنوا خارج المدينة مسجدا ، وهو مسجد ضرار ، يريدون الاجتماع فيه ، ويوهمون

أنه للصلاة ، وإنما كان ليجتمعوا فيه لعلة الصلاة فيتم تدبيرهم ، ويقع هناك ما يسهل

لهم به ما يريدون .

ثم جاء جماعة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا : يا رسول الله إن بيوتنا قاصية

عن مسجدك ، وإنا نكره الصلاة في غير جماعة ، ويصعب علينا الحضور ، وقد بنينا

مسجدا ، فان رأيت أن تقصده وتصلي فيه لنتيمن ( 6 ) ونتبرك بالصلاة في موضع

* ( هامش ) * 1 ) ظهر بفلان وعليه : غلبه .

2 ) " يشتاك " أ ، " يشاك " ب ، س ، ط ، د يقال : لا تشوكك منى شوكة أى لا يلحقك منى أذى .

3 ) " كسراته " ب ، س ، ق ، د ، والبحار . 4 ) " يجده " خ ل ، والبحار .

5 ) " أصبح صح " أ ، س ، ص ، صح : ثبت . 6 ) تيمن بكذا : تبرك به . ( * )

ـ484ـ

مصلاك ، فلم يعرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما عرفه الله تعالى من أمرهم ونفاقهم .

فقال صلى الله عليه وآله : ائتوني بحماري ، فاتي باليعفور فركبه يريد نحو مسجدهم ، فكلما

بعثه - هو وأصحابه - لم ينبعث ولم يمش ، وإذا صرف رأسه عنه إلى غيره سار أحسن سير

وأطيبه ، قالوا : لعل هذا الحمار قد رأى في هذا الطريق شيئا كرهه ولذلك لا ينبعث بحوه .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ائتوني بفرس . فاتي بفرس فركبه ، فكلما بعثه نحو

مسجدهم لم ينبعث ، وكلما حركوه نحوه لم يتحرك حتى إذا ولوا ( 1 ) رأسه

إلى غيره سار أحسن سير ، فقالوا : ولعل هذا الفرس قد كره شيئا في هذا الطريق .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : تعالوا نمشي إليه فلما تعاطى هو صلى الله عليه وآله ومن معه المشي نحو المسجد

جفوا ( 2 ) في مواضعهم ولم يقدروا على الحركة ، وإذا هموا بغيره من المواضع خفت

حركاتهم وخفت ( 3 ) أبدانهم ، ونشطت قلوبهم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن هذا أمر قد كرهه الله ، فليس يريده الآن ، وأنا على

جناح سفر ، فأمهلوا حتى أرجع - إن شاء الله - ثم أنظر في هذا نظرا يرضاه الله

تعالى . وجد في العزم على الخروج إلى تبوك ، وعزم المنافقون على اصطلام مخلفيهم

إذا خرجوا .

* ( هامش ) * 1 ) " أقاموا " ط . " زاولوا " ب ، س ، ولى الشئ وعن الشئ : أعرض وابتعد عنه ، وزاوله : حاوله .

2 ) جفا عليه كذا : ثقل . " جثوا " ص .

3 ) " خبث " س ، " حنت " ق ، د ، البحار .

قال المجلسى ( ره ) : حنت أبدانهم لعله من الحنين بمعنى الشوق ، وفى بعض النسخ بالخاء

المعجمه والباء الموحدة ، ولعله من الخبب وهو ضرب من العدو . ( * )

ـ485ـ

ـ حديث المنزلة : ـ

فأوحى الله تعالى إليه : يا محمد إن العلي الاعلى يقرأ عليك السلام ويقول : إما

أن تخرج أنت ويقيم علي ، وإما أن يخرج علي وتقيم أنت .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ذاك لعلي ، فقال علي عليه السلام : السمع والطاعة لامر الله تعالى

وأمر رسوله ، وإن كنت احب ألا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حال من الاحوال .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه

لانبي بعدي " ؟ ( 1 ) قال عليه السلام : رضيت يا رسول الله .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا الحسن إن لك أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة

وإن الله قد جعلك امة وحدك كما جعل إبراهيم عليه السلام امة ، تمنع جماعة المنافقين

والكفار هيبتك عن الحركة على المسلمين .

فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وشيعه علي عليه السلام خاض المنافقون فقالوا : إنما خلفه

محمد بالمدينة لبغضه له ، ولملالته منه ، وما أراد بذلك إلا أن يلقيه ( 2 ) المنافقون فيقتلوه

ويحاربوه فيهلكوه . فاتصل ذلك برسول الله صلى الله عليه وآله .

فقال علي عليه السلام : تسمع ما يقولون يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أما يكفيك

أنك جلدة ما بين عيني ونور بصري ، وكالروح في بدني .

ثم سار رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه ، وأقام علي عليه السلام بالمدينة ، فكان كلما دبر

المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين ، فزعوا من علي وخافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم

عن ذلك ، وجعلوا يقولون فيما بينهم : هي كرة محمد التي لا يؤوب ( 3 ) منها .

* ( هامش ) * 1 ) تقدم في ص 380 مع بيان ، فراجع .

2 ) " ببيته " ص ، ق ، والبحار ، بيت - بالياء المشددة - العدو : هجم ليلا .

3 ) أى يرجع . ( * )

ـ486ـ

فلما صار بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين " اكيدر " مرحلة

قال : تلك العشية : يا زبير بن العوام ، يا سماك بن خرشة ( 1 ) امضيا في عشرين ( 2 ) من

المسلمين إلى باب قصر " اكيدر " فخذاه ، وأتياني به .

فقال الزبير : يا رسول الله وكيف نأتيك به ومعه من الجيوش الذي قد علمت ، ومعه

في قصره سوى حشمه ألف ومائتان عبد وأمة وخادم ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : تحتالان عليه فتأخذانه ، قال : يا رسول الله وكيف ـ نأخذه ـ

وهذه ليلة قمراء ، وطريقنا أرض ملساء ، ونحن في الصحراء لا نخفى ؟ !

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أتحبان أن يستركما الله من عيونهم ، ولا يجعل لكما ظلا

إذا سرتما ، ويجعل لكما نورا كنور القمر لا تتبينان منه ؟ قالا : بلى .

قال : عليكما بالصلاة على محمد وآله الطيبين معتقدين أن أفضل آله علي بن

أبي طالب عليه اسلام ، وتعتقد أنت يا زبير خاصة أنه لا يكون علي في قوم إلا كان هو أحق

بالولاية عليهم ، ليس لاحد أن يتقدمه ، فأذا أنتما فعلتما ذلك وبلغتما الظل الذي

بين يدي قصره من حائط قصره فأن الله تعالى سيبعث الغزلان ، والاوعال ( 3 ) إلى بابه

فتحتك ( 4 ) قرونها به فيقول : من لمحمد في مثل هذا ؟ ويركب فرسه لينزل فيصطاد .

فتقول امرأته : إياك والخروج فان محمدا قد أناخ بفنائك وليست تأمن أن يكون

قد احتال ، ودس عليك من يقع بك . فيقول لها : إليك عني ، فلو كان أحد انفصل

* ( هامش ) * 1 ) هو سماك بن خرشة بن لوذان بن عبدود الساعدى ، وقيل : سماك بن أوس بن خرشة

عرف واشتهر بأبى دجانة الانصارى . " سماك بن حارث " أ . وهو تصحيف .

انظر سير أعلام النبلاء : 1 / 243 رقم 39 ، واسد الغابة : 2 / 352 وج 5 / 184 .

2 ) أقول : لم يصرح بذكر أسمائهم ، والظاهر أن خالد بن الوليد أحدهم كما ترى ذلك

في كتب التاريخ . 3 ) جمع وعل : وهو تيس الجبل .

4 ) " فتحك " ص ، والبحار . ( * )

ـ487ـ

عنه في هذه الليلة ، ليلقاه - في هذا القمر - عيون أصحابنا في الطريق ، وهذه الدنيا

بيضاء لا أحد فيها ، ولو كان في ظل قصرنا هذا إنسى لنفرت منه الوحوش .

فينزل ليصطاد الغزلان والاوعال ـ فتهرب ـ ( 1 ) من بين يديه ويتبعها ، فتحيطان به

وأصحابكما ، فتأخذانه . فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذوه ، فقال : لي إليكم حاجة .

قالوا : وما هي ؟ فانا نقضيها إلا أن تسألنا أن نخليك .

فقال : تنزعون عني ثوبي هذا ، وسيفي ـ هذا ـ ومنطقتي وتحملونها إليه ، وتحملونني

إليه في قميصي لئلا يراني في هذا الزي ، بل يراني في زي التواضع فلعله يرحمني .

ففعلوا ذلك ، فجعل المسلمون والاعراب يلبسون ذلك الثوب - وهو في القمر -

فيقولون : هذا من حلل الجنة ، وهذا من حلي الجنة يا رسول الله ؟

قال : لا ، ولكنه ثوب اكيدر وسيفه ومنطقته ، ولمنديل ابن عمتي الزبير وسماك

في الجنة أفضل من هذا إن ( 2 ) استقاما على ما أمضيا من عهدي إلى أن يلقياني ( 3 )

عند حوضي في المحشر .

قالوا : وذلك أفضل من هذا ؟ قال صلى الله عليه وآله : بل خيط من منديل مائدتهما في الجنة

أفضل من ملء الارض إلى السماء مثل هذا الذهب .

فلما اتي به رسول الله صلى الله عليه وآله قال له : يا محمد أقلني وخلني على أن أدفع عنك من

ورائي من أعدائك . فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : فان لم تف بذلك ؟

قال : يا محمد إن لم أف بذلك ، فان كنت رسول الله فسيظفرك بي من منع

ظلال أصحابك أن تقع على الارض حتى أخذوني ، ومن ساق الغزلان إلى بابي حتى

استخرجني من قصري وأوقعني في أيدي أصحابك ، وإن كنت غير نبي فان دولتك

* ( هامش ) * 1 ) من البحار . 2 ) أمعن النظر في الشرط ، وتدبر معناه . . . وفى الكامل لابن الاثير : 2 / 281 بلفظ

" لمناديل سعد بن معاذ ( عبادة خ ) أحسن من هذا " انتهى . 3 ) " يلتقيان " أ . ( * )

ـ488ـ

التي أوقعتني في يدك بهذه الخصلة العجيبة والسبب اللطيف ستوقعني في يدك بمثلها .

قال : فصالحه رسول الله صلى الله عليه وآله على ألف اوقية ـ من ـ ذهب في رجب ومائتي حلة

وألف اوقية في صفر ومائتي حلة ، وعلي أنهم يضيفون من مر بهم من المسلمين

ثلاثة أيام ويزودونه إلى المرحلة التي تليها ، على أنهم إن نقضوا شيئا من ذلك

فقد برأت منهم ذمة الله ، وذمة محمد رسول الله ، ثم كر رسول الله صلى الله عليه وآله راجعا .

وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : فهذا العجل في زمان النبي هو أبوعامر الراهب

الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله : " الفاسق " وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله غانما ظافرا ، وأبطل

ـ الله تعالى ـ كيد المنافقين ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله باحراق مسجد الضرار ، وأنزل

الله تعالى : ( والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ) ( 1 ) الآيات .

وقال موسى بن جعفر عليهما السلام : فهذا العجل - في حياته صلى الله عليه وآله - دمر الله عليه

وأصابه بقولنج ـ وبرص ـ وجذام وفالج ولقوة ، وبقي أربعين صباحا في أشد عذاب ،

ثم صار إلى عذاب الله تعالى ( 2 ) . ( 3 ) .

قوله عزوجل : " ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل

عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل

العظيم : " 105 .

310 - قال الامام عليه السلام : قال علي بن موسى الرضا عليهما السلام : إن الله تعالى ذم اليهود

ـ والنصارى ـ والمشركين والنواصب فقال :

( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ) اليهود والنصارى ( ولا المشركين )

* ( هامش ) * 1 ) التوبة : 107 ، وفى " أ " : الاية بدل " الايات " . 2 ) " نار جحيم " ق .

3 ) عنه البحار : 21 / 257 ح 7 ، ومقاطع منه في البرهان : 1 / 161 ح 2 ، واثبات الهداة :

2 / 162 ح 611 . ( * )

ـ489ـ

ولا من المشركين الذين هم نواصب يغتاظون لذكر الله وذكر محمد وفضائل علي

عليه السلام وإبانته عن شريف ـ فضله و ـ ( 1 ) محله ( أن ينزل عليكم ) ـ لا يودون أن ينزل

عليكم ـ ( من خير من ربكم ) من الآيات الزائدات في شرف محمد وعلي وآلهما الطيبين

عليهم السلام ولا يودون أن ينزل دليل معجز ( 2 ) من السماء يبين عن محمد وعلي وآلهما .

فهم لاجل ذلك يمنعون أهل دينهم من أن يحاجوك مخافة أن تبهرهم حجتك

وتفحمهم معجزتك ، فيؤمن بك عوامهم ، ويضطربون على رؤسائهم .

فلذلك يصدون من يريد لقاءك يا محمد ، ليعرف أمرك بأنه لطيف خلاق ( 3 )

سار اللسان ، لا تراه ولا يراك خير لك وأسلم لدينك ودنياك .

فهم بمثل هذا يصدون العوام عنك .

ثم قال الله تعالى : ( والله يختص برحمته ) وتوفيقه لدين الاسلام وموالاة محمد

وعلي عليهما السلام ( من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) على من يوفقه لدينه ويهديه لموالاتك

وموالاة أخيك علي بن أبي طالب عليه السلام .

قال : فلما قرعهم ( 4 ) بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله حضره منهم جماعة فعاندوه وقالوا :

يا محمد إنك تدعي على قلوبنا خلاف ما فيها ما نكره أن تنزل عليك حجة تلزم

الانقياد لها فننقاد .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لئن عاندتم هاهنا محمدا ، فستعاندون رب العالمين إذ

أنطق صحائفكم بأعمالكم ، وتقولون : ظلمتنا الحفظة ، فكتبوا علينا مالم نفعل ( 5 )

فعند ذلك يستشهد جوارحكم فتشهد عليكم .

فقالوا : لا تبعد شاهدك ، فانه فعل الكذابين ، بيننا وبين القيامة بعد ، أرنا في

* ( هامش ) * 1 ) من البحار والبرهان . 2 ) " معجزاتهم " ب ، س ، ص ، ط .

3 ) تخلق - بتشديد اللام - : تكلف ما ليس من خلقه . 4 ) أى عنقهم .

5 ) " نجن " أ . " نخبر " ص . " نجترمه " البحار . جنى جناية : ارتكب ذنبا . ( * )

ـ490ـ

أنفسنا ماتدعي لنعلم صدقك ، ولن تفعله لانك من الكذابين .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : استشهد جوارحهم . فاستشهدها علي عليه السلام ، فشهدت

كلها عليهم أنهم لا يودون أن ينزل على امة محمد على لسان محمد خير من عند

ربكم آية بينة ، وحجة معجزة لنبوته ، وإمامة أخيه علي عليه السلام مخافة أن تبهرهم

حجته ، ويؤمن به عوامهم ، ويضطرب عليهم كثير منهم .

فقالوا : يا محمد لسنا نسمع هذه الشهادة التي تدعي أن جوارحنا تشهد بها .

فقال : يا علي هؤلاء من الذين قال الله تعالى :

( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ) ( 1 ) .

ادع عليهم بالهلاك . فدعا عليهم علي عليه السلام بالهلاك ، فكل جارحة نطقت بالشهادة

على صاحبها انفتت ( 2 ) حتى مات مكانه .

فقال قوم آخرون حضروا من اليهود : ما أقساك يا محمد قتلتهم أجمعين !

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما كنت لالين على من اشتد عليه غضب الله تعالى

أما إنهم لو سألوا الله تعالى بمحمد وعلي وآلهما الطيبين أن يمهلهم ويقيلهم

لفعل بهم كما كان فعل بمن كان من قبل من عبدة العجل لما سألوا الله بمحمد

وعلي وآلهما الطيبين ، وقال الله لهم على لسان موسى : لو كان دعا بذلك على

من قد قتل لاعفاه الله من القتل كرامة لمحمد وعلي وآلهما الطيبين عليهم السلام . ( 3 )

* ( هامش ) * 1 ) يونس : 96 - 7 9 .

2 ) " انفتقت " ق ، والبحار ، ومدينة المعاجز ، فت الشئ : دقه . الفتيت : الشئ يسقط فيتقطع ويتفتت .

3 ) عنه البحار : 9 / 333 ، والبرهان : 1 / 139 ح 1 ، ومدينة المعاجز : 74 ح 186 . ( * )

ـ491ـ

قوله عزووجل : " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 491 سطر 1 الى ص 500 سطر 23

قوله عزووجل : " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن

الله على كل شئ قدير . ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والارض ومالكم

من دون الله من ولى ولا نصير " : 106 - 107

311 - قال الامام عليه السلام : قال محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام :

( ما ننسخ من آية ) بأن نرفع حكمها ( أو ننسها ) بأن نرفع رسمها ، ونزيل عن

القلوب حفظها وعن قلبك يا محمد كما قال الله تعالى ( سنقرئك فلا تنسى إلا ماشاء

الله ) ( 1 ) أن ينسيك فرفع ذكره عن قلبك .

( نأت بخير منها ) يعني بخير لكم ، فهذه ( 2 ) الثانية أعظم لثوابكم ، وأجل

لصلاحكم من الآية الاولى المنسوخة ( أو مثلها ) من الصلاح لكم ، أي إنا لا ننسخ

ولا نبدل إلا وغرضنا في ذلك مصالحكم .

ثم قال : يا محمد ( ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ) فانه قدير يقدر

على النسخ وغيره .

( ألم تعلم - يا محمد - أن الله له ملك السماوات والارض ) وهو العالم بتدبيرها

ومصالحها فهو يدبركم بعلمه ( وما لكم من دون الله من ولي ) يلي صلاحكم إذ

كان العالم بالمصالح هو الله عزوجل دون غيره ( ولا نصير ) ومالكم ـ من ـ ناصر

ينصركم من مكروه إن أراد ـ الله ـ ( 4 ) إنزاله بكم ، أو عقاب إن أراد إحلاله بكم .

وقال محمد بن على ( 5 ) عليهما السلام : وربما ( 6 ) قدر عليه النسخ والتبديل ( 7 ) لمصالحكم

* ( هامش ) * 1 ) الاعلى : 6 - 7 . 2 ) " عملكم بهذه ( فهذه ) " الاصل . وما في المتن من البحار .

3 ) ولى يلى ولاية : قام به وملك أمره . 4 ) من البحار .

5 ) زاد في البحار والبرهان : الباقر . 6 ) " مما " ص ، ق ، د ، والبحار .

7 ) " التنزيل " أ ، ق ، البحار ، والبرهان . ( * )

ـ492ـ

ومنافعكم ، لتؤمنوا بها ، ويتوفر عليكم الثواب بالتصديق بها ، فهو يفعل من ذلك ما

فيه صلاحكم والخيرة لكم .

ثم قال : ( ألم تعلم - يا محمد - أن الله له ملك السماوات والارض ) فهو يملكها

بقدرته ويصرفها بحسب ( 1 ) مشيته لا مقدم لما أخر ، ولا مؤخر لما قدم .

ثم قال : ( ومالكم ) يا معشر اليهود والمكذبين بمحمد صلى الله عليه وآله والجاحدين بنسخ

الشرائع ( من دون الله ) سوى الله ( من ولي ) يلي مصالحكم إن لم يل لكم ( 2 ) ربكم

المصالح ( ولا نصير ) ينصركم من دون الله فيدفع عنكم عذابه . ( 3 )

312 - قال عليه السلام : وذلك أن رسول الله لما كان بمكة أمره الله تعالى أن يتوجه نحو

بيت المقدس في صلاته ، ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن ، وإذا لم يتمكن استقبل

بيت المقدس كيف كان .

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يفعل ذلك طول مقامه بها ثلاث عشرة سنة .

فلما كان بالمدينة ، وكان متعبدا باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن

الكعبة سبعة عشر شهرا ( 4 ) ، وجعل قوم من مردة اليهود يقولون : والله ما درى محمد

كيف صلى حتى صار يتوجه إلى قبلتنا ، ويأخذ في صلاته بهدينا ( 5 ) ونسكنا .

فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله لما اتصل به عنهم ، وكره قبلتهم وأحب الكعبة

فجاءه جبرئيل عليه السلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله :

يا جبرئيل لوددت لو صرفني الله عن بيت المقدس إلى الكعبة ، فقد تأذيت بما

يتصل بي من قبل اليهود من قبلتهم . فقال جبرئيل عيه السلام : فاسأل ربك ان يحولك

* ( هامش ) * 1 ) " تحت " س ، ص ، ق ، د ، والبحار . 2 ) " يدلكم " البحار .

3 ) عنه البحار : 4 / 104 صدر ح 18 ، والبرهان : 1 / 140 ح 1 .

4 ) زاد في بعض النسخ والاحتجاج والبحار والمستدرك : أو ستة عشر شهرا . قال المجلسى

رحمه الله : ليس هذا في بعض النسخ ، وعلى تقديره الترديد اما من الراوى ، أو منه

عليه السلام مشيرا إلى اختلاف العامة فيه . 5 ) هدى هديه : سار سيرته . ( * )

ـ493ـ

إليها فانه لا يردك عن طلبتك ، ولا يخيبك عن بغيتك .

فلما استتم دعاءه صعد جبرئيل عليه السلام ثم عاد ( 1 ) من ساعته فقال : اقرأ يا محمد :

( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر

المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) ( 2 ) الايات .

فقالت اليهود عند ذلك : ( ما ولاهم عن قلتهم التي كانوا عليها ؟ )

فأجابهم الله أحسن جواب فقال : ( قل لله المشرق والمغرب ) وهو يملكهما

وتكليفه التحول إلى جانب كتحويله لكم إلى جانب آخر ( يهدي من يشاء إلى صراط

مستقيم ) ( 3 ) وهو مصلحتهم ( 4 ) ، وتؤديهم طاعتهم إلى جنات النعيم .

ـ قال أبومحمد عليه السلام : ـ ( 5 ) وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا :

يا محمد هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربع عشرة سنة ثم تركتها الآن

أفحقا كان ماكنت عليه ؟ فقد تركته إلى باطل ، فان ما يخالف الحق فهو باطل . أو باطلا

كان ذلك ؟ فقد كنت عليه طول هذه المدة ، فما يؤمننا أن تكون ـ إلى ـ الآن على باطل ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : بل ذلك كان حقا ، وهذا حق ، يقول الله :

( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )

إذا عرف صلاحكم يا أيها العباد في استقبال المشرق أمركم به ، وإذا عرف

صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به ، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به

فلا تنكروا تدبير الله تعالى في عباده وقصده إلى مصالحكم ( 6 ) .

ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : لقد تركتم العمل يوم السبت ، ثم عملتم بعده من

سائر الايام ، ثم تركتموه في السبت ، ثم عملتم بعده ، أفتركتم الحق إلى الباطل

* ( هامش ) * 1 ) " جاء " أ ، ط . 2 ) البقرة : 144 . 3 ) البقرة : 142 .

4 ) " هو أعلم بمصلحتهم " الاحتجاج . " هو مصلحهم " المستدرك .

5 ) من الاحتجاج والبحار المستدرك . 6 ) " مصالحهم " أ ، ب ، س ، ط . ( * )

ـ494ـ

أو الباطل إلى حق ؟ أو الباطل إلى باطل أو الحق إلى حق ؟ قولوا كيف شئتم فهو قول

محمد وجوابه لكم . قالوا : بل ترك العمل في السبت حق والعمل بعده حق .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حق ، ثم قبلة الكعبة

في وقته حق . فقالوا له : يا محمد أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى

بيت المقدس حين نقلك إلى الكعبة ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما بدا له عن ذلك ، فانه العالم بالعواقب ، والقادر على

المصالح ، لا يستدرك على نفسه غلطا ، ولا يستحدث رأيا بخلاف المتقدم ، جل عن

ذلك ، ولا يقع أيضا عليه مانع يمنعه من مراده ، وليس يبدو إلا لمن كان هذا وصفه

وهو عزوجل يتعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا .

ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : أيها اليهود أخبروني عن الله ، أليس يمرض ثم

يصح ، ويصح ثم يمرض ؟ أبدا له في ذلك ؟ أليس يحيي ويميت أبدا له ؟ أليس

يأتي بالليل في أثر النهار ، والنهار في أثر الليل ؟ أبدا له في كل واحد من ذلك ؟ فقالوا : لا .

قال : فكذلك الله تعالى تعبد نبيه محمدا بالصلاة إلى الكعبة بعد أن ـ كان ـ

تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس ، وما بدا له في الاول .

ثم قال : أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف ، والصيف في أثر الشتاء ؟ أبدا له

في كل واحد من ذلك ؟ قالوا : لا .

قال : فكذلك لم يبد له في القبلة .

قال ، ثم قال : أليس قد ألزمكم في الشتاء أو تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة ؟

وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحر ؟ أفبدا له في الصيف حتى أمركم بخلاف

ماكان أمركم به في الشتاء ؟ قالوا : لا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فكذلكم الله تعالى تعبدكم في وقت لصلاح يعلمه بشئ

ثم بعده في وقت آخر لصلاح آخر يعلمه بشئ آخر ، فاذا أطعتم الله في الحالين

ـ495ـ

استحققتم ثوابه . وأنزل الله : ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) ( 1 ) .

أي إذا توجهتم بأمره ، فثم الوجه الذي تقصدون منه الله وتأملون ثوابه .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عباد الله أنتم كالمريض ( 2 ) والله رب العالمين كالطبيب

فصلاح المريض فيما يعلمه الطبيب ويدبره به ، لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه

ألا فسلموا لله أمره تكونوا ( 3 ) من الفائزين .

فقيل : يابن رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلم أمر بالقبلة الاولى ؟ فقال : لما قال الله عزوجل :

( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها - وهي بيت المقدس - إلا لنعلم من يتبع

الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) ( 4 ) إلا لنعلم ذلك ـ منه ـ موجودا ( 5 ) بعد أن علمناه سيوجد .

وذلك أن هوى أهل مكة كان في الكعبة ، فأراد الله أن يبين متبع محمد

من مخالفه باتباع القبلة التى كرهها ، ومحمد يأمر بها ، ولما كان هوى أهل المدينة

في بيت المقدس ، أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليتبين من يوافق محمدا

فيما يكرهه ، فهو مصدقه وموافقه .

ثم قال : ( وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) أي كان التوجه إلى

بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة ( 6 ) إلا على من يهدي الله ، فعرف أن الله يتعبد

بخلاف ما يريده المرء ليبتلي طاعته في مخالفة ( 7 ) هواه . ( 8 )

* ( هامش ) * 1 ) البقرة 115 . 2 ) من خ ل ، " كالمرضى " الاصل والبحار . وكذا بعدها .

3 ) " وكونوا " أ ، ب ، ط . 4 ) البقرة : 143 .

5 ) " وجودا " ق ، د ، والبحار : 4 ، والمستدرك .

6 ) " كبيرا " ب ، س ، ص ، ط . 7 ) " مخالفته " ص ، والمستدرك .

8 ) عنه البحار : 4 . 104 ح 18 ، والبرهان : 1 / 158 ح 3 ، ووراه في الاحتجاج : 1 / 43

باسناده عن أبى محمد الحسن العسكرى عليه السلام ، عنه البحار : 84 / 59 ح 12 ، واثبات

الهداة : 2 / 18 ح 310 قطعة ، ومستدرك الوسائل : 1 / 197 ح 8 و 9 . ( * )

ـ496ـ

قوله عزوجل : " أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن

يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل " : 108 .

313 - قال الامام عليه السلام : قال علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام :

( أم تريدون ) بل تريدون يا كفار قريش واليهود ( أن تسئلوا رسولكم ) ما تقترحونه

من الآيات التي لا تعلمون هل فيها صلاحكم أو فسادكم ( كما سئل موسى من قبل )

واقترح عليه لما قيل له ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ) ( 1 ) .

( ومن يتبدل الكفر بالايمان ) بعد جواب الرسول له إن ما سأله لا يصلح إقتراحه على

الله ( 2 ) وبعدما يظهر الله تعالى له ما اقترح إن كان صوابا .

" ومن يتبدل الكفر بالايمان " بأن لا يؤمن عند مشاهدة مايقترح من الآيات

أو لا يؤمن إذا عرف أنه ليس له أن يقترح ، وأنه يجب أن يكتفي بما قد أقامه الله تعالى من

الدلالات ، وأوضحه من الآيات البينات ، فيتبدل الكفر بالايمان بان يعاند ولا يلتزم الحجة

القائمة عليه ( فقد ضل سواء السبيل ) أخطأ قصد الطرق المؤدية إلى الجنان ، وأخذ

في الطرق المؤدية إلى النيران .

قال عليه السلام : قال تعالى ـ لليهود ـ : يا أيها اليهود ( أم تريدون ) بل تريدون

من بعد ما آتيناكم ( أن تسئلوا رسولكم ) .

وذلك أن النبى صلى الله عليه وآله قصده عشرة من اليهود يريدون أن يتعنتوه ( 3 ) ويسألوه عن

أشياء يريدون أن يتعانتوه بها ، فبيناهم كذلك إذ جاء أعرابي كأنما يدفع في قفاه ، قد

علق على عصا - على عاتقه - جرابا مشدود الرأس ، فيه شئ قد ملاه لا يدرون ما هو

فقال : يا محمد أجبني عما أسألك .

* ( هامش ) * 1 ) البقرة : 55 . 2 ) " الانبياء " البحار : 9 . وفى " ب ، س ، ص " : أو بدل " و "

3 ) فلان يتعنت فلانا ويعنته : بشدد عليه ، ويلزمه بما يصعب عليه اداؤه . ( * )

ـ497ـ

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أخا العرب قد سبقك اليهود ـ ليسألوا ـ أفتأذن لهم حتى أبدأ

بهم ؟ فقال الاعرابي : لا ، فاني غريب مجتاز .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فأنت إذا أحق منهم لغربتك واجتيازك .

فقال الاعرابي : ولفظة اخرى . قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ماهي ؟ قال : إن هؤلاء

أهل كتاب ( 1 ) ، يدعونه ويزعمونه حقا ، ولست آمن أن تقول شيئا يواطؤنك

عليه ويصدقونك ، ليفتنوا الناس عن دينهم ، وأنا لا أقنع بمثل هذا ، لا أقنع إلا

بأمر بين ( 2 ) .

ـ في أن عليا عليه السلام باب مدينة الحكمة : ـ

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أين علي بن أبي طالب عليه السلام ؟

فدعي بعلي : فجاء حتى قرب من رسول الله صلى الله عليه وآله .

فقال الاعرابي : يا محمد وما تصنع بهذا في محاورتي إياك ؟

قال : يا أعرابي سألت البيان ، وهذا البيان الشافي ، وصاحب العلم الكافي ، أنا

مدينة الحكمة وهذا بابها ، فمن أراد الحكمة والعلم فليأت الباب . ( 3 )

ـ في شباهته عليه السلام بالانبياء عليهم السلام : ـ

فلما مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله قال رسول الله صلى الله عليه وآله بأعلى صوته :

يا عباد الله من أراد أن ينظر إلى آدم في جلالته ، وإلى شيث في حكمته ، وإلى

* ( هامش ) * 1 ) " لهؤلاء كتابا " ب ، ص ، ط ، ق . 2 ) " مبين " أ .

3 ) هذا الحديث هو مما روته الخاصة والعامة ( مستقلا أو ضمن حديث ) بأسانيد عديدة

استقصينا أكثرها عند تحقيقنا كتاب " مائة منقبة " المنقبة : 18 .

انظر كذلك احقاق الحق : 5 / 502 ، وج 16 / 298 . ( * )

ـ498ـ

إدريس في نباهته ومهابته ، وإلى نوح في شكره لربه وعبادته ، وإلى إبراهيم في خلته

ووفائه ، وإلى موسى في بغض كل عدو لله ومنابذته ، وإلى عيسى في حب كل مؤمن

وحسن معاشرته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب هذا . ( 1 )

فأما المؤمنون فازدادوا بذلك إيمانا ، وأما المنافقون فازداد نفاقهم .

فقال الاعرابي : يا محمد هكذا ( 2 ) مدحك لابن عمك . إن شرفه شرفك ، وعزه

عزك ، ولست أقبل من هذا شيئا إلا بشهادة من لا تحتمل شهادته بطلانا ولا فسادا

بشهادة هذا الضب ! .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أخا العرب فأخرجه ، من جرابك لتستشهده ، فيشهد لي

بالنبوة ، ولاخي هذا بالفضيلة .

فقال الاعرابي : لقد تعبت في اصطياده ، وأنا خائف أن يطفر ( 3 ) ويهرب .

فقال رسول الله : لا تخف فانه لا يطفر ـ ولا يهرب ـ بل يقف ، ويشهد لنا بتصديقنا

وتفضيلنا ، فقال الاعرابي : ـ إني ـ أخاف أن يطفر .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فان طفر فقد كفاك به تكذيبا لنا ، واحتجاجا علينا ،

ولن يطفر ، ولكنه سيشهد لنا بشهادة الحق ، فاذا فعل ذلك فخل سبيله ، فان محمدا

يعوضك عنه ماهو خير لك منه .

فأخرجه الاعرابي من الجراب ، ووضعه على الارض ، فوقف واستقبل رسول

* ( هامش ) * 1 ) وهذا أيضا حديث متواتر روته الخاصة والعامة بألفاظ مختلفة وأسانيد شتى ، رواه الصدوق

في أماليه : 524 ح 11 ، وفى كمال الدين : 1 / 25 ، والمفيد في أماليه : 7 والطوسى في أماليه :

266 ، بأسانيدهم من عدة طرق ، ولزيادة الاطلاع انظر البحار : 39 / 35 - 87 باب 73 ،

واحقاق الحق : 4 / 392 - 406 ، وج 5 / 4 - 6 ، وج 15 / 610 - 622 .

2 ) " هذا " خ ل .

3 ) طفر : وثب في ارتفاع ، " يظفر " س ، والبرهان ق ، د ، وكذا ما يأتى . ( * )

ـ499ـ

الله صلى الله عليه وآله ، ومرغ خديه في التراب ثم رفع رأسه ، وأنطقه الله تعالى فقال :

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه

و ( 1 ) سيد المرسلين ، وأفضل الخلق أجمعين ، وخاتم النبيين ، وقائد الغر المحجلين .

وأشهد أن أخاك هذا علي بن أبي طالب على الوصف الذي وصفته ، وبالفضل الذي

ذكرته ، وأن أولياءه في الجنان يكرمون ، وأن أعداه في النار يهانون ( 2 ) .

فقال الاعرابى وهو يبكى : يا رسول الله وأنا أشهد بما شهد به هذا الضب ، فقد

رأيت وشاهدت وسمعت ما ليس لي عنه معدل ولا محيص .

ثم أقبل الاعرابي إلى اليهود فقال : ويلكم أي آية بعد هذه تريدون ؟ ومعجزة

بعد هذه تقترحون ؟ ليس إلا أن تؤمنوا أو تهلكوا أجمعين .

فآمن أولئك اليهود كلهم وقالوا : عظمت بركة ضبك علينا يا أخا العرب .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : خل الضب على أن يعوضك الله عزوجل ـ عنه ما

هو خير ـ منه ، فانه ضب مؤمن بالله وبرسوله وبأخي رسوله شاهد بالحق ، ما ينبغي

أن يكون مصيدا ولا أسيرا ، ولكنه يكون مخلى سربه ( 3 ) ـ تكون له مزية ـ على سائر

الضباب بما فضله الله أميرا . فناداه الضب : يا رسول الله فخلني وولني تعويضه لا عوضه .

فقال الاعرابي : وما عساك تعوضني ؟ قال : تذهب إلى الجحر الذي أخذتني منه

ففيه عشرة آلاف دينار خسروانية ، وثلاثمائة ألف درهم ، فخذها .

قال الاعرابي : كيف أصنع ؟ قد سمع هذا - من هذا الضب - جماعات الحاضرين

هاهنا ، وأنا متعب ، فلن آمن ممن ( 4 ) هو مستريح يذهب إلى هناك فيأخذه .

فقال الضب : يا أخا العرب إن الله تعالى قد جعله لك عوضا مني ، فما كان ليترك

* ( هامش ) * 1 ) زاد في الاصل : " أن ذلك العبد الرسول " .

2 ) " خالدون " ص ، ق ، البحار ، والبرهان .

3 ) أى غير مضيق عليه . 4 ) " فان من " س ، ص ، البحار ، والبرهان . ( * )

ـ500ـ

أحدا يسبقك إليه ، ولا يروم أحد أخذه إلا أهلكه الله .

وكان الاعرابي تعبا ، فمشى قليلا ، وسبقه إلى الجحر جماعة من المنافقين كانوا

بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأدخلوا أيديهم إلى الجحر ليتناولوا منه ما سمعوا ، فخرجت

عليهم أفعى عظيمة ، فلسعتهم وقتلتهم ، ووقفت حتى حضر الاعرابي .

فقالت له ( 1 ) : يا أخا العرب ، انظر إلى هؤلاء كيف أمرني الله بقتلهم دون مالك

- الذي هو عوض ضبك - وجعلني حافظته ( 2 ) فتناوله .

فاستخرج الاعرابي الدراهم والدنانير ، فلم يطق احتمالها ، فنادته الافعى : خذ ( 3 )

الحبل الذي في وسطك ، وشده بالكيسين ، ثم شد الحبل في ذنبي فاني سأجره لك

إلى منزلك ، وأنا فيه حارسك ( 4 ) وحارس مالك هذا .

فجاءت الافعى ، فما زالت تحرسه والمال إلى أن فرقه الاعرابي في ضياع وعقار

وبساتين اشتراها ، ثم انصرفت الافعى . ( 5 )

ـ احتجاجاته صلى الله عليه وآله على المشركين والزامهم : ـ

314 - قال الحسن بن على عليهما السلام : فقلت لابي علي بن محمد ( 6 ) عليهما السلام : فهل كان

رسول الله صلى الله عليه وآله يناظرهم ( 7 ) إذا عانتوه ( 8 ) ويحاجهم ؟

قال : بلى مرارا كثيرة منها : ما حكى الله من قولهم :

* ( هامش ) * 1 ) " فنادته " س ، ص ، ق ، د البحار ، والبرهان .

2 ) " هو حائطا / حائطه / حافظه " أ ، ط ، د ، ق .

3 ) " حل " ق . حل العقدة : فكها . 4 ) " خادمك " ص ، البحار ، والبرهان .

5 ) عنه البحار : 9 / 183 ح 12 ( قطعة ) وج 17 / 418 ح 47 ، والبرهان : 1 / 141 ح 1

ومدينة المعاجز : 41 ح . 73 . 6 ) " قال الحسين . . . على بن أبى طالب " ق .

7 ) " يناظر اليهود والمشركين " الاحتجاج ، والبحار .

8 ) " عاتبوه " ب ، س ، ص ، ق ، د ، الاحتجاج ، والبحار . ( * )

ـ501ـ

( وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا انزل إليه ملك )

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 501 سطر 1 الى ص 510 سطر 23

( وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا انزل إليه ملك )

إلى قوله ( رجلا مسحورا ) ( 1 ) .

( وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) . ( 2 )

( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا - إلى قوله - كتابا نقرؤه ) ( 3 )

ثم قيل له في آخر ذلك : لو كنت نبيا كموسى لنزلت ( 4 ) علينا الصاعقة في مسألتنا

إليك ( 5 ) ، لان مسألتنا أشد من مسألة قوم موسى لموسى .

قال : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء الكعبة إذ اجتمع

جماعة من رؤساء قريش منهم : الوليد بن المغيرة المخزومي ، وأبوالبختري بن هشام

وأبوجهل بن هشام ، والعاص بن وائل السهمي ، وعبدالله بن أبي امية المخزومي ، وكان

معهم جمع ممن يليهم كثير ، ورسول الله صلى الله عليه وآله في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله

ويؤدي إليهم عن الله أمره ونهيه .

فقال المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحل ( 6 ) أمر محمد ، وعظم خطبه

فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته ( 7 ) وتوبيخه ، والاحتجاج عليه ، وإبطال ماجاء به ليهون

خطبه على أصحابه ، ويصغر قدره عندهم ، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه وباطله

وتمرده وطغيانه ، فان انتهى وإلا عاملناه بالسيف الباتر .

قال أبوجهل : فمن ـ ذا ـ ( 8 ) الذي يلي كلامه ومجادلته ؟ قال عبدالله بن أبي امية

المخزومي : أنا إلى ذلك ، أفما ترضاني له قرنا حسيبا ( 9 ) ، ومجادلا كفيا ؟

قال أبوجهل : بلى .

* ( هامش ) * 1 ) الفرقان : 7 - 8 . 2 ) الزخرف : 31 . 3 ) الاسراء : 90 - 93 .

4 ) " أنزلت علينا كسفا من السماء وأنزلت " الاحتجاج . " أنزلت " ق ، د .

5 " اياك " أ ، والبرهان . 6 ) أى قوى واشتد .

7 ) أى تعنيفه وتقريعه . 8 ) الاحتجاج .

9 ) أى كفؤا له حسب . " حسنا " ب ، س ، د . ( * )

ـ502ـ

فأتوه بأجمعهم ، فابتدأ عبدالله بن أبي امية المخزومي فقال : يا محمد ، لقد أدعيت

دعوى عظيمة ، وقلت مقالا هائلا ( 1 ) ، زعمت أنك رسول الله رب العالمين ، وما ينبغي

لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسولا له ! بشر ( 2 ) مثلنا ، تأكل

كما نأكل ، وتمشي في الاسواق كما نمشي ، فهذا ملك الروم ، وهذا ملك الفرس

لا يبعثان رسولا إلا كثير المال ، عظيم الحال ، له قصور ودور ـ وبساتين ـ وفساطيط وخيام

وعبيد وخدام ، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم أجمعين ، فهم عبيده ، ولو كنت نبيا

لكان معك ملك يصدقك ونشاهده ، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث

إلينا ملكا ، لا بشرا مثلنا ، ما أنت يا محمد إلا مسحورا ، ولست بنبي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هل بقي من كلامك شئ ؟ قال : بلى ، لو أراد الله أن يبعث

رسولا لبعث أجل من فيما بيننا مالا ، وأحسنه حالا ، فهلا نزل هذا القرآن - الذي

تزعم أن الله أنزله عليك ، وابتعثك به رسولا - على رجل من القريتين عظيم :

إما الوليد بن المغيرة بمكة ، وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هل بقي من كلامك شئ يا عبدالله ؟

قال : بلى ، لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا بمكة هذه ، فانها

ذات حجارة وعرة وجبال ، تكسح أرضها وتحفرها ، وتجري فيها العيون ، فاننا إلى

ذلك محتاجون ، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ، فتأكل منها وتطعمنا ، فتفجر

الانهار خلالها - خلال تلك النخيل والاعناب - تفجيرا ، أو تسقط السماء كما زعمت

علينا كسفا ، فانك قلت لنا :

( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ( 3 ) ولعلنا نقول ذلك .

ثم قال : ولن نؤمن لك أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ، تأتي به وبهم وهم لنا مقابلون

* ( هامش ) * 1 ) " هائما " أ ، ص ، ط ، هام في الامر بهيم : تحير فيه . 2 ) " أنت " ق 3 ) الطور : 44 . مركوم : تراكم بعضه فوق بعض . ( * )

ـ503ـ

أو يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه ، وتغنيا به فلعلنا نطغى ، فانك قلت لنا :

( كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى ) ( 1 ) .

ثم قال : أو ترقى في السماء - أي تصعد في السماء - ولن نؤمن لرقيك - لصعودك -

حتى تنزل علينا كتابا نقرأه : من الله العزيز الحكيم إلى عبدالله بن أبي امية المخزومي

ومن معه بأن آمنوا بمحمد بن عبدالله بن عبدالمطلب ، فانه رسولي وصدقوه في مقاله

فانه من عندي .

ثم لا أدري يا محمد إذا فعلت هذا كله اؤمن بك أو لا اؤمن بك ، بل لو رفعتنا إلى

السماء ، وفتحت أبوابها وأدخلتناها لقلنا : إنما سكرت ( 2 ) أبصارنا وسحرتنا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عبدالله أبقي شئ من كلامك ؟

قال : يا محمد أو ليس فيما أوردته عليك كفاية وبلاغ ؟ مابقي شئ فقل ما بدا لك

وافصح ( 3 ) عن نفسك إن كانت لك حجة ، وأتنا بما سألناك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : اللهم أنت السامع لكل صوت ، والعالم بكل شئ

تعلم ماقاله عبادك . فأنزل الله عليه : يا محمد ( وقالوا مال هذا الرسول يأكل

الطعام ويمشي في الاسواق - إلى قوله - رجلا مسحورا ) ( 4 ) .

ثم قال الله تعالى : ( انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) ( 5 ) .

ثم قال الله : يا محمد ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري

من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا ) ( 6 ) .

وأنزل عليه : يا محمد ( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك ) ( 7 ) الآية .

* ( هامش ) * 1 ) العلق : 6 - 7 .

2 ) أى حبست عن النظر وتحيرت . 3 ) أفصح عن الشئ : كشفه وبينه .

4 ) الفرقان : 7 - 8 . 5 ) الاسراء : 48 . 6 ) الفرقان : 10 .

7 ) هود : 12 . ( * )

ـ504ـ

وأنزل عليه : يا محمد ( وقالوا لولا انزل عليه ملك . ولو أنزلنا ملكا لقضي

الامر - إلى قوله - وللبسنا عليهم ما يلبسون ) ( 1 ) .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عبدالله أما ما ذكرت من أني آكل الطعام كما

تأكلون ، وزعمت أنه لا يجوز لاجل هذه أن أكون لله رسولا ، فانما الامر لله يفعل

مايشاء ويحكم ما يريد ، وهو محمود ، ليس لك ولا لاحد الاعتراض عليه بلم وكيف .

ألا ترى أن الله تعالى كيف أفقر بعضا وأغنى بعضا ، وأعز بعضا ، وأذل بعضا

وأصح بعضا وأسقم بعضا ، وشرف بعضا ووضع بعضا ، وكلهم ممن يأكل الطعام .

ثم ليس للفقراء أن يقولوا : لم أفقرتنا وأغنيتهم ؟ ولا للوضعاء أن يقولوا : لم

وضعتنا وشرفتهم ؟ ولا للزمنى ( 2 ) والضعفاء أن يقولوا : لم أزمنتنا وأضعفتنا وصححتهم ؟

ولا للاذلاء أن يقولوا : لم أذللتنا وأعززتهم ؟ ولا لقبائح الصور أن يقولوا : لم

قبحتنا وجملتهم ؟ بل إن قالوا ذلك كانوا على ربهم رادين ، وله في أحكامه

منازعين ، وبه كافرين ، ولكان جوابه لهم :

ـ إني ـ أنا الملك ، الخافض الرافع ، المغني المفقر ، المعز المذل ، المصحح

المسقم وأنتم العبيد ليس لكم إلا التسليم لي ، والانقياد لحكمي ، فان سلمتم كنتم

عبادا مؤمنين ، وإن أبيتم كنتم بي كافرين ، وبعقوباتي من الهالكين .

ثم أنزل الله تعالى عليه : يا محمد ( قل إنما أنا بشر مثلكم ) يعني آكل الطعام

( يوحى إلي أنما الهكم إله واحد ) ( 3 ) يعني قل لهم : أنا في البشرية مثلكم ،

ولكن ربي خصني بالنبوة دونكم ، كما يخص بعض البشر بالغناء والصحة والجمال

دون بعض من البشر ، فلا تنكرواأن يخصني أيضا بالنبوة .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك : " ـ إن ـ هذا ملك الروم ، وملك الفرس

* ( هامش ) * 1 ) الانعام : 8 - 9 . 2 ) واحدها زمن ، وهو المصاب بعاهة أو مرض مزمن .

3 ) الكهف : 110 . ( * )

ـ505ـ

لا يبعثان رسولا إلا كثير المال ، عظيم الحال ، له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد

وخدام ، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده " فان الله له التدبير والحكم

لا يفعل على ظنك وحسبانك ، ولا باقتراحك ، بل يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد وهو محمود

ياعبدالله إنما بعث الله نبيه ليعلم الناس دينهم ، ويدعوهم إلى ربهم ، ويكد

نفسه في ذلك آناء الليل وأطراف النهار ، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها وعبيد

وخدم يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع والامور تتباطأ ما ؟ أو ترى

الملوك إذا احتجبوا كيف يجرى الفساد والقبائح من حيث لا يعلمون به ولا يشعرون ؟

يا عبدالله وإنما بعثني الله ولا مال لي ليعرفكم قدرته وقوته ، وأنه هو الناصر

لرسوله ، لا تقدرون على قتله ولا منعه من رسالته ( 1 ) ، فهذا أبين في قدرته وفي عجزكم

وسوف يظفرني الله بكم فاوسعكم قتلا وأسرا ، ثم يظفرني الله ببلادكم ، و ( 2 ) يستولي

عليها المؤمنون من دونكم ، ودون من يوافقكم على دينكم .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك لي : " ولو كنت نبيا لكان معك ملك

يصدقك ونشاهده ، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث ملكا لا بشرا مثلنا "

فالملك لا تشاهده حواسكم ، لانه من جنس هذا الهواء ، لا عيان منه ، ولو شاهدتموه

- بأن يزاد في قوى أبصاركم - لقلتم : ليس هذا ملكا ، بل هذا بشر ، لانه إنما

كان يظهر لكم بصورة البشر الذي قد ألفتموه لتفهموا عنه مقاله ، وتعرفوا به خطابه

ومراده ، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأن مايقوله حق ؟

بل إنما بعث الله بشرا ، وأظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع

البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم ، فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنه معجزة

وأن ذلك شهادة من الله تعالى بالصدق له ، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما

يعجز عنه البشر ، لم يكن في ذلك ما يدلكم أن ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه

* ( هامش ) * 1 ) " رسالاته " خ ل ، والاحتجاج . 2 ) " ثم " أ ، ط . ( * )

ـ506ـ

من الملائكة حتى يصير ذلك معجزا .

ألا ترون أن الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز ، لان لها أجناسا يقع منها

مثل طيرانها ، ولو أن آدميا طار كطيرانها كان ذلك معجزا ، فالله عزوجل سهل عليكم

الامر ، وجعله بحيث تقوم عليكم حجته ، وأنتم تقترحون عمل الصعب ( 1 ) الذي

لا حجة فيه .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك : " ما أنت إلا رجلا مسحورا " فكيف أكون

كذلك ، وقد تعلمون أني في صحة التمييز والعقل فوقكم ؟ فهل جربتم علي منذ

نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة جريرة ( 2 ) أو زلة أو كذبة أو خيانة 3 ) أو خطأ من

القول ، أو سفها من الرأي ؟ أتظنون أن رجلا يعتصم طول هذه المدة بحول نفسه وقوتها

أو بحول الله وقوته ؟ وذلك ما قال الله تعالى :

( انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) ( 4 ) إلى أن يثبتوا

عليك عمى بحجة أكثر من دعاويهم الباطلة التي تبين عليك تحصيل بطلانها .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك : لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين

عظيم : الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بالطائف ، فان الله تعالى ليس يستعظم مال

الدنيا كما تستعظمه أنت ، ولا خطر ( 5 ) له عنده كما ـ له ـ عندك ، بل لو كانت الدنيا

عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به ، مخالفا له شربة ماء ، وليس قسمة رحمة الله

إليك ، بل الله ـ هو ـ القاسم للرحمات ، والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه ، وليس هو

عزوجل ممن يخاف أحدا كما تخافه ـ أنت ـ لماله وحاله ، فتعرفه بالنبوة لذلك ، ولا

* ( هامش ) * 1 ) " الضعيف " ب ، س ، ط .

2 ) " خزية " ب ، س ، ط ، ق ، د ، الاحتجاج ، والبحار . الجريرة : الذنب والجناية .

3 ) " جناية " أ ، والبحار . " خناء " ب ، س ، ص ، ق ، د ، الخنا : الفحش في الكلام .

جنى جناية : ارتكب ذنبا . 4 ) الفرقان : 9 . 5 ) أى قدر . ( * )

ـ507ـ

ممن يطمع في أحد في ماله ـ أو في حاله ـ كما تطمع ، فتخصه بالنبوة لذلك ، ولا ممن

يحب أحدا محبة الهوى كما تحب ، فتقدم من لا يستحق التقديم .

وإنما معاملته بالعدل ، فلا يؤثر بأفضل مراتب الدين وجلاله إلا الافضل في طاعته

والاجد في خدمته ( 1 ) وكذلك لايؤخر في مراتب الدين وجلاله إلا أشدهم تباطؤا عن

طاعته ، وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال بل هذا المال والحال من

تفضله ، وليس لاحد من عباده عليه ضربة لازب ( 2 ) .

فلا يقال : إذا تفضل بالمال على عبده فلابد ـ من ـ أن يتفضل عليه بالنبوة أيضا

لانه ليس لاحد إكراهه ، على خلاف مراده ولا إلزامه تفضلا ، لانه تفضل قبله بنعمه .

ألا ترى يا عبدالله كيف أغنى واحدا وقبح صورته ؟ وكيف حسن صورة واحد

وأفقره ؟ وكيف شرف واحدا وأفقره ؟ وكيف أغنى واحدا ووضعه ؟ ثم ليس لهذا

الغني أن يقول : وهلا اضيف إلى يساري جمال فلان ؟ ولا للجميل أن يقول : هلا

اضيف إلى جمالي مال فلان ؟ ولا للشريف أن يقول : هلا اضيف إلى شرفي مال فلان ؟

ولا للوضيع أن يقول : " هلا اضيف إلى ضعتي شرف فلان ؟ ولكن الحكم لله ، يقسم كيف

يشاء ويفعل كما ( 3 ) يشاء ، وهو حكيم في أفعاله ، محمود في أعماله وذلك قوله تعالى :

( وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( 4 ) .

قال الله تعالى : ( أهم يقسمون رحمت ربك - يا محمد ؟ - نحن قسمنا بينهم

معيشتهم في الحياة الدنيا ) ( 5 ) فأحوجنا بعضا إلى بعض ، أحوجنا : هذا إلى مال ذلك

* ( هامش ) * 1 ) " محبته " ص ، ق .

2 ) يقال " صار الامر ضربة لازب " أى صار لازما ثابتا . " وفى " أ ، ق " : لازمة بدل " لازب "

" ضريبة " ب ، ق ، ص ، ط ، الاحتجاج والبحار بدل " ضربة " .

قال المجلسى ( ره ) : الضريبة ما يؤدى العبد إلى سيده من الخراج المقدر عليه .

3 ) " ما " ب ، ط . 4 ) الزخرف : 31 . 5 ) الزخرف : 32 . ( * )

ـ508ـ

وأحوج ذاك إلى سلعة هذا ، ـ وهذا ـ إلى خدمته ، فترى أجل الملوك وأغنى الاغنياء

محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب : إما سلعة معه ليست معه ، وإما

خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك أن يستغني ـ إلا ـ ( 1 ) به ، وإما باب من العلوم

والحكم ، فهو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير ، فهذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك

الملك الغني ، وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته ، ثم ليس

للفقير أن يقول : هلا : اجتمع إلى رأيي وعلمي وما أتصرف فيه من فنون الحكم ( 2 )

مال هذا الملك الغني ؟ ولا للملك أن يقول هلا اجتمع إلى ملكي علم هذا الفقير .

ثم قال : ( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) .

ثم قال : يا محمد ( 3 ) ( ورحمت ربك خير مما يجمعون ) ( 4 ) يجمع هؤلاء

من أموال الدنيا .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك : " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من

الارض ينبوعا " إلى آخر ماقلته ، فانك اقترحت على محمد رسول الله أشياء :

منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته ، ورسول الله يرتفع عن أن يغتنم جهل

الجاهلين ، ويحتج عليهم بما لا حجة فيه .

ومنها ما لو جاءك به لكان معه هلاكك ، وإنما يؤتي بالحجج والبراهين ليلزم

عباد الله الايمان بها ، لا ليهلكوا بها ، فانما اقنرحت هلاكك ، ورب العالمين أرحم

بعباده ، وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما يقترحون .

ومنها المحال الذي لا يصح ولا يجوز كونه ، ورسول ـ الله ـ رب العالمين يعرفك

ذلك ، ويقطع معاذيرك ، ويضيق عليك سبيل مخالفته ، ويلجئك بحجج الله إلى تصديقه

حتى لا يكون لك عنه ( 5 ) محيد ولا محيص .

* ( هامش ) * 1 ) من البحار والاحتجاج . 2 ) " الحكمة " الاحتجاج .

3 ) زاد في الاحتجاج والبحار : قل لهم . 4 ) الزخزف : 32 .

5 ) " عند ذلك " البحار . والمحيد والمحيص : المهرب . ( * )

ـ509ـ

ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنك فيه معاند متمرد ، لا تقبل حجة ولا تصغي

إلى برهان ، ومن كان كذلك فدواؤه عقاب النار النازل من سمائه أو في جحيمه أو

بسيوف أوليائه .

وأما قولك يا عبدالله : " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا بمكة

فأنها ذات حجارة وصخور وجبال ، تكسح أرضها وتحفرها ، وتجري فيها العيون

فاننا إلى ذلك محتاجون " فانك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله تعالى .

يا عبدالله أرأيت لو فعلت هذا ، كنت من أجل هذا نبيا ؟ ( 1 ) أرأيت الطائف التى لك

فيها بساتين ؟ أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللتها وكسحتها وأجريت

فيها عيونا استنبطتها ( 2 ) ؟ قال : بلى .

قال : وهل لك في هذا نظراء ؟ قال : بلى . أفصرت بذلك أنت وهم أنبياء ؟ قال : لا .

قال : فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعله على نبوته ، فما هو إلا

كقولك : لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الارض أو حتى تأكل الطعام كما

يأكل الناس .

واما قولك يا عبدالله : " أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا

وتفجر الانهار خلالها تفجيرا " أو ليس لاصحابك ولك جنات من نخيل وعنب

بالطائف تأكلون وتطعمون منها ، وتفجرون الانهار خلالها تفجيرا ؟

أفصرتم أنبياء بهذا ؟ قال : لا .

قال : فما بال اقتراحكم على رسول الله أشياء ، لو كانت كما تقترحون لما دلت

على صدقه ، بل لو تعاطاها لدل تعاطيه إياها على كذبه ، لانه حينئذ يحتح بما

لا حجة فيه ، ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم ورسول رب العالمين يجل

ويرتفع عن هذا .

* ( هامش ) * 1 ) زاد في الاحتجاج والبحار : قال : لا ، قال ( رسول الله ) . 2 ) استنبط لبئر : استخرج ماءها . ( * )

ـ510ـ

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عبدالله واما قولك :

" أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ، فأنك قلت : وإن يروا كسفا من السماء

ساقطا يقولوا سحاب مركوم " فان في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم .

فانما تريد بهذا من رسول الله أن يهلكك ، ورسول رب العالمين أرحم بك من

ذلك ولا يهلكك ، ولكنه يقيم عليك حجج الله ، وليس حجج الله لنبيه وحده على

حسب اقتراح عباده .

لان العباد جهال بما يجوز من الصلاح ، وبما لا يجوز منه ، وبالفساد وقد يختلف

اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعه . ـ إذ لو كانت إقتراحاتهم واقعة لجاز أن تقترح

أنت أن تسقط السماء عليكم ، ويقترح غيرك أن لا تسقط عليكم السماء بل أن ترفع

الارض إلى السماء ، وتقع السماء عليها ، وكان ذلك يتضاد ، ويتنافى أو يستحيل

وقوعه ـ والله لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال .

ثم قال الله رسول الله صلى الله عليه وآله : وهل رأيت يا عبدالله طبيبا كان دواؤه للمرضى على

حسب اقتراحاتهم ، وانما يفعل بهم ما يعلم صلاحهم فيه ، أحبه العليل أو كرهه ،

فأنتم المرضى والله طبيبكم ، فان انقدتم لدوائه شفاكم ، وإن تمردتم عليه أسقمكم ،

وبعد ، فمتى رأيت يا عبدالله مدعي حق قبل ( 1 ) رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم

- فيما مضى - بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه ؟ إذن ما كان يثبت

لاحد على أحد دعوى ولا حق ، ولا كان بين ظالم من مظلوم ولا صادق من كاذب فرق .

ثم قال : يا عبدالله واما قولك : " أو تاتى بالله والملائكة قبيلا يقابلوننا ونعاينهم "

فان هذا من المحال الذي لا خفاء به ، إن ربنا عزوجل ليس كالمخلوقين يجئ

ويذهب ، ويتحرك ويقابل شيئا حتى يؤتى به ، فقد سألتم بهذا المحال ، وإنما هذا الذي

دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة التي لا تسمع ولا تبصر وتعلم ولا تغني

* ( هامش ) * 1 ) " من قبل " الاحتجاج ، والبحار . ( * )

ـ511ـ

عنكم شيئا ولا عن أحد .

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 511 سطر 1 الى ص 520 سطر 21

عنكم شيئا ولا عن أحد .

يا عبدالله أو ليس لك ضياع وجنان بالطائف وعقار بمكة وقوام عليها ؟ قال : بلى .

قال : أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك ؟ قال : بسفرائي .

قال : أرأيت لو قال معاملوك وأكرتك ( 1 ) وخدمك لسفرائك : لا نصدقكم في هذه

السفارة إلا أن تأتونا بعبدالله بن أبي امية لنشاهد فنسمع ماتقولون عنه شفاها . كنت

تسوغهم هذا ، أو كان يجوز لهم عندك ذلك ؟ قال : لا .

قال : فما الذي يجب على سفرائك ؟ أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم

على صدقهم ، فيجب عليهم أن يصدقوهم ؟ قال : بلى .

قال : يا عبدالله أرأيت سفيرك لو أنه لما سمع منهم هذا ، عاد إليك وقال :

قم معي فانهم قد اقترحوا علي مجيئك ، أليس يكون ـ هذا ـ لك مخالفا ، وتقول له :

إنما أنت رسولا لا مشير ولا آمر ؟ قال : بلى .

قال : فكيف صرت تقترح على رسول رب العالمين ما لا تسوغ لاكرتك

ومعامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم ؟ وكيف أردت من رسول رب العالمين

أن يستذم ( 2 ) إلى ربه ، بأن يأمر عليه وينهى ، وأنت لا تسوغ مثل هذا لرسولك

إلى أكرتك وقوامك ؟

هذه حجة قاطعة لابطال جميع ما ذكرته في كل ما اقترحته يا عبدالله .

واما قولك يا عبدالله : " أو يكون لك بيت من زخرف " وهو الذهب ،

أما بلغك أن لعزيز مصر بيوتا من زخرف ؟ قال : بلى .

قال : أفصار بذلك نبيا ؟ قال : لا . قال : فكذلك لا يوجب ذلك لمحمد - لو كان له -

نبوة ، ومحمد لا يغتنم جهلك بحجج الله .

* ( هامش ) * 1 ) أى الزراع والحراث .

2 ) " يستقدم " أ ، ط . " يتقدم " خ ل . استذم إلى فلان : فعل ما يذمه عليه . ( * )

ـ512ـ

واما قولك يا عبدالله : " أو ترقى في السماء " .

ثم قلت : " ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه "

يا عبدالله ! الصعود إلى السماء أصعب من النزول عنها ، وإذا اعترفت على نفسك

بأنك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول .

ثم قلت : " حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ، ومن بعد ذلك لا أدري اومن بك أولا

اؤمن بك " فأنت يا عبدالله مقر بأنك تعاند حجة الله عليك ، فلا دواء لك إلا تأديبه

ـ لك ـ على يد أوليائه من البشر ، أو ملائكته : الزبانية ، وقد أنزل الله تعالى علي حكمة

جامعة لبطلان كل ما اقترحته .

فقال تعالى : ( قل - يا محمد - سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) ( 1 )

ما أبعد ربي عن أن يفعل الاشياء على ـ قدر ـ ما يقترحه الجهال بما يجوز وبما لا يجوز

وهل كنت إلا بشرا رسولا ، لا يلزمني إلا إقامة حجة الله التي أعطاني ، وليس لي أن

آمر على ربي ولا أنهى ولا اشير ، فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم من مخالفيه

فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه .

فقال ابوجهل : يا محمد هاهنا واحدة ، ألست زعمت أن قوم موسى احترقوا

بالصاعقة لما سألوه أن يريهم الله جهرة ؟ ـ قال : بلى . قال : ـ ( 2 ) فلو كنت نبيا لاحترقنا

نحن أيضا ، فقد سألنا أشد مما سأل قوم موسى عليه السلام لانهم بزعمك قالوا : " أرنا

الله جهرة " ونحن قلنا : " لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا نعاينهم " .

ـ قصة رؤية ابراهيم عليه السلام ملكوت السماوات والارض : ـ

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا جهل أوما علمت قصة إبراهيم الخليل عليه السلام لما رفع

في الملكوت ، وذلك قول ربي :

* ( هامش ) * 1 ) الاسراء : 93 . 2 ) من الاحتجاج والبحار . ( * )

ـ513ـ

( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين ) ( 1 )

قوى الله بصره لما رفعه دون السماء حتى أبصر الارض ومن عليها ظاهرين ومستترين

فرأى رجلا وامرأة على فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا ، ثم رأى آخرين فدعا عليهما

بالهلاك ، فهلكا ، ثم رأى آخرين فهم بالدعاء عليهما ،

فأوحى الله تعالى إليه : يا إبراهيم اكفف دعوتك من عبادى وإمائي ، فاني أنا

الغفور الرحيم الحنان الحليم ، لا تضرني ذنوب عبادي كما لا تنفعني طاعتهم ، ولست

أسوسهم ( 2 ) لشفاء الغيظ كسياستك ، فاكفف دعوتك عن عبادي ، فانما أنت عبد نذير

لا شريك في المملكة ( 3 ) ، ولا مهيمن علي ، ولا على عبادي وعبادي ، معي بين خلال ( 4 ) ثلاث :

إما تابوا إلى فتبت عليهم ، وغفرت ذنوبهم ، وسترت عيوبهم .

وإما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون ، فأرفق

بالآباء الكافرين ، وأتأنى بالامهات الكافرات ، وأرفع عنهم عذابي ليخرج ذلك

المؤمن من أصلابهم ، فاذا تزايلوا ( 5 ) حل بهم عذابي وحاق بهم بلائي .

وإن لم يكن هذا ولا هذا فان الذي أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريده بهم

فان عذابي لعبادي على حسب جلالي وكبريائي .

يا إبراهيم فخل بيني بين عبادي ، فاني أرحم بهم منك ، وخل بيني وبين عبادي

فاني أنا الجبار الحليم العلام الحكيم ، ادبرهم بعلمي ، وانفذ فيهم قضائي وقدري .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله تعالى - يا أبا جهل - إنما دفع عنك العذاب لعلمه

بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة : عكرمة ابنك ، وسيلي من امور المسلمين ما

إن ( 6 ) أطاع الله ورسوله فيه كان عند الله جليلا ، وإلا فالعذاب نازل عليك .

* ( هامش ) * 1 ) الانعام : 75 . 2 ) ساس - يسوس سياسة - القوم : دبرهم وتولى أمرهم .

3 ) " الملك " الاحتجاج . 4 ) " حال " ق ، د . 5 ) أى تفارقوا .

6 ) تدبر معنى ان الشرطية وجوابها . ( * )

ـ514ـ

وكذلك سائر قريش السائلين لما سألوه هذا إنما امهلوا لان الله علم أن بعضهم

سيؤمن بمحمد ، وينال به السعادة ، فهو تعالى لا يقطعه عن تلك السعادة ، ـ ولا يبخل

بها عليه ( 1 ) ، أو من يولد منه مؤمن فهو ينظر أباه لايصال ابنه إلى السعادة ـ ، ولو لا ذلك

لنزل العذاب بكافتكم فانظر نحو السماء .

فنظر فاذا أبوابها مفتحة ، وإذا النيران نازلة منها مسامتة ( 2 ) لرؤوس القوم تدنو

منهم حتى وجدوا حرها بين أكتافهم ، فارتعدت فرائص ( 3 ) أبي جهل والجماعة .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تروعنكم فان الله لا يهلككم بها ، وإنما أظهرها عبرة .

ثم نظروا ، وإذا قد خرج من ظهور الجماعة أنوار قابلتها ورفعتها ودفعتها حتى

أعادتها في السماء كما جاءت ( 4 ) منها .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : بعض هذه الانوار أنوار من قد علم الله أنه سيسعده

بالايمان بي منكم من بعد ، وبعضها أنوار ذرية طيبة ستخرج من بعضكم ممن لا يؤمن

وهم مؤمنون ( 5 ) .

قوله عزوجل : " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم

كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى

يأتى الله بأمره ان الله على كل شئ قدير " : 109

* ( هامش ) * 1 ) " ينحل بها عليه اثم " أ ، ص . 2 ) أى محاذية .

3 ) جمع فريصة وهى اللحمة بين الجنب والكتف ، أو بين الثدى والكتف ترعد عند الفزع

يقال : ارتعد فريصته : أى فزع فزعا شديدا . 4 ) " كانت ( ثم ) جاءت " الاصل .

5 ) عنه البرهان : 2 / 496 ح 1 قطعة ، وج 4 / 140 ح 3 قطعة ، وعنه في البحار : 9 / 269

ح 2 وعن الاحتجاج : 1 / 26 باسناده عن أبى محمد الحسن العسكرى عليه السلام ، وأخرج

قطعة منه في البحار : 59 / 171 ح 1 ، واثبات الهداة : 2 / 10 ح 307 عن الاحتجاج . ( * )

ـ515ـ

315 - قال الامام الحسن بن علي أبوالقائم عليهما السلام : في قوله تعالى :

( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ) بما يوردونه ( 1 )

عليكم من الشبه ( 2 ) ( حسدا من عند أنفسهم ) لكم بأن أكرمكم بمحمد وعلي

وآلهما الطيبين الطاهرين ( من بعد ماتبين لهم الحق ) بالمعجزات الدالات على صدق

محمد وفضل علي وآلهما الطيبين من بعده .

( فاعفوا واصفحوا ) عن جهلهم ، وقابلوهم بحجج الله ، وادفعوا بها أباطيلهم

( حتى يأتي الله بأمره ) ( 3 ) فيهم بالقتل يوم فتح مكة ، فحينئذ تجلونهم من بلد مكة

ومن جزيرة العرب ، ولا تقرون بها كافرا .

( إن الله على كل شئ قدير ) ولقدرته على الاشياء قدر ما هو أصلح لكم في

تعبده إياكم من مداراتهم ومقابلتهم بالجدال بالتي هي أحسن . ( 4 )

316 - قال عليه السلام : وذلك أن المسلمين لما أصابهم يوم احد من المحن ماأصابهم

لقي قوم من اليهود - بعده بأيام - عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان فقالوا لهما : ألم تريا

ما أصابكم يوم احد ؟ إنما يحرب ( 5 ) كأحد طلاب ملك الدنيا ، حربه سجالا ( 6 ) ، فتارة

* ( هامش ) * 1 ) " يعدونه " أ . 2 ) " الشبهة " ص ، والبرهان . الشبهة : ما يلتبس فيه الحق

بالباطل والحلال بالحرام . ج شبه وشبهات .

3 ) انظر مطلع الخطاب للمؤمنين : " يا أيها الذين آمنوا . . ما يود الذين كفروا من أهل

الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم . . - إلى أن قال - أم تريدون أن تسئلوا . .

- فبعد ذلك كله يقول - فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره . " البقرة : 104 - 109

فهو لا ينحصر بأمر واحد بل هو كلى :

فمرة أتى أمره تعالى بالقتل يوم فتح مكة . ، واخرى النبى صلى الله عليه وآله - الذى

لا ينطق عن الهوى - باخراج أهل الكتاب من جزيرة العرب . فتدبر .

4 ) عنه البحار : 9 / 184 ح 13 ، وج 94 / 16 صدر ح 12 ، وج 100 / 67 ح 15 ، والبرهان :

1 / 142 ح 1 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 262 . 5 ) أحرب الحرب : هيجها .

6 ) " سحا " ق ، د وسحا : ضربا ( * )

ـ516ـ

له وتارة عليه ، فارجعوا عن دينه .

فأما حذيفة فقال : لعنكم الله لا اقاعدكم ولا أسمع كلامكم أخاف على نفسي وديني

وأفر بهما منكم . وقام عنهم يسعى .

وأما عمار بن ياسر ، فلم يقم عنهم ولكن قال لهم : معاشر اليهود إن محمدا

وعد أصحابه الظفر يوم بدر إن صبروا فصبروا وظفروا ، ووعدهم الظفر يوم احد أيضا

إن صبروا ، ففشلوا وخالفوا ، فلذلك أصابهم ما أصابهم ، ولو أنهم أطاعوا وصبروا

ولم يخالفوا لما غلبوا ( 1 ) . فقالت له اليهود :

يا عمار وإذا أطعت أنت غلب محمد سادات قريش مع دقة ساقيك ؟

فقال عمار : نعم ، والله الذي لا إله إلا هو باعثه بالحق نبيا ، لقد وعدني محمد

من الفضل والحكمة ما عرفنيه من نبوته ، وفهمنيه من فضل أخيه ووصيه وصفيه

وخير من يخلفه بعده ، والتسليم لذريته الطيبين المنتجبين ، وأمرني بالدعاء بهم

عند شدائدي ومهماتي وحاجاتي ، ووعدني أنه لا يأمرني بشئ فاعتقدت فيه طاعته

إلا بلغته حتى لو أمرني بحط السماء إلى الارض ، أو رفع الارضين إلى السماوات

لقوى عليه ربي بدني بساقي هاتين الدقيقتين .

فقالت اليهود : كلا والله يا عمار ، محمد أقل عند الله من ذلك ، وأنت أوضع

عند الله وعند محمد من ذلك ، ( لا ولا حجرا فيها أربعون منا ) ( 2 ) .

فقام عمار عنهم وقال : لقد أبلغتكم حجة ربي ونصحت لكم ، ولكنكم للنصيحة

كارهون ، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله :

يا عمار قد وصل إلي خبركما ، أما حذيفة فانه فر بدينه من الشيطان وأوليائه

* ( هامش ) * 1 ) زاد في بعض النسخ : بل غلبوا .

2 ) " وكان فيها أربعون منافقا " البحار .

والمراد أنه لا قدرة لك يا عمار حتى على رفع حجر كان وزنه أربعين شخصا منا . ( * )

ـ517ـ

فهو من عباد الله الصالحين .

وأما أنت يا عمار فانك ـ قد ـ ناضلت ( 1 ) عن دين الله ، ونصحت لمحمد رسول

الله ، فأنت من المجاهدين في سبيل الله ، الفاضلين .

فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله وعمار يتحادثان إذ حضرت اليهود الذين كانوا كلموه

فقالوا : يا محمد هاه ( 2 ) صاحبك يزعم أنك إن أمرته برفع الارض إلى السماء أو حط

السماء إلى الارض ، فاعتقد طاعتك وعزم على الائتمار لك ، لاعانه الله عليه ، ونحن

نقتصر منك ومنه على ما هو دون ذلك ، إن كنت نبيا فقد قنعنا أن يحمل عمار - مع

دقة ساقيه - هذا الحجر . وكان الحجر مطروحا بين يدي النبي صلى الله عليه وآله بظاهر المدينة

يجتمع عليه مائتا رجل ليحركوه فلا يمكنهم ( 3 ) .

فقالوا له : يا محمد إن رام احتماله لم يحركه ، ولو حمل في ذلك على نفسه لانكسرت

ساقاه ، وتهدم جسمه .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تحتقروا ساقيه ، فانهما أثقل في ميزان حسناته ( 4 ) من ثور

وثبير وحراء وأبي قبيس ( 5 ) ، بل من الارض كلها وما عليها ، وإن الله قد خفف بالصلاة

على محمد وآله الطيبين ماهو أثقل من هذه الصخرة ، خفف العرش على كواهل

ثمانية من الملائكة بعد أن كان لا يطيقه معهم العدد الكثير ، والجم الغفير .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عمار اعتقد طاعتي وقل : اللهم بجاه محمد وآله الطيبين

قوني ليسهل الله لك ما أمرك به كما سهل على كالب بن يوحنا ( 6 ) عبور البحر على متن

* ( هامش ) * 1 ) " فاصلت " أ . " تأصلت " ط ، ق . " فضلت " خ ل . قول فصل : حق ليس بباطل .

تأصل : صار ذا أصل .

2 ) " ها " ب ، ق ، د ، والبحار . هه : تذكرة في حال ، وتحذير في حال ، فاذا مددتها وقلت " هاه "

كانت وعيدا في حال ، وحكاية لضحك الضاحك في حال . ( لسان العرب 13 / 551 ) .

3 ) " فلم يقدروا " ص ، ق ، د ، والبحار . 4 ) " حسابه " ص .

5 ) هى أسماء جبال بمكة . 6 ) " نوقنا " ب ، س . ( * )

ـ518ـ

الماء وهو على فرسه يركض عليه لسؤاله الله بجاهنا أهل البيت .

فقالها عمار ، واعتقدها ، فحمل الصخرة فوق رأسه ، وقال : بأبي أنت وأمي

يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق نبيا لهي أخف في يدي من خلالة أمسكها بها !

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : حلق بها في الهواء ، فستبلغ بها قلة ذلك الجبل ، - وأشار

إلى جبل بعيد على قدر فرسخ - فرمى بها عمار ، وتحلقت في الهواء حتى انحطت

على ذروة ذلك الجبل . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لليهود : أو رأيتم ؟ قالوا : بلى .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ـ يا عمار ـ قم إلى ذروة الجبل فستجد هناك صخرة أضعاف

ما كانت ، فاحتملها وأعدها إلى حضرتي .

فخطا عمار خطوة وطويت له الارض ، ووضع قدمه في الخطوة الثانية على ذروة

الجبل ، وتناول الصخرة المتضاعفة وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالخطوة الثالثة .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار : اضرب بها الارض ضربة شديدة .

فتهاربت اليهود وخافوا ، فضرب بها عمار على الارض ، فتفتت حتى صارت

كالهباء ( 2 ) المنثور وتلاشت .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : آمنوا أيها اليهود فقد شاهدتم آيات الله .

فآمن بعضهم ، وغلب الشقاء على بعضهم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

أتدرون معاشر المسلمين ما مثل هذه الصخرة ؟ فقالوا : لا يا رسول الله .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : والذي بعثني بالحق نبيا إن رجلا من شيعتنا تكون له

ذنوب وخطايا أعظم من جبال الارض ، و ـ من ـ الارض كلها والسماء بأضعاف كثيرة

فما هو إلا أن يتوب ، ويجدد على نفسه ولايتنا أهل البيت إلا كان قد ضرب بذنوبه الارض

أشد من ضرب عمار هذه الصخرة بالارض ، وإن رجلا تكون له طاعات كالسماوات

والارضين والجبال والبحار ، فما هو إلا أن يكفر بولايتنا أهل البيت حتى يكون ضرب

* ( هامش ) * 1 ) الهباء : دقائق التراب ساطعة ومنثورة على وجه الارض . ( * )

ـ519ـ

بها الارض أشد من ضرب عمار لهذه الصخرة بالارض ، وتتلاشى وتتفتت كتفتت

هذه الصخرة ، فيرد الآخرة ولا يجد حسنة ، وذنوبه أضعاف الجبال والارض والسماء

فيشدد حسابه ويدوم عذابه .

قال : فلما رأى عمار بنفسه تلك القوة التي جلد بها على الارض تلك الصخرة

فتفتت ، أخذته أريحية ( 1 ) وقال : أفتأذن لي يا رسول الله أن اجالد هؤلاء اليهود فأقتلهم

أجمعين بما اعطيته من هذه القوة ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عمار إن الله تعالى يقول : ( فاعفوا واصفحوا حتى

يأتى الله بأمره ) بعذابه ، ويأتي بفتح مكة وسائر ما وعد . ( 2 )

317 - وكان المسلمون تضيق صدورهم مما يوسوس به إليهم اليهود والمنافقون

من الشبه في الدين . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله .

أو لا اعلمكم ما يزيل ضيق صدوركم إذا وسوس هؤلاء الاعداء إليكم ؟

قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : ما أمر به رسول الله من كان معه في الشعب الذي كان

ألجأته إليه قريش ، فضاقت صدورهم واتسخت ثيابهم .

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : انفخوا على ثيابكم ، وامسحوها بأيديكم وهي على

أبدانكم ، وأنتم تصلون على محمد وآله الطيبين ، فانها تنقي وتطهر وتبيض وتحسن

وتزيل عنكم ضيق صدوركم .

ففعلوا ذلك ، فصارت ثيابهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله .

فقالوا : عجبا يا رسول الله بصلاتنا عليك وعلى آلك ، كيف طهرت ثيابنا !

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن تطهير الصلاة على محمد وآله لقلوبكم ( 3 ) من الغل

* ( هامش ) * 1 ) " الحمية " ب ، ط . الاريحية : الخفة والنشاط . والحمية : المروءة والنخوة .

2 ) عنه البحار : 22 / 335 ح 49 ، وج 94 / 16 ضمن ح 12 . 3 ) " قلوبهم " ص . ( * )

ـ520ـ

والضيق والدغل ( 1 ) ولابدانكم من الآثام أشد من تطهيرها لثيابكم .

وإن غسلها للذنوب ( 2 ) من صحائفكم أحسن من غسلها للدرن عن ثيابكم .

وإن تنويرها لكتب حسناتكم - بمضاعفة ما فيها - أحسن من تنويرها لثيابكم . ( 3 )

قوله عزوجل : " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لانفسكم من خير

تجدوه عند الله ان الله بما تعملون بصير " : 110

318 - قال الامام عليه السلام : ( أقيموا الصلاة ) باتمام وضوئها وتكبيراتها وقيامها

وقراءتها وركوعها وسجوها وحدودها .

( وآتوا الزكاة ) مستحقيها ، لا تؤتوها كافرا ولا مناصبا ( 4 ) .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " المتصدق على أعدائنا كالسارق في حرم الله " .

( وما تقدموا لانفسكم من خير ) من مال تنفقونه في طاعة الله ، فان لم يكن

لكم مال ، فمن جاهكم تبذلونه لاخوانكم المؤمنين ، تجرون به إليهم المنافع ،

وتدفعون به عنهم المضار .

( تجدوه عند الله ) ينفعكم الله تعالى بجاه محمد وعلي وآلهما يوم القيامة

فيحط به سيئاتكم ، ويضاعف به حسناتكم ، ويرفع به درجاتكم فقال : " تجدوه عند الله "

( إن الله بما تعلمون بصير ) عالم ليس يخفى عليه شئ : ظاهر فعل ، ولا باطن

ضمير ، فهو يجازيكم على حسب اعتقاداتكم ونياتكم ، وليس هو كملوك الدنيا الذي

يلتبس على بعضهم ، فينسب فعل بعضهم إلى غير فاعله ، وجناية بعضهم إلى غير جانيه

* ( هامش ) * 1 ) الدرن " خ ل . تقدم بيانا . 2 ) " للسيئات " أ ، ط .

3 ) عنه البحار : 94 / 19 ذ ح 12 ، واثبات الهداة : 2 / 163 ح 613 قطعة .

4 ) " منافقا " خ ل " ولا منافقا ولا ناصبا " الوسائل . ( * )

ـ521ـ

فيقع ثوابه وعقابه - بجهله بما لبس عليه - بغير مستحقه ( 1 ) .

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 521 سطر 1 الى ص 530 سطر 22

فيقع ثوابه وعقابه - بجهله بما لبس عليه - بغير مستحقه ( 1 ) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها

التسليم ، ولا يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول .

وإن أعظم طهور الصلاة - التي لا يقبل الصلاة إلا به ، ولا شئ من الطاعات مع

فقده - موالاة محمد ، وأنه سيد المرسلين ، وموالاة علي ، وأنه سيد الوصيين

وموالاة أوليائهما ، ومعاداة أعدائهما .

ـ ثواب الوضوء ـ

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن العبد إذا توضأ فغسل وجهه ، تناثرت ـ عنه ـ

ذنوب وجهه .

وإذا غسل يديه إلى المرفقين تناثرت عنه ذنوب يديه .

وإذا مسح برأسه تناثرت عنه ذنوب رأسه .

وإذا مسح رجليه - أو غسلها للتقية - تناثرت عنه ذنوب رجليه .

وإن قال في أول وضوئه " بسم الله الرحمن الرحيم " طهرت أعضاؤه كلها من الذنوب .

وإن قال في آخر وضوئه أو غسله من الجنابة : " سبحانك اللهم وبحمدك أشهد

أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ، وأشهد أن محمدا عبدك ورسولك ، وأشهد

أن عليا وليك وخليفتك بعد نبيك على خليقتك ، وإن أولياءه وأوصياءه خلفاؤك "

تحاتت ( 2 ) عنه ذنوبه كلها كما يتحات ورق الشجر ، وخلق الله بعدد كل قطرة من

* ( هامش ) * 1 ) عنه الوسائل : 6 / 154 ح 13 و 14 ( قطعة ) ، والبحار : 7 / 269 ح 51 ( قطعة ) وج 74

/ 309 صدر ح 63 ، وج 84 / 244 ح 34 قطعة ، وج 96 / 68 ح 41 ( قطعة ) والبرهان :

1 / 142 ح 1 ، ومستدرك الوسائل : 2 / 411 باب 33 ح 3 .

2 ) أى تساقطت : " تجانبت " ق ، د . وكذا التى تلى . ( * )

ـ522ـ

قطرات وضوئه أو غسله ملكا يسبح الله ويقدسه ويهلله ويكبره ، ويصلي على محمد

وآله الطيبين ، وثواب ذلك لهذا المتوضئ ، ثم يأمر الله بوضوئه أو غسله فيختم عليه

بخاتم من خواتم رب العزة ، ثم يرفع تحت العرش حيث لا تناله اللصوص ، ولا

يلحقه السوس ( 1 ) ولا يفسده الاعداء ، حتى يرد عليه ويسلم إليه ، أو في ( 2 )

ماهو أحوج ، وأفقر مايكون إليه ، فيعطى بذلك في الجنة مالا يحصيه العادون

ولا يعي عليه الحافظون ، ويغفر الله له جميع ذنوبه حتى تكون صلاته نافلة ( 3 ) .

ـ ثواب الصلاة : ـ

وإذا توجه إلى مصلاه ليصلي قال الله عزوجل لملائكته : يا ملائكتي أما ترون

هذا عبدي كيف قد انقطع عن جميع الخلائق إلي ، وأمل رحمتي وجودي ورأفتي ؟

اشهدكم أني أختصه برحمتي وكراماتي .

فاذا رفع يديه وقال : " الله أكبر " وأثني على الله تعالى بعده قال الله لملائكته : أما

ترون عبدي هذا كيف كبرني وعظمني ونزهني عن أن يكون لي شريك ، أو شبيه

أو نظير ، ورفع يديه تبرؤا ( 4 ) عما يقوله أعدائي من الاشراك بي ؟ أشهدكم يا

ملائكتي أني ساكبره واعظمه في دار جلالي ، وانزهه في متنزهات دار كرامتي

وابرئه من آثامه وذنوبه من عذاب جهنم نيرانها .

فاذا قال : ( بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين ) فقرأ فاتحة الكتاب

* ( هامش ) * 1 ) هو دود يقع في الصوف والخشب والثياب ونحوها .

والظاهر أن اللصوص ، والسوس ، والاعداء كناية عن الشياطين .

2 ) " أوفر " ص ، والبحار .

3 ) عنه الوسائل : 1 / 279 ح 20 و 21 ، والبحار : 80 / 316 ح 7 وج 84 / 223 ح 8

قطعة ، والبرهان : 1 / 142 ذ ح 1 قطعة ، واثبات الهداة : 3 / 576 ح 67 قطعة ، ومستدرك

الوسائل : 1 / 41 ح 8 . 4 ) " وتبرأ " المستدرك . ( * )

ـ523ـ

وسورة ، قال الله تعالى لملائكته : أما ترون عبدي هذا كيف تلذذ بقراءة كلامي ؟

اشهدكم ـ يا ـ ملائكتي لاقولن له يوم القيامة : إقرأ في جناني ، وارق درجاتها ( 1 ) فلا

يزال يقرأ ويرقى درجة بعدد كل حرف : درجة من ذهب ، ودرجة من فضة ، ودرجة

من لؤلؤ ، ودرجة من جوهر ، ودرجة من زبرجد أخضر ، ودرجة من زمرد أخضر ، ودرجة

من نور رب العالمين ( 2 ) .

فاذا ركع قال الله لملائكته : يا ملائكتي أما ترونه كيف تواضع لجلال عظمتي ؟

اشهدكم لاعظمنه في دار كبريائي ، وجلالي .

فاذا رفع راسه من الركوع ، قال الله تعالى : أما ترونه يا ملائكتي كيف يقول :

أترفع على ( 3 ) أعدائك كما أتواضع لاوليائك ، وأنتصب لخدمتك ؟ اشهدكم يا ملائكتي

لاجعلن جميل العاقبة ( 4 ) له ولاصيرنه إلى جناني .

فاذا سجد قال الله ـ تعالى لملائكته ـ : يا ملائكتي أما ترونه كيف تواضع بعد ارتفاعه

وقال : إني وإن كنت جليلا مكينا في دنياك ، فأنا ذليل عند الحق إذا ظهر لي ؟ سوف

أرفعه بالحق وأدفع ( 5 ) به الباطل .

فاذا رفع رأسه من السجدة الاولى ، قال الله تعالى : يا ملائكتي أما ترونه كيف

قال : وإني وإن تواضعت لك فسوف أخلط الانتصاب في طاعتك بالذل بين يديك

فاذا سجد ثانية قال الله عزوجل : يا ملائكتي أما ترون عبدي هذا كيف عاد إلى

التواضع لي ؟ لاعيدن إليه رحمتي .

فاذا رفع رأسه قائما ، قال الله : يا ملائكتي لارفعنه بتواضعه كما ارتفع إلى صلاته .

ثم لا يزال يقول الله لملائكته هكذا في كل ركعة .

* ( هامش ) * 1 ) " درجاتى " البحار ، والمستدرك 2 ) " العزة " ب ، ص ، البحار ، والمستدرك .

3 ) " ارتفع عن " ص ، البحار والمستدرك .

4 ) " خير العافية / العافية " ب ، س ، ص ، ق ، د . 5 ) " أدمغ " أ ، س ، ق ، د . ( * )

ـ524ـ

حتى إذا قعد للتشهد الاول والتشهد الثاني ، قال الله تعالى : يا ملائكتي قد قضى

خدمتي وعبادتي ، وقعد يثني علي ، ويصلي على محمد نبيي ، لاثنين عليه في ملكوت

السماوات والارض ، ولاصلين على روحه في الارواح .

فاذا صلى على أمير المؤمنين عليه السلام في صلاته قال ـ الله له ـ : لاصلين عليك كما

صليت عليه ، ولاجعلنه شفيعك كما استشفعت به .

فاذا سلم من صلاته سلم الله عليه وسلم عليه ملائكته . ( 1 )

ـ ثواب اعطاء الزكاة : ـ

320 - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " وآتوا الزكاة " من أموالكم المستحقين لها من الفقراء

والضعفاء لاتبخسوهم ولا توكسوهم ( 2 ) ، ولا تيمموا الخبيث ( 3 ) أن تعطوهم ، فان من

أعطى الزكاة من ماله طيبة بها نفسه ، أعطاه الله بكل حبة منها قصرا في الجنة من ذهب

وقصرا من فضة ، وقصرا من لؤلؤ ، وقصرا من زبرجد ، وقصرا من زمرد ، وقصرا من

جوهر ، وقصرا من نور رب العالمين .

وأيما عبد التفت في صلاته ، قال الله تعالى : يا عبدي إلى أين تقصد ؟ ومن تطلب ؟

أربا غيري تريد ؟ أو رقيبا سواي تطلب ؟ أو جوادا خلاي تبتغي ؟ أناأكرم الاكرمين

وأجود الاجودين ، وأفضل المعطين ، اثيبك ثوابا لا يحصى قدره ، فأقبل علي ، فاني

عليك مقبل ، وملائكتي عليك مقبلون .

فان أقبل زال عنه إثم ماكان منه ، وإن التفت بعد ( 4 ) أعاد الله ـ له ـ مقالته ، فان أقبل

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 8 / 181 ح 38 ( قطعة ) ، وج 82 / 221 ح 42 ، وج 85 / 286 ح 13 قطعة

ومستدرك الوسائل : 1 / 180 ح 5 . 2 ) وكس الشئ : نقصه .

3 ) زاد في " ب ، س ، ط " بالطيب . تيمم الامر : توخاه وتعمده .

4 ) " ثانية " البحار . ( * )

ـ525ـ

زال عنه اثم ماكان منه ، وإن التفت ثالثة أعاد الله له مقالته ، فان أقبل على صلاته غفر

ـ الله ـ له ماتقدم من ذنبه .

وإن التفت رابعة أعرض الله عنه ، وأعرضت الملائكة عنه ، ويقول : وليتك

يا عبدي ما توليت .

وإن قصر في الزكاة قال الله تعالى : يا عبدي أتبخلني ؟ أم تتهمني ؟ أم تظن

أني عاجز غير قادر على إثابتك ؟ سوف يرد عليك يوم تكون فيه أحوج المحتاجين

إن أديتها كما أمرت ، وسوف يرد عليك إن بخلت يوم تكون فيه أخسر الخاسرين .

قال عليه السلام : فسمع ذلك المسلمون فقالوا : سمعنا وأطعنا يا رسول الله .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : عباد الله أطيعوا الله في أداء الصلوات المكتوبات ، والزكوات

المفروضات ، وتقربوا بعد ذلك إلى الله بنوافل الطاعات ، فان الله عزوجل يعظم

به المثوبات ، والذي بعثني بالحق نبيا إن عبدا من عباد الله ليقف يوم القيامة موقفا

يخرج عليه من لهب النار أعظم من جميع جبال الدنيا ، حتى مايكون بينه وبينها

حائل ، بينا هو كذلك قد تحير إذ تطاير من الهواء رغيف أو حبة ( 1 ) قد واسى بها أخا

مؤمنا على إضافته ، فتنزل حواليه ، فتصير كأعظم الجبال مستديرا حواليه ، تصد عنه ذلك

اللهب ، فلا يصيبه من حرها ولا دخانها شئ ، إلى أن يدخل الجنة .

قيل : يا رسول الله وعلى هذا تنفع مواساته لاخيه المؤمن ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إي والذي بعثني بالحق نبيا إنه لينفع بعض المواسين ( 2 )

بأعظم من هذا ، وربما جاء يوم القيامة من تمثل له سيئاته ـ وحسناته ـ وإساءته

إلى إخوانه المؤمنين - وهي التي تعظم وتتضاعف فتمتلئ بها صحائفه - وتفرق

حسناته على خصمائه المؤمنين المظلومين بيده ولسانه ، فيتحير ويحتاج إلى حسنات

توازي ( 3 ) سيئاته .

* ( هامش ) * 1 ) " حبة فضة " ق ، د ، ط .

2 ) " المؤمنين " ب ، والبحار . 3 ) " توارى " ص . وارى الشئ : أخفاه وستره . ( * )

ـ526ـ

فيأتيه أخ له مؤمن - قد كان أحسن إليه في الدنيا - فيقول له : قد وهبت لك جميع

حسناتي بازاء ماكان منك إلي في الدنيا ، فيغفر الله له بها ، ويقول لهذا المؤمن : فأنت

بماذا تدخل جنتي ؟ فيقول : برحمتك يا رب ! فيقول الله : عزوجل : جدت عليه بجميع

حسناتك ، ونحن أولى بالجود منك والكرم ، قد تقبلتها عن أخيك وقد رددتها عليك

وأضعفتها لك . فهو من أفاضل أهل الجنان ( 1 ) .

قوله عزوجل : وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى تلك

أمانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن

فله اجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يخزنون " 111 و 112

321 - قال الامام عليه السلام : قال أمير المؤمنين عليه السلام " وقالوا " يعني اليهود والنصارى :

قالت اليهود " لن يدخل الجنة إلا من كان هودا " أي يهوديا .

وقوله " أو نصارى " يعني وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا .

قال امير المؤمنين عليه السلام : وقد قال غيرهم :

قالت الدهرية : الاشياء لا بدء لها ، وهي دائمة ، ومن خالفنا في هذا ضال

مخطئ ـ مفصل ـ ( 2 ) .

* ( هامش ) * 1 ) عنه البحار : 7 / 300 ضمن ح 51 : وج 74 / 310 ذ ح 63 ، وج 84 / 244 ح 34 قطعة

وج 96 / 9 ح 6 قطعة ، ومستدرك السوائل : 1 / 406 باب 24 ح 1 قطعة وص 506 باب 1

ح 14 قطعة .

2 ) من البحار والبرهان ، ذهبت الدهرية إلى أن العالم قديم زمانى ، وقالوا : ان الاشياء

دائمة الوجود لم تزل ولا تزال ، بل بعضهم أنكروا الحوادث اليومية أيضا وذهبوا إلى

الكمون والبروز لتصحيح قدم الحوادث اليومية ، وأنكروا وجود مالم تدركه الحواس

الخمس ، ولذا أنكروا وجود الصانع لعدم ادراك الحواس له تعالى ، وقالوا وجود < ( * )

ـ527ـ

وقالت الثنوية : النور والظلمة هما المدبران ، ومن خالفنا في هذا ضل .

وقال مشركو العرب : إن أوثاننا آلهة ، من خالفنا في هذا ضل ( 1 ) .

فقال الله تعالى : " تلك أمانيهم " التي يتمنونها " قل - لهم - هاتوا برهانكم " على

مقالتكم " إن كنتم صادقين " ( 2 ) .

ـ في ان الجدال على قسمين : ـ

322 - وقال الصادق عليه السلام - وقد ذكرنا عنده الجدال في الدين ، وأن رسول الله

والائمة عليهم السلام قد نهوا عنه - فقال الصادق عليه السلام : لم ينه عنه مطلقا ، ولكنه نهى عن

الجدال بغير التي هي أحسن أما تسمعون الله عزوجل يقول :

" ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ( 3 ) " وقوله تعالى :

" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " ( 4 ) .

فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه ( 5 ) العلماء بالدين ، والجدال بغير التي هي أحسن

محرم حرمه الله تعالى على شيعتنا ، وكيف يحرم الله الجدال جملة وهو يقول :

" وقالوا لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى " وقال الله تعالى :

" تلك امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين " ؟

فجعل علم الصدق والايمان بالبرهان ، وهل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالتي

هي أحسن ؟

* ( هامش ) * > الموجودات من الطبائع المتعاقبة لا إلى نهاية . اذا تقرر هذا فاعلم أن الظاهر أن

المطلوب أولا اثبات الحدوث الزمانى ، فان الظاهر من " البدء " البدء الزمانى ، ويؤيده

قوله ـ كما سيأتى ـ " وهى دائمة لم تزل ولا تزال " . ذكره المجلسى - رحمه الله - .

1 ) لزيادة الاطلاع ، راجع الملل والنحل : 1 / 244 ، وج 2 / 235 .

2 ) عنه البحار : 9 / 255 صدر ح 1 ، والبرهان : 1 / 143 صدر ح 1 .

3 ) العنكبوت : 46 . 4 ) النحل : 125 . 5 ) " ذكره " ص . ( * )

ـ528ـ

فقيل : يابن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن ، والتي ليست بأحسن ؟

قال : أما الجدال بغير التي هي أحسن ، فان تجادل مبطلا ، فيورد عليك باطلا

فلا ترده بحجة قد نصبها الله ، ولكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل

أن يعين به باطله ، فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة ، لانك لا تدري

كيف التخلص منه ، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم

وعلى المبطلين .

أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف ما في

يده حجة له على باطله ( 1 ) .

وأما الضعفاء فتغم ( 2 ) قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل .

وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر الله تعالى به نبيه أن يجادل به من جحد

البعث بعد الموت وإحياءه له ، فقال الله تعالى حاكيا عنه :

( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ) .

فقال الله في الرد عليه : ( قل - يا محمد - يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل

خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فاذا أنتم منه توقدون ) ( 3 ) .

فأراد الله من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال : كيف يجوز أن يبعث هذه العظام

وهي رميم ؟ قال الله تعالى : ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) أفيعجز من ابتدأ به

لا من شئ أن يعيده بعد أن يبلى ؟ بل ابتداؤه أصعب عندكم من أعادته .

ثم قال : ( الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا ) أي إذا كان قد كمن ( 4 )

* ( هامش ) * 1 ) " لهم على باطلهم " أ ، ط . 2 ) " فتعمى " البحار : 9 .

3 ) زاد في الاصل والاحتجاج " إلى آخر السورة " . والايات : 78 - 80 من سورة يس .

4 ) كمن الشئ : خفى ، ضد برز . ( * )

ـ529ـ

النار الحارة في الشجر الاخضر الرطب يستخرجها ، فعرفكم أنه على إعادة ما بلى أقدر ( 1 ) .

ثم قال : ( أو ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى

وهو الخلاق العليم ) ( 2 ) أي إذا كان خلق السماوات والارض أعظم ( 3 ) وأبعد في

أوهامكم وقدركم ( 4 ) أن تقدروا عليه من إعادة البالي ( 5 ) فكيف جوزتم من الله خلق

هذا الاعجب عندكم والاصعب لديكم ولم تجوزوا ماهو أسهل عندكم من إعادة البالي ؟

فقال الصادق عليه السلام : فهذا الجدال بالتي هي أحسن ، لان فيها قطع عذر ( 6 ) الكافرين

وإزالة شبههم .

وأما الجدال بغير التي هي أحسن فأن تجحد حقا لا يمكنك أن تفرق بينه وبين

باطل من تجادله ، وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق ، فهذا هو المحرم لانك

مثله ، جحد هو حقا ، وجحدت أنت حقا آخر .

قال ـ أبومحمد الحسن العسكرى عليه السلام ـ : فقام إليه رجل وقال : يابن رسول الله

أفجادل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال الصادق عليه السلام : مهما ظننت برسول الله من شئ فلا تظن

به مخالفة الله ، أو ليس الله تعالى قد قال :

( وجادلهم بالتي هي أحسن ) ؟ وقال : ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) .

* ( هامش ) * 1 ) قال الطبرسى - رحمه الله - بصدر الاية : أى جعل لكم من الشجر الرطب المطفئ

للنار نارا محرقة يعنى بذلك " المرخ والعفار " وهما شجران تتخذ الاعراب زنودها منها

فبين سبحانه أن من قدر على أن يجعل في الشجر الاخضر الذى هو في غاية الرطوبة

نارا حامية مع مضادة النار للرطوبة حتى اذا احتاج الانسان حك بعضه ببعض فخرج

منه النار ، وينقدح ، قدر على الاعادة ، وتقول العرب : في كل شجر نار ، واستمجد

المرخ والعفار . قال الكلبى : كل شجر تنقدح منه النار الا العناب . ( مجمع البيان : 8 / 435 ) .

2 ) يس : 81 . 3 ) " أعظم درجة " ب ، ط .

4 ) - محركة - أى طاقتكم ، أو بسكون الدال أى : قوتكم .

5 ) " الثانى " أ ، وكذا التى بعدها . 6 ) " عرى " أ ، ب ، ق ، د " دعوى " ص . ( * )

ـ530ـ

لمن ضرب الله مثلا ، أفتظن أن رسول الله صلى الله عليه وآله خالف ما أمره الله ، فلم يجادل بما

أمره الله به ، ولم يخبر عن الله بما أمره أن يخبر به ؟ !

ـ احتجاج الرسول صلى الله عليه وآله وجداله ومناظرته : ـ

323 - ولقد حدثني أبي الباقر عليه السلام ، عن جدي علي بن الحسين زين العابدين

عن أبيه الحسين بن علي سيد الشهداء ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات

الله عليهم أجمعين أنه اجتمع يوما عند رسول الله صلى الله عليه وآله أهل خمسة أديان :

اليهود والنصارى ، والدهرية ، والثنوية ومشركوا العرب .

فقالت اليهود : نحن نقول : عزير ابن الله ، وقد جئناك يا محمد لننظر ما تقول

فان تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل ، وإن خالفتنا خصمناك .

وقالت النصارى : نحن نقول ، إن المسيح ابن الله اتحد به ، وقد جئناك لننظر

ما تقول ، فان تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل ، وإن خالفتنا خصمناك .

وقالت الدهرية : نحن نقول : الاشياء لابدء لها وهي دائمة ، وقد جئناك لتنظر

ما تقول ، فان تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل ، وإن خالفتنا خصمناك .

وقالت الثنوية : نحن نقول : إن النور والظلمة هما المدبران ، وقد جئناك

للنظر ماتقول ، فان تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل ، وإن خالفتنا خصمناك .

وقال مشركو العرب : نحن نقول إن أوثاننا آلهة ( 1 ) وقد جئناك للنظر ما تقول

فان تبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك وأفضل ، وإن خالفتنا خصمناك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : آمنت بالله وحده لا شريك له ، وكفرت بكل ( 2 ) معبود سواه .

ثم قال لهم : إن الله تعالى بعثني كافة للناس ( 3 ) بشيرا ونذيرا ، حجة على العالمين

* ( هامش ) * 1 ) " الهتنا " ب ، ط . 2 ) " بالجبت ـ والطاغوت ـ وبكل " ط ، والاحتجاج .

3 ) " قد بعثنى إلى الخلق كافة " أ . ( * )

ـ531ـ

وسيرد الله كيد من يكيد دينه في نحره .

............................................................................

- تفسير الامام العسكري (ع) من ص 531 سطر 1 الى ص 540 سطر 24

وسيرد الله كيد من يكيد دينه في نحره .

ثم قال لليهود : أجئتموني لاقبل قولكم بغير حجة ؟ قالوا : لا .

قال : فما الذي دعاكم إلى القول بأن عزيرا ابن الله ؟

قالوا : لانه أحيا لبني إسرائيل التوراة بعد ما ذهبت ، ولم يفعل به هذا إلا لانه ابنه .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فكيف صار عزير ابن الله دون موسى وهو الذي جاءهم

بالتوراة ورئي منه من المعجزات ما قد علمتم ؟ ولئن كان عزير ابن الله لما ظهر من

إكرامه باحياء التوراة ، فلقد كان موسى بالبنوة أحق وأولى ، ولئن كان هذا المقدار

من إكرامه لعزير يوجب أنه ابنه ، فأضعاف هذه الكرامة لموسى توجب له منزلة

أجل من البنوة ، لانكم إن كنتم إنما تريدون بالبنوة الولادة ( 1 ) على سبيل ما تشاهدونه

في دنياكم هذه من ولادة الامهات الاولاد بوطئ آبائهم لهن ، فقد كفرتم بالله

وشبهتموه بخلقه ، وأوجبتم فيه صفات المحدثين ، ووجب عندكم أن يكون محدثا

مخلوقا ، وأن له خالقا صنعه وابتدعه .

قالوا : لسنا نعني هذا ، فان هذا كفر كما ذكرت ، ولكنا نعني أنه ابنه على معنى ( 2 )

الكرامة ، وإن لم يكن هناك ولادة ، كما قد يقول بعض علمائنا لمن يريد إكرامه

وإبانته بالمنزلة من غيره : يا بني ، وإنه ابني . لا على إثبات ولادته منه ، لانه قد

يقول ذلك لمن هو أجنبي لا نسب بينه وبينه وكذلك لما فعل بعزير ما فعل ، كان

قد اتخذه ابنا على الكرامة لا على الولادة .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فهذا ما قلته لكم : إنه إن وجب على هذا الوجه أن يكون

عزير ابنه فان هذه المنزلة لموسى أولى ، وإن الله تعالى يفضح كل مبطل باقراره

ويقلب عليه حجته .

إن ما احتججتم به يؤديكم إلى ما هو أكبر مما ذكرته لكم ، لانكم قلتم ( 3 ) :

* ( هامش ) * 1 ) " الدلالة " ب ، س ، الاحتجاج . 2 ) " وجه " ق . 3 ) " زعمتم " ص والبرهان . ( * )

ـ532ـ

إن عظيما من عظمائكم قد يقول لاجنبي لانسب بينه وبينه : يا بني ، وهذا ابني

لا على طريق الولادة ، فقد تجدون أيضا هذا العظيم يقول لاجنبي آخر : هذا أخي

ولآخر : هذا شيخي ، وأبي ، ولآخر : هذا سيدي ، على سبيل الاكرام ، وإن من زاده

في الكرامة زاده في مثل هذا القول ، فاذا يجوز عندكم أن يكون موسى أخا لله أو شيخا

له أو أبا أو سيدا لانه قد زاده في الكرامة على ما لعزيز ، كما أن من زاد رجلا في

الاكرام فقال له : يا سيدي ويا شيخي وياعمي ويا رئيسي ويا أميري على طريق

الاكرام ، وإن من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول ، أفيجوز عندكم أن

يكون موسى أخا لله ، أو شيخا ، أو عما أو رئيسا ، أو سيدا أو أميرا ؟ لانه قد زاده

في الاكرام على من قال له : يا شيخي أو يا سيدي أو يا عمي ، أو يا رئيسي ، أو

يا أميري .

قال : فبهت القوم وتحيروا وقالوا : يا محمد أجلنا نتفكر فيما قلته لنا .

فقال : انظروا فيه بقلوب معتقدة للانصاف ، يهدكم الله .

ثم أقبل صلى الله عليه وآله على النصارى فقال لهم : وأنتم قلتم : إن القديم عزوجل اتحد

بالمسيح ابنه ( 1 ) ما الذي أردتموه بهذا القول ؟ أردتم أن القديم صار محدثا لوجود

هذا المحدث الذي هو عيسى ؟ أو المحدث الذي هو عيسى صار قديما لوجود

القديم الذي هو الله ؟ أو معنى ( 2 ) قولكم : " إنه اتحدبه " أنه اختصه بكرامة لم

يكرم بها أحدا سواه ؟ فان أردتم أن القديم تعالى صار محدثا فقد أبطلتم ، لآن القديم

محال أن ينقلب فيصير محدثا ، وإن أردتم أن المحدث صار قديما فقد أحلتم ( 3 ) لان

المحدث أيضا محال أن يصير قديما ، وإن أردتم أنه اتحد به بأن اختصه واصطفاه

* ( هامش ) * 1 ) " اتخذ المسيح ( ابنه ) ابنا " أ ، ص ، والبرهان .

2 ) " معناكم في " الاصل ، وما في المتن كما في الاحتجاج والبحار .

3 ) " أبطلتم " أ ، والبرهان . أحال الرجل : أتى بالمحال وتكلم به . ( * )

ـ533ـ

على سائر عباده ، فقد أقررتم بحدوث عيسى ، وبحدوث المعنى الذي اتحد به من

أجله ، لانه إذا كان عيسى محدثا وكان الله اتحد به بأن أحدث به معنى صار به

أكرم الخلق عنده ، فقد صار عيسى وذلك المعنى محدثين ، وهذا خلاف مابدأتم تقولونه .

قال : فقالت النصارى : يا محمد إن الله تعالى لما أظهر على يد عيسى من الاشياء

العجيبة ما أظهر ، فقد اتخذه ولد ا على جهة الكرامة .

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه .

ثم أعاد صلى الله عليه وآله ذلك كله ، فسكتوا إلا رجلا واحد منهم ، فقال له :

يا محمد أو لستم تقولون : إن إبراهيم خليل الله ؟ ـ قال : قد قلنا ذلك .

فقال : ـ فاذا قلتم ذلك فلم منعتمونا من أن نقول : إن عيسى ابن الله ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنهما لم يشتبها ، لان قولنا : إن إبراهيم خليل الله ، فانما

هو مشتق من الخلة والخلة ( 1 ) : فأما الخلة فانما معناها الفقر والفاقة ، فقد كان خليلا

إلى ربه فقيرا ، وإليه منقطعا ، وعن غيره متعففا معرضا مستغنيا ، وذلك لما أريد قذفه

في النار ، فرمي به في المنجنيق فبعث الله تعالى جبرئيل عليه السلام وقال له : أدرك عبدي .

فجاءه فلقيه في الهواء ، فقال : كلفني ما بدا لك فقد بعثني الله لنصرتك .

فقال : بل حسبي الله ونعم الوكيل ، إني لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلا إليه . فسماه

خليله أي ، فقيره ومحتاجه ، والمنقطع إليه عمن سواه .

وإذا جعل معنى ذلك من الخلة وهو أنه قد تخلل ـ به ـ معانيه ، ووقف على

أسرار لم ( 2 ) يقف عليها غيره كان معناه العالم به وباموره ، ولا يوجب ذلك تشبيه الله

* ( هامش ) * 1 ) قال المجلسى - رحمه الله - : " الخلة والخلة " الاولى - بالفتح - وهى بمعنى الفقر والحاجة

والثانية - بالضم - وهى بمعنى غاية الصداقة والمحبة ، اشتق من الخلال لان المحبة

تخللت قلبه فصارت خلاله ، أى في باطنه ، وقد ذكر اللغويون أنه يحتمل كون الخليل

مشتقا من الخلة - بالفتح والضم - .

2 ) " أسراره ولم " أ ، س ، ص ، والبرهان . ( * )

ـ534ـ

بخلقه ، ألا ترون أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله ؟ وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن

خليله ؟ وأن من يلده الرجل ، وإن أهانه وأقصاه ، لم يخرج عن أن يكون ولده ؟ لان

معنى الولادة قائم .

ثم إن وجب - لانه قال الله : ابراهيم خليلي - أن تقيسوا أنتم فتقولوا : إن

عيسى ابنه ، وجب أيضا كذلك أن تقولوا لموسى : إنه ابنه ، فان الذي معه من

المعجزات لم يكن بدون ما كان مع عيسى ، فقولوا إن موسى أيضا ابنه ، وإنه

يجوز أن تقولوا على هذا المعنى : شيخه وسيده وعمه ورئيسه وأميره كما قد ذكرته لليهود .

فقال بعضهم : وفي الكتب المنزلة أن عيسى قال : أذهب إلى أبي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : فان كنتم بذلك الكتاب تعملون ، فان فيه : " أذهب إلى أبي

وأبيكم " فقولوا : إن جميع الذين خاطبهم كانوا أبناء الله ، كما كان عيسى ابنه من

الوجه الذي كان عيسى ابنه ، ثم إن ما في هذا الكتاب يبطل عليكم هذا ـ المعنى ـ

الذي زعمتم أن عيسى من جهة الاختصاص كان ابنا له ، لانكم قلتم : إنما قلنا :

إنه ابنه لانه تعالى اختصه بما لم يختص به غيره ، وأنتم تعلمون أن الذي خص

به عيسى لم يخص به هؤلاء القوم الذين قال لهم عيسى : " أذهب إلى أبي وأبيكم "

فبطل أن يكون الاختصاص ( 1 ) لعيسى ، لانه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن

له مثل اختصاص عيسى ، وأنتم إنما حكيتم لفظة عيسى وتأولتموها على غير وجهها

لانه إذا قال : " أبي وأبيكم " فقد أراد غير ما ذهبتم إليه ونحلتموه ، وما يدريكم لعله

عنى : أذهب إلى آدم وإلى نوح إن الله يرفعني إليهم ويجمعني معهم ، وآدم أبي

وأبوكم وكذلك نوح ، بل ما أراد غير هذا قال :

فسكتت النصارى ، وقالوا : ما رأينا كاليوم مجادلا ولا مخاصما وسننظر في أمورنا .

ثم اقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الدهرية فقال : وأنتم فما الذي دعاكم إلى القول

* ( هامش ) * 1 ) " تكون البنوة للاختصاص " أ ، ط . ( * )

ـ535ـ

بأن الاشياء لابدء لها وهي دائمة لم تزل ، ولا تزال ؟

فقالوا : لانا لا نحكم إلا بما نشاهد ،